ديداكتيك اللغة العربية، إشكالية الرؤية و الاحتواء، والتسويغ اللساني
إلياس خاتري
اتجه اختياري لهذا الموضوع لأسباب أجدها وجيهة بالمعنى العلمي، وأجملها أساسا في بعدين؛ الأول يتمثل في كثافة التنظير الديداكتيكي لتدريسية اللغات. والثاني في احتوائه لمجموعة من الإشكاليات، تعمق سؤال التدريس وتبلوره في جهاز مفاهيمي تربوي وبيداغوجي متماسك، يعيد النظر في سبل وطبيعة وسائل تدريس اللغة العربية.
وقبل الشروع في مقاربة الموضوع، أود أن أشير إلى جملة من القناعات بصدد الموضوع المقترح للمداولة والمحاورة والنقاش، يبن يدي القارئ بكل أنواعه، المستفيد والناقد والمنتج. وأهم هذه القناعات؛ أن موضوع تدريسية اللغات، مجال للوصف والتحليل والتطبيق والأجرة . ونشير إلى أن الأمر فيما يخص هذا الموضوع متعلق بقضية من أهم قضايا التربية والتعليم، وهي ” تدريسية اللغات”. حيث إن أي تصور مهما بلغت دقته لسانيا كان أو تداوليا أو سيكولوجيا، على مستوى فرضياته وتوصوراته ومفاهيمه، لن يكتسب نجاعة في مقاربة هذه المسألة، إلا إذا كان متفاعلا مع الآخر ومندمج معه. بدليل تسمية المجال ووسمه بـ “علوم التربية” وليس علم التربية، هذا يعني أن علم واحد عاجز عن مقاربية هذا الموضوع ، نظرا للمتن الذي يشتغل عليه، والمتمثل في الظاهرة الإنسانية، هي ظاهرة معقدة نظرا لطبيعتها، كما تؤكد أبحاث علم النفس التعلم، وخاصة ما طرحة “كاستون ميالاري”. وبالتالي فإنها تحتاج أكثر من علم لأنها ظاهرة متعددة ومتقلبة ومتغيرة وتطبعها النسبية بامتياز، ولا مجال للدقة فيها . لذا كانت ” علوم التربية” العبارة الأنسب للتعبير عن المكونات الأساسية لمعالجة هذا الموضوع.
وما دمنا في مستهل هذه الدراسة، وقبل الشروع في مقاربة موضوعاتها، وجب أن نحدد في البداية مجالها الابستسمولوجي يالأساس. حيث يمكن أن ندرجها معرفيا في إطار ما يمكن أن نسميه بـ ” تدريسية اللغات” أو ما يسمى في الأدبيات التربوية بـ “ديداكتيك اللغات” وبالضبط تدريسية اللغة العربية. وقد تجمعت حول هذا الموضوع حصيلة هامة من المعارف والتجارب والدراسات، وألفت فيها مجموعة من الكتب والمقالات والرسائل الجامعية .
إن هذا الموضوع في رأينا؛ يؤدي إلى تطوير الإمكانيات اللغوية وتحسين توظيفها بالشكل المطلوب، في العملية التعليمية التعلمية خاصة، والتواصلية التداولية عامة. “ولكن ما ينبغي الإشارة له لرفع كل التباس محتمل، هو أن هذا التخصص له مجموعة من المشارب والمداخل، كونه مجال تتقاطع فيه مجموعة من العلوم؛ كاللسانيات وعلم النفس وعلوم التربية وغيرها. بل إنه يستفيد من كل النتائج المحصل عليها في هذه المججالات وغيرها دون أن يفقد استقلاله النسبي.”[1] كما سنعتمد- كتوضيح منهجي- في هذا الموضوع على نتائج الخطاب اللساني، والبرهنة على إمكانات استثمار نتائجه، والإفادة من تجاربه الميدانية والنظرية لتجويد تدريس اللغة العربية. “وغني عن البيان، أن البحث اللساني الحديث، يعد اللغات الطبيعية نسقا من الرموز والعلامات، تخضع لتحويلات، وهو المنظور الذي نميل إليه، ذلك أن من إشكاليات الكتابة اللسانية العربية الحديثة – حسب الفاسي الفهري – تصور اللغة العربية فوق اللغات، أو اعتبارها لغة مقدسة. والحق أن اللغة العربية من منظور لساني صرف، لغة طبيعية. ويقول الفاسي الفهري في هذا الصدد: ليست اللغة العربية كما يدعي بعض اللغوين العرب لغة متميزة تنفرد بخصائص لا توجد في اللغات الأخرى، ومن ثمة لا يمكن وصفها بالاعتماد على النظريات الغربية التي بنيت لوصف اللغات الأوروبية، بل لغة كسائر اللغات البشرية.”[2]
