مغامرة الأدب المقارن في القرن العشرين
أ.د. الطيب بودربالة –جامعة باتنة - الجزائر
مقدمة
ظهر الأدب المقارن في فرنسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، نتيجة عوامل كثيرة تعود في مجملها إلى المناخ الحضاري الذي كان سائدا وقتئذ في أوروبا. لقد أسهمت التحولات العلمية التي عاشها الغرب، خلال تلك المرحلة، في ازدهار العلوم واستقلال كثير من الحقول المعرفية وتبلورها، بحيث أضحت المعارف تتخلى تدريجيا عن طابعها الموسوعي والشمولي لتتجه نحو التخصص والاستقلالية، ولم يشذ الأدب المقارن عن هذه الظاهرة العامة. وسعيا منا لإنجازحفريات المعرفة، فإننا سنحاول رسم بعض معالم هذه الديناميكية الخلاقة التي غيرت وجه التاريخ وأمدتنا بالثمار اليانعة الطيبة. نعرض بعد ذلك للمغامرة الكبرى التي عاشها الأدب المقارن في القرن العشرين والتحولات التي التي مكنته من تحقيق قطائع معرفية حاسمة. ونتوج الدراسة بمعاينة التحديات التي تواجه الأدب المقارن في العالم العربي، تنظيرا وممارسة وتدريسا، في ظل العولمة الزاحفة وحوار الآداب والثقافات.
حفريات
المقارنية لصيقة بالإنسان ومن مكوناته الأنتروبولوجية العميقة، وقديما قيل:” تفهم الأشياء بأضدادها”. وقد أدت المقارنة دورا حاسما في تأسيس القيم الجمالية والفنية في العصر الجاهلي، من خلال رسم معالم الذائقة الفنية وطرق اشتغالها وآليات تحقق إنجازاتها. لقد قامت الروح الكلاسيكية الجاهلية (المعلقات، مجالس التباري، الأغراض، المتخيل، المرجعيات الكبرى للشعر) على الموازنة والمقارنة.
ومع حلول عصر التدوين في القرن الثاني الهجري، وازدهارالحضارة العربية الإسلامية في عصورها الذهبية، ازدهرت المقارنية، تحليلا وتنظيرا وتأويلا، في شتى مجالات العلم والمعرفة، وتحددت معالم العبقرية العربية في مجال الأدب والمعرفة، انطلاقا من اتجاهين مختلفين ومتكاملين في الوقت ذاته: الاتجاه العمودي والاتجاه الأفقي. يتمثل الاتجاه العمودي في حرص النقاد والأدباء على الاحتكام إلى النماذج العليا المتمثلة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والموروث الشعري وكلام العرب، أي ما يمثل الكمال ويفرض الاقتداء والاحتذاء. وقد تواضعوا على الاحتكام إلى سلطة معرفية ونقدية تضفي الشرعية على التراث وتجله وتتأسس على قواعدالكلاسيكية والاحتجاج الذي يستند إلى معايير دقيقة ومحكمة. وكان من نتيجة ذلك أن برزت إنجازات هامة في مجال الموازنة والمقارنة والتجريح والتعديل والنقد (الموازنة بين الشعراء، الموازنة بين الطائيين مثلا). أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الأفقي الذي يهدف إلى مقارنة الأدب العربي بغيره من الآداب (الفارسي، اليوناني بصفة خاصة). وتخضع هذه المقارنية لمركزية عربية صارمة تضع آداب الشعوب غير العربية في الهامش وتنصب نفسها في المركز، على غرار كل المركزيات الحضارية الأخرى. نجد في المركز الآداب العربية وهي تتبوأ المكانة اللائقة بها وعن جدارة. أما الهامش فتحتله الآداب الأعجمية (فيها عجمة أي لا تفصح ولا تبين). ولم يتعمق العرب كثيرا في هذه المقارنة ، لأنها اقتصرت على بعض التعالقات التي لا تمس جوهرالأدب العربي، حرصا منهم على العقيدة الإسلامية السمحاء المتمثلة في جوهر التوحيد(وهذا ما يفسر عزوف النقاد والأدباء العرب عن الملحمة والمسرحية اليونانيتين). ( )
من هذا المنطلق، نستطيع أن نقول إن العرب قد عرفوا الأدب المقارن مسمى دون أن ينحتوا له اسما بالمفهوم المتعارف عليه اليوم ، عرفوه باعتباره منهجا وموقفا نقديا وموازنة وحوارا مع الغيرية الثقافية والحضارية وكذلك في علاقاتهم بالآداب الأجنبية وفي ممارساتهم النقدية. والتاريخ العربي حافل ببعض روائع المقارنة بين الأدب العربي من جهة وآداب الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية من جهة أخرى، وقد شكلت الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي بوتقة انصهرت فيها كل المكونات الحضارية (الهندية، الفارسية، اليونانية، البيزنطية، المصرية،..إلخ).
