قضيّة نسبة بحر الخبب إلى الأخفش
د. عمر خلوف
لا يوجد إلى اليوم ما يُثبتُ هذه الدعوى أو يَدحضها تماماً. فكتاب العروض للأخفش ما يزال رهينَ الضياع، وأمّا ما نُشِرَ منه -واعتمد عليه بعضهم في نفي هذه النسبة- فليسَ إلاّ فصْلاً يسيرًا مخروماً منه. في حين كان قدماءُ العروضيين المعروفين ينسبونه دائماً إلى مجهول.
فأبو الحسن العروضي، وهو صاحب أقدم كتاب عروضيٍّ متاحٍ ذكَرَ هذا البحر، أشار إلى وجود مَنْ يسبقه في معرفته، ومحاولة بعضهم تفعيله، وذلك بقوله: "وقد ظنَّ قومٌ [كذا بالتنكير] لَمْ يَدْروا هذا النوعَ من أيِّ صنفٍ هو فقالوا: إنه على (مفعولاتن)" (الجامع في العروض والقوافي ص259).
كما ذكر ابن عبّاد (الإقناع ص76)، أن العربَ لم تفكّ من المتقاربِ شعراً، إلاّ أن "بعضهم [بالتنكير أيضاً] تعاطَى الفكّ، فأخرجَ منه (فاعلن)". ومثل ذلك قال التبريزي، وابن القطاع، والشنتريني، والسكاكي، وآخرون ممن جاء بعدهم.
كما أن هنالك قرناً كاملاً من الزمان يفصل بينَ عروض الأخفش الضائع، وبين أوائل كتب العروض المتاحة أمام البحث والتحقيق. ولا ريب أن في هذه الحقبةِ الطويلة من الزمن عددًا غير قليل من كتب العروض الضائعة الأخرى، كعروض أبي العباس الناشئ (-293هـ) ...
***
وأولُ ما نذكره في هذه القضية؛ إشارةٌ غامضة، جاءت في أواخر القرن الخامس الهجري، من قِبَل الخطيب التبريزي (-502هـ)، عند تعليقه على قصيدة سلَميّ بن ربيعة:
إنّ شواءً ونَشْوةً ** وخَبَبَ البازِلِ الأمونِ
بقوله: "إنها خارجة على العروض التي وضعها الخليل بن أحمد، وما وضَعَهُ سعيد بن مسعدة الأخفش" (شرح الحماسة ص412). والتي ربّما دلّت على ما يُنسَب إليه من استدراكه هذا البحر على الخليل.
ولعلّ أول إشارة واضحة إلى ذلك، جاءت في نَصٍّ كُتِبَ على هامش كتاب الإقناع لابن عباد (ص4)، عام (569هـ) بالتحديد، نَصَّ فيه ناسخه (محمد بن تركانشاه البغدادي) على أن عددَ البحور هو خمسة عشر بحرًا "على رأي الخليلِ واضعِ هذا العلم، وستةَ عشر بحرًا على رأيِ الأخفش النحوي"، دون إشارة منه أيضاً إلى مصدر هذا الكلام!
كما جاء في معيار النظّار للزنجاني (- بعد660هـ) قوله (1/10): "للشعر خمسة عشر بحرًا عند الخليل، وستة عشر بحرًا عند الأخفش". وجاء في مكانٍ آخر منه قوله عن هذا البحر: "وأثبَتَه الأخفش" (1/84).
كما وردت هذه النسبة لدى ابن خلّكان (-681هـ) في قوله (الوفيات 2/244 ترجمة الخليل): "ثمّ زاد فيه الأخفشُ بحرًا آخر، وسمّاه: الخبب"، وقوله أيضاً (الوفيات 2/381 ترجمة الأخفش): "وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب".
بل إن ابن كثير (-774هـ) قد صرّح أن للأخفش "كتاباً في العروض، زادَ فيهِ بحرَ الخبب على الخليل"! (البداية 14/275).
ثمّ تردّدت هذه النسبة بعد ذلك في الكثير من المصادر الأخرى، حتى أصبحت من المسلّمات العروضية! (انظر الدر النضيد لابن واصل (-697هـ)، غرر الخصائص للوطواط (-718هـ)، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء (-732هـ)، الغامزة للدماميني (-827هـ)، وغيرهم إلى اليوم).
هذا والله أعلم
المصدر