تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية بين النظرية والتطبيق
د/ رحاب زناتي عبدالله
مدرس المناهج وطرق التدريس بجامعة الأزهر
مدير التعليم بمركز الأزهر لتعليم اللغة العربية
للناطقين بغيرها
مقدمة
“المبادرة اللغوية للأمن القومي” اسم لمبادرة قام بها جهاز المخابرات داعمًا لتعليم اللغة العربية لارتباطها بالأمن القومي، راصداً لها ميزانية حوالي 172 مليون دولار، موزعة بين وزارتي التعليم والخارجية، يا لها من مبادرة تسعد كل من يهتم بتعليم العربية! وقد يشعر أن الوقت قد اقترب لتصبح فيه العربية هي اللغة الأكثر انتشارًا كما تستحق. ولكن هذه السعادة قد تزول عندما يعرف المهتمون بتعليم العربية أن هذه المبادرة ليست عربية المنشأ، وإن كانت عربية الهدف، فهذه مبادرة من جهاز المخابرات الأمريكي، تنفيذًا للقرار المركزي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وشجع عليه، مطالبا الأمريكيين بضرورة تعلم اللغتين العربية والصينية لضرورات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وبمستقبل المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد كانت هذه المبادرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تسببت في زيادة عدد متعلمي اللغة العربية من الأمريكيين. فبلغ عددهم كما جاء في دراسة أمريكية أصدرتها “رابطة اللغات الحديثة” في عام 2010 خمسين ألف طالب، وقد كان عددهم في عام 1998 يقدر بـخمسة آلاف ، وخمسمائة وخمس وستون طالباً. وهذه الزيادة جعلت نسبة دارسي العربية بالولايات المتحدة (86%) في حين أن نسبة دارسي الصينية (31%) ونسبة دارسي الإسبانية (28%).
ومن فضل الله على اللغة العربية وأهلها، أن ثورات الربيع العربي تسببت هي أيضًا في زيادة نسبة المقبلين على تعلم العربية، “فلقد صرح مصدر في مركز “الأقمار الثلاثة للإحصاء” في مدينة سياتل في ولاية أوريغون، بأن نسبة الإقبال، ومن 4 اشهر فقط، على تعلم العربية بين الأمريكيين وصلت إلى 176%”(المركز اللبناني للأبحاث والإستراتيجيات:2011)
هذه هي الفرصة التي يقدمها الغرب –راغماً وبسوء نية- لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، فكيف استفاد العرب من هذه الفرصة؟
للأسف الإجابة سلبية بكل المقاييس، فما زلنا لا نحسن تعليم العربية لغير الناطقين بها، ولا لأبنائها، لقد تسببنا نحن العرب، وخاصة أصحاب هذا الجيل في مصيبة قد لا ينساها لنا التاريخ، وأخشى أن نعاقب عليها من الواحد القهار، عندما يسألنا ماذا فعلتم للغة العربية وهي على وشك الإلغاء من اللغات الست التي تتعامل بها منظمة الأمم المتحدة!؟
نعم، فإن المنظمة في نيويورك تتجه إلى “إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية في المنظمة وهي: الإنجليزية, والإسبانية, والفرنسية, والروسية, والصينية, والعربية, وذلك لثلاثة أسباب: الأول، عدم استعمال ممثلي الدول العربية اللغة العربية في الأمم المتحدة, فهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية!! الثاني، عدم وجود مترجمين عرب أكفاء يجيدون اللغة العربية!! أما الثالث، فهو عدم وفاء معظم الدول العربية بالتزاماتها المتعلقة بدفع نفقات استعمال العربية في المنظمة” !!(نار فرجاني: 2011) ولن أعلق على الخبر إلا بقوله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
نعم، فنحن أمام أربع مصائب، فالمصيبة ليست فقط في أن لغتنا على وشك الإلغاء من اللغات الست، بل المصيبة أن السبب هو عزوف ممثليها عن التحدث بها، وضعف إجادة أهلها لها، وإمساك أغنيائها عن دفع نفقات استعمالها في المنظمة !!!
بل إن واقعنا يا سادة يحمل مصائب أقوى وأشد دفعت بالمفكر العراقي علي القاسمي إلى تحذيرنا في كتابه القيم (اللغة العربية وخطر الانقراض:2007) من أن اللغات تضعف وتموت, وأن اللغة العربية مرشحة لهذا المصير البائس لو استمر إهمالنا لها.