كما ساعدت عوامل الترجمة والتأثر والمثاقفة والهجرة والاحتكاك بكل أنواعه على استيعاب الأنساق الثقافية الدخيلة وغربلتها ودمجها في الأصيل وتمثلها لتصبح من مكونات الهوية الثقافية العربية. وقد راعى العرب في علاقاتهم بالآداب الأخرى ثلاثة اعتبارات أساسية هي:المحتوى، المنهج والمنطلق. ( )
لم يجدوا حرجا في الاستفادة من المحتويات والمناهج العلمية والفكرية الدخيلة، من منطلق التمكن والوعي والأقلمة والثقة بالنفس والتجاوز، لان الموازين الحضارية كانت في صالحهم ، بخلاف ما هو عليه الحال اليوم، ولكنهم حرصوا كل الحرص، في المقابل، على رفض كل المنطلقات العقائدية والميتافيزيقية للآداب والثقافات غير الإسلامية، لأنها تتناقض كلية مع منطلقات الروح الإسلامية والتي قوامها التوحيد. هذه المنطلقات الجوهرية جعلت العرب يرفضون بعض الأنواع الأدبية، حرصا على المناعة والتحصين. خارج هذه الدائرة، احتفى النقاد والفلاسفة والمفكرون أيما احتفاء بالنظريات النقدية والفلسفية والعلمية الأجنبية وطبعوها بميسمهم بعد أن أضفوا عليها من عبقريتهم الفذة الشيء الكثير. ( )
النهضة الأوروبية التي ظهرت في أوروبا في القرنين الخامس والسادس عشر مدينة للعرب في كل شيء، رغم نكران وجحود بعض الغربيين. فمن المعلوم، اليوم، بشهادة المؤرخين المنصفين( )، أن الحضارة الغربية قامت على ثلاث ركائز أساسية: الركيزة اليونانية الرومانية، والركيزة اليهودية المسيحية، والركيزة العربية الإسلامية. هذه الأخيرة وهي آيلة للسقوط، وفي لحظات الرمق الأخير، تمكنت من تسليم المشعل الحضاري إلى أوروبا. وتعد سنة 1492 علامة فارقة في التاريخ الإنساني، إذ تزامن خروج المسلمين من الأندلس مع اكتشاف أمريكا من طرف كريستوف كولومبوس. فمن جهة، تقلص وانحصار وتراجع وانتكاس، ومن جهة أخرى ، توسع وبعث وانطلاق. فالحضارات، من منطلق فلسفة التاريخ، تتواصل عبر الأزمنة والأمكنة، وليس هناك فراغ حضاري كما تؤكد سنن ونواميس التواصل الحضاري.
إن الحضارة اليونانية التي عدها بعض المؤرخين مهد كل الحضارات الإنسانية هي في الحقيقة الوريثة الشرعية لكل الحضارات الشرقية: الهندية، الفارسية، المصرية، البابلية،..الخ. وقد بين الأنتروبولوجي الفرنسي، جورج دوميزيل، أهمية المكون الهندي الذي يعد جوهريا في كل الحضارات الغربية، لغة وفكرا وأسطورة ودينا وحضارة، والذي طبع بميسمه أوروبا بكاملها (المكون الهندوأوروبي). وبفضل المقارنة، ازدهرت الحضارة اليونانية في كل مجالات الإبداع الأدبي والثقافي والفلسفي والعلمي، وقد كانت المقارنية حاسمة في تتلمذ الرومان على اليونان، وقد قيل بحق:” أن روما قد انتصرت عسكريا على أثينا ولكنها انهزمت ثقافيا وحضاريا أمامها”. هذا الرصيد اليوناني الروماني بعث في عصر النهضة في أوروبا ليكون مرتكزا ومرجعية للنزعة الإنسانية الفتية وللروح العلمية التواقة إلى استشراف المستقبل بعيدا عن هيمنة الكنيسة وسلطة الملكية المستبدة.
