![]() |
المطابقة النحوية في شعر عمرو بن أحمر الباهلي، دراسة وصفية
المطابقة النحوية في شعر عمرو بن أحمر الباهلي، دراسة وصفية د. علاء عبد الأمير شهيد الخلاصة أعمد في هذا البحث إلى طريقة الأوائل في دراسة اللغة، فآخذ ديوان شاعر مخضرم، وأقوم بدراسة وصفية لظاهرة لغوية متناثرة في كتب العربية القديمة والحديثة، هي"المطابقة"، وأتبين تلك الظاهرة في شعره، وكيف استنبط اللغويون قواعدها وأحكامها. إن ظاهرة "المطابقة" مظهر من مظاهر التجانس في العربية، وهي واضحة كل الوضوح في التجانس بين الصفة والموصوف، والمبتدأ والخبر، والحال وصاحبها، والفعل والفاعل، ... وأكثر ما تكون المطابقة التي لاحظها النحاة العرب في صورة الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، زيادة على الحركة الإعرابية، والتعريف والتنكير. وقد اختلفت الأساليب التي تقوم بإظهار هذا التطابق بين أركان الجملة كالفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، أو بين ما كان فضلة عندما يحصل تقديم أو تأخير، أو اشتقاق وجمود، وهذا كله يأتي مخالفا للقواعد النحوية التي قررها النحاة، فعمدوا إلى أساليب مختلفة لكيلا تتعارض مع القواعد التي قرروها: فمرة يلجأ النحاة إلى الحمل على اللفظ أو المعنى، ومرة تكون المجاورة سببا للمطابقة، والتغليب أيضا يأخذ دوره في إظهار هذا التطابق. لكن الغاية واحدة، وإن اختلفت الأساليب التي يعبر بها، وهي إضفاء المجانسة والمطابقة على أطراف الجملة، من أجل الإفهام وأمن اللبس. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي كثيرة كثرة بالغة، لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما اقتصرت على الحديث عن الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. مع مراعاة الابتعاد ما أمكن عن الخلافات النحوية. المقدمة: ليست اللغة شيئاً جامداً كائناً خارج الإنسان والمجتمع، بعيدة عن التأثر والتأثير، بل هي ظاهرة إنسانية اجتماعية تخضع لنواميس الحياة وتطور المجتمعات، ولها في الوقت نفسه قوانينها الداخلية وتطورها الخاص، شأنها في ذلك شأن غيرها من الظواهر الاجتماعية، فهي تنمو، وتتطور، وتتبدل علاقاتها. غير أنها أقل تطوراً وتبدلاً وأشد محافظة من غيرها من الظواهر، ولاسيما في أصولها وأساليبها وقواعد نحوها وصرفها. لذلك فإن دراسة لغة ما يقتضي اتخاذ منهج وصفي، يجمع مفرداتها، ويصف مظاهرها على نحو يحيط بكل جوانبها وشتى مناحيها. بعد ذلك الجمع يمكن لعلماء اللغة أن يستنبطوا القوانين العامة لتلك اللغة وأساليبها الخاصة. وليس لتلك القوانين صفة القداسة والخلود، فاللغة من صنع مجتمع حي دائم الخلق والتجديد. إنّ المنهج الوصفي من أهم المناهج اللغوية الحديثة، وهو المنهج السائد الآن في الدراسات اللغوية في أوروبا وأميركا. وهو منهج يحاول أن يخلص العلوم اللغوية من الوجهة التاريخية من جهة، ومن الوجهة المعيارية من جهة أخرى. ويهتم هذا المنهج بوصف النصوص اللغوية، وصفاً واقعياً، دون تدخّل من الباحث بفرض اجتهادات من ذاته أو فرض قوالب معيارية موضوعة سلفاً من خلال ملاحظات سابقة لا تصدق على ما هو أمام الباحث. والمنهج الوصفي لا يتوقف ليسأل: هل يجوز أن يقال كذا، أو لا يقال، بل هو يعنى بما هو موجود فعلاً دون إلقاء أية أهمية للمقبول أو المردود. كما أن المنهج الوصفي أيضاً لا يتدخّل ليفرض قوالب معينة لا تتفق مع طبيعة النص، أو لتقدير صيغٍ لإكماله، أو لتأويل نصّ ليتفق مع قواعد مستنبطة سلفاً من نصوص أخرى مخالفة للنصوص الموجودة أمام الباحث، كما أنه أيضاً لا يلجأ إلى مظاهر التعليل أو إخراج النص عن ظاهره ليتمشى مع القواعد التقليدية. وليس القول بأن النحاة القدماء بدأوا دراساتهم اللغوية بالاعتماد على المنهج الوصفي ببعيد عن الحقيقة؛ ذلك لأن أية دراسة علمية لا بدّ من أن تعتمد على جمع الظواهر الخاصة بالعلم المعين ثم دراستها بعد ملاحظتها وتجربتها والخروج بنتائج أو قواعد تخص هذه الظواهر. وقد أدرك هذه الحقيقة علماؤنا الأوائل، فاتخذوا في تدوينهم للغة العرب واستقراء قواعدها منهجاً وصفياً، فخالطوا الأعراب، ورحلوا إلى البادية، ودونوا الشعر والخطب والأمثال. فلما تم لهم ذلك جعلوا من كلام العرب وشعرهم والقرآن مادة يستقرئون منها موازين اللغة وطرق اشتقاقها ونظام جملتها وأساليب كلامها. ولأنهم أدركوا أن اللغة ظاهرة اجتماعية فإنهم استنبطوا قواعدهم وأحكامهم مما كثر في كلام العرب وغلب على أساليبهم. ولم تكن تلك القواعد جامعة مانعة فاللغة لا تحكمها قوانين العقل والمنطق، بل نبض الحياة؛ لذلك خرج علماء العربية بالقاعدة الشهيرة التي تقول: "لكل قاعدة شواذ"، ولأن الشعر يأتي من شواطئ عميقة في النفس الإنسانية خرجوا بما أسموه الضرورة الشعرية، فقالوا يجوز في الشعر ما لا يجوز في النثر. وعلى الرغم من أن اللغويين والنحاة العرب المحدثين يعيبون في معظمهم على طريقة القدماء في جمع المادة اللغوية من حيث التعدد النسبي، والتعدد الزماني، والتعدد النصّي فإنَّ في ذاك الزمان المتقدم لم يكن أمام علمائنا الأوائل إلا الأخذ بهذه الطرق. إن الجملة نسيج لغوي مستقل، وهي كبرى الوحدات اللغوية، وعنصر الكلام الأساس، والروح التي تقوم بها الجملة هي الإِسناد، والإِسناد في حقيقة أمره: نسبة تفيد، وطرفا الإِسناد مسند إِليه ومسند. والإِسناد هو العلاقة النحوية الرابطة بينهما، والإِسناد بطرفيه يمثل البنية النحوية للجملة التي تتكون من وظيفتين نحويتين هما: المبتدأ والخبر في الجملة الاسمية، والفعل والفاعل في الجملة الفعلية، وهاتان الوظيفتان النحويتان تقوم بهما وحدات صرفية، أي كلمات. وهذه الكلمات والارتباطات الصرفية القائمة بينها تمثل البنية الصرفية، وعليه فالجملة إِذا كيان لغوي مزدوج البنية. وترتبط الوحدات الصرفية فيما بينها بعلاقات صرفية تفرضها خصائص أقسام الكلام التي لا علاقة لها بأجزاء الجملة: من مسند إِليه ومسند. وأبرز هذه العلاقات أو الارتباطات الصرفية القائمة بين وحدات البنية الصرفية للجملة هي: المطابقة (في العدد والنوع والإِعراب والتعريف والتنكير). والمطابقة في حقيقة أمرها ما هي إِلا مماثلة الكلمة التابعة نحويا للكلمة المسيطرة نحويا، من ناحية صرفية. وعمدت في هذا البحث إلى طريقة الأوائل في دراسة اللغة؛ فأخذت ديوان شاعر إسلامي، هو عمرو بن أحمر الباهلي، وقمت بدراسة وصفية لظاهرة لغوية في شعره، هي "المطابقة"، فتبينت تلك الظاهرة في شعر الشاعر، وكيف استنبط اللغويون قواعدها وأحكامها. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي كثيرة كثرة بالغة، لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما اقتصرت على الحديث عن الحالات التي أهملت فيها المطابقة، و الحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. مع مراعاة الابتعاد ما أمكن عن الخلافات النحوية. وانخرام المطابقة كثير في العربية، وأنواعه متعددة، وهو من طرائق التعبير عند العرب، والمعول عليه عند انخرامها هو عدم اللبس. إن لابن أحمر مكانة مهمة في لغة العرب وديوانهم؛ إذ كان شاعراً فصيحاً مُقدماً على غيره من الشعراء المخضرمين في فنون الشعر وغريبه، فاستُشهد على اللغة بشعره كثيراً، حتى لا يكاد مصدر من مصادرها يخلو من بيت له، وجعله غير واحد من النقاد القدامى فوق طبقته. وإن أرزاء الدهر ومصائبه أتت على جلَّ تراثنا العربي، فلم ينته إلينا مما قالت العرب إلاَّ أقله. وديوان ابن أحمر ما يزال في ذمَّة التاريخ. وفي العصر الحديث جرت محاولة لجمع شعر ابن أحمر قام بها د. حسين عطوان سنة (1970م)، وأطلق على ما جمعه اسم "شعر عمرو بن أحمر الباهلي". وعلى هذا الجمع اعتمدت في استخراج شواهد البحث والدراسة، مكتفيا بما أثبته من شعره ومهملا ما لم يثبته له. تناولت ظاهرة "المطابقة" في شعر عمرو بن أحمر الباهلي في مدخل وخمسة مباحث وخاتمة. وقد رأى النحاة أن الخبر يطابق المبتدأ، والفعل يطابق الفاعل، والحال تطابق صاحبها، ... إلخ. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة كثيرة كثرة بالغة في الديوان لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما أقتصر في حديثي على الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. فعلت هذا في المبحث الثالث وحتى الخامس، بعد أن تناولت في المبحث الأول التعريف بظاهرة المطابقة في اللغة الاصطلاح، وباختصار مغن. وكان المنهج المتبع في عرض الدراسة يقوم على إيراد تعريف لغوي واصطلاحي للباب النحوي، ثم ذكر الحكم العام للمطابقة النحوية فيه، بعدها أعمد إلى سرد الشواهد التي لا تظهر فيها المطابقة أو التي تحتاج إلى بيان وإيضاح وإضاءتها بأقوال القدماء. ولما كانت الأبيات التي أهمل الشاعر فيها المطابقة، وأجازها النحويون في الشعر لا في النثر، وسموا ذلك "الضرورة الشعرية"، ولما كان انخرام المطابقة كثير في العربية وأنواعه متعددة وهو من طرائق العرب في التعبير، فقد عقدت المبحث الثاني في الدراسة بعنوان (الضرورة الشعرية والمطابقة النحوية). ثم ختمت البحث بذكر النتائج المستخلصة من الدراسة. التمهيد عمرو بن أحمر الباهلي، حياته وشعره: أولا- نسبه: هو عمرو بن أحمر الباهلي من بني معن بن مالك بن أعصُر( 1)، من بني فراص بن معن، ويكنى أبا الخطاب( 2)، ولكنه لم يكن يعرف بكنيته أو بلقبه، وإنما يذكر باسمه، فيقال: ابن أحمر، فيميز بينه وبين من سمي باسمه من الشعراء، ولهذا فهو ممن "عرف باسمه دون لقبه"( 3)، ويؤكد ذلك ابن الأثير فيذكره في الأبناء ويقول: "ابن أحمر: هو عمرو بن أحمر الباهلي، شاعر معروف، يستشهد على اللغة بشعره كثيراً، فيقال: ابن أحمر، ولا يذكر له اسم"( 4). ثانيا- نشأته وصلاته: إنّ أقدم ما نجده من إشارات إلى نشأته الأولى ما رواه ابن قتيبة (ت276هـ) عن أبي عمرو بن العلاء (ت154هـ): " قال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر في أفصح بقعة من الأرض أهلاً، يذبل والقعاقع، يعني مولده قبل أن ينزل الجزيرة ونواحيها"( 5)، فنشأ هذا الأعرابي في بادية نجد، وتهيأت له سبل الفصاحة، حتى أمكن له أن يكون "صحيح الكلام كثير الغريب"( 6)، ثم يكون "الشاعر الفصيح" الذي يتقدم شعراء أهل زمانه( 7). وإن كان هناك عدم تحديد لزمان ولادة الشاعر فإنّ ثمة اتفاقاً بين العلماء على إسلامه، إذ كان شاعراً "من شعراء الجاهلية المعدودين"(8)، قال فيها قصائد كثيرة، وأنّه قد أدرك العقد الأول من ولاية عبد الملك بن مروان (73–86هـ)( 9) حين شكا ظلم السعاة إلى يحيى بن الحكم بن أبي العاص، واليه على المدينة سنة خمس وسبعين للهجرة( 10). لا يعرف أنّ لابن أحمر مشاركة في الدعوة الإسلامية في عهد النبوة، ولا يعلم متى أسلم، وكيف كان إسلامه. ويبدو أنّه في كهولته كان ضعيف الصلة بأكثر الأحداث في عصره وبأكثر الأمراء والخلفاء الذي عاصرهم، وإن كانت المصادر القديمة لا تنكر عليه صلاته ببعض رجال عصره وأحداثه. وذكر المرزباني (ت384هـ) أنَّه أدرك الإسلام، فأسلم. وجعله ابن حجر (ت852هـ) في قسم المخضرمين من الصحابة(11 ). وقد كان أحد الفرسان المجاهدين في الفتوح الإسلامية، ويذكر المرزباني هذا، فيقول: "غزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك"( 12). ويروي الأصفهاني (ت356هـ) أنه "كان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالداً إلى الشام"( 13)، وأنشد فيه شعرا. وأما علاقته بالخلفاء الراشدين، فقد ذكر الأصفهاني أنه "لم يأت أبا بكر"( 14)، والمصادر لا تروي له شيئاً في مدحه والثناء عليه. ولكنه أثنى على عمر بن الخطاب وعلى قومه بقصيدة طويلة، ينشد أبو الفرج بعض ما بقي من أبياتها، وينشد له أيضا في عثمان شعرا( 15). والظاهر أنه كان عثماني الهوى، انحاز إلى المطالبين بدمه والمعادين للإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ويدل على ذلك أمران: أحدهما أنه استشفع لنفسه عند أبي الحسن(رضي الله عنه) برسالة، لم يبق منها غير بيت واحد، يرويه صاحب الأغاني( 16). والآخر أنه كان مقرباً من النعمان بن بشير الأنصاري(17 )، أحد أشهر من مالوا إلى معاوية بن أبي سفيان ضد الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)(18 )، ومدحه ابن أحمر بقصيدة من غرر قصائده( 19). ثالثا- عوره ووفاته: تتفق كلمة العلماء على ذلك الوصف فنراهم يذكرون ابن أحمر في عوران قيس( 20)، أو الصحابة العور( 21)، أو في عوران العرب( 22). وعور ابن أحمر ليس خلقياً، وقد تباينت المصادر في بيان سببه: إذ روى المرزباني أنّه: "غزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك"( 23)، وأما ابن قتيبة فيقول: " كان أعور، رماه رجل، يقال له: مخشي، بسهم، فذهبت عينه"( 24)، ويرويه البطليوسي (ت521هـ) هكذا: "كان رماه رجل، يقال له: مخشي، بسهم ففقأ عينه"( 25). ويبدو أن الرأي الأول يبعد كثيراً، إذ ليس له ما يؤيده في شعر ابن أحمر، وأما الرأي الآخر، فهو نتيجة استقراء واضحة فيما يقوله ابن أحمر نفسه( 26). وكان لهذه العلة أثر جارح في نفسه، أصابت كبرياءه، وظهر هذا في شعره، وهذا الإحساس بالعور تفرد به ابن أحمر. وعلة شاعرنا لم تكن العور فحسب، وإنما يذكر ابن أحمر نفسه أن الماء الأصفر أصابه في شيخوخته، فعالجه بالكي والشكاعى( 27)، فلم يبرأ. والرواة يقولون: كان ابن أحمر قد سُقي بطنه(28 )، فلا يضيفون إلى ما قاله شيئاً، ولكن ابن قتيبة يجعل هذا السِّقي سبباً لوفاته، فيقول، "سُقي بطنه، فمات"(29 ). والرواة لم يتفقوا على العهد الذي أدركه ابن أحمر، بل نجدهم يسكتون عن سنة وفاته، والزركلي من المحدثين أول من يذهب إلى أنه توفي نحو: 65هـ / 685م( 30). فيجعل وفاته عام بايع أهل الشام عبد الملك بن مروان. وابن أحمر نفسه في قصيدته التي اختارها أبو زيد القرشي في الجمهرة( 31) يصرح أنه كان "في الثماني من التسعين"( 32)، حين شكا ظلم السّعاة إلى ابن أبي العاص والي عبد الملك بن مروان على المدينة سنة خمس وسبعين هجرية( 33)، وذلك يؤكد على أن ابن أحمر كان في حوالي التسعين من العمر في الأقل. والرواة يتفقون مرة أخرى على أنه كان شاعراً مخضرماً معمراً، بلغ سناً عالية( 34)، ويتفرد ابن قتيبة عنهم بقوله: "عُمِّر تسعين سنة"(35 )، وهو في شعره ينوه بأنه "شيخ شآم"( 36)، جرّب تسعين حجة"( 37). رابعا- منزلته بين شعراء العربية: عاش ابن أحمر حياة أعرابية في نجد وثقافة توشك أن تكون في تلك النشأة، ومن نجد انتقلت إليه الفصاحة قبل أن ينزل الجزيرة، فأمكن له أن يكون "صحيح الكلام كثير الغريب"( 38)، ثم يكون "الشاعر الفصيح" الذي "يتقدم شعراء أهل زمانه"( 39)، و"يستشهد على اللغة بشعره كثيراً"(40)، فكانت فصاحته من أبرز ما تميزت به ثقافته. ثم إنّ ابن أحمر أسلم، ولكن بقية من جاهلية ظلت في نفسه؛ إذ رأى أبو زيد القرشي (أواخر القرن الثالث) في شعره شيئاً من معالم الإسلام وآخر من آثار الجاهلية معاً، فجعل ابن أحمر من أصحاب المشوبات، وهن سبع قصائد شابهن الإسلام والكفر، اختارها في جمهرته من دواوين سبعة شعراء مخضرمين( 41). وبذلك تحقق لهذا الشاعر الأعرابي أن يكون في طليعة الشعراء الأعلام الذين خاضوا بحره، وإذا ما سأل أبو حاتم أستاذه الأصمعي (ت217هـ)عن منزلة ابن أحمر بين الفحول الشعراء، قال: " قلت: فابن أحمر الباهلي؟ قال: ليس بفحل، ولكنه دون هؤلاء الفحول وفوق طبقته"( 42). وأما ابن سلام (ت231هـ) فجعله في طبقته ثاني أربعة، وهم: كعب بن جُعيل التغلبي، فعمرو بن أحمر الباهلي، فسحيم بن وثيل الرياحي، وأوس بن مغراء السعدي، ثم يرى أن ابن أحمر مقدم على ابن وثيل، فيقول: "عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيل، وسحيم أشرف منه"(43 ). ويجعل أبو عبيدة ابن أحمر في الطبقة الثالثة من فحول شعراء نجد الذين ذموا، ومدحوا، وذهبوا بالشعر كل مذهب"(44 ). ثم يختار القرشي نفسه من شعره قصيدة، يراها من "عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام"(45 )، ويرويها في مشوبات العرب من جمهرته. وإذا كان الأصمعي وضعه فوق طبقته، فإن ثمة ناقد، يقاربه في الرأي، وهو الآمدي (ت370هـ) بقوله: "كان يتقدم شعراء أهل زمانه... وقد ذكرت حاله وأشعاره مع الشعراء المشهورين"( 46)، ولعلهم بذلك يضعونه على رأس طبقة الشعراء المخضرمين الذين نعرف من فحولها: الحطيئة والأعشى والنابغة الجعدي وكعب بن زهير وغيرهم. وهذه المكانة الرفيعة التي تبوأها ابن أحمر كانت موضع اهتمام أهل اللغة والأدب، فصُنع ديوانه، واستشهد بشعره، حتى لا يكاد مصدر من المصادر يخلو من شعر له. |
