mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي المطابقة النحوية في شعر عمرو بن أحمر الباهلي، دراسة وصفية

كُتب : [ 03-08-2017 - 10:24 AM ]


المطابقة النحوية في شعر عمرو بن أحمر الباهلي، دراسة وصفية
د. علاء عبد الأمير شهيد
الخلاصة
أعمد في هذا البحث إلى طريقة الأوائل في دراسة اللغة، فآخذ ديوان شاعر مخضرم، وأقوم بدراسة وصفية لظاهرة لغوية متناثرة في كتب العربية القديمة والحديثة، هي"المطابقة"، وأتبين تلك الظاهرة في شعره، وكيف استنبط اللغويون قواعدها وأحكامها.
إن ظاهرة "المطابقة" مظهر من مظاهر التجانس في العربية، وهي واضحة كل الوضوح في التجانس بين الصفة والموصوف، والمبتدأ والخبر، والحال وصاحبها، والفعل والفاعل، ... وأكثر ما تكون المطابقة التي لاحظها النحاة العرب في صورة الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، زيادة على الحركة الإعرابية، والتعريف والتنكير.
وقد اختلفت الأساليب التي تقوم بإظهار هذا التطابق بين أركان الجملة كالفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، أو بين ما كان فضلة عندما يحصل تقديم أو تأخير، أو اشتقاق وجمود، وهذا كله يأتي مخالفا للقواعد النحوية التي قررها النحاة، فعمدوا إلى أساليب مختلفة لكيلا تتعارض مع القواعد التي قرروها: فمرة يلجأ النحاة إلى الحمل على اللفظ أو المعنى، ومرة تكون المجاورة سببا للمطابقة، والتغليب أيضا يأخذ دوره في إظهار هذا التطابق. لكن الغاية واحدة، وإن اختلفت الأساليب التي يعبر بها، وهي إضفاء المجانسة والمطابقة على أطراف الجملة، من أجل الإفهام وأمن اللبس.
والأبيات التي روعيت فيها المطابقة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي كثيرة كثرة بالغة، لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما اقتصرت على الحديث عن الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. مع مراعاة الابتعاد ما أمكن عن الخلافات النحوية.

المقدمة:
ليست اللغة شيئاً جامداً كائناً خارج الإنسان والمجتمع، بعيدة عن التأثر والتأثير، بل هي ظاهرة إنسانية اجتماعية تخضع لنواميس الحياة وتطور المجتمعات، ولها في الوقت نفسه قوانينها الداخلية وتطورها الخاص، شأنها في ذلك شأن غيرها من الظواهر الاجتماعية، فهي تنمو، وتتطور، وتتبدل علاقاتها. غير أنها أقل تطوراً وتبدلاً وأشد محافظة من غيرها من الظواهر، ولاسيما في أصولها وأساليبها وقواعد نحوها وصرفها.
لذلك فإن دراسة لغة ما يقتضي اتخاذ منهج وصفي، يجمع مفرداتها، ويصف مظاهرها على نحو يحيط بكل جوانبها وشتى مناحيها. بعد ذلك الجمع يمكن لعلماء اللغة أن يستنبطوا القوانين العامة لتلك اللغة وأساليبها الخاصة. وليس لتلك القوانين صفة القداسة والخلود، فاللغة من صنع مجتمع حي دائم الخلق والتجديد.
إنّ المنهج الوصفي من أهم المناهج اللغوية الحديثة، وهو المنهج السائد الآن في الدراسات اللغوية في أوروبا وأميركا. وهو منهج يحاول أن يخلص العلوم اللغوية من الوجهة التاريخية من جهة، ومن الوجهة المعيارية من جهة أخرى. ويهتم هذا المنهج بوصف النصوص اللغوية، وصفاً واقعياً، دون تدخّل من الباحث بفرض اجتهادات من ذاته أو فرض قوالب معيارية موضوعة سلفاً من خلال ملاحظات سابقة لا تصدق على ما هو أمام الباحث.
