فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=13
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَالِثًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّقْوِيمِ: ...
مَا الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ الدَّقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ؟
في غمرة المعلومات تتكاثر الكلمات والتعبيرات، ولا يتسع لها التدقيق، حتى يتعقبها بعض متلقيها؛ و"لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ"! ولكن ينبغي ألا ينخدع الواجد عن منزلة الفاقد؛ فـ"لِكُلِّ صَارِمٍ نَبْوَةٌ، وَلِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ، وَلِكُلِّ عَالِمٍ هَفْوَةٌ"؛ فهذا عالم على رغم الهفوة، وذاك جواد على رغم الكبوة، وذلك صارم على رغم النبوة، و"كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ"!
من ذلك في الكلام السابق ما يأتي:
1 "يَشْكُو مُرَّ الشَّكْوَى هُوَ الْآخَرُ".
فـ"هُوَ الْآخَرُ" بمعنى "كذلك"، أو "أيضا"، تعبير عامي لا وجه له في الفصحى، ولكنه تَسَرَّبَ إليها كما سبق، وشاع فيها حتى أجازه مجمع اللغة العربية "لِبَيَانِ الْمُمَاثَلَةِ" .
2 "وَلَيْسَ اخْتِلَافُ نُفُوسِنَا هُوَ اخْتِلَافَ سَعَادَةٍ وَشَقَاءٍ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ مَوَاقِفَ" .
فـ"إنما" في هذا التعبير بمعنى "بل"، ولا وجه له في الفصحى، ولكنه تَسَرَّبَ إليها كما سبق، وشاع حتى أجازه مجمع اللغة العربية على أن تعد الواو في "وَإِنَّمَا" عاطفة، و"إِنَّمَا" للحصر، وما بعدها بقية كلام محذوف دل عليه المذكور قبلها .
3 "أَمَّا فِي كَوَامِنِ الْأَسْرَارِ وَعَلَى مَسْرَحِ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ فَلَا يُوجَدُ ظَالِمٌ وَلَا مَظْلُومٌ".
فـ"يُوجَدُ" مما يصنف عند علمائنا في كلمات الكون العام المفهومة بداهة، وكل ما فُهِمَ بداهة وجب حذفه، ووَجْهُ التعبير أن يكون: "أَمَّا فِي كَوَامِنِ الْأَسْرَارِ (...) فَلَا ظَالِمٌ وَلَا مَظْلُومٌ".
4 "يَجْرِي عَلَى سُنَنٍ ثَابِتَةٍ لَا تَتَخَلَّفُ، حَيْثُ يَمُدُّ اللَّهُ يَدَ السَّلْوَى الْخَفِيَّةَ، يَحْنُو بِهَا عَلَى الْمَحْرُومِ".
فـ"حَيْثُ" في هذا التعبير تعليلية بمعنى "إِذْ"، ولا وجه له؛ فهي ظرف مكان، ولكنها التبست بـ"إِذْ"، وشاع هذا الالتباس الآن، حتى إنها لَتَنْتَظِرُ أن يجيزها مجمع اللغة العربية! وما ينبغي للمجمع أن يَلِينَ لكل شائع، بل ينبغي لنا جميعا أن ننتبه إلى دقائق لغتنا وأن نراعيها!
لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ؟
إن هذا الكلام هو مقال "العذاب ليس له طبقة" للدكتور مصطفى محمود (1921-2009م)، من كتابه أناشيد الإثم والبراءة . عالم طبيب فيلسوف أديب إعلامي مُعَلِّم، لولا كتبه وبرنامجه "العلم والإيمان" ذو أربعمئة الحلقة الذي طَوَّفَ له الدنيا وبذل فيه نفسه وماله، لَضَلَّ كثيرٌ من الحيارى، ولَانْصَرَفَ عن التلفاز كثيرٌ من العقلاء .
