mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي تطور الأبنية الصرفية ودورها في إغناء اللغة العربية

كُتب : [ 04-08-2017 - 07:16 AM ]


تطور الأبنية الصرفية ودورها في إغناء اللغة العربية
"اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة".(1)
"والمجاز متى كثر استعماله كان حقيقة عرفا".(2)

الأستاذ / محمد أوكمضان (*)

سنحاول في هذا البحث أن ندرس طائفة من أبنية الأفعال المزيدة وبعض الصيغ الاسمية في اللغة العربية من حيث تطور دلالاتها وتوسعها، وما لهذا التدرج في الدلالة من أثر عظيم في إثراء الرصيد المعجمي للغتنا.
ويحسن بنا ابتداءً أن نشير بإيجاز إلى أن التوليد المعجمي (أي تولد ألفاظ اللغة بعضها عن بعض) لايقوم على الارتجال والخلق من العدم (إلا في حالات شاذة ونادرة) بل يتم وفق ثلاثة أنظمة توليدية أساسية ومتكاملة :
- النظام الصرفي : وهو يسمح بتوليد ألفاظ جديدة باستعمال الأبنية والصيغ الصرفية الموجودة في اللغة العربية، إما بدلالاتها الأولية الوضعية ، أوبتوسيع تلك الدلالات عن طريق المجازوغيره من وسائل التحويل الدلالي (transfert sémantique)، وينتج عن هذا التوليد تغير في معنى المادة الأصلية ومبناها ؛ ويندرج ضمن هذا النظام ما يسميه اللغويون العرب الاشتقاق الصغير ويمكن أن نلحق به النحت أيضا.
- النظام التركيبي: وهو الذي يمكن من توليد الوحدات المعجمية بنظمها ضمن مركبات إضافية (نحو: محكمة النقض) أو نعتية (مثل : القمر الاصطناعي ) أو غير ذلك من المركبات. والآلية التركيبية تقتصر على تو ليد المركبات الاسمية.
- نظام التوليد الدلالي : وهو يقوم على تحوير معنى كلمة مأخوذة من متن اللغة العربية وإكسابها دلالة جديدة غير دلالتها الأصلية دون مساس ببنيتها الصرفية وذلك عن طريق المجاز بأنواعه (الاستعارة، المجاز المرسل، المجاز الحكمي أو المعاوضة) وغيره من أدوات التوسيع الدلالي شبه المجازية كتعميم الخاص وتخصيص العام و ما شابه ذلك. وهذا النظام هو في اعتقادنا أخصب الآليات التوليدية على الإطلاق، لكونه لا يتقيد بقيود الأوزان والصيغ الصرفية، وهي قوالب مهما كثرت فهي محدودة من حيث الكم، ومحدودة أيضا من حيث قدرتها التوليدية، لاسيما في عصرنا هذا الذي تنامت فيه الحاجات التعبيرية وتعقدت المفاهيم والمسميات المستحدثة نتيجة التطور الهائل في مجال العلوم والتكنولوجيا.
و سنقتصر هنا على درس بعض آليات النظام الصرفي من حيث فعاليتها و مردوديتها المعجمية. ولما كان هذا الضرب من التوليد المعجمي المعتمد على استغلال الطاقات التصريفية أو الصرفية الكامنة في اللغة العربية يدرس غالبا ضمن ما يسمى بالاشتقاق فلا بد من تحديد هذا المفهوم الذي تباينت في شأنه آراء اللغويين العرب وا كتنفه -من ثم- كثير من الغموض.
1 - مفهوم الاشتقاق عند اللغويين العرب
ليس من شأننا هنا أن نتتبع أقوال اللغويين العرب المتضاربة في أمر الاشتقاق، فهناك كثير من الكتب الحديثة قتلت هذا المو ضوع بحثا، وسنذكر بعضا منها ضمن مراجع هذه الدراسة. وإنما سنكتفي بتوضيح بعض جوانب ظاهرة الاشتقاق التي يكتنفها قدرغير قليل من الغموض والاضطراب، محاولين قدرالمستطاع تقديم تعريف دقيق للاشتقاق يميزه عن غيره من طرق تنمية الرصيد اللغوي ويضعه في موضعه الصحيح ضمن مقومات الجهاز التوليدي المعجمي.