والمنهج الوصفي لا يتوقف ليسأل: هل يجوز أن يقال كذا، أو لا يقال، بل هو يعنى بما هو موجود فعلاً دون إلقاء أية أهمية للمقبول أو المردود. كما أن المنهج الوصفي أيضاً لا يتدخّل ليفرض قوالب معينة لا تتفق مع طبيعة النص، أو لتقدير صيغٍ لإكماله، أو لتأويل نصّ ليتفق مع قواعد مستنبطة سلفاً من نصوص أخرى مخالفة للنصوص الموجودة أمام الباحث، كما أنه أيضاً لا يلجأ إلى مظاهر التعليل أو إخراج النص عن ظاهره ليتمشى مع القواعد التقليدية.
وليس القول بأن النحاة القدماء بدأوا دراساتهم اللغوية بالاعتماد على المنهج الوصفي ببعيد عن الحقيقة؛ ذلك لأن أية دراسة علمية لا بدّ من أن تعتمد على جمع الظواهر الخاصة بالعلم المعين ثم دراستها بعد ملاحظتها وتجربتها والخروج بنتائج أو قواعد تخص هذه الظواهر.
وقد أدرك هذه الحقيقة علماؤنا الأوائل، فاتخذوا في تدوينهم للغة العرب واستقراء قواعدها منهجاً وصفياً، فخالطوا الأعراب، ورحلوا إلى البادية، ودونوا الشعر والخطب والأمثال. فلما تم لهم ذلك جعلوا من كلام العرب وشعرهم والقرآن مادة يستقرئون منها موازين اللغة وطرق اشتقاقها ونظام جملتها وأساليب كلامها. ولأنهم أدركوا أن اللغة ظاهرة اجتماعية فإنهم استنبطوا قواعدهم وأحكامهم مما كثر في كلام العرب وغلب على أساليبهم. ولم تكن تلك القواعد جامعة مانعة فاللغة لا تحكمها قوانين العقل والمنطق، بل نبض الحياة؛ لذلك خرج علماء العربية بالقاعدة الشهيرة التي تقول: "لكل قاعدة شواذ"، ولأن الشعر يأتي من شواطئ عميقة في النفس الإنسانية خرجوا بما أسموه الضرورة الشعرية، فقالوا يجوز في الشعر ما لا يجوز في النثر.
وعلى الرغم من أن اللغويين والنحاة العرب المحدثين يعيبون في معظمهم على طريقة القدماء في جمع المادة اللغوية من حيث التعدد النسبي، والتعدد الزماني، والتعدد النصّي فإنَّ في ذاك الزمان المتقدم لم يكن أمام علمائنا الأوائل إلا الأخذ بهذه الطرق.
إن الجملة نسيج لغوي مستقل، وهي كبرى الوحدات اللغوية، وعنصر الكلام الأساس، والروح التي تقوم بها الجملة هي الإِسناد، والإِسناد في حقيقة أمره: نسبة تفيد، وطرفا الإِسناد مسند إِليه ومسند. والإِسناد هو العلاقة النحوية الرابطة بينهما، والإِسناد بطرفيه يمثل البنية النحوية للجملة التي تتكون من وظيفتين نحويتين هما: المبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، والفعل والفاعل في الجملة الفعلية، وهاتان الوظيفتان النحويتان تقوم بهما وحدات صرفية، أي كلمات. وهذه الكلمات والارتباطات الصرفية القائمة بينها تمثل البنية الصرفية، وعليه فالجملة إِذا كيان لغوي مزدوج البنية. وترتبط الوحدات الصرفية فيما بينها بعلاقات صرفية تفرضها خصائص أقسام الكلام التي لا علاقة لها بأجزاء الجملة: من مسند إِليه ومسند. وأبرز هذه العلاقات أو الارتباطات الصرفية القائمة بين وحدات البنية الصرفية للجملة هي: المطابقة (في العدد والنوع والإِعراب والتعريف والتنكير). والمطابقة في حقيقة أمرها ما هي إِلا مماثلة الكلمة التابعة نحويا للكلمة المسيطرة نحويا، من ناحية صرفية.
وعمدت في هذا البحث إلى طريقة الأوائل في دراسة اللغة؛ فأخذت ديوان شاعر إسلامي، هو عمرو بن أحمر الباهلي، وقمت بدراسة وصفية لظاهرة لغوية في شعره، هي "المطابقة"، فتبينت تلك الظاهرة في شعر الشاعر، وكيف استنبط اللغويون قواعدها وأحكامها. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي كثيرة كثرة بالغة، لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما اقتصرت على الحديث عن الحالات التي أهملت فيها المطابقة، و الحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. مع مراعاة الابتعاد ما أمكن عن الخلافات النحوية. وانخرام المطابقة كثير في العربية، وأنواعه متعددة، وهو من طرائق التعبير عند العرب، والمعول عليه عند انخرامها هو عدم اللبس.