إن تدريس اللغة العربية بكل مكوناتها [ الصرف،النحو، المعجم، التركيب، الصواتة، الدلالة] له مكانه هامة في الدراسات اللسانية والتربوية والأدبية والديداكتية الحديثة، حيث عرفت هذه الدراسات تطورا هاما في الآونة الأخيرة، وفي هذا الصدد يشير “محمد الدريج” للتمييز في إطار بيداغوجيا التعبير-في علاقة بتدريس اللغة العربية- بين الدراسة الأدبية واللسانية في التدريس، والتي ازدهرت في الآونة الأخيرة بفضل مجهودات أساتذة كليات الآداب بالخصوص. حيث ساهمت بجلاء في التعريف بالعديد من المناهج الحديثة، في تحليل مكونات الدرس اللغوي العربي وتطويره وتطوي؛ ليلائم خصوصيات كل مكون، حتى يكون مضمون تربوي ناجع، يستجيب لكل المقومات الديداكتيكية في تدريسية اللغات ومكوناتها. ومن هذه المناهج نجد، المنهج البنيوي والمنهج البنيوي التكويني، والمنهج السميولوجي والمنهج الشكلاني والمنهج الموضوعاتي …وغيرها. ورغم كل هذا، وإن كانت مقاربتنا تستفيذ من كل هذه الدراسات ، إلا أننا سنركز بالأساس على الجوانب التربوية الديداكتيكية واللسانية، التي تسعى جاهدا إلى تحسين آداء كل من المدرس والتلميذ، لاكتساب مهارات وتقنيات في تعليم اللغة العربية وتعلمها،
إن تدريسية اللغة العربية، مسألة أراها تأرجحت بين النظرية التطبيق، بين التنظير والتقعيد على المستويات الأدبية والتربوية الصفية، وبين التصور اللساني في الأجرأة والتطبيق والمقاربة، بالتركيز على اللغة ومختلف مقوماتها وآلياتها ووظائفها. ويأتي التركيز بعد كل هذا؛ على الجانب السيكولوجي للفرد ومحيطة السوسيوثقافي. وبتفاعل كل هذه المكونات؛ تنبلج آلية ناجعة لتدريس كل معطيات الدرس اللغوي بالشكل الديداكتيكي هادف ومتين ومنشود، يراهن على الجودة والتميز في الآداء التربوي.
إذن ماهي خصائص هذه المعطيات؟
إن الانشغال بسؤال التدريس معطياته، يشكل بدوره سؤال قابل للتحليل والتأويل، ويتمحور منصبا كظاهرة بيداغوجية، تعبئ كل مواردها لمعالجة سؤال التدريس وهويته، ليستقر كظاهرة تعليمية بالوجود والكينونة والتطور،لا محالة. مما يجعل من موضوع التدريسية موضوع محكوم بعدة روابط وشروط وخلفيات ومقاصد، أهمها كما يرى التصور اللساني؛ الرابط التداولي التواصلي والوظيفي للغة في التعليم والتعلم. وبالتالي فإن المتتبع المتقصي لسؤال تدريسية اللغات، أو الساعي إلى سبر أغوار هذا الموضوع، أو الناظر للمشهد الجدالي حوله، لا يمكن إلا أن يتساءل بدوره .
ما علة تداخل وتقاطع مجموعة من العلوم والحقول المعرفية؛ من لسانيات وعلم اللغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وبعض العلوم العصبية والفزيولوجية … في طرق التدريس؟
كيف يكمن للتدريس أن يدمج كل هذه المعارف، خدمة لسنده ومتنه ومقصدة، وغايته الأساسية والرئيسة، وهي التربية والتعلم؟
وربما قد يذهب بهذا التساؤل أيضا إلى أبعد من هذا، ليكون هاجسا خفيا وجليا في الآن نفسه.
