منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=36)
-   -   من أعلام اللغة المعاصرين(3): أ.د مازن عبد القادر المبارك (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=18548)

مصطفى شعبان 11-04-2016 01:15 PM

من أعلام اللغة المعاصرين(3): أ.د مازن عبد القادر المبارك
 
من أعلام اللغة المعاصرين

يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(3) العلامة اللغوي النحوي الأستاذ الدكتور مازن عبد القادر المبارك
أستاذ العربية وآدابها وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق
[IMG][/IMG]
للعربية في كُلِّ آنٍ جُندٌ مجنَّدةٌ لا يلوون على شيء في نُصرة حَوْزتها، وحماية بَيْضَتِهَا، ولا يألون جُهدًا في مضمارٍ من مَضَامِيرِهَا إلا بذلوه، ولا جِهادًا في ساحة من ساحاتها إلا اقتحموه؛ إذ جعلهم الله عصمةً لجناب تلك اللغة، وحرمًا آمنا يُجبى إليه ثمرات كل اجتهاد ينفع اللغة وطلابها، والعلامة المبارك الأستاذ مازن المبارك من أولئك الذين ولاهم الله شطرًا كبيرًا مِنْ مسؤولية الدِّفاع عن العربية بكل ما أوُتي من قوة بلسانه وقلمه، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.
*نشأته ومرباه وتخرجه العلمي ومسيرته العملية:
ولد الأستاذ الدكتور مازن المبارك بدمشق العامرة سنة 1930م، ونشأ في أسرة علم ونسب شريف ، فأهله من سادات الجزائر المعروفين ، الذين يتصل نسبهم بسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما .
والعلامة محمد المبارك (توفي 1269هـ /1852م) هو جد هذه الأسرة الأكبر ، وهو العالم المرشد الذي ذاع صيته في الأقطار ، وتخرج به كثير من طلبة العلم في الجزائر ، وكان الشيخ المبارك عالمًا عاملًا ومجاهدًا في سبيل الله ، إذ نهض لمقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر ، حتى ظهرت فرنسة المحتلة على جموع المجاهدين ، فجمع الشيخ أهله وأقرباءه ، وهاجر بهم إلى دمشق ، في الهجرة الأولى ، سنة 1263هـ ، وهي المعروفة بهجرة العلماء .
واشتهر بعد الشيخ المبارك ابناه ، محمد الطيّب ، (توفي 1313هـ/1895م ) ومحمد المبارك (توفي 1330هـ/1912م) .
والسيد محمد المبارك هو والد العلامة اللغوي الأستاذ عبد القادر المبارك (توفي 1365هـ / 1945م) ، والأستاذ عبد القادر هو والد الأساتذة المعروفين من آل مبارك ، وهم الأستاذ المرحوم محمد (توفي 1402هـ / 1981م) ، والأساتذة ممدوح وعدنان وهاني ومازن –أستاذنا الجليل- ، وعبد الهادي .
والأستاذ عبد القادر المبارك عالم كبير ، ولغوي ثقة ، تلقى الكثير من المعارف اللغوية والأدبية والدينية على شيوخ عصره ، كالشيخ أمين سويد ، والشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ عطا الكسم ، وكان الأستاذ المبارك راوية ، حافظًا لكتب الأخبار والتراجم والتاريخ ، ولم يكن شأنه ، كما يقول نجله الأستاذ- محمد- مع اللغة العربية شأن عالم يدرسها أو يعلمها ، ولكنه كان معها في حياة وجدانية نفسية ، وكانت معاجم اللغة ولا سيما (لسان العرب) لابن منظور ، بيئة يعيش في جوها ومع أصحابها .
ولذلك كانت اللغة تجري منه مجرى السليقة والطبع حتى غلبت عليه في مجالسه الخاصة ، بل بين أهله وأولاده ، والأستاذ المبارك من تلامذة الشيخ بدر الدين الحسني المعروفين ، وكان من أكثر الناس قربا وخطوة عند الشيخ الحسني ، وكثيرا ما كان الأستاذ المبارك يجلس إلى الحسني ، ويسارّه في أمور المسلمين ، وأحوالهم ، إذ كان العلم والجهاد دأبهما معًا، ومعروفة تلك الصلات الإنسانية والعلمية التي كانت تربط بين آل المبارك وآل الحسني ، وقد أدرك أستاذنا الدكتور مازن الشيخ الحسني ونعم ببعض تلك الصلات التي ما زال يذكرها بالشوق والودّ والوفاء .