إن لابن أحمر مكانة مهمة في لغة العرب وديوانهم؛ إذ كان شاعراً فصيحاً مُقدماً على غيره من الشعراء المخضرمين في فنون الشعر وغريبه، فاستُشهد على اللغة بشعره كثيراً، حتى لا يكاد مصدر من مصادرها يخلو من بيت له، وجعله غير واحد من النقاد القدامى فوق طبقته. وإن أرزاء الدهر ومصائبه أتت على جلَّ تراثنا العربي، فلم ينته إلينا مما قالت العرب إلاَّ أقله. وديوان ابن أحمر ما يزال في ذمَّة التاريخ. وفي العصر الحديث جرت محاولة لجمع شعر ابن أحمر قام بها د. حسين عطوان سنة (1970م)، وأطلق على ما جمعه اسم "شعر عمرو بن أحمر الباهلي". وعلى هذا الجمع اعتمدت في استخراج شواهد البحث والدراسة، مكتفيا بما أثبته من شعره ومهملا ما لم يثبته له.
تناولت ظاهرة "المطابقة" في شعر عمرو بن أحمر الباهلي في مدخل وخمسة مباحث وخاتمة. وقد رأى النحاة أن الخبر يطابق المبتدأ، والفعل يطابق الفاعل، والحال تطابق صاحبها، ... إلخ. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة كثيرة كثرة بالغة في الديوان لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما أقتصر في حديثي على الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. فعلت هذا في المبحث الثالث وحتى الخامس، بعد أن تناولت في المبحث الأول التعريف بظاهرة المطابقة في اللغة الاصطلاح، وباختصار مغن. وكان المنهج المتبع في عرض الدراسة يقوم على إيراد تعريف لغوي واصطلاحي للباب النحوي، ثم ذكر الحكم العام للمطابقة النحوية فيه، بعدها أعمد إلى سرد الشواهد التي لا تظهر فيها المطابقة أو التي تحتاج إلى بيان وإيضاح وإضاءتها بأقوال القدماء.
ولما كانت الأبيات التي أهمل الشاعر فيها المطابقة، وأجازها النحويون في الشعر لا في النثر، وسموا ذلك "الضرورة الشعرية"، ولما كان انخرام المطابقة كثير في العربية وأنواعه متعددة وهو من طرائق العرب في التعبير، فقد عقدت المبحث الثاني في الدراسة بعنوان (الضرورة الشعرية والمطابقة النحوية). ثم ختمت البحث بذكر النتائج المستخلصة من الدراسة.

التمهيد
عمرو بن أحمر الباهلي، حياته وشعره:
أولا- نسبه:
هو عمرو بن أحمر الباهلي من بني معن بن مالك بن أعصُر( 1)، من بني فراص بن معن، ويكنى أبا الخطاب( 2)، ولكنه لم يكن يعرف بكنيته أو بلقبه، وإنما يذكر باسمه، فيقال: ابن أحمر، فيميز بينه وبين من سمي باسمه من الشعراء، ولهذا فهو ممن "عرف باسمه دون لقبه"( 3)، ويؤكد ذلك ابن الأثير فيذكره في الأبناء ويقول: "ابن أحمر: هو عمرو بن أحمر الباهلي، شاعر معروف، يستشهد على اللغة بشعره كثيراً، فيقال: ابن أحمر، ولا يذكر له اسم"( 4).
ثانيا- نشأته وصلاته:
إنّ أقدم ما نجده من إشارات إلى نشأته الأولى ما رواه ابن قتيبة (ت276هـ) عن أبي عمرو بن العلاء (ت154هـ): " قال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر في أفصح بقعة من الأرض أهلاً، يذبل والقعاقع، يعني مولده قبل أن ينزل الجزيرة ونواحيها"( 5)، فنشأ هذا الأعرابي في بادية نجد، وتهيأت له سبل الفصاحة، حتى أمكن له أن يكون "صحيح الكلام كثير الغريب"( 6)، ثم يكون "الشاعر الفصيح" الذي يتقدم شعراء أهل زمانه( 7). وإن كان هناك عدم تحديد لزمان ولادة الشاعر فإنّ ثمة اتفاقاً بين العلماء على إسلامه، إذ كان شاعراً "من شعراء الجاهلية المعدودين"(8)، قال فيها قصائد كثيرة، وأنّه قد أدرك العقد الأول من ولاية عبد الملك بن مروان (73–86هـ)( 9) حين شكا ظلم السعاة إلى يحيى بن الحكم بن أبي العاص، واليه على المدينة سنة خمس وسبعين للهجرة( 10).