هل بالفعل تطرح مسألة التدريس كل هذه الإشكاليات؟ ومن جه أخرى، كيف تتفاعل معها في ممارسة صفية علمية ومنهجية؟
لا تتغيى هذه الأسئلة المحورية كما قد يبدو تعقيد المسألة المدروسة، بل إلى تأكيد مصداقية الموضوع ومشروعيته وحيويته، وإفادته من كل التجارب السابقة في مختلف العلوم، لأنه ببساطة؛ يقع في نقطة تقاطع اسراتيجية بينها. لكن طبيعة النقاش الذي طال واستطال حول هذه الظاهرة، هو أنها” تكاد في بعض الأحيان أن تفرَغ من حمولتها الغنية والنابضة والحيوية، حيث تكاد بعبارة أن تستظهر أسئلة وتستبطن الأخرى، كما تستحضر قضايا معينة للتدريس وتغيب الأخرى،”[3] سواء تعلق الأمر بتدريسية اللغات أوبعض مكوناتها. فإن كلا الموضوعين متكاملين ومتفاعلين بينهما، حيث يوضح ويفسر بعضهم البعص الآخر.
وكل هذا يأتي تأكيدا لضرورة الابتعاد والنأي، عن التصور الشكلي والصوري والوصفي في بناء طرائق التدريس. والدعوة إلى الاهتمام بالأجرأة في العمل الديداكتيكي ورصد الجواهر والكوامن الثاوية خلف طرائق التدريس و امكانية تجويدها، بالتركيز على الجانب السياقي والتداولي والنفسي بالخصوص، والاستفادة منها ومن تطوراتها، لتطور بدورها الإمكانيات الديداكتيكية في الممارسة الصفية.
إن الديداكتيك أوعلم التدريس أو فن التدريس، – وغيرها من التسميات التي تعود لاختلاف الترجمات حول مفهوم واحد- هو مدخل أساسي للوقوف على الكثير من الصعوبات النطرية التطبيقة، التي تعترض المتعلم في مختلف مراحل تعلمه، باعتماد ما يسمسه “شوفالار” آلية النقل الديدلكتيكي، حيث أنها في إطار تعلمه للغات، تجعله قادرا على تغطية سلسلة من الانتقالات الأفقية والعمودية، خاصة العامة، المجدرة والمحسوسة… أي تلك العمليات التي يمكن العثور عليها سواء في مجال التدريس بكل نماذجه، أو بتطبيق منهج من مناهج التحليل. إذ من البديهي أن تتعاقب مراحل التدريس وتتراكم النتائج المحققة بواسطة هذا المنهج أو ذاك، ذلك انطلاقا من النقل الديداكتيكي الذي يفرز أشكالا من التحويلات المعجمية والتركيبية، تبلور طرائق تدريسية فاعلة لمكونات الدرس اللغوي بشكل جلي.[4]
لكن ما ينبغي الإشارة إليه، هو أن هناك إمكانيات مهمة لتطوير هذا الدرس. وذلك باستثمار التفاعلات المتبادلة بين مختلف العناصر المتدخلة في العملية التعليمية التعلمية. مع الاهتمام بالأهداف العامة والخاصة، لتدريس اللغات واستراتيجيات التعلم والاكتساب. لكن هذا الاستثمار يجب أن يراعي الشروط السيكولوجية والسوسيولوجية والثقافية المؤثرة في الفعل التربوية بصفة عامة، وتدريس اللغة العربية بصفة خاصة. حتى لا يصبح الحديث عن ذلك مجرد ادعاء زائف، لأننا من منطق الدارسين والباحثين، نعرف بطريقة أو بأخرى، الظروف المؤطرة للممارسة الصفية العملية في تدريسية اللغة العربية ومكوناتها.”
كما ينبغي من منطلق ديداكتيكي للمشتغل بالتدريسية ، الالتزام بسلم مرن يمكنه من إدماج المعطى السويكولوجي، وكل مستجداته لتطوير طرائق التدريس، مما يمكن من بناء صرح بيداغوجي متين، على مستوى تدريس اللغات المستهدفة، وجعل التفاعل من وسائل الربط الناجعة بين ماهو مكتسب وما هو قابل للاكتساب”.[5]
إذن هذا التصور يجعل من البيداغوجيا التفاعلية في تدريسية اللغات، إحدى الإمكانيات المقترحة لتطوير الدرس اللغوي وتثمينه بالشكل المطلوب، لأنها تستند على دينامية تجمع بين كل طرائق العملية التعليمية التعلمية. ويكمن القول أن تدريس اللغة العربية من منظور لساني وظيفي، هو مشروع يراود كل الباحثين والمشتغلين بمجال ديداكتيك اللغات.وهو طموح مشروع، يروم تطوير اللغة العربية، وجعلها مسايرة لكل تطلعات المستقبل. مما يتيح القول صدقا أن المدخل الأساسي لتطوير تدريس اللغة العربية؛ هو اسثمار ما جاءت به اللسانيات الحديثة، مما يستدعي حوسبة معجم اللغة، والتقعيد لنحو جديد يدعو للاقتصاد في القواعد اللغوية الواصفة للنحو التعليمي. هذا ما يستدعي حسب الباحثيْن ” مصطفى بوشوك، وعلي أيت أوشان” وغيرهم، الجمع بين النظريات اللسانية وديداكتيك اللغات، إضافة إلى الجانب التطبيقي والميداني، لتشخيص صعوبات المتعلمين ورصد أخطائهم اللغوية، بغية تطوير مناهج، وتطوير طرق تدريس اللغة العربية في مختلف الأسلاك التعليمية. وهذا ما يستدعي من جانب آخر؛ إعادة النظر في المناهج الدراسية، والتجديد في المقررات، والاستجابة لما جاء به الكتاب الأبيض* في هذا المجال، وفق مقتضيات المنحى اللساني المتطور.[6] “ومن الإكراهات التي تعرقل المسار التدريسي للغة العربية، بعض العوامل التي تساهم فيها أسباب داخلية وخارجية انطلاقا من الممارسة الفصية، ومن هذه الإكراهات نجد ما يلي:
تدني مستوى الإنجازات اللغوية لدى المتعلمين
غياب منطق لغوي لديهم.