المبحث الأول مفهوم المطابقة أولا- مفهوم المطابقة في اللغة: مادة (طبق) في المعجمات العربية ذات دلالة معجمية واحدة، وهي: وضع شيء مبسوط على مِثله حتى يُغطِّيَه. وهذا الأصل ظاهر في بعض ما تدل عليه هذه المادة، وخفي في البعض الآخر، لكننا نستطيع أن نرد تلك المعاني إلى هذا القِياس، مع التأمل والتبصر. من ذلك الطَّبَق. تقول: أطبقْت الشيءَ على الشيء، فالأول طَبَق للثاني؛ وقد تطابَقَا. ومن هذا قولهم: أطبَقَ الناسُ على كذا، كأنَّ أقوالهم تساوَتْ حتى لو صُيِّرَ أحدُهما طِبْقاً للآخر لَصَلح. والطَّبَق: الحال، في قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق}(47 ). وقولهم: "إحدى بناتِ طَبَق" هي الدّاهية، وسمّيت طَبَقاً، لأنَّها تعمُّ وتشمل. وقولهم: طَبَّق الحقَّ، إذا أصابه، من هذا، ومعناه وافقه حتى صار ما أراده وَفْقاً للحقّ مطابِقاً له. ثم يُحمَل على هذا حتى يقال طبَّقَ، إذا أصاب المَفْصِل ولم يخطئْه. ثم يقولون: طَبَّقَ عُنقَه بالسيف: أبانَها. فأمَّا المُطابقة فمشْى المقيَّد، وذلك أن رجليه تقعانِ متقاربتين كأنَّهما متطابقتين. والطبَق: عظمٌ رقيق يفصل بين الفَقارتَين. ويد طَبِقة، إذا التزقَتْ بالجنْب. وطابقت بين الشيئين، إذا جعلتَهما على حَذْوٍ واحد. ولذلك سمَّي ما تضاعف من الكلام مرَّتين مُطابَقاً. وذلك مثل جَرجَر، وصَلْصَل، وصَعْصَع. والطَّبَق: الجماعة من الجراد؛ إذ شبِّهت بطبَقٍ يغطِّي الأرض. ويقالَ وَلدت الغنمُ طبقاً وطبقةً، إذا ولد بعضُها بعد بعض. والقياس في ذلك كله واحد. ويقال للعييِّ من الرِّجال: الطَّبَاقاء، وللبعير لا يُحسن الضِّرَابَ طَباقاءُ، وهو من هذا القِياس، كأنَّه سُتر عنه الشَّيءُ حتى أطبق فصار كالمغطَّى( 48). ثانيا- مفهوم المطابقة في الاصطلاح: جاء الحديث عن المطابقة في المصادر النحوية القديمة متفرقا عند التطرق إلى المسائل النحوية المختلفة. فقد ذكر سيبويه (ت180هـ) في معرض الحديث عن لهجة (أكلوني البراغيث): (واعلم أن من العرب من يقول ضربوني قومك، وضرباني أخواك)( 49). وأشار ابن مالك (ت672هـ) لها في صورة من صورها، وهي المطابقة الإعرابية، وسماها بالموافقة، وهي تسمية مرادفة للمطابقة، في (أصل الخبر التأخر لشبهه بالصفة من حيث هو موافق في الإعراب لما هو له، دال على حقيقته، أو على شيء من سببه)( 50). وأشار لها أيضا في معرض الحديث عن الجملة الخبرية الواقعة خبرا من غير رابط فذكر في تعليلها: (لأن الارتباط قد يحصل بكون الجملة نفس المبتدأ في المعنى مستغنيا عن رابطة غيرها)( 51). والجامي (ت898هـ) أول من حد هذا المفهوم من النحاة بقوله في أنّ المطابقة تعني: (الاتفاق في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث)( 52). ويلاحظ أنّ المطابقة في هذا التعريف مقصورة على صورتين من صورها؛ لأن ضرورة الاتفاق في هاتين الصورتين ليس أمرا شكليا، وإنما هي مسألة جوهرية في الأداء اللغوي، يفتح إهمالها اضطرابا في التحصيل والأداء معا( 53). مما تقدم نفهم أن المطابقة من عناصر الوضوح في الجملة وهي من الضمائم الشكلية التي ترفع الغموض وتؤدي إلى أمن اللبس(54 )، وتتحقق في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث والعلامة الإعرابية، والتعريف والتنكير. وأنه لا بد من وجود المطابقة بين أجزاء الجملة من أجل أن تتوثق الصلة فيما بينها، ومن دون تلك الضمائم الشكلية التي تؤدي إليها تنفك عرى الجملة، وتصبح الكلمات المتراصة وحدات منعزلة، زيادة على عدم القدرة على إدراك العلاقات الدلالية بين المتطابقين(55 ). ثالثا- غرض المطابقة: المطابقة النحوية مما لا يستغنى عنها في بناء الجملة؛ فهي من الوسائل التي تعين على إيضاح المعنى المقصود عند غياب القرائن الأخرى، كالإعراب مثلا. وظاهرة المطابقة تعطي للمتكلم والمنشئ سعة في التعبير، وبخاصة عند التقديم والتأخير، زيادة على أنها توثق الصلة بين ركني الجملة الرئيسين، ويتوقف عليها فهم كثير من الأحكام النحوية، ومن دونها لن يكون هناك نظام ترد عليه اللغة وتؤدي بتأثيره وظائفها المختلفة( 56). وزيادة على ما تقدم يمكن عدّ المطابقة النحوية أسلوبا من أساليب التعبير المراد به إقامة نوع من التناسب والتلاؤم بين معاني الكلام في الجملة، وهي معان إضافية يكتسبها الكلام ليوائم المقامات التي يرد فيها( 57). رابعا- أنواع المطابقة: أحوال الاسم عشرة، وهي الرفع والنصب والجر، والتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، والإفراد والتثنية والجمع. ولا يكون الاسم عليها كلها في وقت واحد؛ لما في بعضها من التضاد؛ لأن الاسم لا يكون مرفوعا منصوبا مجرورا في وقت واحد، ولا معرفا منكرا، ولا مفردا مثنى مجموعا، ولا مذكرا مؤنثا بل يجتمع في الوقت الواحد أربعة منها( 58). والمطابقة النحوية إما أن تكون تامة أو جزئية، فالتامة تكون في الإعراب، والنوع، والعدد، والتعريف والتنكير، والجزئية تكون في بعض الصور والقرائن، أي في صورتين من الصور الأربع. وهاتان الصورتان غالبا ما تكونان في العدد والنوع؛ ذلك أنّ أهم الخصائص التي لاحظها النحاة القدماء في التطابق الجزئي هي الناحية الكمية ثم الناحية النوعية( 59). خامسا- صور المطابقة: 1- المطابقة الإعرابية: استأثر الإعراب باهتمام العلماء؛ وهو تلك الظاهرة الواضحة في اللغة العربية، التي تتناول أواخر الكلمات بالتغيير في الحركة أو الحرف، وهي غالبة على اللغة العربية واضحة فيها، تكاد تتميز بها؛ فهو من أكثر الوسائل التي تعين على فهم النصوص والوصول إلى معانيها، والكشف عن الغامض منها( 60)، وهو الفرق بين المعاني المتكافئة في اللفظ وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه ما ميز فاعل من مفعول ولا مضاف من منعوت ولا تعجب من استفهام، ولا صدر من مصدر ولا نعت من تأكيد، وإن كل واحد من وجوه الإعراب دال على معنى، كما تشهد لذلك قوانين علم النحو، وهذا ما تكشف عنه ألفاظ العلماء الآتية: (الإعراب هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت: أكرمَ سعيداً أباه، وشكر سعيدا أبُوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر، الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرحا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه)( 61). (فأما الإعراب ففيه تميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين... وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها فهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعاني)( 62). (قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه هو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه)( 63). (إن الإعراب دليل على المعاني التي تلحق الاسم نحو كونه فاعلا أو مفعولا وغير ذلك)(64 ). وفي نص السهيلي (ت581هـ) هذا إشارة إلى اختصاص الإعراب بالأواخر لأنه دليل على المعاني اللاحقة للمعرب، وتلك المعاني لا تلحقه إلا بعد تحصيله، وحصول العلم بحقيقته( 65). كما اتخذ بعض المؤلفين من ظاهرتي الإعراب والبناء وأحكامهما أساسا لمؤلفاتهم النحوية، فقسموا المباحث إلى المبنيات والمعربات، ثم فصلوا أنواعهما، وقد شاع هذا المنهج في التأليف بين النحاة ابتداء من القرن السابع الهجري تقريبا بادئا بابن معطي (ت628هـ)، فابن مالك، فابن هشام (ت761هـ)، فابن عقيل (ت796هـ)، وما زال شائعا حتى الآن(66 ). والمطابقة الإعرابية تظهر جلية واضحة في باب التوابع؛ لأن الاتفاق في الموقف الإعرابي لا ستلزم بالضرورة أن يتفق فيما وراء هذا الموقف؛ لأن صور التطابق الممكنة هي الرفع والنصب والجر( 67). 2- المطابقة في التعريف والتنكير: ويتوقف على هذه الصورة من صور المطابقة فهم الكثير من الأحكام النحوية؛ من أجل ذلك أولى النحاة عناية فائقة بهذه الصورة حتى غدت بابا نحويا يقصد لذاته، وجعلوا للمعارف مراتب كما أن للنكرات مراتب؛ فالمعارف بعضها أعرف من بعض( 68)، كما أنّ من النكرات ما هو أقرب إلى المعارف( 69). ويقسم الاسم بحسب التعريف والتنكير إلى قسمين: نكرة، وهو الأصل المقدم، ومعرفة، وهو الفرع المؤخر( 70). وقال المبرد (ت285هـ) في باب المعرفة والنكرة: (وأصل الأسماء النكرة وذلك لأن الاسم المنكر هو الواقع على كل شيء من أمته. لا يخص واحداً من الجنس دون سائره، وذلك نحو: رجل، وفرس، وحائط، وأرض. وكل ما كان داخلاً بالبنية في اسم صاحبه فغير مميز منه؛ إذ كان الاسم قد جمعهما)( 71). وصنف النحاة المعارف وميزوا بين أنواعها وأوضحوا دلالة كل منها؛ قال المبرد: (والمعرفة تدخل على أضرب. جماعها خمسة أشياء. فمن المعرفة الاسم الخاص؛ نحو: زيد، وعمرو؛ لأنك إنما سميته بهذه العلامة؛ ليعرف بها من غيره. فإذا قلت: جاءني زيد علم أنك لقيت به واحداً ممن كان داخلاً في الجنس لبيان من سائر ذلك الجنس... فإن عرف السامع رجلين، أو رجالاً كل واحد منهم يقال له زيد فصلت بين بعضهم وبعض بالنعت فقلت: الطويل، والقصير؛ لتميز واحداً ممن تعرفه، فتعلمه أنه المقصود إليه منهم. فإن كان هناك طويلان أبنت أحدهما من صاحبه بما لا يشاركه صاحبه فيه. وهذا نوع من التعريف... وهذه المعارف بعضها أعرف من بعض، ونحن مميزو ذلك إن شاء الله؛ كما أن النكرة بعضها أنكر من بعض.)( 72). والمطابقة في التعريف والتنكير من المباحث التي لها علاقة وثيقة بمباحث نحوية أخرى، كالمطابقة بين المبتدأ والحبر من جهة التعريف والتنكير، وحسب القواعد والأصول التي وضعها النحاة القدماء، والمطابقة في بين الحال وصاحبها، والتمييز والمميز، والعدد وتمييزه، وغيرها من الموضوعات النحوية التي تعين بها قرينة المطابقة في التعريف والتنكير على التعرف على الحكم النحوي. 3- المطابقة في الإفراد والتثنية والجمع: اعتنى النحاة بالتمييز بين الإفراد والتثنية والجمع؛ لما لمسوه في اتساع الصيغ المعبرة عن هذه المعاني ودقتها في مراعاة التراكيب، فوضعوا الأصول التي تطرد في ضوء النصوص التي استقرؤها وأولوا ما شذّ منها، فذكروا أنّ من خواص الإسناد في العربية مراعاة الإفراد والتثنية والجمع في الجمل الاسمية، فالمبتدأ أمثلا لا بد له من خبر يساويه في عدته( 73). وأوضح الزجاجي (ت340هـ) معنى التثنية بقوله: (ضم اسم إلى اسم مثله في اللفظ فيختصر ذلك بأن يقتصر على لفظ أحدهما إذ كان لا فرق بينه وبين الآخر ويؤتى بعلم التثنية آخرا فيعلم أنهما قد اجتمعا وصارا بمنزلة شيء واحد، إلا أنّ الإخبار عنهما يقع على المعنى)( 74). ويرى ابن مالك أنّ التثنية أمر طارئ على الإفراد، في قوله: (التعريف طارئ على التنكير كطروء التثنية على الإفراد فيسوى بينهما بجعل علامة لكل واحد منهما حرفين، أحدهما في حال دون حال)( 75). والتثنية تختص بالأسماء وحدها دون الأفعال والحروف( 76)، وفائدة هذا الأمر: (شفع المعنى المفرد فيما تحته معنى من السماء، وما لا معنى تحته، ففائدتها شفع الإفراد بشرطها، ومدلولات الأفعال في اصل الوضع أجناس، فلم تكن فيها التثنية كما لم تكن في مدلولاتها ولم يعتد بما عرض فيها عند التركيب في المعنى على أصلهم في عدم الاعتداد بالعارض... وأما الحروف فغير مستقلة في إفادة معناها، فأشبهت حروف الهجاء، فلم يصح تثنيتها، كما لم تثن حروف الهجاء)(78 ). والنحاة في دراستهم للإفراد والتثنية والجمع استوقفتهم حالات شذت عن قواعد المطابقة التي أصلوها في مسائل التثنية، فاجتهدوا في بيان علل الشذوذ في ضوء دلالة المفردات ومعاني الجمل وسياق الكلام(79 ). أما الجمع فهو: (ضم واحد إلى أكثر منه بشرط اتفاق الألفاظ، وفائدته الدلالة على أكثر من اثنين، وأمره كأمر التثنية في جميع ما ذكر فيها)( 80). ومما تقدم يتضح أنّ المطابقة في الإفراد والتثنية والجمع من الصور المهمة التي تراعيها اللغة العربية. وتحققها بين ركني الإسناد في الجملة يعد قرينة تضاف إلى السابقة في سبيل توضيح المعنى المطلوب من الجملة( 81). وفي هذا تحقق لمبدأ تضافر القرائن( 82). 4- المطابقة في التذكير والتأنيث: المطابقة في التذكير والتأنيث يراعى في كثير من الأبواب النحوية، كإسناد الفعل إلى الفاعل، والمبتدأ إلى الخبر، وبين النعت والمنعوت. أما شذوذ قسم من الشواهد عما اتفق عليه النحاة من مطابقة المسند للمسند إليه، والنعت للمنعوت، من حيث التذكير والتأنيث، إذا كان المسند إليه مؤنثا حقيقيا أو بنحوه، فقد وضع لها النحاة تعليلات مناسبة لكي تنتظم الأصول والقواعد، التي وضعوها بشأن المطابقة بين المسند والمسند إليهم من حيث التذكير والتأنيث التي هي أمر جوهري في الأداء اللغوي وليس شكليا، وإنّ إهمالها يجعل في الكلام اضطرابا في التحصيل والأداء جميعا( 83). إن الشعر من المصادر الرئيسة التي استمد منها العلماء قواعد اللغة وأصولها. ولكنهم وجدوا فيه بعض الألفاظ والتراكيب التي تشذ عن هذه الأصول التي استنبطوها منه ومن كلام العرب المحتج بكلامهم فدفعهم ذلك إلى التأمل والتماس العلل. لقد رأى النحاة أن الخبر يطابق المبتدأ، والفعل يطابق الفاعل، والحال تطابق صاحبها، إلى غير ذلك. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة كثيرة كثرة بالغة في شعر شاعرنا وإنما سأقتصر في حديثي على الحالات التي أهملت فيها المطابقة، والحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير، وبعضها ما ارتكبها الشاعر بعنوان الضرورة الشعرية. إن قضية الضرورة من الموضوعات التي شغلت القدماء والمحدثين من النحاة والنقاد؛ للعلاقة المتينة بين اللغة والشعر، وهذا ما سنتناوله في الفقرة القادمة إن شاء الله. |