نشطت المقارنية في العصر الكلاسيكي، في القرن السابع عشر بأوروبا ، وقد رجع أدباء هذا العصر إلى التراث اليوناني الروماني ليستلهموا منه مصدر إلهامهم وطاقاتهم الإبداعية الخلاقة، ويظهر هذا جليا عند راسين، وكورناي وشكسبيروموليار..الخ. أضفى هذا التأثربالعصور اليونانية الرومانية الزاهية روحا كلاسيكية على كل إبداعات تلك الحقبة التاريخية ، وقد حل الناقد بوالو الفرنسي محل أرسطوا في التنظير والتقعيد والتوجيه للقيم الكلاسيكية القائمة على تمجيد العقل والملكية والأرستقراطية.
بزغ عصر التنوير، مع بداية القرن الثامن عشر، ووجه المقارنية في فرنسا وجهة أخرى بعيدا عن الوهج اليوناني الروماني. اتجهت المقارنية التنويرية نحو فضاءات جديدة لم تكن تخطر ببال الكلاسيكيين الذين كانوا يدورون في فلك الإقطاع والملكية المستبدة. حقق التنويريون قطيعة ابستمولوجية مع الإرث الكلاسيكي، وذلك بتوجههم نحو الشرق، خاصة بعد ترجمة ألف ليلة إلى الفرنسية من طرف أنطوان جالان(1704-1716)، واكتساحه للمتخيل الأوروبي. تعلق التنويريون بالشرق، شرق العجائب والغرائب والخوارق، شرق ألف ليلة وليلة والجواري والحريم والأميرات الساحرات، كما يتجلى ذلك في بعض كتابات فولتير وروسو ومونتيسكيو. انبهر هؤلاء الأدباء بالشرق وبالعوالم الروحية وبالمتوحش( أسطورة “المتوحش الطيب” عند روسو)، وبالعالم الجديد الذي تمثله قارة أمريكا بغدريتها وبطراوتها وبطوباوبتها(خاصة أمريكا الجنوبية). إنها استراتيجية ثورية تمجد العقل والحرية والديموقراطية والنزعة الإنسانية للإطاحة بقيم الكنيسة والأرستقراطية وبالذهنيات البالية.
يعد القرن التاسع عشر بحق العصر الذهبي للاستشراق، ويعد كذلك منعطفا تاريخيا وحضاريا حاسما في تاريخ أوروبا وعلى جميع المستويات بفعل التحولات الحضارية والقطائع الابستمولوجية. وقد كان لحملة نابليون على مصر سنة 1798، واحتلال الجزائر من طرف فرنسا سنة 1830، والتوسع البريطاني في شبه القارة الهندية، دور أساسي في ازدهار الدراسات الشرقية.
ظهر الأدب المقارن، كما أشرنا سابقا، بفرنسا في القرن التاسع عشر الميلادي، نتيجة للتحولات العلمية والثقافية والإيديولوجية والحضارية الكبرى التي عرفتها أوروبا خلال تلك المرحلة الحاسمة في تاريخها، وقد لعبت عوامل كثيرة في بلورة هذا الحقل المعرفي الاستراتيجي الجديد، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، انتشار الروح القومية في كل بلدان أوروبا ، وما تبع ذلك من تمجيد وتقديس للموروث الأدبي الشعبي والقومي في مواجهة الآداب الأجنبية. إضافة إلى ذلك، التشبع بمبادئ الثورة الفرنسية العالمية و اكتشاف الغرب، كما رأينا، للثقافات والآداب والحضارات الشرقية، عن طريق التوسع الاستعماري وعن طريق الاستشراق. ومن العوامل الحاسمة كذلك اكتساب أوروبا لوعي عميق بهويتها الثقافية والحضارية عن طريق التمايز والاختلاف، وازدهار العلوم الإنسانية والاجتماعية وتطور الدراسات التاريخية والأنتروبولوجية. كما كان لظهور الروح الكوسموبوليتية في الأدب والثقافة والفكر دور كبير في الانفتاح على آداب وثقافات مختلف الشعوب والأمم، بهدف تذوقها والتماهي معها. والأدب المقارن مدين لطهور ابيستيمة جديدة في الغرب تتمثل في سيطرة المنهج المقارن على كل الحقوق المعرفة الإنسانية، إنها ديناميكية جديدة تشتغل على مستوى أوروبا وعلى مستوى العالم لفرض عولمة جديدة قائمة على الرأسمالية الزاحفة المعتدة بنفسها والتي تسعى بكل الوسائل للهيمنة على المصير الإنساني.