ضعف الرصيد المعجمي،
وهذا ما يحول دون المشاركة الفعالة في تطوير المهارات اللغوية، والتعبير بعربية سليمة محترمة لقواعد النحو العربي، وهذا لا يتعارض مع أفكار ومبادئ اللسانيات الحديثة، وخصوصا اللسانيات التوليدية، التي لها مجموعة من النظريات التي تفسر بعض الأخطاء اللغوية، مثل “قيد الجزيرة الميمية” و”نظرية الربط ونظرية الإسناد والإعراب”. إن تدريس اللغات ليس بالأمر الهين، يستدعي مدرسا مسلحا بزاد معرفي نظري وإجرائي متين، ينهل جهازه المفاهيمي من حقول معرفية متنوعة، منها؛ ديداكتيك اللغات والبيداغوجيا، واللسانيات بكل فروعها خصوصا التطبيقة والحاسوبية، إضافة إلى بعض العلوم الإنسانية الحديثة، كعلم النفس بكل أنماطة، وعلم الاجتماع وخصوصا علم الاجتماع التربوي. يتكرر هذا التأكيد على النهل من مختلف العلوم في تدريسبة اللغات، نظرا لطبيعة وخصوصية هذا المبحث، وضرورة استدعاء كل هذه التلوينات المعرفية؛ تأتي استجابة للمراسَة التي يستدعيها للميدان.
ومادام الأمر يتعلق باللغة العربية، فإن تدريسها يتعلق بالخضوع لما تقتضيه كرونولوجيا التعلم؛ أي “أن تعليم العربية يقتضي الإيمان بأن الطبيعة الصوتية هي الأساس فيها، بينها الشكل الكتابي يأتي تاليا على مرحلة التعلم بالسماع، لأن السمع سيد الملكات. فالكتابة في الواقع تعتبر تطورا حديثا نسبيا في التاريخ الإنساني، إذا ما قورنت باللغة الشفوية، وكثير من اللغات القديمة والحديثة ليس لها عنصر كتابي ، أي: أنها لغة التخاطب فقط ، وكثير من الناس يعيشون دون أن يكونوا قادرين على الكتابة أو القراءة. على أي حال، فإن الطبيعة الصوتية للغة تعني أن : أن يبدأ تعليم اللغة بشكلها الصوتي الشفهي، قبل الكتابي ، أي: أن يجيئ تعليم الاستماع والكلام قبل القراءة والكتابة.”[7] كما يتطلب الأمر بالنسبة لمدرسي اللغة العربية معرفة مكامنها ومصادرها، ونسقها البنيوي والدلالي. إضافة إلى المعرفة العميقة بعلم النحو والعروض والبلاغة. أي معرفة بالمحددات التي تهيكل بنية الثقافة العربية، كما فصل فيها القول الدكتور محمد عابد الجابري*، ورصدها في ثلاث محددات هي: البيان والعرفان والبرهان.[8] ويبدو جليا إذن، أن تدريس اللغة العربية من منظور لساني حديث، سيعيدها للصدارة، ويعيد لها قوتها ووظيفتها وحيويتها التداولية. وذلك” بـ:
تجديد وتوسيع متن اللغة العربية.
حوسبة معجم اللغة العربية.
استثمار الأفكار اللسانية، ونتائج البحث فيها في تدريس اللغة العربية.
استثمار التراث النقدي والبلاغي واللغوي العربي القديم، لتطوير اللغة العربية.