سادسا- الضرورة الشعرية والمطابقة النحوية لقيت لغة النثر والشعر عناية من علماء العربية من حيث اتفاقُهما أو اختلافهما في بناء الألفاظ وصياغة العبارات، وكذا الخضوع لقواعد اللغة، والنحو حسب طبيعة كلٍّ منهما. وكانت النظرة في بادئ الأمر إلى فنّيَ الشعر والنثر واحدة من حيث الخصائص التعبيرية في صياغة العبارة وبناء الألفاظ؛ بدليل اشتراكهما في شواهد اللغة والنحو، على الرغم من التفاوت الملحوظ في طريقة الصياغة أو الإعراب. وغاية ما في الأمر أنَّ هذا التغير عندهم يُعدُّ شذوذاً عن القاعدة قد يرقى إلى درجة الجواز إذا جاء في القرآن أو الحديث، أو المقبول إذا جاء على لسان شاعر كبير ممن يستشهد بشعرهم. وما عدا ذلك خطأ لا ذكر للضرورة فيه. وقد كان درس الضرورة الشعرية مرحلة من مراحل إقرار قواعد الاستعمال اللغوي بناء على استقرار القاعدة النحوية، فرُدَّ التصرف الشعري بالنسبة إلى قواعد النحو وأصل الوضع إلى الاضطرار وركوب الضرورة، بعد التأمل فيه والتماس العلل. 1- طبيعة الشعر وعلاقته بالضرورة: ثمة ما يشبه الاتفاق على أن للشعر لغة خاصة تمتاز بسمات معينة تميزه من لغة النثر. والإقرار بهذا يعني أنّ الحكم على لغة الشعر ينبغي أن ينبثق من إدراك لطبيعة لغة الشعر دونما تحكيم لمعايير لغة النثر، لأن مثل ذلك التحكيم يؤدي إلى أن تفقد اللغة الشعرية الكثير من سماتها. ولعل أكثر ما يمكن أن ينطبق على لغة الشعر هو أنها لغة النفس بكل ما في النفس من توتر وانفعال، في حين أنّ لغة النثر أقرب إلى برود العقل. ومن الممكن أن نَسِم لغة الشعر بأنها لغة انفعالية، ولغة النثر بأنها تعاملية أو منطقية( 84)، ففي اللغة الانفعالية "يقتصر الاهتمام على إبراز رؤوس الفكرة؛ فهي وحدها التي تطفو وتسود الجملة، أما الروابط المنطقية التي تربط الكلمات بعضها ببعض، وأجزاء الجملة بعضها ببعض فإمّا ألاّ يُدَلّ عليها إلا دلالة جزئية بالاستعانة بالتنغيم والإشارة إذا اقتضى الحال، وإمّا ألاّ يُدَلّ عليها مطلقاً ويترك للذهن عناء استنتاجها. هذه اللغة المتكلمة تقترب من اللغة التلقائية، ويطلق هذا الاسم على اللغة التي تنفجر من النفس تلقائياً تحت تأثير انفعال شديد، ففي هذه الحالة يضع المتكلم الألفاظ الهامة في القمة، إذ لا يتيسر له الوقت ولا الفراغ اللذان يجعلانه يطابق فكرته على تلك القواعد الصارمة قواعد اللغة المتروية المنظمة، وعلى هذا النحو تتعارض اللغة الفجائية مع اللغة النحوية"( 85). والحق أننا نروم من خلال إيراد مثل هذا الكلام ههنا الخلوص إلى أن ما شاع عند القدامى من نحويين وبلاغيين ونقاد مما سمّي "الضرورة الشعرية" كان في القسم الكبير منه مظهراً من مظاهر لغة الشعر التي يحلّق الشاعر بها في فضاء رحيب من الخيال غير ملتزم بما يسمى قيود اللغة، إذ أنَّ الشاعر الحق هو من يطوع تلك القيود لفنه. ولكن لا ينبغي لنا أن نظن بأن من السهل على الشاعر أن يكون أكبر من العروض واللغة، كما لا ينبغي الظن بأن الشعر سهل المسالك خال من القيود، فليس الأمر كذلك، وليس ثمة فن يخلو من قيود ... ولكنها القيود التي تؤدي إلى غنى الفنِّ لا إلى تجميده. وهكذا فإن القافية وهي مما جرى اعتباره ضمن القيود " كثيرا ما تسوق الشاعر إلى معنى لم يكن بباله"( 86). وطبعاً فإن مثل هذا المعنى إنما يتصيده المتلقي أو يلوح للمبدع نفسه بعد أن يفرغ مما كتب. إن الالتفاته إلى أن القافية هي من قيود الشعر تصلنا برؤية العلماء القدامى التي كانت تعد الوزن والقافية قيدين ترتبط بهما "الضرورة" ارتباط النتيجة بالسبب، فالوزن يحمل على الضرورة، والقافية تضطر إلى الحيلة( 87). وعلى مثل هذا النحو كانت نظرة كثير من القدامى فهي عند بعضهم رخصة"( 88). وعند بعضهم الآخر "خطأ" أو "غلط" أو "شذوذ"(89 ). وهي عند أبي هلال العسكري "قبيحة" إذ يقول "وينبغي أن يجتنب ارتكاب الضرورات، وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية؛ فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه، وإنما استعملها القدماء في أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب بداية. والبداية مزلة، وما كانوا أيضاً تُنْقَد عليهم أشعارهم، ولو قد نُقدت وبُهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها"( 90). والشعر كلام موزون بأفاعيلَ محصورة في عدد معيّن من الحروف، والحركات، والسكنات، ويستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيَّدة بالوزن، والقافية أن يلجأ قائله، أحياناً، إلى الخروج عن القواعد الكلّيّة وارتكاب ما ليس منها؛ إمّا بزيادة اللفظ أو نقصانه أو تغيير في تركيب الجملة من تقديم وتأخير أو فصل بين متلازمين، وغير ذلك مما لا يُستجاز في الكلام مثله( 91). وليس ثمة حاجة إلى إيراد مزيد من النصوص، إذ يبدو أن هذه النظرة إلى"الضرورة الشعرية" كانت شائعة قديماً سواء عند أهل العروض أم عند أهل اللغة أم النحو أم البلاغة، فالشعر عندهم موضع اضطرار، أو أسير الوزن. والوفاء للوزن قد يقتضي من الشاعر أن ينحرف بالكلمة أو بالتركيب عما تقتضيه قواعد اللغة من نحو وصرف. والنتيجة التي يؤدي هذا الفهم إليها هي أن الوزن قيد يحد من حرية الشاعر( 92). وعلى الرغم من أن ابن رشيق (ت456هـ) رأى كما مرّ معنا سابقاً "أنه لا خير في الضرورة" فإنه يقع فيما يشبه الاستدراك على نفسه حين يختتم حديثه عن "الرخص في الشعر" بعرض" أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاما لا تصرفا وضرورة "( 93). والذي نريده ههنا أنه قال عقب هذا القول رأسا: "فإذا وقع مثلها [يعني الأشياء] في الشعر، لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له، ولا تفتيش عنده ..."( 94). لقد اعتبر ابن رشيق مثل هذه الأشياء التي جرت العادة أن تحمل على الضرورة في الشعر، مظهراً من مظاهر البلاغة والفصاحة فإن مجرد ورود مثلها في القرآن، وهو الذروة في البلاغة والفصاحة والمثال الذي يحتذى، كاف في تسويغها بل عدّها من مظاهر القوة الشعرية أيضاً. ونقف أخيراً على كلام لبهاء الدين السبكيّ (ت763هـ) يتضح فيه جلياً أن ما قد يعدُّ ضعيفاً وغير فصيح في الكلام النثريّ قد يعد في الشعر على خلاف ذلك قوياً وفصيحاً. وقد عرض السبكي لهذا الرأي في سياق حديثه عن عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في مثل "ضرب غلامه زيدا"( 95). ومن الواضح أن السبكيّ مدرك تمام الإدارك أن للكلام مستويين: مستوى نثرياً وآخر شعرياً. وأن ما يُحكم عليه بالضعف في الكلام النثري قد ينقلب في الشعر فيغدو قويا، فهذا ينبغي أن يكون مثل جعلهم ما ليس بجائز في الكلام جائزاً في الشعر. وهو ما جرت تسميته "بالضرورة". بيد أن هذا ليس في مكنة كل من يتعاطى قرض الشعر. وعلى الرغم مّما يمكن أن نجده من التضييق في مفهوم الضرورة عند بعض اللغويين والنقاد فإن ذلك لا يعني أن كل النقاد أخذوا بمثل هذا التضييق؛ ولذلك فقد بالغ مصطفى ناصف في تعميمه الجازم حين قال: "فالمخالفات النحوية اعتبرت على أيدي النقاد جميعاً هفوات، ذلك لأن الشعر ينبغي ألا يخرج على حدود المستوى الأول أو الصورة الوهمية السابقة، ومن أجل ذلك تعقبوا ما سمّوه سقطات المتنبي وسقطات الجاهليين"( 96)؛ لأنا سنرى وشيكا، موقف اللغويين من الضرورة الشعرية. وبعد أن اتضحت بعض معالم اللغة الشعرية، والدافع إليه، وقد كان الاضطرار والتجوز أهم مميزاتها، نقف وقفة يسيرة عند مصطلح الضرورة، وما ناب منابها من الرخصة والتجوز؛ لأن باب الضرائر باب من العلم لا يسع الشاعر جهله ولا يستغني عن معرفته ليكون له حجة لما يقع في شعره مما يضطر إليه من استقامة قافية أو وزن بيت أو إصلاح إعراب. 2- مفهوم الضرورة لدى النحويين: ضرورات الشعر أو رخصه يعنى بها مجموعة الممكنات والإباحات التي يحق للشاعر، دون الناثر، أن يستغلها في شعره من غير أن يعاب بها أو تنعى عليه، وهي من مباحث علم النحو؛ لكونها تدفع الشاعر إلى مخالفة القياس في بناء الجملة وفي عمل الأدوات وكذا التغيير في تركيب الجملة(97). وقد كان النحاة يقفون إزاء الأبيات المخالفة لمذاهبهم وأقيستهم فيعمدون إلى التأويل لإدخالها ضمن هذه الأقيسة، فأصبحت تلك الأبيات الخارجة عن القياس المألوف ميداناً رحباً لتأويلات النحاة وتعليلاتهم، فدخلت بسبب ذلك ضمن الخلاف النحوي؛ إذ كل طرف لا يتردد في إلقاء جملة مما احتج به الطرف الآخر في بحر الضرورة. ولقد حاول كمال بشر أن ينأى "بالضرورة" عما حُمّلت به، فرأى أنها "ليست من باب الخطأ، كما يظن بعض الناس. [وإنما هي] تجيء على قاعدة جزئية تختلف مع القاعدة التي سموها قاعدة عامة، أو تجيء على وفاق لهجة من اللهجات، أو تجيء على وفاق مستوى لغوي معين..."(98). ويفسر أحمد مختار عمر لجوء النحاة إلى الوصف بـ"الضرورة" علىأنه مخرج لهم حين تعجزهم الحيل عن إيجاد علة منطقية لتفسيرها، "فأطلقوها دون قيد، لتكون سيفاً مصلتا وسلاحاً يشهرونه في وجه كل بيت يخالف قواعدهم ويعجزون عن تخريجه، فيجدون المخلص في هذا الوصف السهل يلقونه دون نظر أو تفكير"(99). ولكنّ هذا القول لا يخلو من حيف، فنحن نرى أن النحاة ما انفكوا عن النظر والتفكير، بيد أن المعيارية هي التي غلبت عليهم، وهي التي حرصوا عليها، فكان الوصف بالضرورة من مظاهر هذه المعيارية. ومهما يكن من أمر هذه المعيارية فإن النظرة إلى الضرورة الشعرية لم تكن على نحو واحد؛ فقد يكفي أن نقرأ للخليل بن أحمد (ت175هـ)كلاماً يلامس فيه ما ينبغي أن يتسم به الشاعر من حرية وامتياز، إذ يقول: "والشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاؤوا، ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده... ومد المقصور وقصر المددود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرّبون البعيد ويبعّدون القريب ويُحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق، والحقّ في صورة الباطل"(100). ويعلّق حازم على هذا بالقول: "فلأجل ما أشار إليه الخليل رحمه الله من بعد غايات الشعراء وامتداد آمادهم في معرفة الكلام واتساع مجالهم في جميع ذلك، يحتاج أن يحتال في تخريج كلامهم على وجوه من الصحة، فإنهم قلما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم، فليسوا يقولون شيئاً إلا وله وجه، فلذلك يجب تأوُّل كلامهم على الصحة، والتوقف عن تخطئتهم فيما ليس يلوح له وجه، وليس ينبغي أن يعترض عليهم في أقاويلهم إلا مَن تُزاحم رتبتُه في حسن تأليف الكلام وإبداع النظام رتبتَهم"(101). والحق أن كلام الخليل هذا فريد في بابه، وكان منتظراً له أن يتكرّر بقوة أكبر عند تلميذه سيبويه، ولكن هذه القوة لم تحدث. وعلى الرغم من ذلك فإن سيبويه قد عقد للضرورة باباً سمّاه "باب ما يحتمل الشعر"(102). والذي يمكن استخلاصه من كلام سيبويه هو أنه أدرك أن للشعر لغة خاصة به يقع فيها الذي لا يقع في الكلام العادي، ويقول: "اعلم أنه يجوز في الشعر مالا يجوز في الكلام من صرف مالا ينصرف، ويشبهونه بما ينصرف من الأسماء لأنها أسماء كما أنها أسماء. وحذف مالا يحذف، ويشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفاً"(103) ثم قال بعد أن أورد جملاً مما يجوز في الشعر دون الكلام: "ليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهاً "(104). والظاهر من هذا أن سيبويه يقر بوقوع الضرورة، ولكنه يشير إلى إمكان تسويغها على وجه من الصواب؛ أي أن سيبويه يجهد في ألاّ يُخَطَّأ الشاعر(105). ولعل أبا بكر بن السراج قد سبق في بداية القرن الرابع إلى تثبيت مبادئ في الضرائر الشعرية بقوله: "ضرورات الشعر أن يضطر الوزن إلى حذف، أو زيادة، أو تقديم أو تأخير في غير موضعه، وإبدال حرف، أو تغيير إعراب عن وجهه على التأويل، أو تأنيث مذكر على التأويل"(106). وهذا النص يمكن عدُّه الأساس التاريخي الأول لحركة التأليف، والكتابة المنهجية عن الضرورة. ويمكن اعتبار تذكير المؤنث الذي لم يذكره أبو بكر داخلاً ضمن الحذف الذي أشار إليه. أما أبو الحسن الأخفش (ت215هـ) فيرى أن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغيره في كلامه؛ لأن لسانه قد اعتاد الضرائر، فكثيراً ما يقول: جاء هذا على لغة الشعر، أو يحمل على ذلك قوله تعالى: {قَوارِيراً مِنْ فِضَّةٍ}(107) في قراءة من قرأ(108) بصرف "قوارير"(109). وهذا الاتجاه في الرأي يقلل من وجود ما يسمى بالضرورة من قبل أنه يبيح للشاعر في كلامه المعتاد ما لا يباح لغيره إلا في الاضطرار لاعتياد لسانه الضرائر على حدِّ تعبيره(110). أما حمزة بن حسن الأصفهاني (ت360هـ) فإنَّه لا يكتفي بأن يقرّ الضرورة فحسب، بل هو يعدها وسيلة من وسائل نماء اللغة وغناها، وعلى الرغم من أنه يرى أن الضرورة سببها ما في الشعر من مضايق يرى أن الشعراء يبتكرون بسبب من هذه المضايق صيغا ومفردات تدخل متن اللغة وتزيد في غناها(111). إن عدداً من العلماء القدامى فهموا الضرورة على غير ما يوحي به اسمها؛ أي على أنّ استعمالها لا يكون اضطرارا دائماً وإنما هي تأتي في أحايين كثيرة على نحو اختياري حرّ مقصود في ذاته؛ فقد ورد التعريف بالضرورة على أنها "ما وقع في الشعر دون النثر، سواء كان للشاعر عنه مندوحة، أم لا"(112)؛ أي أن الشاعر إذا وقع فيما يسمى بالضرورة وكانت له عنها مندوحة فهذا يعني أنه يقصد إليها قصدا، وأن له من ورائها غاية فنية أو غير فنية. إنَّ ما جاء به ابن جني (ت392هـ) في أمر الضرورة ذو أهمية بالغة. وخلاصة كلامه تؤدي به إلى أن يُسلَك ضمن هذا الاتجاه الذي يمثل التعريف الآنف أحسن تمثيل. فيرى ابن جني أن "الشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيراً ما تُحرّف فيه الكلم عن أبنيته،وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها لأجله"(113). إنَّ ابن جني ههنا يميل إلى اعتبار الشعر موضع اضطرار. فأما سبب الاضطرار فلعله الوزن وإن لم يصرّح بذلك. ويكاد ابن جني في هذا النص يكرر ما رأيناه عند سيبويه؛ فهو مع ذهابه إلى أن الشعر موضع اضطرار يرى إمكانية الاعتذار. ولعل من الاعتذار أن تُحمل الضرورة على وجه من الصواب مثلما ذهب سيبويه. |
على أن لابن جني رأياً آخر في الضرورة يذهب فيه إلى أن العرب تركب الضرورة مع قدرتها على تركها، وهي " تفعل ذلك تأنيساً لك بإجازة الوجه الأضعف لتصح به طريقك، ويرحُب به خناقك إذا لم تجد وجها غيره، فنقول : إذ أجازوا نحو هذا ومنه بدّ وعنه مندوحة، فما ظنك بهم إذا لم يجدوا منه بدلا، ولا عنه معدلا، ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها؛ ليُعِدّوها لوقت الحاجة ؛إليها(114)، ثم يستشهد على ذلك بجملة أبيات من الشعر يعلّق بعد كل واحد منها بأن الوزن ليس هو ما ألجأ الشاعر إلى الضرورة؛ وإنما كان ذلك منه رغبة في الاعتياد عليها(115) حتى يكون وقعها عند ارتكابها اضطراراً أخف على الناس وطأة مّما لو لم يعتادوا سماعها. ويذهب ابن جني إلى أبعد من ذلك حين يرى أن مرتكب الضرورة يرتكبها لا عن ضعف وعجز، وإنما عن قوة طبع وفيض(116). وإذ يرى ابن جني أن الشاعر لم يرتكب الضرورة مضطراً بل حراً مختاراً، فإنه بعد قليل من كلامه ذاك يذكر أن انجلاء المعنى في ذهن الشاعر يجعله حين يقع فيها غير مدرك لها " فكأنه لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعباً، ولا جشم إلا أَمماً، وافق بذلك قابلاً له، أو صادف غير آنسٍ به، إلا أنه هو قد استرسل واثقاً، وبنى الأمر على أنه ليس ملتبساً"(117) هذان إذاً تفسيران يعرضهما ابن جني لارتكاب ما سميّ بالضرورة: تفسير يجعل الشاعر واعياً بما يفعل، ومدلاً بقوة طبعه، وآخر يجعله غير واع يما يفعل حين تنثال عليه الألفاظ فيصوغها في شكل يظنّه واضحاً لغيره مثلما هو واضح في نفسه. على أن المهم في كلام ابن جني ميلُه العامّ إلى اعتبار ما سمي بالضرورة أمراً سائغاً للشاعر ارتكابه، خاصة من كان ذا فصاحة واقتدار لغويّ. وهو بعد أن يستعرض جملة من الضرائر يقول : "إذا جاز هذا للعرب من غير حصر ولا ضرورة قول كان استعمال الضرورة في الشعر للمولدين أسهل وهم فيه أعذر"(118) وربما أمكن عقد صلة بين ما يقوله ابن جني هنا وبين بحثه في "شجاعة العربية" فالضرورة ما هي إلا مظهر من مظاهر هذه الشجاعة. وثمة من شارك ابنَ جني رأيه في الضرورة؛ فقد ورد عن معاصره أبي الطيب المتنبي أنه قال: "قد يجوز للشاعر من الكلام مالا يجوز لغيره، لا للاضطرار إليه، ولكنْ للاتساع فيه واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون"(119). وقال: " وللفصحاء المدلين في أشعارهم مالم يسمع من غيرهم..."(120).وإلى هذا المذهب ذهب كل من الأعلم الشنتمري (ت476هـ)، والرضي (ت686هـ)(121)، وأبو حيان (ت745هـ)(122)، وابن هشام(123)، والبغدادي (ت1093هـ) (124). ويختلف موقف أحمد بن فارس (ت395هـ) من ضرائر الشعر عن موقف النحويين جميعهم؛ إذ لا يكاد يعترف بما يسميه النحاة ضرورة، فيتعيّن على الشاعر أن يقول بما له وجه في العربية، ولا ضرورة فيه حينئذٍ. فإن لم يك ثمة وجه منها رُدَّ وسمّي باسمه الحقيقي وهو الغلط أو الخطأ، ولا داعي للتكلف واصطناع الحيل للتخريج (125). وافتتح ابن عصفور (ت669هـ) كتابه "ضرائر الشعر" بالقول: "إن الشعر لما كان موزوناً... أجازت العرب فيه مالا يجوز في الكلام؛ اضطروا إلى ذلك أم لم يضطروا إليه ، لأنه موضع ألفت فيه الضرائر"(126). وبحسبنا من هذا القول التفاتته إلى أنّ ما لا يجوز في الكلام قد يأتي في الشعر دونما اضطرار إليه؛ لأن هذا الذي لا يجوز في الكلام هو مما يقوم عليه الشعر حتى لكأن وروده في الشعر صار أمراً مألوفاً. ولعل هذا هو مؤدّى قوله: إن الشعر"موضع ألفت فيه الضرائر. على أن الشاعر لا يخرج عن القواعد المذكورة كيفما اتفق، وإنما يسلك طريقة لها وجه في العربية. قال سيبويـه: "وليس شيءٌ يضطرون إليـه إلاّ وهم يحاولون به وجهاً"(127). ولا يبعد مفهوم ابن مالك للضرورة عن مفهوم سيبويه المتقدم وهو أن الضرورة ما لا مندوحة للشاعر عنه بحيث لا يمكن الإتيان بعبارة أخرى(128). فنراه قد ضيّق من مفهوم الضرورة، إذ هي عنده "ما ليس للشاعر عنه مندوحة"(129)، فأما ما لا يؤدي الوزن والقافية إليه فليس هو من الضرورة في شيء(130). وهذا الاتجاه في فهم الضرورة قد شُهر به إلى ابن مالك، حتى إن كثيراً ممن خالف هذا المنهج كأبي حيان الأندلسي وجّه نقده إلى ابن مالك وحده ولم يتعرّض لسيبويه(131)، (ومعنى هذا أنّ رأي هذين الإمامين لما امتازا به من سعة رواية ونفاذ رأي ينبغي أن يكون له وزنه في دراسة اللغة؛ لأنه نابع من فهم لخصائصها أصيل وحسّ بها غير مدخول)(132). ويشير الشاطبي في معرض رده على ابن مالك إلى أمر مهم جداً، وهو أن الضرورة قد جاءت اختيارا وأن من ورائها غاية معنوية، في قوله: " أنه قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر، واحدة يلزم فيها الضرورة إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال، ولا شك أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة؛ لأن اعتناءهم بالمعاني أشدّ من اعتنائهم بالألفاظ"(133). ثم إن الشاعر قد يتاح له في حرارة التجربة الشعرية غير عبارة عن الفكرة الواحدة، لكنه لا يختار من الألفاظ إلا ما يأنس فيه الملاءمة التامة للمعنى الذي ينشده وإن ساوره قلق فني في دقة لغته، وقدرتها على التعبير عنه. فإذا ثبت هذا وأنه هو واقع الشعر اللغوي فإن التفكير بنفي الضرورة، ومحاولة استبدالها بما لا ضرورة فيه أمرٌ من الصعوبة بمكان على الشاعر، ناهيك عن الناقد اللغوي، والنحوي وذلك لتفاوت القدرات على تخيّل الألفاظ، واستحضارها من المعاجم الذهنية المختلفة في سعتها، وتنوعها، وصفائها. ويبدو أنّ ما أدّى بابن مالك إلى أن يضيِّق من مجال الضرورة هو منهجه في الاعتداد باللهجات المختلفة والقراءات القرآنية والحديث النبوي؛ فإذا ورد من هذه شيء مما يقول النحاة عن نظيره إنه من الضرورة لا يعده هو كذلك، بل يعيد كل ظاهرة إلى أصلها، وقد نص على أنه لهجة قبيلة معينة، وضرورة عند غيرهم.