سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الستون:- أ.د.عبد الرحمن الحاج صالح، ورأيه في معاجم العلوم والتكنولوجيا:
تصدر في أيامنا هذه، وفي كل سنة العشرات من المعاجم المزدوجة اللغة في المصطلحات العلمية والتقنية. والذي لاحظناه هو الفوضى الكبيرة في وضع المصطلح العلمي، والاختلاف الكبير بين واضع وآخر وبلد وآخر. وهذا على الرغم مما أسَّسوه من المؤسسات لتوحيد المصطلحات كاتحاد المجامع اللغوية ومكتب تنسيق التعريب.
ويمكن أن نتفادى كل هذه الفوضى-في رأينا-بشيئين: أحدهما هو أن يتم إنجاز الذخيرة اللغوية العربية في أقرب وقت حتى تكون في متناول الجميع (بواسطة الإنترنت)، والثاني أن يتخذ وزراء التعليم العالي والتربية العرب قرارًا معيَّنًا في شأن المصطلحات على مستوى جامعة الدول العربية. فأما القرار المشار إليه فالغرض منه هو التزام المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام (طوعًا واقتناعًا) على استعمال المعاجم الموحَّدة التي تضعها المؤسسات المعنية بذلك بعد الاتفاق عليها بالنسبة لكل هذه المؤسسات. ولا يحصل هذا الاتفاق على هذه المعاجم إلا بعد الاتفاق على مقاييس علمية تُختار على أساسها المصطلحات. وتكون هذه المقاييس هي التي اقترحها العلماء. ويمكن أن ينص هذا القرار أيضًا على عدد من الإجراءات الرامية إلى كيفية تطبيقها علميًّا. ونحن مقتنعون من ضرورة تدخل أعلى المسؤولين في هذا الميدان.
إن المعجم العربي في وقتنا الحاضر هو في طور النمو، وقد وُضعت المعاجم الكثيرة في شتى ميادين العلم، وهذا جيد إلا أن المعجم العام والمعجم المدرسي لا يزالان في نظرنا دون المستوى المطلوب كيفًا وكمًّا. وكل ما ظهر فلا يزال عالة على المعاجم القديمة، في الغالب، من حيث المنهج وطريقة الاستقاء. فما رأينا من يهتم بالاستعمال الحقيقي للغة العربية إلا القليل. فقد اتفق بعض العلماء على عدد من المقاييس يعتمد عليها في اختيار الكلمات ومع ذلك قلَّ من يلجأ إليها من الواضعين للمصطلحات ويقي اختيار الكلمات على مقياس ذاتي ودون الرجوع إلى واقع الاستعمال للعربية الفصحى؛ ولهذا أيقنا أن مشروعًا يرمي إلى تدوين هذا الاستعمال-كما فعله أجدادنا-هو شيء ضروري جدًّا، ونرجو من الله أن يوفقنا ويوفِّق جميع من يساهم في إنجازه.
المصدر: المعجم العربي والاستعمال الحقيقي للغة العربية، بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 98، ص 103-105.
إعداد: د.مصطفى يوسف