من أعلام اللغة المعاصرين
يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(3) العلامة اللغوي النحوي الأستاذ الدكتور مازن عبد القادر المبارك
أستاذ العربية وآدابها وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق
[IMG]
[/IMG]
للعربية في كُلِّ آنٍ جُندٌ مجنَّدةٌ لا يلوون على شيء في نُصرة حَوْزتها، وحماية بَيْضَتِهَا، ولا يألون جُهدًا في مضمارٍ من مَضَامِيرِهَا إلا بذلوه، ولا جِهادًا في ساحة من ساحاتها إلا اقتحموه؛ إذ جعلهم الله عصمةً لجناب تلك اللغة، وحرمًا آمنا يُجبى إليه ثمرات كل اجتهاد ينفع اللغة وطلابها، والعلامة المبارك الأستاذ مازن المبارك من أولئك الذين ولاهم الله شطرًا كبيرًا مِنْ مسؤولية الدِّفاع عن العربية بكل ما أوُتي من قوة بلسانه وقلمه، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.
*نشأته ومرباه وتخرجه العلمي ومسيرته العملية:
ولد الأستاذ الدكتور مازن المبارك بدمشق العامرة سنة 1930م، ونشأ في أسرة علم ونسب شريف ، فأهله من سادات الجزائر المعروفين ، الذين يتصل نسبهم بسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما .
والعلامة محمد المبارك (توفي 1269هـ /1852م) هو جد هذه الأسرة الأكبر ، وهو العالم المرشد الذي ذاع صيته في الأقطار ، وتخرج به كثير من طلبة العلم في الجزائر ، وكان الشيخ المبارك عالمًا عاملًا ومجاهدًا في سبيل الله ، إذ نهض لمقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر ، حتى ظهرت فرنسة المحتلة على جموع المجاهدين ، فجمع الشيخ أهله وأقرباءه ، وهاجر بهم إلى دمشق ، في الهجرة الأولى ، سنة 1263هـ ، وهي المعروفة بهجرة العلماء .
واشتهر بعد الشيخ المبارك ابناه ، محمد الطيّب ، (توفي 1313هـ/1895م ) ومحمد المبارك (توفي 1330هـ/1912م) .
والسيد محمد المبارك هو والد العلامة اللغوي الأستاذ عبد القادر المبارك (توفي 1365هـ / 1945م) ، والأستاذ عبد القادر هو والد الأساتذة المعروفين من آل مبارك ، وهم الأستاذ المرحوم محمد (توفي 1402هـ / 1981م) ، والأساتذة ممدوح وعدنان وهاني ومازن –أستاذنا الجليل- ، وعبد الهادي .
والأستاذ عبد القادر المبارك عالم كبير ، ولغوي ثقة ، تلقى الكثير من المعارف اللغوية والأدبية والدينية على شيوخ عصره ، كالشيخ أمين سويد ، والشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ عطا الكسم ، وكان الأستاذ المبارك راوية ، حافظًا لكتب الأخبار والتراجم والتاريخ ، ولم يكن شأنه ، كما يقول نجله الأستاذ- محمد- مع اللغة العربية شأن عالم يدرسها أو يعلمها ، ولكنه كان معها في حياة وجدانية نفسية ، وكانت معاجم اللغة ولا سيما (لسان العرب) لابن منظور ، بيئة يعيش في جوها ومع أصحابها .
ولذلك كانت اللغة تجري منه مجرى السليقة والطبع حتى غلبت عليه في مجالسه الخاصة ، بل بين أهله وأولاده ، والأستاذ المبارك من تلامذة الشيخ بدر الدين الحسني المعروفين ، وكان من أكثر الناس قربا وخطوة عند الشيخ الحسني ، وكثيرا ما كان الأستاذ المبارك يجلس إلى الحسني ، ويسارّه في أمور المسلمين ، وأحوالهم ، إذ كان العلم والجهاد دأبهما معًا، ومعروفة تلك الصلات الإنسانية والعلمية التي كانت تربط بين آل المبارك وآل الحسني ، وقد أدرك أستاذنا الدكتور مازن الشيخ الحسني ونعم ببعض تلك الصلات التي ما زال يذكرها بالشوق والودّ والوفاء .