وهذا الذي يحدث يجعل أهمية تعليم العربية لغير الناطقين بها تتضاعف، فنحن في حاجة إلى تمكين لغتنا لأبنائنا وتوسيع نطاقها لغير الناطقين بها حتى نستطيع مواجهة تحدياتها الراهنة، ونحاول إخراجها من غرفة (الإفاقة) التي تقطن فيها الآن لغة القرآن الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى الرغم من كل ما سبق، فإني أعود وأنظر إلى الجانب المشرق الذي لا فضل لنا فيه، وهو زيادة عدد متعلمي اللغة العربية من الناطقين بغيرها، فعددهم والحمد لله في ازدياد مطرد في معظم أنحاء المعمورة، وهم يتنوعون، ما بين راغب في تعلم الإسلام بلغته، وما بين راغب في معرفة لغة عدوه، وما بين راغب في فرصة عمل أفضل في بلاد مليئة بخيرات الله من البترول وغيره.
وهذه الزيادة المطردة، وذاك الضعف الراهن، يوضحان لنا أن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أصبح من الأهمية بمكان يجعله فعلاً أمنًا قوميًا، ليس للأمريكان أو غيرهم فقط، ولكنه لكل العرب أصبح أمناً قومياً، وواجباً دينيًا.
ولكي نحقق هذا الأمن، ونؤدي هذا الواجب يجب علينا مواكبة النظريات الحديثة لتعليم اللغات الأجنبية، ويجب علينا زيادة بحوثنا النظرية في كافة فروع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ويجب علينا أيضاً تحويل هذه البحوث النظرية إلى واقع ملموس ومطبق في مناهجنا وفصولنا كي نرى أثره على طلابنا، وهذه الورقة محاولة للسير في هذا الطريق، ولكنها تقتصر على مهارة واحدة من مهارات تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهي الكتابة، فتبين حالها بين النظرية والتطبيق.
محاور الورقة:
1. ماهية الكتابة.
2. أهمية الكتابة للناطقين بغير العربية.
3. أثر نظريات اللغة على تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية.
4. أثر طرائق التدريس على تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية.
5. أهم البحوث في تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية.
6. الفجوة بين البحوث النظرية وتطبيقاتها في واقع تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية.
أولاً: ماهية الكتابة
الكتابة لغة في المعجم الوجيز من (كتب) الكتاب- كَتْباً، وكتابة أي خطه، و (الكاتب) الناثر، ويقابل الشاعر، والكاتب: من يتولى عملاً كتابياً إدارياً. و(الكتابة) صناعة الكاتب. (الوجيز: 527).
وبالتأمل في معنى الكتابة اللغوي، نجد أن اللغة استخدمتها أحياناً بمعناها البسيط حيث هي (النقش والخط) واستخدمتها أحيانًا بمعناها الاصطلاحي حيث هي فن أو صناعة.
وهذا التنوع في معناها المعجمي، انعكس على تعريف الكتابة كعلم، حيث جمعت معظم التعريفات بين ما يخص جانب (النقش والخط)، وما يخص الجانب الفني لصناعة الكتابة (المعنى والأفكار)، ومنها التعريف بأنها: ” إعادة ترميز اللغة المنطوقة في شكل خطي على الورق، من خلال أشكال ترتبط ببعضها بعضًا، وفق نظام معروف اصطلح عليه أصحاب اللغة في وقت ما، بحيث يعد كل شكل من هذه الأشكال مقابلاً لصوت لغوي يدل عليه، وذلك بغرض نقل أفكار الكاتب وآرائه ومشاعره إلى الآخرين، بوصفهم الطرف الآخر لعملية الاتصال” (مصطفى رسلان 84-7)
لذا، فإنه بالإمكان تقسيم مهارة الكتابة إلى قسمين، هما:
1. قسم يختص بمعناها البسيط (النقش والخط)، وهذا القسم يرتبط بمهارات علمي (الإملاء والخط)، وهذه المهارات تعد “مهارات آلية”.
2. قسم يختص بمعناها كــ(فن وصناعة)، وهذا القسم يرتبط بمهارات علم (التعبير الكتابي)، وتعد مهاراته “مهارات فنية”.
وكلا النوعين السابقين من المهارات بفروع علومهم الثلاثة ينبغي أن يتعلمهم الناطق بغير العربية حتى يجيد مهارة الكتابة.