لا يعرف أنّ لابن أحمر مشاركة في الدعوة الإسلامية في عهد النبوة، ولا يعلم متى أسلم، وكيف كان إسلامه. ويبدو أنّه في كهولته كان ضعيف الصلة بأكثر الأحداث في عصره وبأكثر الأمراء والخلفاء الذي عاصرهم، وإن كانت المصادر القديمة لا تنكر عليه صلاته ببعض رجال عصره وأحداثه. وذكر المرزباني (ت384هـ) أنَّه أدرك الإسلام، فأسلم. وجعله ابن حجر (ت852هـ) في قسم المخضرمين من الصحابة(11 ). وقد كان أحد الفرسان المجاهدين في الفتوح الإسلامية، ويذكر المرزباني هذا، فيقول: "غزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك"( 12). ويروي الأصفهاني (ت356هـ) أنه "كان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالداً إلى الشام"( 13)، وأنشد فيه شعرا.
وأما علاقته بالخلفاء الراشدين، فقد ذكر الأصفهاني أنه "لم يأت أبا بكر"( 14)، والمصادر لا تروي له شيئاً في مدحه والثناء عليه. ولكنه أثنى على عمر بن الخطاب وعلى قومه بقصيدة طويلة، ينشد أبو الفرج بعض ما بقي من أبياتها، وينشد له أيضا في عثمان شعرا( 15). والظاهر أنه كان عثماني الهوى، انحاز إلى المطالبين بدمه والمعادين للإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ويدل على ذلك أمران: أحدهما أنه استشفع لنفسه عند أبي الحسن(رضي الله عنه) برسالة، لم يبق منها غير بيت واحد، يرويه صاحب الأغاني( 16). والآخر أنه كان مقرباً من النعمان بن بشير الأنصاري(17 )، أحد أشهر من مالوا إلى معاوية بن أبي سفيان ضد الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)(18 )، ومدحه ابن أحمر بقصيدة من غرر قصائده( 19).
ثالثا- عوره ووفاته:
تتفق كلمة العلماء على ذلك الوصف فنراهم يذكرون ابن أحمر في عوران قيس( 20)، أو الصحابة العور( 21)، أو في عوران العرب( 22). وعور ابن أحمر ليس خلقياً، وقد تباينت المصادر في بيان سببه: إذ روى المرزباني أنّه: "غزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك"( 23)، وأما ابن قتيبة فيقول: " كان أعور، رماه رجل، يقال له: مخشي، بسهم، فذهبت عينه"( 24)، ويرويه البطليوسي (ت521هـ) هكذا: "كان رماه رجل، يقال له: مخشي، بسهم ففقأ عينه"( 25). ويبدو أن الرأي الأول يبعد كثيراً، إذ ليس له ما يؤيده في شعر ابن أحمر، وأما الرأي الآخر، فهو نتيجة استقراء واضحة فيما يقوله ابن أحمر نفسه( 26). وكان لهذه العلة أثر جارح في نفسه، أصابت كبرياءه، وظهر هذا في شعره، وهذا الإحساس بالعور تفرد به ابن أحمر.
وعلة شاعرنا لم تكن العور فحسب، وإنما يذكر ابن أحمر نفسه أن الماء الأصفر أصابه في شيخوخته، فعالجه بالكي والشكاعى( 27)، فلم يبرأ. والرواة يقولون: كان ابن أحمر قد سُقي بطنه(28 )، فلا يضيفون إلى ما قاله شيئاً، ولكن ابن قتيبة يجعل هذا السِّقي سبباً لوفاته، فيقول، "سُقي بطنه، فمات"(29 ).