تعريف الاشتقاق
جمع السيوطي في موسوعته اللغوية "المزهر في علوم اللغة وأنواعها" آراء طائفة من اللغويين العرب القدامى حول الاشتقاق وأنواعه، وأورد تعريفات كثيرة منها أن "الاشتقاق أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية، وهيئة تركيب لها، ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة " (ص.346 ج.1).
وأكثر التعريفات التي أوردها السيوطي نجد لها صدى عند الباحثين العرب المحدثين الذين لم يزد أغلبهم عن صوغ ماقاله القدماء بأسلوب حديث(3). ومع ذلك فهناك من المحدثين من فهم آلية الاشتقاق فهما جيدا وعرفها تعريفا أدق نسبيا من تعريفات القدماء، ومن هؤلاء صبحي الصالح وعبد الصبور شاهين.
فالاشتقاق عند صبحي الصالح هو "توليد بعض الألفاظ من بعض، والرجوع بها إلى أصل واحد يحدد مادتها ويوحي بمعناها المشترك الأصيل مثلما يوحي بمعناها الخاص الجديد"(4). و مما يحمد لهذا الباحث أنه بدد كثيرا من أوهام القدماء التي لفوا بها الاشتقاق، وحاول الرد على المغالين المنكرين للاشتقاق جملة زاعمين أن "الكلم كله أصل"، كما رد على الذين قالوا على النقيض من ذلك بـأن "كل الكلم مشتق"(ص. 175). ثم هو ينتصر للرأى القائل بأن أصل المشتقات هي الأسماء لا الأفعال، ولاسيما أسماء الأعيان، و دليله في ذلك أن الحسي أسبق في الوجود من المعنوي المجرد"(ص.180). وقد يكون المبدأ الذي بنى عليه رأيه صحيحا في جملتة، ولكن لا يلزم عنه ضرورة كون أصل المشتقات كلها من الأسماء. فإن دراسة تطور مفردات اللغة من حيث مبناها ومعناها يدلنا على أن بعض المصادر مثلا (وهي من أسماء المعاني لا من أسماء الأعيان) تتحول بالمجاز من الدلالة على الحدث إلى الدلالة على "موضوعه" أي من المجرد إلى الحسي ( مثال ذلك : بيع : مصدر (باع) ثم دل على الشيء المبيع أي السلعة). و هناك في المقابل مشتقات أخرى يظهر أن المادة الاسمية أسبق فيها من المادة الدالة على الحدثية (مصدر، فعل ...). والواقع أن هذه الإشكاليـة القديمة المختلقة إنما تنم عن نظرة القدماء الأحادية إلى كثير من ظواهر اللغة (مثل: هل اللغة توفيقية أو توقيفية) وليس لها مسوغ من منظور اللسانيات الحديثة.
أما عبد الصبور شاهين فيعرف الاشتقاق بأنه "صوغ كلمة فرعية من كلمة أصلية على أساس قياس فرعي، كاشتقاق الصفات وأسماء الزمان والمكان ونحوها...وبناء على هذا التعريف يصبح المصدر والفعل الماضي-كلاهما صورا اشتقاقية لا أصلا اشتقاقيا كما ذهب القدماء"(5).
والرأي الراجح هو أن الاشتقاق في اللغة العربية و في غيرها من اللغات السامية يعتمد في الغالب على صوغ المفردات انطلاقا من جذور تتألف من ثلاثة صوامت (مثال: ض-ر-ب)(6). وهذا الجذر أوالأصل الثلاثي يفيد معنى عاما مشتركا بين عدد المفردات التي تتفرع عنه. وتلحق بالأصل زوائد لتخصيص معناه العام و لتمييز الدلالات المتفرعة بعضها عن بعض، بإضافة الصوائت القصيرة (الحركات)(7) أو الطويلة (حروف المد) (مثال: ض - ر - ب = ضرب = ضارب ) أو بتضعف أحد الصوامت الأصلية (كما في فعٌل) او بغير ذلك من التغييرات. وهكذا تتشكل مفردات اللغة العربية وتتنامى متفرعة من أصول ثلاثية الصوامت تصاغ وفق صيغ صرفية مطردة الدلالة في الغالب. ويظهر أن الأفعال وما تصرف منها (المصادر، أسماء الزمان والمكان، اسم الفاعل واسم المفعول، الصفة المشبهه) هي التي تنتظم في نسق صرفي مطرد يتسم بكثير من القياسية. أما الأسمـاء ، ولاسيمـا أسمـاء الأعيـان، فتنـدرج ضمن ما يسميه أندري رومان النظام "الصرفي المعجمي" (morphologico-lexical)(8). إذن فمن العبث محاولة حصر الأبنية الصرفية للأسماء ومحاولة ردها إلى أصول ثنائية أو ثلاثية كما نفعل بأسماء المعاني وبالأفعال. ثم ينبغي أن نأخذ في الحسبان عند دراسة الظواهر المعجمية والظواهر اللسانية عامة خضوعها إلى سنة التحول والارتقاء، مع ما يستتبعه ذلك من الانحراف عن "مقاييس" اللغة الأصلية والشذوذ عن القواعد العامة سواء أكانت صرفية أم نحوية.