(134). وعلى ذلك فإن ابن مالك لا يسدّ باب الضرورة وإنما يضيقه(135). (ولعله في هذا متأثر بسيبويه. وهذا يشعر بأنهما يدركان أن للشعر نظاماً خاصاً به في صرفه، ونحوه ينبغي أن يدرس وحده منفصلاً عن النثر، ولكن النظرة السائدة إلى وحدة اللغة جعلت هذه الملاحظة تقف عند حدّ الإدراك الذي لم يؤيده التنفيذ العملي)(136). ولعل أهم ثمرة للخلاف بين الجمهور من جهة، وسيبويه وابن مالك من جهة أخرى؛ أن الضرورة واسعة المدلول حسب رأي الجمهور؛ فهي تشتمل كل ما ورد في الشعر، أو كَثُر فيه سواء أكانت له نظائر في النثر أم لا. فكثرت أنواع الضرائر نتيجة لهذا؛ لأنهم لا يريدون تمزيق القاعدة أو الإكثار من القواعد فاستندوا إلى هذا الحكم الضرورة في كل بيت يخالف القاعدة. وأما على رأي سيبويه، وابن مالك فإن ما يجد الشاعر عنه بدلاً لا يعدُّ ضرورة، بل نوع من التغيير يجوز في الشعر والنثر على حد سواء(137). والراجح، مما مرّ آنفا، ما ذهب إليه جمهور النحويين من أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا؛ لأن الشعر كلام موزون بأفاعيل محصورة يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيدة بالوزن، والقافية، أن يلجأ قائله أحياناً إلى الضرورة. فالضرورة ما وقع في الشعر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أو لا. صحيح أنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره لكن الشاعر غير مختار في أموره كلها، فقد لا يخطر بباله في ذلك الموضع إلا هذه اللفظة المؤدية إلى الضرورة. وكثير من أشعار العرب يقع في غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه، ولا يلزم الشاعر وقت الإنشاد استحضار التراكيب المختلفة ليوازن بينها ويختار منها ما خلا من الضرورة ويبتعد عما سواه. وقد ربط البعض الترخص بالسليقة، فلا رخصة لمن لا سليقة له، ومن هنا كان رفض بعض الباحثين القول بالضرورة في الشعر بناء على أن للشعر لغته الخاصة به، ولا يصح أن تقيد بمعايير لغة النثر وإلا اختلطت المستويات اللغوية واضطربت الدراسة، إذ في لغة الشعر تظهر سمات خاصة لا يجوز أن تعد ضرورة بل تنسج مظاهر الضرورة "تحت خصائص الشعر كما تعارف عليه أهله وليس في ذلك ضرورة، يقول محمد حماسة :" إن مصطلح الضرورة الشعرية لا يمثل واقعا لغويا حقيقيا، وقد اضطروا إليه اضطرارا نتيجة للمنهج الذي سلكوه في جمع اللغة والتقعيد لها."(138). ومغزى هذا أن للشعر لغة خاصة به أوضح ما يميزها هو الترخص. ولعل هذا قد اتضح من خلال ما سقناه من نصوص لامس فيها أصحابها الفكرة على نحو مباشر أو غير مباشر. 3- أنواع الضرورة: أ- الضرورة لا تنحصر بعدد معيّن: ليس المقصود ببيان أنواع الضرورات بيان عددها؛ إذ الضرورة لا تحصر بعدد معين على الرأي الصحيح، فلا عبرة من حصرها في عشر؛ وذلك لأن الضرورة بابها الشعر وشعر العرب لم يحط بجميعه أحد فكيف يمكن حصر الضرائر بعدد دون آخر. ولعل أقرب تعريف يمكن إطلاقه على الضرورة الشعرية هو: الخروج على القواعد النحوية، والصرفية؛ لإقامة الوزن وتسوية القافية(139). ومما ساعد على وجود الضرائر وكثرتها اختلافُ نظرة العلماء إلى مصادر الاستشهاد، ومواقفهم المختلفة منها. واختلفت نظرتهم كذلك إلى مدلول الضرورة الشعرية ذاتها فسلكوا في فهمهم لها وجهات متباينة فصارت الظاهرة الواحدة ضرورة شعرية على رأي في حين أنها لا تُعدُّ كذلك في رأي مغاير(140). ولما كان أمر الحصر غير ممكن فإن تقسيم الضرائر يجب أن يقوم على ملاحظة وصفية لمواد الضرورة، وقد سلك النحاة، كما ذكر آنفا، طرائق في تقسيم الضرورة: الأولى: تقسيم على أساس الحذف والزيادة والتغيير... وهذا الاتجاه أشهر مما عداه لأنه يقوم على ملاحظة وصفية لمواد الضرورة ولذلك فهو أقرب تناولا وأسهل مأخذا(141). الثانية: تقوم على أساس الحسن والقبح والتوسط بينهما، وهذا التقسيم شائع عند النقاد والأدباء؛ "وقد يضطر الشاعر فيقصُر الممدود، وليس له أن يمد المقصور. وقد يضطر فيصرف غير المصروف، وقبيح ألاّ يصرف المصروف... وأما ترك الهمز من المهموز فكثير واسع لا عيب فيه على الشاعر. والذي لا يجوز أن يهمز غير المهموز(142). الثالثة: تقوم على ترتيب الضرائر على أبواب النحو، كسيبويه، الذي لم يفرد للضرورة باب خاصا واكتفى بعرض نماذج لها عند تناوله لأبواب النحو. ب - الضرورة تنقسم إلى حسنة وقبيحة: الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة هاهنا ما جاز للشاعر استعماله للضرورة التي تتفاوت حسناً وقبحاً. فالضرورة المستحسنة هي التي لا تستهجن ولا تستوحش منها النفس، كتسكين العين في جمع فَعْلَة بالألف والتاء حيث يجب الإتباع، وصرف ما لا ينصرف وذلك أن أصل الأسماء كلها الصرف. وقصر الجمع الممدود تشبيهاً بحذف الياء من "فعاليل" ونحوه، ومدّ المقصور … وهذا من أسهل الضرورات. وأما الضرورة المستقبحة فمثل عدل الأسماء عن وضعها الأصلي بتغييرٍ ما فيها من زيادة أو نقص يترتب عليه التباس جمع بجمع مثلاً كرد "مطاعم" إلى مطاعيم أو عكسه، فإنه يؤدي إلى التباس "مطعم" بـ "مطعام". وكالنقص المجحف فلا يحسن بالشعراء الأخذ بمثال هذه الضرورات لقبحها، حتى وإن ارتكزت على شواهد معتبرة؛ لأن بتر اللفظ على هذا النحو يمسخ صورته المألوفة. كما أن الأخذ بمثل هذه الضرائر يفضي إلى اختلاط الصيغ وعدم وضوح القصد، وابتعاد الذهن عن الوصول إلى اللفظ بحدوده المعروفة. فالأولى اقتصار الشاعر على الأخذ بالحسن من الضرورات، وهي التي يكون فيها الحذف أو الزيادة، أو التغيير الذي يطرأ ضمن القياس المعروفة نظائره، والذي يهدي فيه التركيب إلى المراد بسهولة لكثرة شواهده وأمثلته. ثم إنه لا يجوز للشاعر أن يلحن لتسوية قافية ولا لإقامة وزن بأن يرفع منصوباً أو ينصب مخفوضاً، أو يحرك مجزوماً، ويسكن معرباً. وليس له أن يُخرج شيئاً عن لفظه إلا أن يكون يخرجه إلى أصل قد كان له فيرده إليه؛ لأنه كان حقيقته، ومتى وجد هذا في شعر كان خطأً ولحناً ولم يدخل في ضرورة الشعر(143). وبالجملة فإن من الممكن القول بعد هذا بأن الضرورة الشعرية هي في كثير من أحوالها خصيصة من خصائص اللغة الشعرية. وعلى ذلك فلا تكون عيباً، بل هي في الغالب مظهر من مظاهر الاقتدار الفني. المبحث الثالث المطابقة النحوية في باب المرفوعات أولا- المطابقة بين الفعل والفاعل: 1 – الفاعل في اللغة والاصطلاح: الفاعل لغة: «مَن أوجد الفعل»( 144)، وقد استعملت كلمة (الفاعل) بمعناها الاِصطلاحي منذ نشأة النحو؛ فقد ذكر ابن سلاّم: أن أبا الأسود الدؤلي (ت69هـ) «وضع باب الفاعل والمفعول به والمضاف» ( 145). وأقدم مَن عَرَّف الفاعل اصطلاحاً هو ابن السرّاج (ت316هـ)، بقوله: الفاعل «هو الذي بنيته على الفعل الذي بنيته للفاعل، ويجعل الفعل حديثاً عنه مقدماً قبله، كان فاعلاً في الحقيقة أو لم يكن، كقولك: جاء زيدٌ، ومات عمروٌ»( 146). ولا يخفى أنّ هذا التعريف يظلّ قاصراً عن شمول فاعل الفعل الإنشائي؛ إذ الفعل ليس حديثاً عنه، وكذا لم يقيّد الفعل بكونه مبنيّاً للمعلوم ممّا يجعل التعريف غير مانع من دخول نائب الفاعل( 147). ويتّضح ممّا صرّح به ابن السرّاج ومَن بعده أنّ الفاعل في عُرف أهل هذه الصنعة أمرٌ لفظيٌّ، يدلّ على ذلك تسميتهم إيّاه فاعلاً في الصور المختلفة من النفي والإيجاب والمستقبل والاستفهام ما دام الفعل مقدماً عليه... ويؤيّد إعراضهم عن المعنى الحقيقي أنّنا لو قدّمنا الفاعل، فقلنا: زيد قام، لم يبق عندنا فاعلاً، وإنّما يكون مبتدءاً وخبراً( 148). أما مصطلح نائب الفاعل فقد طرح النحاة الأوائل عناوين شتى لهذا المصطلح قبل أن يستقر على عنوان نائب الفاعل( 149). وأوّل من عبّر عنه بنائب الفاعل هو ابن مالك( 150). «قال أبو حيّان: لم أَرَ مثل هذه الترجمة لغير ابن مالك»( 151)، وهذه التسمية «أولى وأخصر من قول كثير: المفعول الذي لم يسمَّ فاعله [وما كان بمعناه]؛ لصدقه على (ديناراً) من (أعطي زيدٌ ديناراً)، وعدم صدقه على الظرف وغيره ممّا ينوب عن الفعل، وإن أجيب بأن المفعول الذي لم يسمَّ فاعله صار كالعلم بالغلبة على ما ينوب مناب الفاعل من مفعول وغيره»( 152). وأما المعنى الاصطلاحي لهذا العنوان فلعلّ أوّل مَن حاول تحديده هو ابن الحاجب (ت646هـ) بقوله: هو «كل مفعول حذف فاعله، وأقيم هو مقامه. وشرطه أن تغيّر صيغة الفعل إلى فُعِلَ ويُفْعَلُ»(153)، «ونظائرهما ممّا يضمّ أوّله في الماضي ويكسر ما قبل آخره... ويضم أوّله ويفتح ما قبل آخرهِ في المضارع»(154) من الأفعال غير الثلاثيّة، «لكنه اقتصر على الثلاثي لكونه أصلاً للرباعي وذي الزيادة»(155)، وواضح أن هذا الشرط مختص بما «كان عامله فعلاً»(156). والمراد بقوله: (وأقيم هو مقامه) أنه يقوم «مقام الفاعل في إسناد الفعل أو شبههِ إليه»(157)، فيكون جارياً مجرى الفاعل في كلّ ما له من أحكام(158)، بل إنّ بعض النحاة أجروه مجرى الفاعل حتى في التسميّة، كالجرجاني (ت471هـ)، والزمخشري (538هـ)(159)، وابن يعيش (ت643هـ)(160)، من المتقدمين، والدكتور مهدي المخزومي من المعاصرين(161). وظاهرة المطابقة بين الفعل والفاعل بوصفهما طرفا الإسناد في الجملة تأخذ صورتين اثنتين(162)، هما المطابقة النوعية في التذكير والتأنيث، والمطابقة العددية في الإفراد والتثنية والجمع. وهو ما سأتناوله في الفقرتين الآتيتين. 2- المطابقة بين الفعل والفاعل في النوع: وهذه الصورة تأخذ حكم الوجوب في مواضع، وحكم الجواز في مواضع أخرى. وقد علل النحاة القدماء لأحكام الوجوب والجواز تعليلات أفاضت بها كتب التراث النحوي، محتجين بكلام العرب الفصيح. |
إنّ مطابقة المسند للمسند إليه في التذكير والتأنيث هي الأصل، وبخاصة إذا تقدم، أما إذا تأخر فإنّ المطابقة تكون أقل التزاما. والأصل في الفعل أن يطابق الفاعل في التذكير والتأنيث مضمرا أم ظاهرا، ويتبعه في النوع بوصفه جزء من الفاعل وأنّهما معا يعدان بمثابة جزء واحد(163). فالفعل والفاعل بنية واحدة ولا بد لهما من أن يتطابقا في النوع وجوبا، عندما يسند الفل إلى الفاعل، سواء أكان الفاعل مفردا أو مثنى أو جمعا، أو كان مذكرا لفظيا أو معنويا، مثل: حمزة وطلحة. ومن ذلك قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(164). فالمطابقة حاصلة وجوبا بين الفعل (أفلح) والفاعل (المؤمنون) في صورة التذكير بتجرد الفعل من العلامة الدالة على التأنيث(165). والمعروف أنّ وجوب المطابقة في هذه الصورة هو مذهب جمهور البصريين أما الكوفيون فقد جوزوا مجيء الفعل مؤنثا مع الفاعل المجموع جمع مذكر سالم، نحو قوله تعالى: { قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}(166). وتكون المطابقة واجبة بين الفعل والفاعل إذا كان مؤنثا حقيقيا، ظاهرا، متصلا بفعله، ولم يفصل بينه وبين فاعله بفاصل، كالجار والمجرور، والظرف، والمفعول به. وسواء أكان مفردا أو مثنى، أو مجموعا جمعا سالما(167). والتاء اللاحقة للفعل في نحو: ذهبت وخرجت لا تدل على أنّ الفعل مؤنث وإنما تدل على تأنيث الذي أسند إليه الخروج والذهاب(168). 3- انخرام المطابقة بين الفعل والفاعل في شعر ابن أحمر الباهلي: أ- انخرام المطابقة بين الفعل والفاعل في النوع: وردت في شعر الشاعر أبيات تحقق فيها أنّ الفعل لا يتبع الفاعل في النوع، إذ أسند الفعل: (عَصَبَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (شَمالٌ)، في قوله: يا قَـومُ ما قَومي عَلى نأيِهِم إِذ عَصَبَ الـناسَ شَمالٌ وَقُر وأسند الفعل (تضاءَلَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (الشمس) في قوله: يَعلو مَعَدّاً وَيُستَسقى الغَمامُ بِهِ بَدَّرٌ تَضاءَلَ فيهِ الشَمسُ وَالقَمَرُ وأسند الفعل (راجَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (الشَمالُ) في قوله: وَلا مُكَلَّلَةٌ راجَ الشَمالُ بِها في ناحِراتِ سِرارٍ بَعدَ إِهلالِ(169) أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل والفاعل في النوع في الأبيات الثلاثة الآنفة الذكر، وهذا جائز؛ لأنّ الفاعلين كانوا مؤنثين مجازي التأنيث، ومن كانت هذه حالته من الفاعلين جاز في فعله أن يطابقه أو لا يطابقه في النوع(170). وقد أشار ابن جني إلى ذلك بقوله: (فإن كان التأنيث غير حقيقي، كنت في إلحاق العلامة وتركها مخيرا. تقول: حسنت دارك. واضطرمت نارك. وإن شئت: حسن دارك. واضطرم نارك. إلا أنّ إلحاقها أحسن من حذفها)(171). ومن أمثلة ورود الفعل مطابقا للفاعل المجازي التأنيث قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ }(172). فالفعل "التفت" اتصلت به تاء التأنيث الساكنة، والفاعل مجازي التأنيث، فهما متطابقان تأنيثا. ومما ورد فيه الفعل مذكرا مع الفاعل المؤنث المجازي قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } (173). وقد قرأ ابن كثير والبصريان "تقبل"، والباقون بالتذكير(174). وهذا يصح في العربية لمجاز التأنيث في الفاعل، وحسنه أيضا الفصل بين الفعل ومرفوعه(175). ومنه قوله تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ}(176)، طابق الفعل الفاعل المؤنث مجازي التأنيث جوازا. ومنه قوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}(177). فالمطابقة غير حاصلة؛ لأنّ تأنيث الشمس مجاز، أو لتغليب التذكير على التأنيث(178). والفعل في جميع ما مرّ من الأمثلة لا يوصف بتذكير ولا تأنيث، وإنما نقول هذا تجوزا. والأرجح مطابقة الفعل للفاعل المؤنث المجازي التأنيث، وذلك باتصاله بتاء التأنيث الساكنة(179). وأهملت المطابقة بين الفعل والفاعل على الظاهر في الأبيات الآتية؛ لأنّ الفعل فيها قد أسند إلى الفاعل المجموع جمع تكسير: حَتّى إِذا ذَرَّ قَرنُ الشَمسِ صَبَّحَهُ أَضري اِبنَ قُرّانَ باتَ الوَحشَ وَالعَزَبا(180) أسند الفعل "صبحه" إلى الفاعل "أضري" دون أن يلحقه علامة التأنيث، وهذا جائز؛ لأنّه جمع تكسير من الحيوان. وكذا في قوله: وَجَرَت لَها طَيرٌ فَيَزجُر صاحِبي وَأَقولُ هَذا رائِدٌ لَم يُحمَدِ(181) أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل "جرت" والفاعل "طير" في الجنس؛ لأن الفاعل جمع تكسير من الحيوان، وهذا جائز. وفي البيت الآتي أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل " قام" وفاعله "الخصوم"، المجموع جمع تكسير من العاقل، وكذا الفعل "تسامى" وفاعله "الحناجر" المجموع جمع تكسير من غير العاقل، وهو جائز. فَجِئتُ وَقَد قامَ الخُصومُ كَأَنَّهُم قُرومٌ تَسامى بَينَهُنَّ الحَناجِرُ(182) وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يلحق علامة التأنيث بالفعل في الأبيات الآتية: كَالثَعلـَبِ الرائِحِ المَمطورِ ضَبعَتُهُ شُلَّ الحَوامِلُ مِنهُ كَيفَ يَنبَقِعُ(183) وَجُـردٍ يَعلـَهُ الـداعي إِلَيـها مَتى رَكِبَ الفَوارِسُ أَو مَتى لا(184) تَفَقَّـأَ فَوقَـهُ القَلـَعُ السَـواري وَجُـنَّ الخـازِ بازِ بِهِ جُـنونا(185) لأن الجمع من الحيوان والجماد يؤنث وإن كان مفرداً مذكراً، وهذا جائز لأن الفاعل جمع تكسير من الجماد، وكذلك إذا كان من الحيوان، نحو قوله تعالى في الآية الكريمة: ( مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ (186)، وقالت العرب: جاء جواريك، وجاء نساؤك، وجاء بناتك، ونحو قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ (187)، إذ قرأ حمزة والكسائي: " فناداه "، وباقي السبعة: " فنادته " بالتاء. والملائكة جمع تكسير يجوز أن تلحق العلامة فعله أو ألا تلحقه ومحسن الحذف هنا الفصل بالمفعول(188). و الكثير في العربية أن يؤنث الفعل إذا كان الفاعل جمع تكسير لمفرد غير عاقل، أما إلحاق التاء مع العاقل فقد جاء في ألفاظ قليلة، نحو: الرسل والجنود(189). ومما جاء بالتنزيل بالمطابقة مرة وبغيرها مرة أخرى قوله تعالى: ( قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ (190). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ (191). وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (192). فالمطابقة غير حاصلة في آية آل عمران؛ لأنّ الفعل لم تتصل به علامة التأنيث، أما في آيتي المائدة والأعراف فالمطابقة في صورة التأنيث حاصلة بين الفعل "جاءتهم" والفاعل "رسلنا" في آية المائدة، و"رسلهم" في آية الأعراف المجموعين جمع تكسير. والأجود المطابقة في التذكير والتأنيث بين الفعل والفاعل المجموع جمع تكسير، ومن مواضع المطابقة تذكيرا قوله تعالى: (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ (193)، وقوله تعالى: ( وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفََ(194)، وقوله تعالى: ( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى(195). ومن مواضع مطابقة الفعل للفاعل تأنيثا قوله تعالى: ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ (196). وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فأسقط علامة التأنيث من الفعل، في قوله: أَم لا تَزالُ تُرَجّـي عيـشَةً أُنُفاً لَم تُرجَ قَبلُ وَلَم يُكـتَب بِها زُبُـرُ(197) إِلى عَيثَةِ الأَطهارِ غَيَّرَ رَسمَهـا بَناتُ البِلى مَن يُخطِئِ المَوتَ يَهرَمِ(198) والإهمال هنا جائز إذا أسند الفعل إلى الفاعل، وكان الفعل غير متصل بفاعله الحقيقي، وفصل بينه وبين فاعله بفاصل كالمفعول به، نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ}(199)، ومنه قوله تعالى: {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ}(200). وهذا جائز؛ لأنه فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بفاصل. وهذا نحو قولك: حضر القاضي امرأة. فالمطابقة بين الفعل "جاءتكم" والفاعل "موعظة" حاصلة في الآية الأولى؛ إذ اتصلت تاء التأنيث بالفعل، والفاعل مؤنث، فهما متطابقان على الرغم من وجود الفاصل بينهما وهو المفعول به، فالمطابقة حاصلة في صورة التأنيث(201). أما الآية الثانية فقد أسند الفعل "جاء" إلى الفاعل "بصائر" وهو جمع تكسير لمؤنث، وفصل بينهما بفاصل، وهو المفعول به "كم" فانخرمت المطابقة(202). وقد يكون الفصل بالظرف، فنقول: قامت اليوم هند أو قام، إن شئنا. وكلما طال الفصل كان الحذف أحسن(203). فالمطابقة وعدمها جائزة عند الفصل بين الفعل والفاعل بفاصل، كالظرف، والمفعول به، والجار والمجرور. أما إذا كان الفصل بإلا فتحذف التاء، ولا مطابقة، حينئذ، بين الفعل وفاعله. وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته، بقوله: وقد يبيح الفصل ترك التا في نحو أتى القاضي بنت الواقف(204) ومن ذلك قول الشاعر: ما برئـتْ مـن ريبـةٍ وذمٍّ فـي حـربنا إلا بـناتُ العـمِّ والفعل "برئت" في البيت قد اتصلت به علامة تأنيث الفاعل المؤنث "بنات"، فالمطابقة حاصلة على الرغم من الفصل بينهما بـ "إلا" وقد خص النحاة وقوع ذلك في الشعر بالضرورة(205). وقد يجوز مع الفصل التذكير في الفعل مع التأنيث الحقيقي في الفاعل، فتنخرم المطابقة، ومنه قول الشاعر: إنّ امرأُ غره منكنّ واحدةُ بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ فالفعل " غره" مجردا من علامة تأنيث الفاعل، وفاعله " "واحدة" مؤنث، وقد فصل بينهما بالضمير الهاء، و"منكن". فالمطابقة غير حاصلة في هذا الشاهد(206). وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يحذف علامة التأنيث من الفعل في الأبيات الآتية: لَقَد ظَعَنَت قَيسٌ فَأَلفَت بُيوتَها بِسِنجارَ فَالأَجزاعِ أَجزاعِ دَوسَرا(207) فَإِن تُقـِرَّ عَلَينا جَورَ مَظلِمَةٍ لَم تَبنِ بَيتاً عَلى أَمثالِها مُضـَرُ(208) لَعَمري لَئِن حَلَّت قُتَيبـَةُ بَلدَةً شَديداً بِمالِ المُقحَمينَ عَضيضُها(209) فأسند الأفعال: "ظعنت، تتقي، حلت"، وقد اتصلت بها علامة التأنيث إلى الأفعال: "قيس، ومضر، وقتيبة"، وهي مذكرة، وهذا جائز؛ إذا كان الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس جمعيا، فالمطابقة وعدمها عند الإسناد إلى هذا النوع من الفاعل جائزة(210). ففي اسم الجنس نقول: جاء أو جاءت النساء أو القوم أو الرهط. وفي اسم الجنس الجمعي نقول: قال العرب أو قالت العرب أو الفرس أو الروم. ومن التنزيل الحكيم جاء قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ}(211). وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}(212). فالفعل في الآيتين تجوز فيه المطابقة وعدمها، على الرغم من أنّه مسند إلى فاعل مذكر هو: "قوم" اسم جمع لمذكر. ومنه أيضا قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ}(213)، وكذلك قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا}(214). فالمطابقة وعدمها بين الفعل والفاعل جائزة إذا كان الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس جمعيا؛ لأنه يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى، فلا تتصل به علامة التأنيث، ويكون مطابقا للفاعل من ناحية التذكير. وقد يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى، وتتصل بفعله علامة التأنيث، ويكون مطابقا لفاعله من ناحية التأنيث(215). وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يحذف علامة التأنيث من الفعل في البيت الآتي: أَرَبَّت عَلَيها كُلَّ هَوجاءَ سَهوَةٍ زَفوفِ التَوالي رَحبَةِ المُتَنَسِّمِ(216) إذ أسند الفعل "أربت"، وقد اتصلت به علامة التأنيث، إلى الفاعل "كل" وهو مذكر مضاف إلى "هوجاء" المؤنثة لفظا ومعنى، وهذا جائز في العربية؛ إذا أسند الفعل إلى فاعل مذكر مضاف إلى مؤنث، وكان المضاف صالحا للحذف، وإقامة المضاف إليه مقامه، مع صحة المعنى، وكان المضاف بعضا من المضاف إليه، أو كبعضه، أو كلا منه. ويجوز في هذا الحال الوجهان المطابقة وعدمها(217). ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا}(218)، فالفعل المضارع "تجد" أنث لأنّ الفاعل "كل" مذكر مضاف إلى "نفس" المؤنث، وهي جزء من المضاف، مع صحة المعنى فيما لو قلنا في غير القرآن الكريم بحذف المضاف "كل" وإقامة المضاف إليه "نفس" مقامه. أما إذا كان المضاف إليه لا يغني عن المضاف، فإنّ الحذف لا يصح معه المعنى. وفي مثل هذه الحالة ينبغي للفعل أن يطابق فاعله في التذكير والتأنيث. فنقول: جاء رسول هند، ولا يجوز أن نقول: جاءت هند، ونحن نريد رسول هند. |
ب- انخرام المطابقة بين الفعل والفاعل في العدد: المطابقة العددية بين الفعل والفاعل تتأثر بالفاعل من جهة تقدم الفعل عليه، أو من جهة إضافة لواصق إلى الفعل دالة على الفاعل المثنى أو الجمع. ويرى النحاة القدماء أنّ الجملة الفعلية تبدأ بالفعل، ولا يجيزون أن يتقدم الفاعل عليه مع بقاء فاعليته، لأنهما كجزئي الكلمة، كما لا يتقدم عجز الكلمة على صدرها. ومذهب جمهور النحاة القدماء أنّ الفعل إذا أسند إلى فاعل ظاهر، مثنى أو جمع، وجب تجريده من علامة التثنية أو الجمع(219). ولعل هذا يرجع إلى « أنّ الإفراد والتثنية والجمع إنما يراد بها التكثير والإشعار بأنّ الاسم قد تجاوز حد الإفراد. ألا ترى أنّك إذا قلت: زيد فإنما يدل على شخص واحد فإذا أردت أكثر من شخص احتجت إلى أن تقول: زيدان وزيدون. والفعل لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنّ لفظ الفعل يستغنى به عما قل منه وما كثر»(220). وعلى هذا المذهب فالمطابقة غير حاصلة؛ أنّ الفعل ينبغي إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو جمعا. أي أن يكون ثابتا على حالة واحدة مع الفاعل المفرد والمثنى والجمع، فلا تتصل به علامة تثنية ولا جمع للدلالة على كون الفاعل مثنى أو جمعا(221). وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته بقوله: وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كـ (فاز الشهدا)(222) وهذه القاعدة هي الغالبة والمطردة في الأسلوب العربي الفصيح. وعلى هذا النمط جاء قول شاعرنا ابن أحمر: إذا ضـَيَّـعتَ أَوَّلَ كُـلِّ أَمـرٍ أَبَـت أَعجـازُهُ إِلّا التِــواءَ(223) ِوَجَرَت لَها طَيرٌ فَيَزجُر صاحِبي وَأَقـولُ هَـذا رائِـدٌ لَم يُحمَدِ(224) هَل لامَني قَومٌ لِمَوقِفِ سـائِلٍ أَو في مُخاصَمَةِ اللَجوجِ الأَصيَدِ(225) يُهـِلُّ بِالفـَرقَـدِ رُكبـانُـها كَما يُهـِلُّ الراكِـبُ المُعتَـمِر(226) فَبِـتُّ أُعاطيها الحَديثَ بِمُسنِفٍ مِنَ اللَيلِ أَبقَتهُ الأَحاديُ أَخضَرا(337) فأسند الأفعال: " أَبَت، َجَرَت، لامَني، يُهِلُّ، أَبقَتهُ " في حال الإفراد، دون أن تتصل بها علامة الجمع إلى الفاعلين: " أَعجـازُهُ، طَيرٌ، قَومٌ، رُكبانُـها، الأَحاديُ ". ومما جاء مجردا من العلامة الدالة على التثنية والجمع قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ }(228). وقوله تعالى: { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ }(229)، وقوله تعالى: { إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا }(230)، وقوله تعالى: { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ }(231). ثانيا: المطابقة بين المبتدأ والخبر: 1- المبتدأ لغة واصطلاحا: المبتدأ لغة: اسم مفعول من ابتدأ الشيءَ وابتدأ به، بمعنى بدأَه وبدأ بـه ابتداءً وبدْءاً(232). وقال ابن فارس: «الباء والدال والهمزة من افتتاح الشيء، يقال: بدأت بالأمر وابتدأت»(233). وقد استعمل النحاة الاَوائل كلمة (الابتداء) و(المسند إليه) إلى جانب كلمة (المبتدأ) للتعبير عن المعنى الاصطلاحي النحوي(234) قبل أن تنفرد الأخيرة بعنوانه. وأقدم تحديد للمعنى الاصطلاحي للمبتدأ هي قول سيبويه: «المبتدأ كلّ اسم ابتُديء به ليبنى عليه كلام»(235)، أي: ليخبر عنه أو يسند إليه. وقال ابن الحاجب: المبتدأ «الاسم المجرّد عن العوامل اللفظيّة مسنداً إليه، أو الصفة الواقعة بعد حرف النفي وألف الاستفهام رافعة لظاهر، مثل: زيدٌ قائمٌ، وما قائم الزيدان، وأقائم الزيدان»(236). وعلّق الرضيّ على تعريف ابن الحاجب بما يتضمّن بيان الدافع لطرح هذه الصياغة، وأنّه ما تكشّف للنحاة من «أنّ المبتدأ اسم مشترك بين ماهيّتين، فلا يمكن جمعهما في حدّ؛ لاَنّ الحدّ مبيّن للماهيّة بجميع أجزائها، فإذا اختلف الشيئان في الماهيّة لم يجتمعا في حدّ، فأفرد المصنّف لكلّ منهما حدّاً، وقدّم منهما ما هو الأكثر في كلامهم»(237) وهو الاسم المسند إليه، المجرّد من العوامل اللفظيّة، وأخّر عنه الصفة الرافعة للظاهر، «ويعني بالصفة اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة» باسم الفاعل(238). وأمّا قوله: (رافعة لظاهر) فقد عقّب عليه الجامي بأنّ المراد الاسم الظاهر «أو ما يجري مجراه ـ وهو الضمير المنفصل ـ لِئلاّ يخرج عنه نحو قوله تعالى: (أراغبٌ أنتَ عن آلهتي يا إبراهيمُ)(239)، واحترز به عن نحـو: أقائمان الزيدان؛ لاَنّ (أقائمان) رافع لمضمر عائـد على (الزيدان) ولو كان رافعاً لهذا الظاهر لم يجز تثنيته»(240)، أي: لم يجز تثنية الوصف، وعليه يعرب الضمير المتّصل فاعلاً، و(الزيدان) مبتدأ مؤخّر، والصفة وفاعلها خبر مقدّم. وعرّف ابن مالك المبتدأ بأنّه: «ما عَدِمَ حقيقة أو حكماً عاملاً لفظيّاً، من مخبر عنه، أو وصف سابق رافع ما انفصل وأغنى»(241). وقد احترز بقوله: (من مخبر عنه) من المضارع المرفوع لتجرّده من الناصب والجازم؛ فإنّه عدم عاملاً لفظيّاً، لكنّه ليس مخبراً عنه(242). ويلاحظ أنّه لم يقيّد الوصف المبتدأ به بكونه مسبوقاً بنفي أو استفهام؛ ذهاباً منه إلى أنّ هذا القيد ليس شرطاً في صحّة الاستعمال وجوازه، وإنّما هو شرط في حسنه واطّراده(243)، ولذا ذكر في أُرجوزته: «يجوز نحو فائز أُولو الرَشَـد»(244). وقال ابن الناظم: إنّ الوصف «قد استغنى بمرفوعه عن الخبر لشـدّة شبهه بالفعل، ولذا لا يحسن استعماله ولا يطّرد في الكلام حتّى يعتمد على ما يقرّبه من الفعل وهو النفي والاستفهام... [وإلاّ] كان الابتداء به قبيحاً، وهو جائز على قبحه»(245). وعرّفه ابن هشام بقوله: «المبتدأ هو المجرّد عن العوامل اللفظيّة، مخبراً عنه، أو وصفاً رافعاً لمكتفىً به»(246). وبهذا يتّخذ التعريف صيغته النهائيّة، وهو مطابق لتعريف ابن الناظم، إلاّ أنّه يفضله في عدم تقييده للعوامل اللفظيّة بكونها غير مزيدة؛ إذ لا ضرورة لذلك ما دام يمكن بيانه في الشرح بتقسيم التجرّد إلى حقيقي وحكمي. 2- الخبر لغة واصطلاحا: أما الخبر في اللغة فهو: «النبأ، والجمع أخبار... وخبّره بكذا وأخبره: نبّأه»(247). وقد استُعملت كلمة (الخبر) في كتاب سيبويه بمعناها الاصطلاحي إلى جانب (المسند) و(المبني على المبتدأ)(248)، وعبّر ابن السرّاج عن الخبر أيضاً بالمبني على المبتدأ(249)، قبل أن ينفرد لفظ (الخبر) بعنوان المعنى الاصطلاحي. وأقدم تعريفات (الخبر) ما ذكره ابن السرّاج بقوله: «والاسم الذي هو خبر المبتدأ هو الذي يستفيده السامع، ويصير المبتدأ به كلاماً»(250). وعرّفه ابن جنّي بأنّه: «كلّ ما أسندته إلى المبتدأ وحدّثت به عنه»(251). وقوله: (ما) في جنس التعريف يجعله شاملاً لنوعي الخبر: المفرد والجملة. وعرّفه ابن هشام بأنّه: «الجزء الذي حصلت به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور»(252)، وتابعه عليه الاَُشموني (ت900هـ)(253). وقوله: (غير الوصف المذكور) احتراز من دخول المرفوع الذي يسدّ مسدّ الخبر في النوع الثاني للمبتدأ(254). ومما تقدم نرى أنّ للجملة نظاما خاصا ينص على أنّ كل مبتدأ لا بد له من خبر وكل خبر لا بد له من مبتدأ؛ لأنّ الحكم لا يمكن أن يتصور إلا بالمسند والمسند إليه. ويعد سيبويه أول من ذكر المسند والمسند إليه من النحاة(255). وقد تابع النحاة بعد سيبويه تحديد مفهوم المسند والمسند إليه على نحو يفهم بأنّ المبتدأ والخبر يشكلان بنية متلازمة لا بد من أن يذكرا معا ولا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر، ومنهم المبرد في قوله: (هذا باب المسند والمسند إليه وهما مما لا يستغني كل واحد عن صاحبه فمن ذلك... الابتداء وخبره)(256). وعلى وفق ما ذكر آنفا نجد أنّ المطابقة النحوية بينهما قد أقرت ضمنا؛ إذ أنّ البنية الواحدة تكون متلازمة في حالة توافق طرفي هذه البنية. والمطابقة بين المبتدأ والخبر تظهر في صور النوع، والعدد، والتعريف أو التنكير، والإعراب وهذه الصورة واجبة دائما، سواء أكان الخبر مفردا جامدا أو مشتقا أو وصفا أو جملة وهو ضروري في الخبر الجملة؛ إذ يقوم بالربط بين المبتدأ والخبر حتى لا يفهم من جملة الخبر أنّها مستقلة عن المبتدأ(257). وسأخص بالذكر ههنا المطابقة بين المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير؛ لتوفر شواهد لها من شعر عمرو بن أحمر الباهلي. 