والرواة لم يتفقوا على العهد الذي أدركه ابن أحمر، بل نجدهم يسكتون عن سنة وفاته، والزركلي من المحدثين أول من يذهب إلى أنه توفي نحو: 65هـ / 685م( 30). فيجعل وفاته عام بايع أهل الشام عبد الملك بن مروان. وابن أحمر نفسه في قصيدته التي اختارها أبو زيد القرشي في الجمهرة( 31) يصرح أنه كان "في الثماني من التسعين"( 32)، حين شكا ظلم السّعاة إلى ابن أبي العاص والي عبد الملك بن مروان على المدينة سنة خمس وسبعين هجرية( 33)، وذلك يؤكد على أن ابن أحمر كان في حوالي التسعين من العمر في الأقل. والرواة يتفقون مرة أخرى على أنه كان شاعراً مخضرماً معمراً، بلغ سناً عالية( 34)، ويتفرد ابن قتيبة عنهم بقوله: "عُمِّر تسعين سنة"(35 )، وهو في شعره ينوه بأنه "شيخ شآم"( 36)، جرّب تسعين حجة"( 37).
رابعا- منزلته بين شعراء العربية:
عاش ابن أحمر حياة أعرابية في نجد وثقافة توشك أن تكون في تلك النشأة، ومن نجد انتقلت إليه الفصاحة قبل أن ينزل الجزيرة، فأمكن له أن يكون "صحيح الكلام كثير الغريب"( 38)، ثم يكون "الشاعر الفصيح" الذي "يتقدم شعراء أهل زمانه"( 39)، و"يستشهد على اللغة بشعره كثيراً"(40)، فكانت فصاحته من أبرز ما تميزت به ثقافته.
ثم إنّ ابن أحمر أسلم، ولكن بقية من جاهلية ظلت في نفسه؛ إذ رأى أبو زيد القرشي (أواخر القرن الثالث) في شعره شيئاً من معالم الإسلام وآخر من آثار الجاهلية معاً، فجعل ابن أحمر من أصحاب المشوبات، وهن سبع قصائد شابهن الإسلام والكفر، اختارها في جمهرته من دواوين سبعة شعراء مخضرمين( 41).
وبذلك تحقق لهذا الشاعر الأعرابي أن يكون في طليعة الشعراء الأعلام الذين خاضوا بحره، وإذا ما سأل أبو حاتم أستاذه الأصمعي (ت217هـ)عن منزلة ابن أحمر بين الفحول الشعراء، قال: " قلت: فابن أحمر الباهلي؟ قال: ليس بفحل، ولكنه دون هؤلاء الفحول وفوق طبقته"( 42). وأما ابن سلام (ت231هـ) فجعله في طبقته ثاني أربعة، وهم: كعب بن جُعيل التغلبي، فعمرو بن أحمر الباهلي، فسحيم بن وثيل الرياحي، وأوس بن مغراء السعدي، ثم يرى أن ابن أحمر مقدم على ابن وثيل، فيقول: "عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيل، وسحيم أشرف منه"(43 ).
ويجعل أبو عبيدة ابن أحمر في الطبقة الثالثة من فحول شعراء نجد الذين ذموا، ومدحوا، وذهبوا بالشعر كل مذهب"(44 ). ثم يختار القرشي نفسه من شعره قصيدة، يراها من "عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام"(45 )، ويرويها في مشوبات العرب من جمهرته.
وإذا كان الأصمعي وضعه فوق طبقته، فإن ثمة ناقد، يقاربه في الرأي، وهو الآمدي (ت370هـ) بقوله: "كان يتقدم شعراء أهل زمانه... وقد ذكرت حاله وأشعاره مع الشعراء المشهورين"( 46)، ولعلهم بذلك يضعونه على رأس طبقة الشعراء المخضرمين الذين نعرف من فحولها: الحطيئة والأعشى والنابغة الجعدي وكعب بن زهير وغيرهم. وهذه المكانة الرفيعة التي تبوأها ابن أحمر كانت موضع اهتمام أهل اللغة والأدب، فصُنع ديوانه، واستشهد بشعره، حتى لا يكاد مصدر من المصادر يخلو من شعر له.

رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
اللَّفظُ الأعجميُّ في معجم (مقاييس اللُّغة).. دراسة وصفية شمس البحوث و المقالات 0 06-01-2018 07:42 AM
#بحث : بحث الأبنية الشاذة في العربية – دراسة وصفية – أ .م.د. صباح علي سليمان إدارة المجمع دراسات وبحوث لغوية 0 09-25-2017 02:41 PM


الساعة الآن 09:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by