والصيغ أو الأبنية الصرفية تختلف من حيث خصوبتها وطاقاتها التوليدية و تدرج دلالاتها من العام إلى الخاص أو من الخاص إلى العام أو من الحقيقة إلى المجاز. و سنقتصر هنا على دراسة طائفة من هذه الصيغ نعتبرها أكثر فعالية من حيث التوليد المعجمي، وأدل على تطور الأبنية الصرفية في اللغة العربية. والصيغ التي اخترنا دراستها هي: صيغة "فاعل" ومصدرها "مفاعلة" و صيغة "فُعالة".
2. دراسة بعض الصيغ الصرفية في اللغة العربية
1.2 صيغة "فَاعَل":
تميز هذه الصيغة باستطالة الحرف الصائت الذي يتوسط بين فاء الفعل وعينه (أي بين الصامت الأول والثاني في المادة الأصلية الثلاثية الجذور). وهذا الزائد الصرفي (الصائت: ا) يُكسب المادة الأصلية التي يدخل عليها معاني متعددة. فهو يفيد، حسب أندري رومان، "التعدية القاصرة" أي أن "الفاعل" يجد مُقاومة من الذي يريد أن يوقع عليه "الفعل". فيكون هدف الفعل (موضوعه) هو نفسه شريكا في تحقيق "الحدث" أو على الأقل عائقا له ومقاوما لوقوعه عليه(9). فهذه الصيغة تفيد إذن مشاركة "المفعول" في الحدث ومدافعته "للفاعل" الذي يحاول أن يوقع عليه الفعل. فيمكن إذن أن نوجز الدلالة الأولية لصيغة "فاعل" في "المدافعة" و"المغالبة"(10). وفيما يلي بعض الأمثلة وردت فيها صيغة "فاعل" بمعناها الأول وهو ما أسميناه "المدافعة" :
- "سابق رسول الله عائشة فسبقته، ثم سابقها فسبقها".
- "...وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا"( من سورة آل عمران، الآية 195).
ف"قاتل" في الآية المذكورة تفيد " محاولة قتل العدو التي تصيب هدفها أو تخطئه".
على أن "فاعل" التي تفيد المشاركة أو "المدافعة" كما في المثال السابق،قد تدل على معان أخرى مثل:
-"خاشن فلانا":عامله بالخشونة، وضده "لاينه".
وتفيد التكثير مثل "ضاعف" بمعنى "ضعف"؛ كما تـأتي بمعنى "أفعل" : "عافاك الله" بمعنى أعفاك و"باعدته بمعنى "أبعدته".
وقد يكون "فاعل" بمعنى "فعل" المجرد مثل : " سافر"، و"هاجر".
وليس من اليسير رد كل معاني "فاعل" إلى المعنى الذي يرجح أنه المعنى الأصلي وهو "المشاركة" و المدافعة". و يجوز أن نعتبر الأفعال التي تأتي على وزن "فاعل" دون أن تمت بصلة دلالية إلى المعنى الأصلي لهذه الصيغة مجرد مواد معجمية لا تنتظم في الجدول الصرفي الدلالي paradigme sémantico-morphologique)) ل"فاعل" التي تفيد "المشاركة" وما يتفرع عنها مجازا. وإذا صح هذا الافتراض فإن المشابهة بين الصيغتين تكون عندئذ مجرد مشابهة صورية ومن قبيل ما يسمى بالاشتراك اللفظي (homonymie). ومهما يكن من أمر، فإن صيغ "فاعل" التي تشذ عن المعنى الأصلي الذي رأيناه قليلة، ومن ثم فليس لها في رأينا قيمة صرفية مطردة يمكن أن تساهم في توليد مفردات جديدة تنظم في إطار جدول صرفي توليدي متميز.