وأستحسن أن أورد من الكتاب نفسه مقال "مسرح العرائس":
"أَشْعُرُ بِالنَّدَمِ -يَا إِلَهِي- حَتَّى نُخَاعِ الْعَظْمِ، مِنْ أَنِّي ذَكَرْتُ سِوَاكَ بِالْأَمْسِ، وَهَتَفْتُ بِغَيْرِ اسْمِكَ، وَطَافَتْ بِخَاطِرِي كَلِمَاتٌ غَيْرُ كَلِمَاتِكَ. سَمَحْتُ لِنَفْسِي أَنْ أَكُونَ مِرْآةً لِلسَّرَابِ، وَمُسْتَعْمَرَةً لِلْأَشْبَاحِ. جَهِلْتُ مَقَامِي، وَنَزَلْتُ عَنْ رُتْبَتِي، وَتَرَجَّلْتُ عَنْ فَرَسِي الْأَصِيلَةِ لِأَرْكَبَ تَوَافِهَ الْأُمُورِ، وَأَمْشِيَ مَعَ السُّوقَةِ، وَأَزْحَفَ عَلَى بَطْنِي مَعَ دُودِ الْأَرْضِ. خَدَعَنِي شَيْطَانِي وَاسْتَدْرَجَنِي إِلَى مَسْرَحِ الْعَرَائِسِ الَّذِي يُدِيرُهُ، وَإِلَى تَمَاثِيلِ الطِّينِ وَالزُّجَاجِ وَالْحُلِيِّ الْمُزَيَّفَةِ. اسْتَدْرَجَنِي إِلَى بُيُوتِ الْقُمَاشِ وَقُصُورِ الْوَرَقِ، وَقَدَّمَنِي إِلَى نَاسٍ يَبْتَسِمُونَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَيُحِبُّونَ لِلشَّهْوَةِ، وَيَقْتُلُونَ لِلطَّمَعِ، وَيَتَزَاوَجُونَ لِلتَّآمُرِ. رِجَالٌ وُجُوهُهُمْ مَلْسَاءُ مَدْهُونَةٌ، وَنَظَرَاتُهُمْ خَائِنَةٌ، وَلَمَسَاتُهُمْ ثُعْبَانِيَّةٌ. وَنِسَاءٌ تُغَطِّيهِنَّ الْمَسَاحِيقُ، فَلَا تَبْدُو أَلْوَانُهُنَّ الْحَقِيقِيَّةُ، بَشَرَتُهُنَّ مَشْدُودَةٌ، وَوُجُوهُهُنَّ مَكْوِيَّةٌ، وَخَطَوَاتُهُنَّ حِرْبَائِيَّةٌ، وَأَيدِيهِنَّ تَتَسَلَّلُ إِلَى الْقُلُوبِ، يَسْرِقْنَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْحَقَائِقَ. عَالَمٌ جَذَّابٌ كَذَّابٌ يَضُوعُ بِالْعُطُورِ وَيَبْرُقُ بِالْكَلِمَاتِ. عَالَمٌ لَزِجٌ مَعْسُولٌ تَغُوصُ فِيهِ الْأَرْجُلُ كَمَا يَغُوصُ النَّمْلُ فِي الْعَسَلِ حَتَّى يَخْتَنِقَ بِحَلَاوَتِهِ وَيَمُوتَ بِلُزُوجَتِهِ. وَالْأَصْوَاتُ فِي هَذَا الْعَالَمِ كُلُّهَا هَامِسَةٌ مُبَلَّلَةٌ بِالشَّهْوَةِ، تَتَسَلَّلُ إِلَى مَا تَحْتَ الْجِلْدِ، وَتَخْتَرِقُ الضَّمَائِرَ، وَتَأْكُلُ مِنَ الْجُذُورِ.
تَذَكَّرْتُكَ -يَا رَبِّ- وَأَنَا أَمْشِي فِي هَذَا الْعَالَمِ، فَشَعَرْتُ بِالْغُرْبَةِ وَالِانْفِصَالِ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا أُكَلِّمُهُ وَيُكَلِّمُنِي، وَأَفْهَمُهُ وَيَفْهَمُنِي. نَبَذُونِي كُلُّهُمْ، وَرَفَضُونِي كَمَا نَبَذْتُهُمْ وَرَفَضْتُهُمْ. وَأَحْسَسْتُ بِنَفْسِي وَحِيدًا غَرِيبًا مَطْرُودًا مُلْقًى عَلَى رَصِيفٍ أَبْكِي كَطِفْلٍ يَتِيمٍ بِلَا أُمٍّ. وَسَمِعْتُ فِي قَلْبِي صُرَاخًا يُنَادِيكَ. كَانَتْ كُلُّ خَلِيَّةٍ فِي بَدَنِي تَتُوبُ وَتَئُوبُ وَتَرْجِعُ. وَسَمِعْتُكَ تَقُولُ فِي حَنَانٍ لَبَّيْكَ عَبْدِي، وَرَأَيْتُ يَدَكَ الَّتِي لَيْسَ كَمِثْلِهَا شَيْءٌ تَلْتَقِطُنِي وَتُخْرِجُنِي مِنْ نَفْسِي إِلَى نَفْسِكَ. وَاخْتَفَى دِيكُورُ الْقُمَاشِ وَالْوَرَقِ، وَذَابَ مَسْرَحُ الْخُدَعِ الضَّوْئِيَّةِ، وَعَادَ اللَّاشَيْءُ إِلَى اللَّاشَيْءِ، وَعُدْتُ أَنَا إِلَيْكَ. لَا إِلَهَ إِلَا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، وَلَا مَوْجُودَ سِوَاكَ. الْقُرْبُ مِنْكَ يُضِيفُ، وَالْبُعْدُ عَنْكَ يَسْلُبُ، لِأَنَّكَ وَحْدَكَ الْإِيجَابُ الْمُطْلَقُ، وَكُلُّ مَا سِوَاكَ سَلْبٌ مُطْلَقٌ.