ثانيًا: أهمية الكتابة للناطقين بغير العربية
متعلمو اللغة العربية من الناطقين بغيرها نوعان، نوع دافعه الأقوى هو الدافع الديني، ونوع آخر تعددت دوافعه ولكنها في نهاية الأمر دوافع وسيلية تهدف إلى نفع مادي أو معنوي من تعلم اللغة العربية، فإن كان المتعلم من النوع الأول، مسلماً يتعلم اللغة العربية كي يتعلم الإسلام بلغته، فإن هذا المتعلم يشعر بأهمية الكتابة بنسبة كبيرة لسببين:
– الأول: لأنه يعلم أن الكتابة لها مكانة في الدين الإسلامي، فقد وردت في العديد من الآيات القرآنية المتعددة التي تعرضت للكتابة وللقلم، مما دل المسلمين على أهمية الكتابة وتعلمها، ومن ذلك (نون والقلم وما يسطرون) (القلم : 1، 2)، ومنها (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) (العلق: 3، 4) و (والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور) (الطور: 1، 2، 3)، هذا بالإضافة إلى حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على تعلمها، ففي الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي رافع: (حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي)، وقد ورد هذا الحديث بأكثر من رواية وفيهن جميعًا الأمر بالكتابة، ولم يكتف صلى الله عليه وسلم بالأمر، ولكنه قدم لنا التطبيق العملي الذي يبين عظم شرف الكتابة، وذلك حينما قبل فداء الأسير من أسرى المشركين في بدر بتعليم عشرة من المسلمين الكتابة والقراءة.
– السبب الثاني: أنه يرغب في الالتحاق بالجامعة كي يتعلم الدين واللغة، والجامعة لها مهاراتها الأكاديمية التي تستلزم إتقان الكتابة، فقد يكون هذا الطالب قادرًا على التواصل الشفهي استماعاً وكلامًا، وقادراً على فهم ما يقرؤه، ولكنه لا يستطيع التعبير عنه كتابة بشكل صحيح فيؤدي ذلك إلى رسوبه في الجامعة، وهذه حالات متواجدة في العديد من الجامعات التي تعلم اللغات الأجنبية عربية كانت أو غير عربية، لذا فقد ميز ((Cummins: 1979 بين نوعين من المهارات التي يجب أن يتعلمها الطالب الأجنبي، الأول، مهارات التواصل الشخصي الأساسية BICS (Basic interpersonal Communicative Skills)، والنوع الثاني، مهارات الكفاءة المعرفية الأكاديمية CALP (Cognitive Academy ******** Proficiency) ، وقال إن الطالب قد يحقق تطوراً جيداً في المهارات الشخصية التواصلية بقضائه وقتًا في بيئة يتعامل فيها مع أبناء اللغة، ولكنه يظل لديه صعوبات في البيئة الأكاديمية التي تتطلب الكفاءة المعرفية والأكاديمية، والعكس صحيح أيضاً”.
أما المتعلمون الناطقون بغير العربية أصحاب الدوافع الوسيلية (كالعمل في بلد عربي سواء بالسياسة أم البترول أم الصحافة أم غيرها) فهم أيضًا في حاجة ماسة إلى الكتابة كي يتواصلوا بها في مهنهم المبتغاة.
وعلى الرغم من أهمية تعليم الكتابة للناطقين بغير العربية، وعلى الرغم مما أثبتته الدراسات من صعوبة تعلم الكتابة للناطقين بغير العربية ، بل وللعرب أيضًا، بل إن تلك الصعوبة في مهارات الكتابة أوشكت أن تكون قاسماً مشتركًا بين اللغات المتعلمة، حتى قيل: ” إن تعلم الكتابة السلسة المعبرة أصعب ما يتعلمه المرء من المهارات اللغوية، سواء أكان ذلك في مجال تعلم اللغة الأم، أم في مجال تعلم اللغات الأجنبية” (Paulla Reau- Edward Vockell:1989: 5) ، وهذا ما أكده ريتشارد أيضًا في قوله “تعد مهارة الكتابة من المهارات الصعبة لدى متعلمي اللغات الأجنبية”.
على الرغم من كل ماسبق فإن الاهتمام بتعليم الكتابة للناطقين بغير العربية ما زال محدودًا سواء أكان ذلك على المستوى النظري أم المستوى التطبيقي، كما سيتبين في السطور القادمة.
ثالثًا: الكتابة ونظريات تعليم اللغات الأجنبية.