3- المطابقة بين المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير: الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة؛ لأنّ (جعل الاسم أول الجملة معنى المسند إليه)(258)، لذلك فحق المبتدأ أن يكون معلوما؛ (لأنّ الإسناد إلى المجهول لا يفيد)(259). وأما الخبر فالأصل فيه أن يكون نكرة؛ لأنّ الفائدة إنما تقع بالنكرة دون المعرفة، والفائدة في الخبر(260)، و(المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم، والأصل في المبتدأ أن يتقدم على الخبر والحكم على المجهول أول الأمر يورث السامع حيرة، فتبعث على عدم الإصغاء إلى حكمه، ومن أجل هذا وجب أن يكون المبتدأ معرفة حتى يكون معينا أو نكرة مخصوصة)(261). هذا هو الأصل الذي جاءت عليه القواعد النحوية التي أقرها النحاة في بناء الجملة العربية. وقد تأتي الجمل على خلاف الأصل فيأتي المبتدأ نكرة، وسوغ النحاة للابتداء بالنكرة مسوغات وصلوا بها إلى أكثر من ثلاثين موضعا(262). وقد يأتي الخبر معرفة على غير الأصل. فالمطابقة بين المبتدأ والخبر في التعريف على غير الأصل؛ فالأصل أن يأتي المبتدأ معرفة والخبر نكرة. وفي المطابقة بينهما في التعريف عدة أقوال: (فقيل الخيار في جعل أيهما شئت المبتدأ أو الخبر وهو قول أبي علي الفارسي وظاهر قول سيبويه في باب كان، وقيل بحسب المخاطب، فإن علم منه أنّه في علمه أحد لا معين أو يسأل أحدهما بقوله: من القائم فقلت في جوابه القائم زيد... وقيل المعلوم عند المخاطب هو المبتدأ وغير المعلوم هو الخبر، وقيل الأعم هو الخبر، نحو: زيد صديقي إذا كان له أصدقاء غيره وهو قول أبي بكر الصائغ)(263). ومن أمثلة وقوع المبتدأ والخبر متطابقين في التعريف قوله تعالى: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }(264). فالضمير "أنا" مبتدأ وهو معرفة يدل على المفرد المذكر، و"التواب" خبر وهو معرفة يدل على المفرد المذكر، وهما متطابقان في التعريف والإفراد والتذكير. أما في المطابقة بين المبتدأ والخبر في التنكير فيرى ابن السراج أنّ المسوغ لهذه المطابقة هي الفائدة؛ وإذا كان الكلام (منفيا فإنّ النكرة فيه حسنة، لأنّ الفائدة فيه واقعة)(265). ومن ذلك قولنا: ما أحد قائم. فالمبتدأ والخبر كلاهما نكرة، والذي سوغ لمجيء المبتدأ نكرة اعتماده على النفي أو الاستفهام(266). والأشموني يذكر في المبتدأ النكرة أنّه (لم يشترط سيبويه والمتقدمون بجواز الابتداء بالنكرة إلا حصول الفائدة ورأى المتأخرون أنّ ليس كل أحد يهتدي إلى مواضع الفائدة، فيتبعوها فمن مقل مخل، ومن مكثر مورد ما لا يصح، أو معدد لأمور متداخلة والذي يظهر انحصار مقصود ما ذكروه في خمسة عشر موضعا...)(267). 4- انخرام المطابقة بين المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير في شعر ابن أحمر الباهلي: تنخرم المطابقة بين المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير في حالة كون المبتدأ معرفة والخبر نكرة، كما في قول الشاعر: عَرانينَ مِن عَبدِ بنِ غُنمٍ أَبوهُـمُ هِجانٌ فَسامى في الهِجانِ وَأَنجَبا(268) ثُـمَّ اِقتَـحَمتُ مُـناجِداً وَلَزِمـتُهُ وَفُؤادُهُ زَجِلٌ كَعَزفِ الهُدهُـدِ(269) لَـمـّا رَأى يَـوماً لَهُ هَبــوَةٌ مُرّاً عَبـوساً شـَرُّهُ مُقـمَطِـر(270) أَدّى إِلــى هِـنـدٍ تَحِـيّاتِـها وَقالَ هَذا مِن وَداعـي دُبُــر(271) ففي الأبيات الآنفة الذكر وردت ألفاظ الابتداء: " أَبوهُـمُ، فُؤادُهُ، شـَرُّهُ، هَذا" معرفة مذكرة، وأخبارها: " هِجانٌ، زَجِلٌ، مُقمَطِر، دُبُر". وهذا هو الأصل الذي جاءت عليه القواعد النحوية التي أقرها النحاة في بناء الجملة العربية. وهذا هو الأصل في المبتدأ؛ أن يكون معرفة؛ لأنّ (جعل الاسم أول الجملة معنى المسند إليه)(272)، لذلك فحق المبتدأ أن يكون معلوما؛ (لأنّ الإسناد إلى المجهول لا يفيد)(273). وهذا هو الأصل في بناء الجمل وترتيب أركانها؛ لأنّ (الفائدة إنّما تكون بالنكرة دون المعرفة، والفائدة في الخبر)(274). وأما الخبر فالأصل فيه أن يكون نكرة؛ لأنّ الفائدة إنما تقع بالنكرة دون المعرفة، والفائدة في الخبر(275). هذا هو الأصل الذي جاءت عليه القواعد النحوية التي أقرها النحاة في بناء الجملة العربية.وقد تأتي الجمل على خلاف الأصل فيأتي المبتدأ نكرة، وسوغ النحاة للابتداء بالنكرة مسوغات وصلوا بها إلى أكثر من ثلاثين موضعا(276). وقد جاء الخبر معرفة على غير الأصل، في قول ابن أحمر: وَرّادَةٌ يَومَ نَعبِ المَوتِ رايَتُهُم حَتّى يَفيءَ إِلَيها النَصرُ وَالظَفَرُ(277) فانخرمت المطابقة بين المبتدأ "ورادة" النكرة والخبر "رايتهم" المعرف بالإضافة. ويعلل ابن السراج مجيء المبتدأ نكرة والخبر معرفة على غير الأصل بقوله: أنّه (إنما جاء مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر وتعمل لضرورة الشاعر، نحو قوله: كأنّ سولافة من بنت رأس يكون مزاجها عسل وماء فجعل اسم كان "عسل" وهو نكرة، وجعل "مزاجها" خبر وهو معرفة بالإضافة إلى المضمر)(278). فالضرورة عند ابن السراج هي المسوغ لمجيء المبتدأ بهذه الصورة المخالفة للأصل التي تنخرم المطابقة فيها، ولعل هذا هو ما يعلل مجيء شاهد واحد فقط على هذه الصورة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي. ثالثا- المطابقة بين الضمير ومرجعه: 1- الضمير في اللغة والاصطلاح: الضمير في اللغة: العنب الذابل، هو ما ضمر من العنب فليس عنبا ولا زبيبا(279)، والسر وداخل الخاطر، أو الشيء الذي تضمره في ضمير قلبك وأضمرت في نفسي شيئا: أي نويت وهو ما يضمره الإنسان في نفسه من دون التكلم. وتقول: أضمرت صرف الحرف إذا كان متحركا فأسكنته. والاسم الضمير، والجمع الضمائر(280). والضمائر سواء أكانت للمتكلم أم للمخاطب أم للغائب لا بد لها من شيء يزيل إبهامها ويفسر غموضها. فضمائر المتكلم والمخاطب يفسرها وجود صاحبها وقت الكلام فهو حاضر يتكلم بنفسه، أو حاضر يكلمه غيره مباشرة(281). وأما ضمير الغائب فصاحبه غير معروف؛ لأنّه غير حاضر ولا مشاهد، فلا بد لهذا الضمير من شيء يفسره ويوضح المراد منه، والأصل في هذا الشيء المفسر الموضح أن يكون متقدما على الضمير، ومذكورا قبله ليبين معناه ويكشف عن المقصود منها، ثم يجيء بعده ضمير مطابق له(282). 2- المطابقة بين الضمير الغائب ومرجعه: التطابق بين الضمير الغائب ومرجعه يكون على النحو الآتي إذا كان المرجع مفردا مذكرا أو مؤنثا فيجب أن يكون الضمير الغائب مطابقا له ومن ذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }(283). فالضمير البارز في "فيه" يعود على "الكتاب" فهو مرجعه والمطابقة بينهما حاصلة في صورة الإفراد والتذكير. ومنه أيضا قوله تعالى: {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ }(284). فالفاعل ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على لفظ الجلالة "الله"، وقد طابقه في صورتي الإفراد والتذكير. ويطابق الضمير مرجعه إذا كان جمعا مذكرا سالما، فيكون الضمير في صورة واو الجماعة(285). ومنه قوله تعالى: { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}(286). إذ طابق الضمير المتصل في افعل "أوتوا" مرجعه "المؤمنون" في صورة الجمع(287). وكذلك يطابق الضمير مرجعه إذا كان مجموعا جمعا مؤنثا ، والفضل حينئذ أن يكون الضمير نون جمع المؤنث السالم في جميع حالاته(288). أي سواء أكان جمع مؤنث سالم، نحو قوله تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ }(289). فالمرجع "المشركات" جمع مؤنث سالم، والضمير المتصل في الفعل "يؤمنّ" هو نون جمع المؤنث، فالمطابقة حاصلة في صورة الجمع والتأنيث بين الضمير ومرجعه. وكذا إن كان المرجع جمع تكسير للمؤنث، نحو قوله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ }(290). فالمطابقة بين الضمير المتصل في "يطهرن" ومرجعه "النساء" حاصلة أيضا في صورة الجمع والتأنيث. |
3- انخرام المطابقة بين الضمير ومرجعه في شعر ابن أحمر الباهلي: أهمل الشاعر المطابقة بين الضمائر وما تعود عليه في الإفراد والجمع في البيات الآتية: شُـلَّت أَنامِلُ مَخشِيَّ فَلا جَبَرَت وَلا اِستَـعانَ بِضاحي كَفِّهِ أَبـَدا(291) أَخـافُ بَوائـِقاً تَسـري إِلَيـنا مِـنَ الأَشياعِ سـِرّاً أَو جَهـارا(292) مـَن للِنواعِجِ تَنزو في أَزِمَّتِـها أَم للِتَنائي حُمولُ الحَيِّ قَد بَكَروا(293) رَأَيـتُ المَنايا طَبَّقَت كُلَّ مَرصَدٍ يَقـدنَ قِيـاداً أَو يُجَـرِّدنَ حادِيا(294) وَدُهـمٍ تُصـاديها الوَلائِدُ جَـلَّةٍ إِذا جَهِـلَت أَجوافُـها لَم تَحَلّـَمِ(295) فقد أعاد الضمير المستتر جوازا في الأفعال المضارعة: " جَبَرَت، تَسري، تَنزو، طَبَّقَت" وتقديره "هي" ضمير الرفع للمفردة الغائبة إلى الأسماء الآتية في الأبيات الأربعة الأولى: " أَنامِلُ، بَوائـِقاً، للِنواعِجِ، المَنايا"، وهي مما تدل على الجمع بصيغها مفرداتها مؤنثة غير عاقلة، وكذا عود الضمير المتصل المنصوب في "تصاديها" وفي "أجوافها" في البيت الخامس إلى الاسم "دهم"، بدلا من أن يكون الضمير الراجع لهن نون النسوة المطابق لهن في الجمع. وهذا جائز؛ إن كان المرجع جمعا مؤنثا لا يعقل. والضمير في تلك الحال يطابق مرجعه في صورة التأنيث(296). ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ }(297). وكذا قول الشاعر: وَجُردٍ يَعـلَهُ الداعي إِلَيـها مَتى رَكِبَ الفَوارِسُ أَو مَتى لا(298) وَجـردٍ طارَ باطِـلُها نَسيـلاً وَأَحـدَثَ قَمؤُها شَعَـراً قِصارا يَـظـَلُّ رِعاؤُها يَلقـونَ مِنها إِذا عُـدَّ نَظـائـرَ أَو جَـمارا بِصَحراءِ الهِيـاشِ لَهـا دَوِيٌّ غَداةَ قَثامِ لَم يَغـنَم صِرارا(299) ومما عاد عليه الضمير مرة بصورة ضمير المفردة الغائبة ومرة بصورة ضمير الجمع الغائب للإناث قول الشاعر: إِلى ظُعُـنٍ ظَلـَّت بِـجَـوِّ أُشـاهِمٍ فَـلَمّا مَـضى حَـدُّ النارِ وَقَـصَّرا تَواعَدنَ أَن لا وَعيَ عَن فَرجَ راكِسٍ فَرُحنَ وَلَم يَغضِرنَ عَن ذاكَ مَغضَرا تَزاوَرنَ عَن مَردٍ وَدافَـعنَ رَكـنَـهُ لِمُنعَـرَجِ الخـابورِ حَيـثُ تَخبـَرا وَعَـبَرنَ عَـن فَرقـيسَياءَ لِعَـرعَرٍ وَفُرضَةِ نُـعمٍ سـاءَ ذاكَ مَعَبــَّرا تُقَـطَّعُ غيـطاناً كَــأَنَ مُتـونَهـا إِذا ظَهَرَت تُكسى مُلاءً مُنَـشَّرا(300) ولم يطابق الضمير مرجعه في صورة الجمع في الأبيات الآتية من شعر الشاعر: وافَــيتُ لَمّا أَتاني أَنَّها نَزَلَت إِنَّ المَنازِلَ مِمّا يَجمَعُ العَجَبــا(301) وَلَلشَيخِ تَكبـيهِ رُسومٌ كَأَنَّـها تَراوَحَها العَصرَينِ أَرواحُ مَندَد(302) أَو باغِيانِ لِبُعرانٍ لَنا رَفَضَت كَي لا تُحِسّونَ مِن بُعرانِنا أَثَرا(303) إذ عاد الضمير في صورة المفرد الغائب في قوله "يجمع" في البيت الأول على "المنازل"، وكذا "الهاء" في "كأنها" في البيت الثاني، على الاسم "رسوم"، وكذا الضمير "هي" المستتر جوازا في "رفضت" إلى الاسم "بعران" في البيت الثالث. على الرغم من أنَّ ما ترجع إليه جمع تكسير مفرده مذكر غير عاقل. وجاءت الضمائر الراجعة على "أطلال، والمنازل، وأسارى، وأشياء" في الأبيات الآتية في صورة المفردة المؤنثة: أَم كُنـتَ تَعرِفُ آياتِ فَقَد جَعَلَت أَطـلالُ إِلفِـكَ بِالوَدكاءِ تَعتَذِرُ(304) تَدارَكنَ حَيّاً مِن نُمَـيرِ بنِ عامـِرٍ أُسارى تُسامُ الذُلَّ قَتلاً وَمَحرَبا(305) وَأَشياءُ مِمّا يُعطِفُ المَرءَ ذا النُهى تَشـُكُّ عَلى قَلبي فَما أَستَبينُها(306) ما لِلكَواعِبِ يا عَيساءُ قَد جَعَلَـت تَزوَرُّ عَنّي وَتُطوى دونِيَ الحُجَرُ(307) وهذا ونحوه جائز أن يكون الضمير الراجع إليه واو الجماعة مراعاة للفظ الجمع، أو أن يكون الضمير مفردا مؤنثا مع وجود تاء التأنيث في الفعل وشبهه(308). ومنه قوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا...}(309). فالضمير في "بها" عائد على الجنود، وهو جمع تكسير يجوز أن يعود الضمير عليه كما يعود على الواحدة. وقرأ عبد الله: "بهم"(310). أما في البيت الآتي لابن أحمر فقد انخرمت المطابقة بين الضمير وما يرجع عليه: أَنشَـأتُ أسأَلــُهُ ما بالُ رُفقَتِهِ حَيَّ الحُمـولَ فَإِنَّ الرَكبَ قَد ذَهَبا(311) إذ عاد الضمير المفرد المذكر الغائب في " ذهبا" على "الركب"، وهذا جائز؛ إذا كان المرجع اسم جمع، نحو "ركب" و"قوم"، فيجوز في الضمير الراجع عليهن واو الجماعة أو ضمير المفرد المذكر(312)، ومما جاء بالتذكير والتأنيث قوله تعالى: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ}(313)، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف "تكن" بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث(314) وفي الشواذ: {وكذب به قومك}. وقرئ قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ}(315)، إذ قرأ أبو حيوة: (وليأت) بياء على تذكير "طائفة"(316). ومما جاء بالتأنيث قوله تعالى: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}(317). أما إذ كان المرجع مما يخص النساء وحدهنَّ، مثل: "نسوة" و"نساء" فإنَّه يجري عليه حكم المرجع إذا كان جمع مؤنث للعاقل(318). وانخرمت المطابقة أيضا في قول الشاعر: لَقَد ظَعـَنَت قَيـسٌ فَأَلفَت بُيوتَها بِسِنجارَ فَالأَجزاعِ أَجـزاعِ دَوسَرا(319) ففي البيت الآنف عاد الضمير المؤنث المفرد في "ألفت" على "قيس" علم قبيلة من العرب، وهذا جائز إذا أريد به علم القبيلة لا الاسم العلم لمذكر. ولم يطابق الضمير مرجعه في قول ابن أحمر الباهلي: فَإِن أَخطـَأَت نَبلاً حَداداً ظُباتُها عَلى القَصدِ لا تُخطِئُ كِلاباً ضَوارِيا(320) فقد أجرى قوله "نبلا" مجرى المفرد المؤنث وأعاد عليه الضمير في قوله "ظباتها" مفردا مؤنثا، وهذا جائز لأنَّ "نبلا" اسم جنس جمعي. والمرجع الذي يكون اسم جنس جمعي يجوز في ضميره أن يعود عليه في صورة المفرد المذكر أو المؤنث كقوله تعالى: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }(321)، {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ}(322)، فقد أجري قوله تعالى: (نخل) في الآية الأولى مجرى المفرد المذكر، وفي الثانية مجرى المفرد المؤنث. ولم تتضح ظاهرة المطابقة النحوية في البيتين الآتيين من قول الشاعر: فَوارِسُ سِلّى يَومَ سِلّى وَساجِرٍ وَفـارِسُ مَيّـاسٍ إِذا مـا تَلَبـَّبا تَدارَكنَ حَيّاً مِن نُمَيرِ بنِ عامِرٍ أُسارى تُسامُ الذُلَّ قَتلاً وَمَحرَبا(323) إذ عاد الضمير المفرد المؤنث الغائب في قوله: " تُسامُ" على "أسارى" المجموع جمع تكسير، وهو مما يشمل الذكور والإناث، فجاز في ضميره أن يكون في صورة المفرد المؤنث. ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}(324)، {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا}(325)، { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}(326)، فالطاغوت في الآية الأولى قد عاد عليها الضمير في صورة جمع المذكر المؤنث، وفي الآية الثانية قد عاد عليها في صورة المفرد المؤنث فتطابق معه في صورة الإفراد والتأنيث، وفي الآية الثالثة عاد عليه في صورة المفرد المذكر وطابق في صورة الإفراد والتذكير. وهذا جائز؛ فالطاغوت يصح أن يطلق ويراد به المذكر أو المؤنث. ووردت في شعر الشاعر أبيات لم تتحقق فيها المطابقة بين الضمير ومرجعه دون أن يكون هناك تعليل نحوي يبين الحالة إلا أن يكون الأمر متعلق بمظهر من مظاهر التعبير في العربية التجأ إليها الشاعر للتعبير عما يجيش في صدر الشاعر من معان لا يمكن إبرازها دون إحداث هذا الانخرام في المطابقة، ومن هذه الأبيات قول الشاعر: تَعـاوَرنَ الحَديـثَ وَطَبَّقــَتـهُ كَـما طبَّقـت بِالنَعـلِ المِـثالا(327) عـيطٌ عَطابيلُ لُئنَ الرَيَّ وَاِبتَذَلَت مَعاطــِفاً سابِرِيّـاتٍ وَكتّـانا(328) المبحث الرابع المطابقة النحوية في باب المنصوبات: المطابقة بين التمييز ومميزه: أولا- التمييز لغةً واصطلاحا: التمييز مصدرُ ميّزَ إذا خلّص شيئاً من شيء وفرّق بين متشابهين(329). قال ابن منظور: «مِزْتُ الشيءَ أَميزُهُ مَيْزاً: عزلته وفرزته، وكذلك مَيَّزْتُهُ تمييزاً».