إضافة لاستثمار ما توصلت إليه فروع اللسانيات التطبيقية، في معالجتها لتدريس مكونات اللغة العربية وقضاياها، معجما وتركيبا وصرفا ودلالة وصواتة. وهذا ما يستدعي بالضرورة الإفادة من بعض الأبحاث بالخصوص، كاللسانيات التوليدية الحديثة مع الفاسي الفهري، واللسانيات الوظيفية مع أحمد المتوكل، وبعض أبحاث إدريس السغروشني وغيرها…والهدف هو الخروج بمكون الدرس اللغوي، من الطرائق التقليدية التي تتوخى الشحن، دون ربط التعلم بالسياق التداولي، الذي يمكن أن يستثمر فيه قاعدة نحوية اكتسبها. الشيء الذي يظهر جمالية النحو العربي، وفكه عن العقد والصعوبة التي يسمها به البعض، عن جهل أو بنية مبيتة، تستهدف النيل من اللغة العربية ككل؛ ويرجحون ذلك إلى معياريتها تارة، أو بالدعوة إلى حذف الإعراب ، أو بإطلاق العنان للعاميات في كل المنابر التواصلية والإعلامية( نستحضر هنا بعض الجرائد التي تكتب أعمدتها بالدارجة، كما تم تدريج بعض الأفلام المكسيكسة بدعوى تقريبها من المواطن…لكن القصد أعمق من هذا. إن هذا الأمر يجعل مهمة تطوير اللغة العربية في أعناق الباحثين، بالانفتاح على مستجدات اللسانيات المعاصرة، وتأهيلها لتأدية دورها الريادي في تطوير طرق التدريس، والمساهمة في البحث العلمي .”[9]
ونقول بصريح التعبير، إن كل المعطيات السابقة، تمثل المدخل الأساسي لاختيار طريقة معينة للتدريس، أي اختيار خطة شاملة يستعين بها المدرس لتحقيق الأهداف المطلوبة من تعلم اللغة، وتحديد إجراءاتها وسبلها المنهجية، وإمكانياتها التربوية وتقنياتها الصفية، في ارتباط مع وضعية تعليمية تعلمية. لتكوّن مبادئ هادفة وفعالة، لتذليل الصعوبات التي تعترض المعلم، في ممارسته التي تتغيى إيصال مضامين تربوية هادفة، لبناء تصميم تدريسي،”يعنى بتوصيف القواعد والمبادئ والإجراءات اللغوية، وخلق نماذج ملائمة لتصميم وتخطيط منظومات التدريس. ويشير مصطلح “تصميم التدريس” إلى عملية منظمة،متصلة بتطبيق مبادئ التدريس والتعلم، في التخطيط للمواد و الأنشطة التدريسية. أو هو عملية منهجية أو منظومة لتخطيط منظومات التدريس، لتعمل بأعلى درجة من الكفاءة والفاعلية، لتسهيل التعلم.وعادة ما يستعان لإنجاز هذه العملية بما يسمى بمخططات التدريس.”[10]
يرى كل مهتم بتدريس مكونات اللغة العربية،” أن مكون الدرس اللغوي، يعد ركنا أساسا من مكونات وحدة اللغة العربية، وتكمن أهميته في كونه “واسطة العقد” بين مكون النص الوظيفي،(نص نثري أو شعري يؤدي وظيفة في منظومة من القيم والمجالات) ومكون التعبير والإنشاء؛ فينطلق لتدريسه من أمثلة النص الوظيفي، لدراسة الظاهرة، واستنباط القاعدة اللغوية كما في (البدل-الممنوع من الصرف-المبتدأ – الخبر…). ويتحقق اكتساب المتعلم للكفاية اللغوية، إذا استطاع استثمار مخزونه اللغوي، في مهارات مكون التعبير والإنشاء، فيعبر بلغة فصيحة تراعي القواعد، وخصوصا القواعد المدروسة في مستواه، كنصب المفعول به، ورفع الفاعل، والنسبة والتصغير والنداء… وتمكنه هذه المهارات من ترسيخ الظاهرة اللغوية، مما يجعله قادرا على توظيفها واستعمالها في أساليبه الخاصة، من خلال التطبيقات؛ لتقويم مدى اكتساب المتعلم للظاهرة اللغوية المدروسة، ومدى استيعابه وتمكنه من المهارات والكفايات اللغوية المراد بناؤها. وتهدف هذه الخطوات، إلى تمكين المتعلم من تعلم الفصحى عن طريق التواصل بها، و توظيفها والتفكير من داخلها.”[11]