تعددت نظريات تعليم اللغات الأجنبية، وتطورت على مدى القرون الأخيرة، وكان لكل نظرية منها ظروفها، وأفكارها التي أثرت على تعليم مهارات اللغة وفروعها، وفيما يلي أهم هذه النظريات:
1. النظرية السلوكية وتعليم اللغات
تبنت هذه النظرية مجموعة من المبادئ من أهمها “قوانين الارتباط الشرطي، وقوانين التكرار، وقانون انتقال الأثر، وقانون انطفاء الأثر الشرطي، وقانون أثر التعليم أو التدريب، وقد طبقت هذه القوانين في مجال التعلم الإنساني في المدرسة والمجتمع، وظهر أثرها في المناهج المدرسية، من حيث المحتوى والطريقة، ثم انعكست على تقويم التحصيل المدرسي، وتقويم جوانب الشخصية المختلفة” (العصيلي: 1999: 11) ولقد أثرت النظرية السلوكية بمبادئها في تعليم اللغات الأجنبية تأثيراً ملحوظًا منذ الحرب العالمية الثانية، فقد جعلته مبنيًا على أساس أن اللغة هي “شكل من أشكال السلوك، وبناء عليه فقد ركزت طرائق تعليم اللغات الأجنبية على تنمية المهارات، وتربية العادات. ومن المبادئ التي اتبعت في تعليم اللغات الأجنبية وفق هذه النظرية المبدأ القائل “إن تعلم اللغة في الأساس عملية آلية تختص بتكوين العادات اللغوية” (نايف خرما، وعلي حجاج:1988: 70)
ولقد ركز السلوكيون على الكلام أكثر من الكتابة، فهم لا يميزون بين “اكتساب اللغة الأم وتعلم اللغة الأجنبية” (مختار طاهر:2011: 105 ) ويرون أن “الطفل يتعلم الكلام في لغته الأم بالمنزل قبل أن يبدأ تعلم الكتابة بزمن طويل. فاللغة عندهم هي الكلام في المقام الأول” (نايف خرما، وعلي حجاج: 1988: 71)
وبتطبيق مبادئ النظرية السلوكية على تعليم الكتابة نجد أنها ترى تقديم المثير اللغوي للمتعلم، ثم يستجيب المتعلم للمثير، ثم يُعزز من قبل المعلم، ثم يكرر الاستجابة للمثير حتى تتكون لديه العادة. وبعبارة أخرى نقدم له التركيب أو النموذج (المثير) ويقلده المتعلم(الاستجابة)، ثم يقدم له المعلم (تعزيزاً) لتقوية سلوك الاستجابة لديه، ثم تتكرر العملية مرة تلو الأخرى حتى يصل المتعلم إلى التعود على المهارة اللغوية المطلوبة.
2. النظرية المعرفية (التوليدية) وتعليم اللغات
ظهرت النظرية المعرفية كرد فعل للنظرية السلوكية، وكان ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث رفض تشوميسكي وهو من أهم دعاتها- العديد من آراء السلوكية فهو لا يرى اللغة عادة تأسست عن طريق التعزيز، ولا أن الإنسان اكتسبها لأنه محاط بموقف يتطلب منه استجابة لغوية، بل يكتسب اللغة لأنه مزود بمقدرة هي التي تساعده على اكتساب اللغة أو تعلمها، لأنه يستخدم العقل، لذا فإن “أبرز ملامح منهج تشومسكي التي ميزته عن غيره من المناهج، هو اهتمامه بالعقل، وتناوله القضايا اللغوية والنفسية، ووضعها في إطار واحد بشكل لغوي معرفي عقلاني” (العصيلي: 1999: 70).
ومما يرتبط بتعليم الكتابة في هذه النظرية انتقاد تشومسكي للنظرية السلوكية في إنشاء الجمل، فهو يرى “أن الطالب بإمكانه إنشاء جمل جديدة لم يتعلمها من قبل بدلاً من إعادة الإنتاج البسيط للتعبيرات كي تناسب مواقف بعينها” كما أنه يرى أن المتعلم قادر على إنشاء العديد من الجمل الجديدة فهو صاحب المقولة الشهيرة “اللغة هي الاستخدام اللامحدود لموارد محدودة” ويتم ذلك في رأيه بتوليد الصيغ اللغوية المتعددة من الكلمات والجمل وتغيير الوضع الدقيق للكلمة الواحدة في جمل متعددة.