فرض الادب المقارن نفسه في الجامعة الفرنسية تدريجيا، مع منتصف القرن التاسع عشر، بفضل الرواد المتحمسين للآداب الأجنبية، من أمثال جون جاك أمبير، وقد شجع هذا التوجه، من قبل، بعض كبار الآدباء والنقاد، من أمثال مادام دوستال ولانسون وسانت بيف وهيبوليت تين. وقد احتار الأوائل في ايجاد تسمية جامعة مانعة لهذا المولود الجديد، وقد استقر الاتفاق على تسميته بالأدب المقارن Littérature comparée (اسم مفعول على حساب اسم الفاعل)، وهي تسمية إشكالية لم تحظ بإجماع كل المقارنين ، لكن في النهاية أبقي عليها ، رغم عدم دقتها، لرواجها واشتهارها عبر العالم.
مغامرة الادب المقارن في القرن العشرين
يشكل القرن التاسع عشر عهد التأسيس لهذا الحقل المعرفي الجديد بفرنسا، حيث شرعت الجامعات الفرنسية، مع النصف الثاني من هذا القرن، على إيلاء أهمية خاصة للدرس المقارن ولكل ما يتعلق بحضور المكون الأجنبي في الآداب الوطنية الأوروبية. وقد كان اهتمام المقارنين منصبا في البدايات الأولى على السعي للبحث عن الوشائج التي تربط الأدب الفرنسي بغيره من الآداب الوطنية المجاورة (الإيطالية، الألمانية، الإنجليزية، الإسبانية،..الخ)، في إطار وحدة أوروبا الثقافية. وقد أثمرت هذه الجهود بتأسيس مجلة الأدب المقارن بفرنسا، سنة 1921، والتي أضحت منبرا هاما لكبار المقارنين الفرنسيين والغربيين. ومما لاشك أن المدرسة الفرنسية قداستطاعت أن تتبوأ الريادة في مجال الدراسات المقارنة، طيلة النصف الأول من القرن العشرين ، كما تمكنت من بسط نفوذها وتأطير النشاطات المقارنية وطبعها بطابعها الخاص، تنظيرا وتطبيقا، إجراء وممارسة وتدريسا. وقد تشبعت هذه المدرسة، إلى حد كبير، بالمركزية الغربية في مجال الثقافة والسياسية ورؤية العالم. ونذكر من روادها، على سبيل التمثيل لا الحصر، بالدنسبرجي، جويار، باطايون، فان تيجم ، جون ماري كاي، وشارل ديديان. وقد اتسمت هذه المدرسة باعتمادها على الدراسات التاريخية وعلى التوجه الوضعاني وعلى التراكمات المونوغرافية. ( )
تشترط المدرسة الفرنسية لإنجاز المقارنة بين الآداب الاختلاف اللغوي والبرهنة على وجود علاقات تأثير وتأثرحقيقية مبرهن عليها تاريخيا، مما يطرح إشكالية هامة تتعلق بالآداب الوطنية المختلفة والتي تجمعها، رغم ذلك لغة واحدة ، مثل الآداب الأنجلوفونية والفرنكفونية والاسبانوفونية.
لا أحد ينكر أن المدرسة الفرنسية قدمت إنجازات نوعية هامة في مجال الدرس لمقارن الذي استطاع أن يتبوأ المكانة اللائقة به في الجامعات الفرنسية وفي جل الجامعات الأوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية. لكن عيب على هذه للمدرسة يكمن في مرجعياتها الإيديولوجية وغلوها في الاعتماد على الدراسات التاريخية، وتضحيتها بالأدبية وبالتعالقات المعرفية المختلفة، وتقديسها المفرط للمعيار اللغوي وضعفها المنهجي والابستمولوجي.
بعد التراكمات المعرفية المتعددة الجوانب الذي عاشها الأدب المقارن، غداة الحرب العالمية الثانية التي غيرت موازين القوة الأدبية والثقافية والحضارية في العالم، أخذ الأدب المقارن يتحسس طريقة بكل ثقة وبكل أمل. ذلك أنه بلغ مرحلة النضج التي تقتضي منه تحقيق كثير من القطائع الابستمولوجية والانفصال عن فضاءات النقد وتاريخ الأدب وفقه اللغة والأدب الحديث ونظرية الأدب، بهدف تحقيق استقلالية هذا الحقل المعرفي الاستراتيجي، من حيث المنهجية والمصطلحات والمفاهيم والميادين والمقاصد. ورغم استقلالية هذا الفضاء المعرفي(استقلالية نسبية)، فإن كثيرا من الحقول النقدية والثقافية والفكرية تتقاطع وتتفاعل داخله محققة كثيرا من الإخصاب والثراء. إن الأدب المقارن بآفاقه الموسوعية وبعمقه التخصصي قد استطاع أن يؤلف في خيمياء متميزة بين العوالم الرحبة الواسعة والعوالم الجزئية المتناهية في الصغر. إنها رسالة الأدب المقارن المبنية على النزعة الإنسانية العميقة التي تنطلق من الخصوصية والمحلية لتستشرف العالمية وآفاق الإنسانية بكاملها. لقد شهدت سنة 1954 تحولا نوعيا في الأدب المقارن وذلك على المستوى العالمي، ويتمثل هذا المنعطف الحاسم في تأسيس الرابطة الدولية للادب المقارن بمدينة البندقية( فينيسيا) بايطاليا، ويكتسي اختيار هذه المدينة الأسطورية طابعا رمزيا عميقا بالنسبة لتاريخ الأدب المقارن ورسالته الحضارية. ذلك أن هذه المدينة العريقة بحكم موقعها الجيو الحضاري تمثل التقاء الشرق بالغرب، والتقاء الشمال بالجنوب، وعناق المتخيل الأسطوري للإرث الأدبي العالمي والإنساني.