ولننظر الآن إلى أمثلة أخرى وردت فيها صيغة" فاعل" بمعناها الأصلي أو بمعنى متفرع عن المعنى الأصلي عن طريق التوسع الدلالي:
- "ماكس" :
مثال من تراثنا الفقهي(11):
" أتراني ماكستك لآخذ جملك".
"ماكس" ومُجرده "مكس" الذي معناه "انتقص الثمن في البيع واستحطه"(12). وعلى هذا يكون المعنى الأصلي لفعل "ماكس" : حاول "المشتري أن يجعل "البائع" ينقص من ثمن "المبيع" (مرادفه "ساوم).
ولنلاحظ أن صيغة "فاعل" في "ماكس" تفيد المشاركة "القاصرة" التي ألمعنا إليها سابقا. فمحاولة المشتري (الفاعل) لتحقيق "الحدث"(انتقاص الثمن) تقابلها ممانعة من قبل "البائع". ومع أن الصيغة احتفظت في المثال السابق بقيمتها الصرفية الأساسية وهي "محاولة تحقيق الفعل من جانبين" فإنها اكتسبت في سياق الاستعمال دلالة مجازية تبدو للمتمحص واضحة. فإذا قارنا مثلا بين "سابق زيد عمرا" و"ماكس زيدعمرا" فسنلاحظ أن "هدف" الفعل وموضوعه في المثال الأول هو "عمرو" وفي المثال الثاني هو "الثمن" الذي يحاول المشتري أن ينتقصه (والثمن موضوع الحدث غير مذكور في الكلام بل هو وحدة مرجعية (entité référentielle) . فهناك إذن في المثال الثاني تحويل او انزياح دلالي صار بموجبه "الفاعل" الحقيقي (عمر) "مفعولا" على سبيل المجاز التعويضي (hypallage)(13) في حين أن موضوع الحدث هو "الثمن".
والشواهد التي يختلف فيها "مفعول" الصيغة المزيدة "فاعل" عن الصيغة المجردة "فَعَل" كثيرة في اللغة العربية لاسيما في المصطلحات الفقهية والاقتصادية، وهذه نماذج منها :
- "نابذ"<> "منابذة" : من "نبذ الشيء بمعنى "طرحه ورماه". وهي تعني في اصطلا ح الفقهاء : "أن يقول الرجل للرجل أنبذ ما معي وتنبذ ما معك ليشتري أحدهما من الآخر..."(المحلى، ج. 7، ص.219) ؛
- "لامس"<> "ملامسة" : ومن تعريفاتها الاصطلاحية حسب الشرباصي :" إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي أو إذا لمست المبيع فقد وجب البيع بكذا..."(م.س.ص.441) .
و" المفاعلة" في المثالين السابقين لاتفيد "المشاركة" التي تجعل الفاعل "مفعولا" والمفعول "فاعلا" كما هو الحال مثلا في "سابق" و "قاتل" و"زاحم" و "ضارب" و "صارع" و "قاوم" و غيرها مما يفيد "المدافعة". بل "المفعول" في "نابذ" و "لامس" موجود خارجي يُفهم من السياق (الثوب او المبيع مثلا) ولايفهم مباشرة من البناء الصرفي. وهكذا يلاحظ اختلاف القيمة الاصطلاحية للفظ عن الدلالة الأصلية للقالب الصرفي الذي سبك فيه.
ومن المصطلحات الإسلامية التي صيغت على وزن "فاعل" وما تصرف منه : "صالح" <> "مصالحة" ، "عامل" <>"معاملة"، "زارع" <> "مزارعة"، "غارس"<>"مغارسة" ،"خابر"<> "مخابرة""(14).
وهذه بعض الشواهد من كتب التراث وردت فيها مصطلحات على وزن "فاعل" <> "مفاعلة":
-"كان عمر إذا صالح قوما اشترط عليهم أن يؤدوا من الخراج كذا وكذا..."(15).
"فاعل" = (صالح) في المثال السابق تفيد "المشاركة" بحيث يكون "موضوع" الحدث (قوما في مثالنا) طرفا في عملية "المصالحة" إما بمساهمته في تحقيق الحدث (طرف فاعل) أو بقبوله وعدم مقاومته لإنجاز فعل "الصلح" (=طرف قابل). وبهذا تختلف صيغة "فاعل"<>"مفاعلة" هنا بعض الاختلاف عن معنى المغالبة والمدافعة ( الحدث أو التعدية القاصرة). فهاهنا نلاحظ "تواطؤا واتفاقا" بين طرفي الحدث (الفاعل والقابل). فلا غرابة إذا أن تستعمل هذه الصيغة في أغلب المصطلحات التي تفيد "الاتفاق بين طرفين أو أطراف " ومن ذلك : معاهدة، مواضعة (convention) موافقة، مصالحة، مهادنة، مبادلة، مؤاجرة.