أما الأستاذ محمد المبارك توفي عام 1981م ، فقد كان الشقيق الأكبر للدكتور مازن حفظه الله ، وهو عالم لغوي ومربّ معروف ، تسنـّم العديد من المناصب العلمية والتعليمية والحكومية ، وقد قرأ –إضافة إلى علوم الدين واللغة والتاريخ والأدب- علوم الحساب والهندسة والجبر ، على الشيخ الحسني ، ثم قصد فرنسة، وتلقى فيها العلوم الحديثة والثقافة العصرية ، وعرف الأستاذ محمد – رحمه الله- بقربه من الشيخ الحسني ووفائه له ، على نحو ما عرف به والده الأستاذ عبد القادر – رحمه الله- ، وقد عني لذلك بالتأريخ للشيخ وسيرته ، وتلمذته له في مقالين مطوليّن .
ولا شك في أنّ البيئة التي نشأ فيها الدكتور مازن كانت تستوفي مناحي الحياة ، فاجتمع له منها ما لم يجتمع لغيره إلا نادرا ، فهناك الأسرة التي وضعنا لمحات من حياة روادها الذين عرفوا بالعلم والجهاد ومنفعة الناس ، وفيها الجدّ والأب والإخوة وسائر القربة .
وهناك المجتمع الذي عرف في الشام من مطلع القرن العشرين إلى منتصفه ، وهو مجتمع ناهض ، تصدى لمهام جسام ، لم تكن تشغله عن العلم والتحصيل على اختلاف مستوياته ، بل ربّما كانت حافزا له لامتلاك عناصر القوة التي بان أن ميزانها المادي ليس في صالح الوطن ، ولذلك استبسلت أسرة المبارك في التعليم وإنشاء المدارس ، حين كان ذلك مطلوبا وواردا ، وهناك إضافة إلى ما تقدم المجمع والجامعة ، وقد أسهم الأستاذ عبد القادر في عضويته ، وعمل في لجانه ، وحاضر في ملتقياته ، وكذلك أسهم الأستاذ محمد في عضوية المجمع وبذل فيه ما كان متاحا في عصره ، أما الجامعة فقد بدأت تخطو مع المجمع مقتصرة على الحقوق والطب بداية ، على حين كانت مدارس أخرى جامعة كالمدرسة السلطانية الأولى ، مكتب عنبر والمدرسة الحربية ، ومدرسة التجهيز ، ومدرسة الأدب العليا ، تغطي مناحي العلوم والمعارف العصرية ، وقد أسهم الأستاذان عبد القادر ونجله محمد في التدريس العالي وبذلا جهودًا كبرى في التأليف ، وإعداد المناهج الوطنية الملائمة للأجيال العربية ، ولا سيّما في مجال التربية الإسلامية واللغة العربية .
ولأجل ذلك كله امتاز أستاذنا الدكتور المبارك بالثقافة الواسعة والانكباب على العلم والتعليم والتصدي للتأليف والتسلح بالوعي ، وقد جمع بين ما تلقاه من أسرته وبيئته عفوًا وقصدًا، وما حصّله من تدرجه في مستويات التعليم المنظم حتى اجتمع له ما لم يجتمع لأقرانه ، وهيهات أن تجتمع لمثقفي أيامنا هذه الثقافة الدينية الخالصة في علوم القرآن والحديث والفقه ، والمعارف العامة في التاريخ والتراجم والسير ، والمعارف اللغوية في النحو والمعجم والاشتقاق والتعريب ، إضافة إلى ولع بالأدب والشعر حفظا ودراسة ممّا قلّ نظيره .
كان الدكتور مازن ابن بيئته ومجتمعه وعصره ، أما بيئته فقد كان جوّها مفعمًا بالمعاني الإسلامية والثقافة العربية ، وهما المادّتان اللتان نبغ فيهما أبوه وأخوه .