بعد سنة من تأسيس هذه الرابطة الدولية وفي المدينة نفسها يلتقي المقارنون في لقاء هو الأول نوعه في العالم في مؤتمر دولي لاستشراف مستقبل الأدب المقارن. يمثل هذا المؤتمر الانطلاقة العالمية الحقيقية للأدب المقارن، لأنه جمع بين رجالات الأدب المقارن من أوروبا ومن أمريكا للتحاور ولتبادل الآراء والأفكار والنظريات ولاستشراف المستقبل، في مناخ دولي يتسم بالمواجهة الإيديولوجية المحتدمة بين الغرب الرأسمالي من جهة، والمعسكر الاشتراكي من جهة اخرى ، بين القوى الاستعمارية من جهة، وقوى التحرر في العالم الثالث من جهة اخرى، وقد ألقت الحرب الباردة والثورات التحررية في العالم بضلالها على الأجواء التي سادت المؤتمر الدولي الأول. ورغم هذه الأجواء الدولية المتوترة، فقد تمكن المقارنون من رصد ومعاينة ما تم إنجازه في الواقع، خلال المسيرة السابقة ورسم معالم مقارنية أدبية مستقبلية، قوامها حوار الآداب وتبادلاتها المثمرة أخذا وعطاء، تاثير وتأثرا، في إطار المتخيل الأدبي العالمي. وقد صدق بول فاليري عندما قال: ” الأسد مجموعة من الخراف المهضومة”. فقوة كل أدب تكمن في قدرته على استيعاب وتمثل الآداب الأخرى، فالتلاقح شرط أساسي لتطور الآداب وازدهارها وإشعاعها. ومنذ ذلك الحين جرت العادة أن يلتقي المقارنون من مختلف بلدان العالم كل ثلاث سنوات لحوصلة نشاطاتهم العلمية وفتح آفاق المستقبل ( ستعقد الرابطة هذه السنة مؤتمرها الدولي الثاني والعشرين في جويلية بفيينا عاصمة النمسا).
لقد فتح مؤتمر البندقية آفاقا لا حصر لها بالنسبة للدرس المقارن، إذ رسم معالم مشروع مستقبلي واعد، بعد أن قام بحوصلة ومراجعة ما تحقق من إنجازات مقارنية في مختلف البلدان الغربية. بدأت تتشكل بعد الحرب العالمية الثانية توجهات جديدة في الأدب المقارن بأمريكا، وقد كان للخصوصية الثقافية الأمريكية (أمريكا وريثة مختلف الثقافات والأعراق والحضارات التي انصهرت داخل بوتقة الطوباوية الأمريكية الجديدة التي رسم معالمها الآباء المؤسسون) دور بارز في ظهور المدرسة الأمريكية. لقد كان لمؤتمر الرابطة الدولية للأدب المقارن الذي انعقد بتشابل هيل بكارولينا الشمالية، سنة 1958، أهمية كبرى في ميلاد هذه المدرسة الذي يتزعمها كبار المقارنين الأمريكيين، من أمثال هنري ريماك وروني ويلاك وهاري لوفين. تكلم روني ويليك عن:” أزمة الأدب المقارن” ووجه جل انتقاداته للمدرسة الفرنسية التي اتهمت بالإقليمية الضيقة وبتغليب التاريخ الأدبي والنظرة الميكانيكية والوضعانية على الدرس المقارن، كما اتهت أيضا بتجاهل الأدبية والنقد الأدبي وتعالق الآداب بالفنون وأنواع المعرفة المختلفة.