#البيان_في_تجليات_القرآن: "حيران" الحال الفريدة في القرآن
د. أحمد درويش
"حيران" لفظة لم ترد في القرآن كله إلا مرة واحدة ،قال ربنا: ﴿قُل أَنَدعو مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعقابِنا بَعدَ إِذ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي استَهوَتهُ الشَّياطينُ فِي الأَرضِ (حَيرانَ) لَهُ أَصحابٌ يَدعونَهُ إِلَى الهُدَى ائتِنا قُل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدى وَأُمِرنا لِنُسلِمَ لِرَبِّ العالَمينَ﴾ [الأنعام: 71].
يدلنا السياق على أن ثم عرضا من الكفار لبعض المؤمنين لترك دينهم، والتولية شطر آلهتهم المزعومة، فجاء الرد المستنكر "قل أندعو من دون الله ..."، لا يجب ألبتة أن يكون حالنا كحال من أضلته الشياطين فتاه غير دار أين يذهب وأين يجيء "ﺃﻧﺆﺛﺮ اﻟﻀﻼﻝ ﻋﻠﻰ اﻟﻬﺪﻯ ﺑﻌﺪ ﻃﻠﻮﻉ ﺷﻤﺲ اﻟﺒﺮﻫﺎﻥ؟ ﻭﻧﺪﻉ اﻟﻄﺮﻳﻘﺔ اﻟﻤﺜﻠﻰ ﺑﻌﺪ ﻇﻬﻮﺭ اﻟﺒﻴﺎﻥ؟ ... ﺇﻥ ﻫﺬا ﺑﻌﻴﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻘﻮﻝ، ﻣﺤﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻈﻨﻮﻥ".
غير أن أصحابه إيجابيون يحاولون لعب دور المنقذ من الضلال ، غير أن الشياطين تلبسته فلم يعد قادرا على العودة إلى نقائه الأول لشدة إغواء الشياطين ووسوستهم ... والحال ( حيران) هي واسطة العقد في الآية ، أو المرتكز الضوئي بتعبير أستاذنا العلامة د.حماسة ...رضي الله عنه وأرضاه ...
فالكلمة تنتمي صرفيا إلى الصفة المشبهة التي تدل على تملك الحيرة منه لدرجة أفقدته صوابه وقد كان السهيلي (ت: 581ه) ذا نظر عندما رأي أن صيغة (فعلان) تشبه صيغتها صيغة المثنى، والتثنية في حقيقتها تضعيف فكأن (حيران) حامل لضعفين من الحيرة والتردد بين فريقين: فريق هاد، وفريق مضل، وهذا يعني أن (حيران) تحمل شحنات من توكيد الحيرة وزيادتها، عكس (حائر) التي تدل على مجرد حيرة فلا تصف ولا تشف.
"إنه مشهد شاخص ...لمن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعددة من العبيد ...إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس ...إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك حتى ليكاد يحس ويلمس".
ولا يخفى أن (حيران) يحمل بين أضعافه معنى حسيا ماديا ، فالمعاجم تقول : تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء ، وكذا تحير الماء في الغيم أي تردد ، في هذا تصوير لحال الحيران بحيث إنه مذبذب بين طائفتين لا يهتدي سبيلا... وما أجمل من قال: "لما ﺃﻟﻘﻰ اﻟﻘﻮﻡ ﺃﺯِﻣّﺘَﻬﻢ ﻓﻰ ﺃﻳﺪﻯ اﻟﺸﻬﻮاﺕ اﺳﺘﻬﻮﺗﻬﻢ ﻓﻰ ﺃﻭﺩﻳﺔ اﻟﺘﻔﺮﻗﺔ، ﻓﻠﻢ ﻳﺴﺘﻘﺮ ﻟﻬﻢ ﻗﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺎﻡ ﻓﺘﻄﻮﺣﻮا ﻓي المتاهات"!
ولعلنا نتكئ على لغة القرآن هنا لتبيان الدور الفعال للشياطين ...
أولا : دلالة الجمع لا الإفراد ؛فنحن نلحظ أن شيطانا واحدا لقمين أن يستهوي هذا الحيران ، فما بالك وقد جمعت الكلمة ( شياطين) تآزرت وتلاحمت واتحدت في سبيل غاية واحدة: إبعاده عن نقائه وفطرته بترك مبادئ دينه وجذبه إلى سوء السبيل لا سوائه؟
ثانيا: دلالة الفعل (استهوته) يقول الزمخشري : " ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ: ﻣﺎ ﻣﻌﻨﻰ اﺳﺘﻬﻮﺗﻪ؟ ﻗﻠﺖ: ﻫﻮ اﺳﺘﻔﻌﺎﻝ، ﻣﻦ ﻫﻮﻯ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﺇﺫا ﺫﻫﺐ ﻓﻴﻬﺎ، ﻛﺄﻥ ﻣﻌﻨﺎﻩ: ﻃﻠﺒﺖ ﻫﻮﻳﻪ ﻭﺣﺮﺻﺖ ﻋﻠﻴﻪ".
وكأن الشياطين استولت عليه وحده ، فصار شاغلها وعملها لتأكيد سطوتها، إذا فرغ شيطان تولى شيطان آخر المهمة ؛ لذا كان حتما مقضيا في القرآن أن يعبر عن كل هذا بالحال الفريدة في القرآن (حيران) ، ليقول لنا القرآن : أي بعد عن المنهج الرباني ولو قليلا جدير بأن يجعل الإنسان متوترا مفرقا بعيدا عن الجادة.
___
بتصرف من كتابي (الأسرار الدلالية لفرائد الحال في السبع الطوال من القرآن) ص 137 وما بعدها - د. أحمد درويش.
المصدر