عَلِمْتُ ذَلِكَ بِالْمُكَابَدَةِ، وَأَدْرَكْتُهُ بِالْمُعَانَاةِ، وَعَرَفْتُهُ بِالدَّمِ وَالْعَرَقِ وَالدُّمُوعِ وَمِشْوَارِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، وَأَنَا أَقَعُ فِي الْحُفَرِ، وَأَتَعَثَّرُ فِي الْفِخَاخِ، وَكُلَّمَا وَقَعْتُ فِي حُفْرَةٍ شَعَرْتُ بِيَدِكَ تُخْرِجُنِي بِلُطْفٍ، وَكُلَّمَا أَطْبَقَ عَلَيَّ فَخٌّ رَأَيْتُكَ تَفْتَحُ لِي سَبِيلًا لِلنَّجَاةِ. وَكُلَّمَا وَضَعُونِي فِي الْأَغْلَالِ وَأَحْكَمُوا عَلَيَّ الْوَثَاقَ شَعَرْتُ بِكَ فِي الْوَحْدَةِ وَالظُّلْمَةِ تَفُكُّ عَنِّي أَغْلَالِي، وَتُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِي فِي حَنَانٍ، وِإِلْهَامُكَ يَهْمِسُ فِي خَاطِرِي: أَمَا كَفَاكَ مَا عَانَيْتَ يَا عَبْدِي أَمَا اتَّعَظْتَ أَمَا اعْتَبَرْتَ أَمَا جَاءَ الْيَوْمُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ قَدَمُكَ وَتَسْتَقِرُّ خُطَاكَ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَقُولُ بَاكِيًا: سُبْحَانَكَ يَا رَبِّ وَهَلْ هُنَاكَ تَثْبِيتٌ إِلَّا بِكَ وَهَلْ هُنَاكَ تَمْكِينٌ إِلَّا بِإِذْنِكَ.
أَنْتَ وَحْدَكَ الَّذِي أَصْلَحْتَ الصَّالِحِينَ وَثَبَّتَّ الثَّابِتِينَ وَمَكَّنْتَ أَهْلَ التَّمْكِينِ. تُعْطِي لِحِكْمَةٍ، وَتَمْنَعُ لِحِكْمَةٍ، وَلَا تُسْأَلُ عَمَّا تَفْعَلُ. شَفِيعِي إِلَيْكَ صِدْقِي، وَعُذْرِي إِلَيْكَ حُبِّي لِلْحَقِّ، وَذَرِيعَتِي إِلَى عَفْوِكَ رَغْبَتِي فِي الْخَيْرِ. فَمِنْ خَطِيئَاتِي نَبَتَتِ الْحِكْمَةُ كَمَا تَنْمُو أَزْهَارُ الْيَاسَمِينِ مِنَ الْأَرْضِ السَّبِخَةِ. وَمِنْ دُمُوعِ نَدَمِي عَلَّمْتُ النَّاسَ، فَصَدَّقُونِي حِينَمَا كَلَّمْتُهُمْ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا كَلِمَاتِي مَغْمُوسَةً بِدَمِي. وَمِنْ عَثَرَاتِي وَسَقَطَاتِي أَضَأْتُ مِصْبَاحًا هَادِيًا يُجَنِّبُ النَّاسَ الْعَثَرَاتِ. وَكُلُّ مَنْ عَبَرَ طَرِيقِي قُلْتُ لَهُ كَلِمَةَ صِدْقٍ، وَدَلَلْتُهُ عَلَى السَّلَامَةِ.
رَبَّنَا مَا أَتَيْتُ الذُّنُوبَ جُرْأَةً مِنِّي عَلَيْكَ، وَلَا تَطَاوُلًا عَلَى أَمْرِكَ، وَإِنَّمَا ضَعْفًا وَقُصُورًا، حَينَمَا غَلَبَنِي تُرَابِي وَغَلَبَتْنِي طِينَتِي، وَغَشِيَتْنِي ظُلْمَتِي. إِنَّمَا أَتَيْتُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِكَ وَمَا سَطَرْتَهُ فِي كِتَابِكَ وَمَا قَضَى بِهِ عَدْلُكَ. رَبِّ، لَا أَشْكُو، وَلَكِنْ أَرْجُو، أَرْجُو رَحْمَتَكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أَنْ تَسَعَنِي، أَنْتَ الَّذِي وَسِعَ كُرْسِيُّكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"!