وكان بيتًا يؤمه أصدقاء والده وتلاميذه ليفيدوا من الشيخ المبارك ومكتبته العامرة ، وكان بيتًا لا يخلو من مجلس من مجالس المذاكرة والعلم ، وكان ذلك كله يجري على مرأى ومسمع من الطفل ، ثم الشاب الناشئ – الدكتور مازن- كما حدثنا الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله- في مذكراته .
وأما المجتمع الذي تفتح فيه أستاذنا المبارك ، فهو مجتمع العلماء والمثقفين الذين عرفهم مع أبيه ، ثم مع أخيه في المجتمع العلمي وفي مجالس العلم ، التي كانوا يقصدونها ، والتي كثيرًا ما سمعنا وصف بعضها وأسماء المشاركين فيها من أستاذنا الدكتور مازن حين ينطلق لسانه في جلساته الخاصة متحدثا عن ذكرياته المبكـّرة ، فيذكر من العلماء العارفين :
الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ أحمد الحارون ، والشيخ أبا الخير الميداني ، والشيخ إبراهيم الغلاييني .
ومن رجال الثقافة والأدب :
الأستاذ كرد علي ، وخليل مردم بك ، وعز الدين التنوخي ، والشيخ بهجة البيطار ، والشيخ عبد القادر المغربي .
ومن الشباب – إذ ذاك- :
علي الطنطاوي ، وأنور العطار ، وأمين المصري ، وغيرهم .
وقد أدرك أستاذنا المبارك طائفة من علماء الأمة وأدبائها في دمشق، ثم في القاهرة، كانت له بهم صلة عادت عليه بالأثر الطيب، كالأستاذ شفيق جبري ، والدكتور أمجد الطرابلسي ، والأستاذ سعيد الأفغاني في دمشق، وكالعلامة الأستاذ محمود محمد شاكر ، والدكتور شوقي ضيف ، والدكتور عبد الحليم النجار ، وغيرهم .
لقد استقى الدكتور مازن من تلك الينابيع الثرّة وأضاف إليها ما حصلـّه بنشاطه ، ومطالعاته ، وقد كان معروفًا بين زملائه بولعه العجيب بالقراءة والمطالعة وبشوقه ورغبته في حضور المحاضرات والمناقشات العلمية ومجالس العلم والأدب.
حصل العلامة المبارك على أهلية التعليم الثانوي من المعهد العالي للمعلمين بدمشق سنة 1952 م ، فدبلوم التربية والتعليم ، ثم أُوفد إلى القاهرة في أواخر سنة 1954م، و التحق بالدراسات العليا بكلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الماجستير في الآداب سنة 1957م ، ثم على الدكتوراة في الآداب من جامعة القاهرة 1960م ، ثم عاد بعد عام 1960 وعُيِّن مدرسًا في جامعة دمشق وبقي فيها مدرسًا فأستاذًا مساعدًا فأستاذًا لكرسي آداب اللغة العربية، وظل في جامعة دمشق حتى عام 1989م
المناصب العلمية التي تولاها:
1- المناصب التي شغلها في سورية :
- مدرس في كلية الآداب بجامعة دمشق 1960 م .
- أستاذ مساعد في كلية الآداب بجامعة دمشق 1966 م .
- أستاذ كرسي اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق 1970 م .
2- المناصب التي شغلها خارج سورية :
- مدرس في جامعة الرياض بالسعودية 1965م و 1966 م .
- أستاذ في الجامعة اللبنانية 1972 و 1973 م .
-أستاذ بجامعة الملك سعود بالرياض في العام الثالث من تأسيسها.
- رئيس قسم اللغة العربية في جامعة قطر ، والمسؤول الثقافي بالجامعة ، وأمين سر مجلس كلية الإنسانيات ، وعضو مجلس الجامعة بقطر 1974 – 1981 م .
- أستاذ زائر في جامعة وهران بالجزائر 1984 م .
- أستاذ زائر في كلية الدعوة بطرابلس بليبيا 1986 م .
- رئيس قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي بالإمارات 1989م ، وحتى الآن .