(330) وقد استعمل (التمييز) في المعنى الاصطلاحي مجازاً من إطلاق المصدر على اسم الفاعل(331)، ثمّ صار حقيقة عرفية فيه(332). ويبدو أنّ أوّل مَنْ عبّر بكلمة (التمييز) هو المبرّد وقال في بيان مضمونه النحوي: «إنّ التمييز يعمل فيه الفعل أو ما يشبهه، ومعناه في الانتصاب واحد... [وهو] أن يأتي مبيّناً عن نوعه، وذلك قولك: عندي عشرون درهماً»(333). فكأنّه عرّف التمييز بأنّه: اسم منصوب بفعلٍ أو شبهه مبينٌ لنوعه. وعرّفه الزمخشري بأنّه: «رفع الإبهام في جملة أو مفرد»(334). وعقّب عليه ابن الحاجب بقوله: «ليس التمييز في الحقيقة رفعاً؛ لاَنّه اللفظ الذي حصل عنه هذا الرفع المراد، وإنّما يغتفر النحويّون مثل ذلك لكونه معلوماً، إمّا على معنى (لفظ رفع الإبهام)... أو لاَنّ الغرض ذكر ما يتميّز به باعتبار المدلولات؛ إذ كان هو المقصود في التحقيق»(335). ثم عرّفه بأنّه: «ما يرفع الإبهام المستقرّ عن ذات مذكورة أو مقدّرة»(336). ومراده بالإبهام المستقرّ ما كان ناشئاً من الوضع، احترازاً من الإبهام في اللفظ المشترك في نحو: (رأيتُ عيناً جارية)؛ فإنّ (جارية) ترفع الإبهام عن (عيناً)، لكنّ إبهامها ليس مستقرّاً بحسب الوضع، بل هو عارض بسبب تعدّد الموضوع لها(337). وعرّفه ابن مالك بأنّه: «ما فيه معنى (من) الجنسيّة من نكرة منصوبة فضلة غير تابع».(338) ولا بُدّ من التنبيه إلى الدقّة في قوله: (ما فيه معنى من)، وأنّه أفضل من قول مَن سبقه: (مقدّرة بـ: مِن)؛ ذلك أنّ المراد كون التمييز مفيداً معنى (من) البيانيّة، وهو بيان ما قبله، وليس المراد أنّ (من) مقدّرة في نظم الكلام؛ إذ قد لا يصلح لتقديرها(339)، ففي نحو: عندي عشرون ديناراً، وطاب زيدٌ نفساً، لا يصحّ التقدير بـ: عشرون من دينارٍ، أو طاب من نفسٍ. وعرّفه ابن الناظم بأنّه: «اسم نكرة مضمّن معنى مِن لبيان ما قبله من إبهامٍ في اسم مجمل الحقيقة، أو إجمال في نسبة العامل إلى فاعله أو مفعوله»(340). وعُقّب عليه بأنّ قوله: «في اسم مجمل الحقيقة...» بيان لنوعَيْ التمييز(341)، فليسا داخلين في الحدّ. وبهذا يصل التعريف لأفضل صياغاته وأخصرها، وتابعه عليه ابن عقيل(342)، بتفاوت قليل في العبارة، وابن هشام بقوله: إنَّ التمييز: «اسم نكرة فضلة يرفع إبهام اسم أو إجمال نسبة».(343) و: «اسم نكرة بمعنى (من) مبيّن لإبهام اسم أو نسبة».(344) وهي صياغة مماثلة لتعريف ابن الناظم، إلاّ أنّ ابن هشام أضاف الإبهام للاسم أو النسبة، وأدخلهما بذلك في متن التعريف. ثانيا- انخرام المطابقة بين التمييز والمميز في شعر عمرو بن أحمر الباهلي: إنّ العدد لفظ مبهم لا يوضح بنفسه المراد منه ولا يعين نوع معدوده أو مدلوله، فمن يسمع كلمة ثلاثة أو أربعة أو خمسة... من ألفاظ العدد لا يمكن أن يدرك النوع المقصود من هذا العدد، ولا أن يميزه من بين الأنواع الكثيرة المحتملة، لذا لابد له من تمييز لكي يزول الإبهام ويتم المعنى(345). وهذا التمييز لابد من أن تتوفر فيه ظواهر لغوية، نحو قول الشاعر: قَد جَعـَلَت مَيٌّ عَلى الطَـرارِ خَمسَ بَنانٍ قانِـئِ الأَظـفارِ(346) والمطابقة بين العدد "خمس" وتمييزه "بنان" واضحة من حيث الجمع بما يحمله العدد "خمس" من دلالة على الجمع، وكون التمييز" بنان" مجموعا لفظا، فالمطابقة حاصلة من جهتين من جهة المعنى تارة ومن جهة اللفظ تارة أخرى. ويعلل الجامي كون التمييز للأعداد من ثلاثة إلى عشرة جمعا بقوله: «وأما كونه مجموعا ليطابق المعدود العدد... » (347). ولكن المطابقة غير حاصلة من ناحية التذكير والتأنيث؛ لأنَّ التمييز مؤنث ولم تلحق تاء التأنيث التمييز "خمس". وهذا إنما كان لأنَّ الأعداد من ثلاثة إلى عشرة يجب فيها ترك المطابقة من ناحية التذكير والتأنيث مع تمييزها؛ للفرق بين المذكر والمؤنث. واختص المذكر بالتاء لأنَّ أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنثا بالتاء، نحو: ثلاثة، أربعة ونحوهما من أسماء العدد فإذا أردنا تعليقه على معدود هو اصل وفرع جعل الأصل للأصل والفرع للفرع فأسقطت العلامة(348). ويشترط في عدم تحقيق المطابقة بين العدد وتمييزه في التذكير والتأنيث أن يذكر المعدود وأن يتأخر عن العدد، نحو: ستة رؤوس وسبع رقاب. وقد ورد تذكير وتأنيث العدد نفسه وذلك تبعا للمعدود، ومنه قوله تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا }(349)، حيث أنث العدد "ثلاثة" لأن تمييزه "أيام" مذكر. وقوله تعالى: { قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا }(350)، وفيه ذكر العدد "ثلاث" لأن تمييزه "ليال" مؤنث. وهذه الأحكام تسري على الأعداد من ثلاثة إلى عشرة سواء أكانت مفردة أو مركبة أو معطوفا عليها(351). وقد جاء في الشعر العربي ما يخالف هذه الأحكام, ومنه قول الشاعر عمر بن أبي ربيعة: فَكانَ مِجَنّي دونَ مَن كُنتُ أَتَّقي ثَلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ وَمُعصِرُ(352) فجاء العدد "ثلاث" مذكرا والتمييز "شخوص" مذكر أيضا، وهذه مطابقة على خلاف القاعدة النحوية في تمييز العدد. ولعل المسوغ في مثل هذا هو الضرورة الشعرية(353). وقال ابن أحمر الباهلي: وَكَيفَ وَقَد جَرَّبتُ تِسعينَ حِجَّةً وَضَمَّ فُؤادي نَوطَةً هِيَ ما هِيا نلاحظ في البيت الآنف الذكر أنَّ المطابقة غير حاصلة بين العدد ومميزه في صورة العدد؛ فقوله "تسعين" دال على الجمع، والتمييز "حجة" مفرد. وهذا جائز؛ لأنَّ ألفاظ العقود يكون تمييزها مفردا منصوبا كتمييز الأعداد المركبة(354). |
المبحث الخامس المطابقة النحوية في باب التوابع أولا- التابع لغة واصطلاحاً: التابعُ في اللغة: اسم فاعل من الفعل (تبِعَ)، يقال: « تَبعَ الشيءَ تَبَعاً وتُباعاً في الأفعال، وتَبِعتُ الشيءَ تُبوعاً: سرتُ في أثره. . . وتبعتُ القومَ تَبَعاً وتَباعَةً ـ بالفتح ـ إذا مشيتَ خلفهم، أو مرّوا بك فمضيتَ معهم »(355). لم يستعمل النحاة في البداية لفظ (التابع) عنواناً للمعنى الاصطلاحي النحوي، فقد عبّر سيبويه عن التوابع بقوله: « هذا باب مجرى النعت على المنعوت، والشريك على الشريك، والبدل على المبدل منه، وما أشـبه ذلك »(356). ويبدو أنّ ابن السرّاج أوّل من استعمل لفظ التابع في قوله: « باب توابع الأسماء في إعرابها »(357). وحدّه الزمخشري بقوله: « التوابع هي الأسماء التي لا يمسّها الإعراب إلاّ على سبيل التبع لغيرها »(358).وقد أخذ بهذا الحدّ ابن هشام وأدخل فيه بعض التعديل بقوله: « التوابع هي الكلمات. . . » (359)، ولم يقل: (هي الأسماء)، ليجعل الحدّ شاملاً الكلمات التي ليست أسماءً كما في توكيد الأفعال والحروف، نحو: جاءَ جاءَ زيدٌ، ولا لا. وأمّا ابن مالك فقد طرح صياغتين لحدّ التابع: الاَُولى، أنَّ التابع: « ما ليس خبراً من مشارك ما قبله في إعرابه وعامله مطلقاً »(360). والثانية: ما ذكره في كافِيَته بقوله: التابع التالي بلا تقيُّدِ في حاصلِ الاِعراب والمجدَّدِ وقال في شرحه: « التالي يعمُّ خبر المبتدأ وثاني المفعولين، وحالَ المنصوب، والجواب المجزوم بعد شرط مجزوم، وقولي: (بلا تقيُّدِ) مُخرج لِما سوى التابع؛ لاَنّها لا تساوي ما قبلها في الاِعراب، إلاّ مع كون عامله الموجود في الحال غير متبدّل، فلو تبدّل بعامل متجدّد لزال التوافق في الاِعراب، بخلاف المسمّى تابعاً في الاصطلاح؛ فإنّ موافقته لِما قبله في الاِعراب لا تتقيّد بعاملٍ دون عامل »(361). ثانيا: المطابقة بين النعت والمنعوت: 1- النعت لغةً واصطلاحا: للنعت في اللغة عدّة معانٍ، أهمّها: أوّلاً، « وصفُكَ الشيءَ. . . والنعت ما نُعتَ به، نَعَتَه ينعتُه نعتاً: وصفه»، ثانياً، الجيّد من كلّ شيء. ثالثا، الفَرَس الذي يكون غايةً في العتق. والمعنى الاَوّل هو المناسب للمعنى الاصطلاحي النحوي(362). وقال الفيروزآبادي: النعتُ والوصفُ مصدران بمعنىً واحد، والصفة تطلق مصدراً بمعنى الوصف، واسماً لِما قام بالذات من المعاني كالعلم والسواد(353). استعمل سيبويه ألفاظ: النعت، والوصف، والصفة، عناوين للمعنى الاصطلاحي النحوي(364)، وعليه فلا صحّة لِما ذكره بعض القدماء والمحدثين(365) من أنّ النعت مصطلح كوفيّ، وأنّ الوصف والصفة من مصطلحات البصريّين. وأقدم من يعرف النعتَ اصطلاحاً ابن جنّي بقوله: « الوصف: لفظ يتبع الاسم الموصوف تحليةً له وتخصيصاً ممّن له مثل اسمه، بذِكر معنىً في الموصوف أو في شيءٍ من سببه»(366). وأمّا ابن عصفور فقد حدّ النعتَ بأنّه: « اسم أو ما هو في تقديره من ظرف أو مجرور أو جملة، يتبع ما قبله، لتخصيص نكرةٍ، أو لإزالة اشتراك عارض في معرفة، أو مدحٍ، أو ذمٍّ، أو ترحّم، أو تأكيد ممّا يدلّ على حليته أو نسبه أو فعله أو خاصّة من خواصّه»(367). وأمّا ابن مالك فقد طرح حدّين للنعت: أوّلهما: «هو التابع المقصود بالاشتقاق وضعاً أو تأويلاً»(368). وثانيهما: ما ذكره في أُرجوزته بقوله: فالنعت تابعٌ متمٌّ ما سبق بوسمهِ أو وسمِ ما بهِ اعتلق وبعبارة أُخرى: هو « التابع المكمّل متبوعه ببيان صفة من صفاته. . . أو من صفات ما تعلّق به، وهو سببيّه»(369). وظاهرة المطابقة تتجلى في هذا الباب النحوي بأوضح صورها، وتأخذ المطابقة بين التابع (الموصوف) والمتبوع (الصفة) حكم الوجوب تارة وحكم الجواز تارة أخرى. 2 – وجوب المطابقة: أ- النعت الحقيقي: يطابق منعوته تعريفا وتنكيرا، تذكيرا وتأنيثا، وإفرادا وتثنية وجمعا، وإعرابا(370)؛ لأنه هو المنعوت في المعنى فوجب مطابقته فيما ذكر(371). ب- النعت السببي: وهو الجاري على ما بعده أيضا مع رفعه، أي رفع ما بعده حال كون ما بعده مشتملا لضمير ما قبله، وهو متبوعه في الأحوال الثلاثة. فالنعت السببي يبين المنعوت ويتممه بذكر صفة من صفات ما له صلة به(372)، نحو قوله تعالى: {إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ }(373). فكما (يخبر عن المبتدأ بفعل سببه، تصفه أيضا بفعل سببه نحو قولك: برجل ضارب أبوه، كما قلت زيد ضارب أبوه، لأن الوصف بذلك يميزه ويرفع منه اشتراكا – كما يصيره فعله في برجل ضارب وكما كان الخبر عن سببه بذلك يقيد كما يقيد الخبر عنه بفعله في نحو: زيد ضارب، وزيد ضارب أبوه. ولذلك كان وصله بفعل سببه بمنزلة وصله بفعله نحو: الذي يضرب ابوه زيد والذي يضرب زيدا)(374). والمطابقة بين النعت السببي ومنعوته حاصلة في صورة الإعراب وفي صورة التعريف والتنكير ولا يطابقه في سائر الصور؛ لأنه باعتبارها معها كالفعل مع فاعله، وقد علم أن الفعل لا يضمر فيه قبل ذكر الفاعل فلا بد من أن يكون مفردا فكذلك هذه. وكذلك في التذكير والتأنيث، إنما يذكر ويؤنث الرافع للفعل إذا كان الرافع مذكرا وجرد من العلامة، وإن كان مؤنثا أنث بخلاف القسم الأول(375). ويرى صاحب الإيضاح أن النعت السببي إنما يتبع ما بعده في التذكير والتأنيث والإفراد وفروعه، لأن ذلك يحصل (في الاسم المشتق باعتبار فاعله في الحقيقة هو المتأخر لا باعتبار الموصوف، وكذلك الإفراد والتثنية والجمع في الأسماء المشتقة إنما باعتبار فاعلها)(376). فالنعت السببي لا يطابق منعوته إلا في التعريف أو التنكير، والإعراب فقط، وأما المطابقة في التذكير والتأنيث والإفراد وفروعه فإنَّه يجري على ما بعده ويعامل في ذلك معاملة الفعل الواقع موقعه كسببه، فيقال: مررت برجال حسنة وجوههم وبامرأة حسن وجهها كما يقال حسنت وجوههم وحسن وجهها(377). ويعلل د. إبراهيم السامرائي للنعت السببي ومطابقته من ناحية الإعراب، والتعريف والتنكير للاسم السابق، ومن ناحية الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث للاسم اللاحق أن مسالة المطابقة في الإعراب ترجع إلى ظاهرة لغوية غير نحوية وهذه الظاهرة اللغوية هي المجاورة فلما جاور النعت الاسم المجرور السابق له طابقه في الحركة. وهذا تطبيق لقانون المشاكلة الذي تستدعيه المجاورة(378). وتجدر الإشارة هنا إلى أن قانون المشاكلة الذي تستدعيه المجاورة ليس مطلقا وإن ورد في العربية فعلى سبيل الندرة؛ لأن التوابع ليست قائمة على المشاكلة وإنما على الإسناد والنسبة. والترابط بين التابع والمتبوع وثيق، ويظهر هذا جليا في المطابقة الإعرابية؛ فهما كالاسم الواحد في الحكم(379). وهذا زيادة على أن النحاس (ت337هـ) قد ذهب إلى عدم جواز أن يعرب الكلام على الجوار(380). ج- انخرام المطابقة بين الصفة والموصوف في شعر ابن أحمر الباهلي: أهمل الشاعر المطابقة بين الصفة والموصوف في العدد، في قوله: لَعِبَت بِها هـوجٌ يَمانِيـَةٌ فَتَرى مَعارِفَها وَلا تَـدري(381) إذ أهمل الشاعر المطابقة بين الصفة "هوج"، والموصوف "يمانية" في العدد وهذا جائز في العربية؛ إذا كان المنعوت جمع تكسير غير عاقل، فيجوز في نعته أن يكون مفردا مؤنثا، أو جمعا مؤنثا سالما، أو جمع تكسير للمؤنث(382). وقد طابق الشاعر بين الصفة "القَلَع" والموصوف "السَّواري" في العدد، في قوله: تَفَقـَّأَ فَوقَهُ القَلَعُ السَواري وَجُنَّ الخازِ بازِ بِهِ جُنونا(383) وأهمل الشاعر المطابقة بين الصفة والموصوف في الجنس في مثل قوله: حَتّى أَتَتهُ فَيلقٌ طافِحٌ لا تَتَّقي الزَجرَ وَلا تَنزَجِر(384) وهذا جائز أيضا؛ لأن الصفة اسم جنس لا واحد له من لفظه، وما كان هذا حاله من الموصوفين يجوز في صفته الإفراد مع التذكير على اعتبار اللفظ، أو الإفراد مع التأنيث على تأويل الجماعة(385). ومن ذلك قوله تعالى: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} (386). وقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} (387). فوصفت "النخل" و"رفرف" بموصوفين مجموعين؛ لأنهما اسما جنس جمعيان يجوز في نعته الأفراد والجمع(388). وأهمل الشاعر المطابقة بين الصفة والموصوف في الجنس، في البيتين الآتيين: تَرى كُلَّ هِرجابٍ لَجوجٍ لِهِمَّةٍ زَفوفٍ بِشِلوِ النابِ جَوفاءَ عَيلَمِ(389) عَلِهنَ فَما نَرجو حَنـيناً لِحِرَّةٍ هِـجانٍ وَلا نَبـني خِباءً لِأَيمِ(390) إذ جاءت الصفات "لَجوجٍ، زَفوفٍ" على صيغة "فعول" في البيت الأول، وصيغة "فعول" للمذكر والمؤنث(391)، ولا تلحقها في المؤنث علامة التأنيث لأنها بمعنى فاعل، وهي مما تلازم الإفراد والتذكير (392). نحو مررت برجل صبور، وبامرأة صبور. فالصفة الأولى قد طابقت الموصوف في الأفراد والتذكير، والإعراب، أما الصفة الثانية فقد طابقت الموصوف في الإعراب، ولازمت حالة الإفراد والتذكير على الرغم من أنّ الموصوف مؤنث؛ لأنّ صيغة المبالغة تلازم حالة واحدة هي الإفراد والتذكير. وقد ورد في البيت الثاني " هِـجانٍ" صفة، على وزن "فِعَال"، وهو مختص بالأنثى لا تلحقه علامة التأنيث. وتنخرم المطابقة بين الصفة والموصوف أيضا إذا كان الوصف على وزن (مِفْعَال)، كمهذار. وكذلك إذا كان الوصف على وزن (مِفْعيِل)، كمعطير. أو على وزن (مِفْعَل)، كمغثم. أما (فَعيِل)، على وزن فاعل فالمطابقة منه حاصلة، كقولنا: رجل كريم وامرأة كريمة. وقد انخرمت المطابقة بين الفاعل المذكر والوصف في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ }(393). ففيه وصفت "الرحمة"، وهي اسم مؤنث حقيقي التأنيث لفظا ومعنى، بـ (قريب)غير المؤنث. ثالثا- المطابقة بين البدل والمبدل منه: 1- البدل لغةً واصطلاحا: البدل في اللغة: العِوَض، ومنه قوله تعالى: (عسى ربّنا أن يبدلنا خيراً منها)(394). قال ابن فارس: «الباء والدال واللام أصل واحد، وهو: قيام الشيء مقامَ الشيء الذاهب، يقال: هذا بَدَلُ الشيء وبديله، ويقولون: بدَّلتُ الشيءَ، إذا غيّرته، وإن لم تأت له ببدله. . . وأبدلته إذا أتيتَ له ببدل»(395). وقال ابن منظور: «وبَدَلُ الشيء غيره. . . بِدْلُ الشيءِ وبدَله وبديله: الخَلَفُ منه، والجمع أبدال»(396). البدل والمبدل من مصطلحات البصريّين(397)، أمّا الكوفيّون فقد عبّروا عن المعنى الاصطلاحي بـ: «الترجمة والمترجم والتبيين والتكرير والمردود»(398). وقال سيبويه بشأن التعريف بالبدل: «هذا باب من الفعل يستعمل في الاسم، ثمّ يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر، فيعمل فيه كما عمل في الاَوّل، وذلك قولك: رأيت قومَكَ أكثرَهم»(399). وأمّا ابن مالك فقد طرح صياغتين لحدّ البدل: أُولهما: «هو التابع المستقلّ بمقتضى العامل تقديراً دون مُتبع»(400). والثاني: ما ذكره في منظومته الكافية الشافية وخلاصتها الاَلفيّة من أنّه: «التابع المقصود بالحكم بلا واسطة»(401). وقد أصبح هذا الحدّ هو التعريف النهائي للبدل، فقد أخذ به معظم النحاة بعد ابن مالك كابن الناظم، وابن هشام، وابن عقيل، والسيوطي، والفاكهي(402). ولا بد لنا من أن نورد أنواع البدل على وفق النهج الذي سار عليه القدماء لصلته الوثيقة بموضوع المطابقة النحوية بين البدل والمبدل منه. 2- بدل الكل من الكل، أو البدل المطابق: هو بدل شيء من شيء يطابقه في المعنى(403)، وابن السراج يقول عنه: (وما أبدلته من الأول وهو هو)(404). نحو قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}(405)، فالصراط المستقيم مبدل منه، وصراط الذين بدل(406). وهما يدلان على معنى واحد متطابق، وهما معرفتان(407). وهذا يعني أنّ البدل والمبدل منه واقعين على ذات واحدة. وهذا يجيز المطابقة في الإعراب والإفراد والتذكير وفروعها(408)، و(بدل الكل من الكل يجب موافقته للمتبوع في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، لا في التعريف والتنكير، وأما الأبدال الأخرى فلا يلزم موافقتها للمبدل منه في الإفراد والتذكير وفروعهما أيضا)(409). ومن أجل هذا لم نوردها في البحث. ومما مرّ نفهم أنّ المطابقة تكون واجبة في بدل الكل من الكل وغير واجبة في الأنواع الأخرى؛ ومن أجل هذا سنضرب صفحا عن إيراد سائر أنواع البدل الأخرى. وسنأخذ مطابقة البدل للمبدل منه في الإفراد والتثنية والجمع؛ التي توفرت لنا فيها شواهد مناسبة من شعر الشاعر. 