وهذه أمثلة أخرى مستمدة من نصوص التراث :
-"إن رسول الله (صلعم) عامل أهل خيبر بشطر مما يخرج من زرع وتمر" (الخراج، ص،89).
لنلاحظ أولاً أن "مفعول" "عامل"(=فاعل) في المثال السابق يخالف "مفعول" صيغته المجردة "عمل"؛ "فمفعول" "عامل" هو"أهل خيبر" و "موضوع" "عمل" هو "الأرض". ( بخلاف "سابق" وغالب" مثلا) . فهناك إذن انزياح دلالي من المفعول الحقيقي وهو الأرض إلى المفعول المجازي وهم "أهل خيبر " (= وهم الفاعل الحقيقي لفعل "عمل الأرض"). ولنلاحظ أيضا أن الفعل الحقيقي (عمل الأرض) هنا من جانب واحد،وإن كان بين الطرفين مواضعة واتفاق. ومن المصطلحــات الأخـرى التي تنتمـي الى نفـس الحقل الصرفي الدلالي (champs sémantico-morphologique): "زارع"<>"مزارعة" الواردة في المثال الآتي :
- " من أحيا أرضا مواتا فهي له يزرعها ويزارعها ويؤاجرها..." ( الخراج،ص.65).
وقد عرف الشرباصي المزارعة تعريفا يفيد فيما نحن بصدده، حيث قال: "المزارعة "مفاعلة" من ا"لزرع" ( أي فعل الزرع) وهي في الأصل تقتضي "فعلا" من الجانبين ولكن فعل الزرع في "المزارعة" يكون من أحد الجانبين ..."(المصدر السابق ص. 418).( انظر أيضا تعريف المزارعة في الخراج لأبي يوسف، ص. 90).
ومن المصطلحات الفقهية التي جاءت على وزن "فاعل"<>مفاعلة" بمعنى "الاتفاق والمبادلة" : "مغارسة"، "مخابرة" "مخاضرة"، و"محاقلة" والمصطلحات الثلاثة الأخيرة تختلف بعض الاختلاف عن سابقاتها وإن اتفقت معها في الدلالة العامة وهي "المبادلة" كما سنرى فيما يلي:
-"المحاقلة" :بيع الزرع في سنبله قبل بدو صلاحه (الشرباصي،ص.410)؛ والحقل : الأرض يزرع فيها: يتبين من تعريف هذا المصطلح أن بينه وبين "مزارعة" مثلا فرقا دلاليا واضحا مع اشتراكهما في الدلالة العامة. أولاً، ليس هناك فعل "حَقَل => حَقْلاً" (كما في "مزارعة"=<> زرع ) يكون أحد طرفي المفاعلة فاعلا له. فا"لحقل" كما جاء في المنجد هو "الزرع ما دام أخضر". ثم أطلق على الأرض المزروعة وكأنه من قبيل تسمية الشيء بما يحل فيه على سبيل المجاز المرسل (métonymie). فالظاهر إذن أن هاهنا توسعا في الاشتقاق بحيث يكون أصل الصيغة المشتقة "المحاقلة" هواسم "الحقل" ( ومنه اشتق أيضا :أحقل الزرع: تشعب ورقه قبل أن تغلظ سوقه؛ وأحقلت الأرض : صارت حقلا ؛ احتقل : اتخذ حقلا (المنجد).

رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الاستشارة (124): عن مصادر حول معاني الأبنية الصرفية م القريعي مرشد الباحثين 1 03-25-2018 07:11 AM
تطور اللغة العربية عبر التاريخ مصطفى شعبان البحوث و المقالات 1 07-12-2017 06:24 AM
الأبنية الاسمية في اللغة العربية مصطفى شعبان البحوث و المقالات 4 04-21-2017 08:58 AM
تطور الأبنية الصرفية ودورها في إغناء اللغة العربية مصطفى شعبان البحوث و المقالات 3 01-01-2017 08:00 AM
اللغة العربية ودورها في التشريع والقضاء مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 04-12-2016 05:01 AM


الساعة الآن 06:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by