3- انخرام المطابقة بين البدل والمبدل منه في شعر ابن أحمر الباهلي: المطابقة بين البدل والمبدل منه في الإفراد والتذكير وفروعهما تتأثر بنوع البدل فإن كان بدل كل من كل طابق متبوعه في الإفراد والتذكير وفروعهما، وتكون هذه المطابقة واجبة، فنقول في حالة الإفراد والتذكير وفروعهما: هذا زيد أخوك، والزيدان أخواك، والزيدون إخوتك. ونقول في حالة الإفراد والتأنيث وفروعهما: هذه هند أختك، والهندان أختاك، والهندات أخواتك(410). والملاحظ أن المطابقة حاصلة في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، ويحصل هذا إذا لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع(411)، كما حدث في الأبيات الآتية التي لم يطابق الشاعر فيها بين البدل والمبدل منه في الإفراد وفروعه، ففي قوله: بَنَّت عَلَيهِ المُـلكَ أَطنابَــها كَأسٌ رَنَوناةٌ وَطِرفٌ طِـمِر(412) بِحَيثُ هَراقَ في نَعمان خَرجٌ دَوافِـعُ في بِـراقِ الأَديَثـينا(413) نجد أنّ الشاعر خالف في المطابقة بين البدل "أطنابها" والمبدل منه "المُـلكَ" في البيت الأول، وكذا بين "خَرجٌ" و"دَوافِـعُ" في البيت الثاني. وتعليل هذه المخالفة في المطابقة أنّ البدل مصدر، وإذا كان البدل أو المبدل منه مصدرا لم تحدث المطابقة بينهما في الإفراد والتثنية والجمع. نحو قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا }(414)، فالمبدل منه "مفازا" مصدر مفرد وهو غير مطابق للبدل "حدائق" و"أعنابا"، إذ هما جمعان. وانخرمت المطابقة بين البدل والمبدل منه في التثنية في قول ابن أحمر الباهلي: وَالـحَيُّ كَالمَيـتِ وَيَبقى التُقى وَالعـَيشُ فَـنّانِ فَحُلوٌ وَمُر(415) والاستشهاد في قوله: "حُلوٌ" فهي نكرة وأبدلها من "فنَّان" وهي نكرة في حال التثنية، ثم عطف عليها "مُرُّ". وظاهر أنّ المطابقة غير حاصلة في البيت بسبب قصد التفصيل من المبدل منه، وهذا كقول الشاعر: وكُنتُ كَذي رِجلَينِ رِجلٌ صَحيحَةٌ ورِجلٌ رَمى فيها الزَّمَانُ فَشُلَّتِ و(الاستشهاد في قوله رجل صحيحة، فإنّ (رجل) نكرة وأبدلها من (رجلين) وهي أيضا نكرة، ثم عطف عليها الثانية. ولما جاء الثاني بلفظ الأول لم يكن بد من زيادة فائدة على ما تقدم وهي الصفة، وأعني أنّ الرجل الأولى موصوفة بـ (صحيحة)، والرجل الثانية موصوفة بالجملة (رمى فيها الزمان). ولما كان المبدل منه مثنى وجب أن يؤتى باسمين حتى يستوفي حكمه)(416). وهذا البدل يعرب باسم بدل المفصل من المجمل؛ لأنه أجمل أولا ثم فصل آخرا. فإرادة التفصيل هي التي منعت مطابقة البدل للمبدل منه في التثنية لفظا وإن كانت حاصلة في المعنى. وهذا ما عبر عنه الصبان بقوله: (قد يقال المطابقة حاصلة، لأنّ البدل ليس كل واحد من شقي التفصيل على حدته بل مجموعهما وهو مطابق لما كان المجموع ولا يمكن ظهور أثر العامل فيه وكان جعله في أحدهما دون الآخر تحكما جعل كل منهما دفعا للتحكم فاندفع)(417). ومن هذا النوع من البدل قوله تعالى: { قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ }(418). فقوله تعالى: (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) بدل من (وَإِلَهَ آبَائِكَ)، ولو قرئ به بالقطع جاز(419). إنّ بدل الكل من الكل لا تلزم موافقته للمبدل منه في صورة الإفراد والتثنية الجمع والتذكير والتأنيث، وعلى هذا يجوز أن نقول: أعجبني الطالبان مظهرهما، وأعجبني الطلاب مظهرهم. ويجوز لنا أن نبدل غير المفرد من المفرد فلا مطابقة بينهما، فنقول: أعجبني محمد أبواه وإخوته(420). كما أنَّ هذه الحالة تنطبق في التذكير والتأنيث؛ فيجوز لنا أن نبدل المذكر من غير المذكر، والعكس. وبذلك تنخرم المطابقة بينهما في هذه الصورة، ومنها قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}(421). (فرسول) بدل من (البينة)(422). والبدل مذكر والمبدل منه مؤنث، وعليه فإنَّ المطابقة غير حاصلة في هذه الحالة. ويجوز أيضا أن نقول في عكس ما تقدم: أعجبني محمد قامته. فالبدل (قامة) مؤنث والمبدل منه (محمد) مذكر. والمطابقة غير حاصلة في هذه الحالة أيضا. الخاتمة إن ظاهرة "المطابقة" مظهر من مظاهر التجانس في العربية، وهي واضحة كل الوضوح في التجانس بين الصفة والموصوف، والمبتدأ والخبر، والحال وصاحبها، والفعل والفاعل، ... وأكثر ما تكون المطابقة التي لاحظها النحاة العرب في صورة الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، زيادة على الحركة الإعرابية، والتعريف والتنكير. والأبيات التي روعيت فيها المطابقة في شعر عمرو بن أحمر الباهلي كثيرة كثرة بالغة، لا فائدة كبيرة من ذكرها، وإنما اقتصر الحديث عن الحالات التي أهملت فيها المطابقة، و الحالات التي تحتاج إلى إيضاح أو تذكير. مع مراعاة الابتعاد ما أمكن عن الخلافات النحوية التي لا طائل منها. ويبدو للباحث أنّ انخرام المطابقة في شعر الشاعر أمر مرخص؛ لأنّ الشاعر نشأ في بادية نجد، وتهيأت له سبل الفصاحة، حتى أمكن له أن يكون صحيح الكلام كثير الغريب، ثم يكون الشاعر الفصيح الذي يتقدم شعراء أهل زمانه. لأن الترخص إنما يحسن مع السليقة فلا رخصة لمن لا سليقة له. |
1) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام (ت231هـ): 2/571؛ والشعر والشعراء ابن قتيبة (ت276هـ): 356؛ والمعارف، ابن قتيبة: 81؛ وجمهرة أشعار العرب، أبو زيد القرشي (أواخر القرن الثالث): 842؛ والأغاني، الأصفهاني (ت356هـ): 2980؛ ؛ والمؤتلف والمختلف، الآمدي (ت370هـ): 44؛ ومعجم الشعراء، المرزباني (ت384هـ): 24؛ وجمهرة أنساب العرب، ابن حزم الأندلسي (ت؟؟4هـ): 245؛ وسمط اللآلئ، ابو عبد الله البكري (ت487هـ): 307؛ والأمالي، ابن الشجري (ت542هـ): 1/137؛ وخزانة الأدب، البغدادي (ت1093هـ): 3/38؛ وشرح أبيات المغني، البغدادي: 2/135. 2) معجم الشعراء: 24؛ وسمط اللآلئ: 307؛ والإصابة: 3/112. 3) المكاثرة، الطيالسي (من علماء القرن الرابع): 55. 4) المرصع، ابن الأثير (ت606هـ): 65. 5) الشعر والشعراء: 359؛ وعنه في شرح أبيات المغني: 2/134. 6) طبقات فحول الشعراء: 580؛ ومعجم الشعراء 24؛ والإصابة: 3/112؛ وشرح أبيات المغني: 2/134. 7) المؤتلف والمختلف: 44؛ وخزانة الأدب: 3/38؛ و شرح أبيات المغني: 2/135. 8) الأغاني: 2980؛ والإصابة: 3/112؛ وخزانة الأدب: 3/39. 9) ينظر: تاريخ الطبري (ت310هـ): 6/431. 10) تاريخ الطبري: 6/202. 11) ينظر: معجم الشعراء: 24؛ والأغاني: 2980؛ والأمالي: 1/137؛ و الإصابة: 3/112؛ وعنه في خزانة الأدب: 3/39. 12) معجم الشعراء: 24؛ وعنه في الإصابة: 3/112؛ وخزانة الأدب: 3/39. 13) الأغاني: 2980؛ وعنه في الإصابة: 3/112. 14) الأغاني: 2980؛ وعنه في الإصابة: 9/112؛ وخزانة الأدب: 3/39. 15) الأغاني: 2980. 16) ينظر: القصيدة: 46. 17) النعمان بن بشير الأنصاري: ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً. استعمله معاوية على الكوفة ثم على حمص، ودعا إلى ابن الزبير ثم إلى نفسه، فقتله بنو أمية سنة خمس وستين للهجرة. ينظر: المعارف، ابن قتيبة: 294؛ وتاريخ الطبري: 2/401، و5/133، 462، 481، 531، 539؛ وجمهرة أنساب العرب: 364؛ والإصابة: 3/559. 18) تاريخ الطبري: 5/131. 19 ) القصيدة: 37. 20) ينظر: جمهرة اللغة، ابن دريد (ت321هـ): 2/390؛ والاقتضاب، البطليوسي (ت521هـ): 319؛ وخزانة الأدب: 3/38؛ وتاج العروس: (عور). 21) المعارف: 587. 22) ينظر: المخصص: 13/169؛ والمحكم: 1/245. 23) معجم الشعراء: 24؛ وعنه في الإصابة: 3/112؛ وخزانة الأدب: 3/39. 24 ) الشعر والشعراء: 356؛ وعنه في شرح أبيات المغني: 2/134. 25) الاقتضاب: 434؛ وعنه في شرح شواهد الشافية: 4/354. 26) ينظر: القصيدة: 9. 27) الشكاعى: من دق النبات، وهي دقيقة العيدان، صغيرة خضراء، والناس يتداوون بها. ينظر: لسان العرب، ابن منظور (ت711هـ)، وتاج العروس، الزبيدي (ت1205هـ): (شكع) 28) أدب الكاتب، ابن قتيبة: 119؛ والمعاني الكبير، ابن قتيبة: 1220؛ وسمط اللآلئ: 778؛ والاقتضاب: 342. وسقي بطنه، وسقى، واستسقى أي: حصل فيه الماء الأصفر، والسَّقي والسِّقي: ماء أصفر يقع في البطن. ينظر: لسان العرب، وتاج العروس: (سقي). 29) الشعر والشعراء: 356؛ وعنه في شرح أبيات المغني: 2/134. 30) الأعلام، الزركلي: 5/72. 31) ينظر: جمهرة أشعار العرب: 842. 32 ) تنظر: القصيدة: 18، البيت: 40. 33) تاريخ الطبري: 6/202. 34) معجم الشعراء: 24؛ وعنه في الإصابة: 3/112؛ وخزانة الأدب: 3/39؛ وتاج العروس: (فرص). 35) الشعر والشعراء: 356؛ وينظر: المعاني الكبير: 1221. 36) تنظر: القصيدة 45/3. 37) تنظر: القصيدة 58/10. 38) طبقات فحول الشعراء :580؛ ومعجم الشعراء 24؛ والإصابة: 3/112؛ وشرح أبيات المغني: 2/134. 39) المؤتلف والمختلف: 44؛ وخزانة الأدب: 3/38؛ وشرح أبيات المغني: 2/135. 40) المرصع: 65. 41) جمهرة أشعار العرب: 106. 42) فحولة الشعراء، الأصمعي (217هـ): 12. وسأل أبو حاتم أستاذه الأصمعي: "ما معنى الفحل؟ قال: يريد أن له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق". فحولة الشعراء: 9. والحِقاق: جمع حِقّ، وهو من الإبل: الداخل في السنة الرابعة. والأصمعي في هذا النص يشير إلى أنّ الفحولة هي: جودة السبك، وبراعة المعنى، والشبه بالقديم. 43 ) شرح أبيات المغني: 2/134. والبغدادي أخلّ بقول ابن سلام الذي نقله عن (طبقات فحول الشعراء). 44 ) جمهرة أشعار العرب: 107. 45 ) المصدر السابق. 46 ) المؤتلف والمختلف: 44؛ وعنه في خزانة الأدب: 3/38؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي: 2/135. 47 ) الانشقاق: 19 48 ) ينظر: العين، للفراهيدي (ت175هـ): 5/108– 109؛ غريب الحديث، الحربي (ت285هـ): 2/862-863؛ والصحاح، الجوهري (ت395هـ): 1512؛ ومقاييس اللغة، ابن فارس (ت395هـ): 3/338 – 339؛ ولسان العرب، ابن منظور: 1 /209 ؛ ومختار الصحاح، محمد بن عبد القادر الرازي: 205؛ والقاموس المحيط، الفيروزآبادي (ت817هـ): 3 /256؛ وتاج العروس، الزبيدي: 6/414، مادة (طبق). 49) الكتاب، سيبويه: 2/40. 50)شرح الكافية الشافية، ابن مالك: 2/366. 51) شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ، ابن مالك: 72. 52) الفوائد الضيائية، الجامي: 2/409. 53 ) ينظر: الظواهر اللغوية في التراث النحوي، علي أبو المكارم: 115. 54 ) ينظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي، محمد حماسة: 429. 55) ينظر: الفوائد الضيائية: 2/409؛ وعلم اللغة بين التراث والمعاصرة، عاطف مدكور: 199؛ والنحو الوصفي من خلال القرآن الكريم، محمد صلاح الدين مصطفى: 316. 56) ينظر: الخصائص، ابن جني (ت392هـ): 1/35؛ والنحو الوصفي من خلال القرآن الكريم: 315؛ واللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان: 213؛ وأصول التفكير النحوي: 268. 57 ) ينظر: الظواهر اللغوية في التراث النحوي: 214. 58) ينظر: شرح قطر الندى وبل الصدى، ابن هشام (ت761هـ): 258. 59) ينظر: الظواهر اللغوية في التراث النحوي: 193 -195؛ وأصول التفكير النحوي: 352. 60) ينظر: الجمل في النحو، الزجاجي (ت340هـ): 261؛ وشرح شذور الذهب، ابن هشام: 22؛ ومعاني النحو، فاضل السامرائي: 35. 61) الخصائص: 1/35. 62 ) الصاحبي في فقه اللغة، ابن فارس: 190. 63) الدلائل، عبد القاهر الجرجاني: 28. 64 ) نتائج الفكر، السهيلي (ت581هـ): 66. 65 ) ينظر: الإيضاح في علل النحو، الزجاجي: 9؛ والجمل في النحو: 261 – 262؛ والخصائص: 1/25–26؛ وشرح الرضي (ت686هـ): 1/54–56؛ وهمع الهوامع، السيوطي (ت911هـ): 1/13؛ وشرح الأشموني (ت900هـ): 1/47. 66 ) في إصلاح النحو العربي، عبد الوارث مبروك: 7. 67) الظواهر اللغوية في التراث النحوي: 193. 68 ) ينظر: المقتضب، المبرد (ت285هـ): 4/280 – 281؛ والأصول في النحو، ابن السراج (ت316هـ): 1/148. 69) ينظر: الجمل في النحو: 178؛ وشرح الوافية نظم الكافية، ابن الحاجب: 306. 70 ) ينظر: شرح قطر الندى وبل الصدى، ابن هشام: 93. 71 ) المقتضب: 4/267. 72 ) المصدر السابق: 4/276-280؛ وينظر: الكتاب: 1/225؛ وشرح الكافية الشافية: 1/221؛ وشرح جمل الزجاجي، ابن عصفور (ت669هـ): 1/141؛ وشرح التسهيل: 1/125. 73 ) ينظر: الأصول في النحو: 2/36. 74 ) الإيضاح في علل النحو: 121؛ وينظر: الجمل في النحو: 9؛ وشرح المقدمة المحسبة، طاهر بن أحمد بابشاذ: 1/190؛ وشرح جمل الزجاجي: 1/135؛ وتقريب المقرب، أبو حيان الأندلسي (ت745هـ): 100؛ وشرح اللمع، ابن برهان (ت456هـ): 1/42؛ والإيضاح في شرح المفصل: 1/529. 78 ) شرح التسهيل، ابن مالك: 1 /289. 79 ) ينظر: اللمع في العربية، ابن جني: 61؛ وكتاب الحلل: 80. 80 ) التوطئة، أبو على الشلوبيني: 118. 81 ) ينظر: من أسرار اللغة، إبراهيم أنيس: 158. 82 ) التوطئة: 118؛ والمقرب، ابن عصفور: 401؛ وشرح الوافية نظم الكافية: 318. 83 ) ينظر: الظواهر اللغوية في التراث النحوي: 195. 84 ) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 178 – 182. ( 85)ينظر: الظواهر اللغوية في التراث النحوي: 195. ( 86) اللغة، فندريس: 182. ( 87) المصدر السابق: 194-195. (88 ) في الأدب والنقد، محمد مندور: 11. ( 89) ينظر: معاني القرآن، الفراء: 3/118؛ وتأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة: 154. (90 ) ينظر: العمدة: 1020. ( 91)ينظر: ذم الخطأ في الشعر، ابن فارس: 21؛ والصاحبي في فقه اللغة: 276؛ وتأويل مشكل القرآن: 154. ( 92)الصناعتين، أبو هلال العسكري: 150. ( 93)ينظر: ضرائر الشعر، ابن عصفور: 13. ( 94)من أسرار اللغة: 252. ( 95)العمدة: 1032. ( 96)المصدر السابق: 1032-1037. ( 97)عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح: 1/98-99. ( 98)نظرية المعنى في النقد العربي، مصطفى ناصف: 67. ( 99)شرح التصريح على التوضيح، خالد الأزهري: 1/267؛ وينظر: حاشية الصبّان: 2/42. ( 100)طبقات فحول الشعراء، ابن سلاّم الجمحي: 1|12. ( 101)الأصول في النحو:1/81. ( 102)شرح الرضيّ: 1|185. ( 103) ينظر: شرح المفصّل، ابن يعيش: 1|74. ( 104)ينظر: الكتاب: 1|33؛ ومعاني القرآن، الفرّاء: 1|99؛ المقتضب: 4|50؛ والأصول في النحو: 1|86. واللمع في العربية: 33؛ وشرح الرضي: 1|215؛ والفوائد الضيائيّة: 1|271. (105 )ينظر: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك: 77؛ والخلاصة الألفية، لابن مالك وشروحها. ( 106)شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري (ت905هـ): 1|286؛ وحاشية الخضري: 1|167. |
| الساعة الآن 07:25 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by