أما الأستاذ محمد المبارك توفي عام 1981م ، فقد كان الشقيق الأكبر للدكتور مازن حفظه الله ، وهو عالم لغوي ومربّ معروف ، تسنـّم العديد من المناصب العلمية والتعليمية والحكومية ، وقد قرأ –إضافة إلى علوم الدين واللغة والتاريخ والأدب- علوم الحساب والهندسة والجبر ، على الشيخ الحسني ، ثم قصد فرنسة، وتلقى فيها العلوم الحديثة والثقافة العصرية ، وعرف الأستاذ محمد – رحمه الله- بقربه من الشيخ الحسني ووفائه له ، على نحو ما عرف به والده الأستاذ عبد القادر – رحمه الله- ، وقد عني لذلك بالتأريخ للشيخ وسيرته ، وتلمذته له في مقالين مطوليّن .
ولا شك في أنّ البيئة التي نشأ فيها الدكتور مازن كانت تستوفي مناحي الحياة ، فاجتمع له منها ما لم يجتمع لغيره إلا نادرا ، فهناك الأسرة التي وضعنا لمحات من حياة روادها الذين عرفوا بالعلم والجهاد ومنفعة الناس ، وفيها الجدّ والأب والإخوة وسائر القربة .
وهناك المجتمع الذي عرف في الشام من مطلع القرن العشرين إلى منتصفه ، وهو مجتمع ناهض ، تصدى لمهام جسام ، لم تكن تشغله عن العلم والتحصيل على اختلاف مستوياته ، بل ربّما كانت حافزا له لامتلاك عناصر القوة التي بان أن ميزانها المادي ليس في صالح الوطن ، ولذلك استبسلت أسرة المبارك في التعليم وإنشاء المدارس ، حين كان ذلك مطلوبا وواردا ، وهناك إضافة إلى ما تقدم المجمع والجامعة ، وقد أسهم الأستاذ عبد القادر في عضويته ، وعمل في لجانه ، وحاضر في ملتقياته ، وكذلك أسهم الأستاذ محمد في عضوية المجمع وبذل فيه ما كان متاحا في عصره ، أما الجامعة فقد بدأت تخطو مع المجمع مقتصرة على الحقوق والطب بداية ، على حين كانت مدارس أخرى جامعة كالمدرسة السلطانية الأولى ، مكتب عنبر والمدرسة الحربية ، ومدرسة التجهيز ، ومدرسة الأدب العليا ، تغطي مناحي العلوم والمعارف العصرية ، وقد أسهم الأستاذان عبد القادر ونجله محمد في التدريس العالي وبذلا جهودًا كبرى في التأليف ، وإعداد المناهج الوطنية الملائمة للأجيال العربية ، ولا سيّما في مجال التربية الإسلامية واللغة العربية .
ولأجل ذلك كله امتاز أستاذنا الدكتور المبارك بالثقافة الواسعة والانكباب على العلم والتعليم والتصدي للتأليف والتسلح بالوعي ، وقد جمع بين ما تلقاه من أسرته وبيئته عفوًا وقصدًا، وما حصّله من تدرجه في مستويات التعليم المنظم حتى اجتمع له ما لم يجتمع لأقرانه ، وهيهات أن تجتمع لمثقفي أيامنا هذه الثقافة الدينية الخالصة في علوم القرآن والحديث والفقه ، والمعارف العامة في التاريخ والتراجم والسير ، والمعارف اللغوية في النحو والمعجم والاشتقاق والتعريب ، إضافة إلى ولع بالأدب والشعر حفظا ودراسة ممّا قلّ نظيره .
كان الدكتور مازن ابن بيئته ومجتمعه وعصره ، أما بيئته فقد كان جوّها مفعمًا بالمعاني الإسلامية والثقافة العربية ، وهما المادّتان اللتان نبغ فيهما أبوه وأخوه .
وكان بيتًا يؤمه أصدقاء والده وتلاميذه ليفيدوا من الشيخ المبارك ومكتبته العامرة ، وكان بيتًا لا يخلو من مجلس من مجالس المذاكرة والعلم ، وكان ذلك كله يجري على مرأى ومسمع من الطفل ، ثم الشاب الناشئ – الدكتور مازن- كما حدثنا الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله- في مذكراته .
وأما المجتمع الذي تفتح فيه أستاذنا المبارك ، فهو مجتمع العلماء والمثقفين الذين عرفهم مع أبيه ، ثم مع أخيه في المجتمع العلمي وفي مجالس العلم ، التي كانوا يقصدونها ، والتي كثيرًا ما سمعنا وصف بعضها وأسماء المشاركين فيها من أستاذنا الدكتور مازن حين ينطلق لسانه في جلساته الخاصة متحدثا عن ذكرياته المبكـّرة ، فيذكر من العلماء العارفين :
الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ أحمد الحارون ، والشيخ أبا الخير الميداني ، والشيخ إبراهيم الغلاييني .
ومن رجال الثقافة والأدب :
الأستاذ كرد علي ، وخليل مردم بك ، وعز الدين التنوخي ، والشيخ بهجة البيطار ، والشيخ عبد القادر المغربي .
ومن الشباب – إذ ذاك- :
علي الطنطاوي ، وأنور العطار ، وأمين المصري ، وغيرهم .
وقد أدرك أستاذنا المبارك طائفة من علماء الأمة وأدبائها في دمشق، ثم في القاهرة، كانت له بهم صلة عادت عليه بالأثر الطيب، كالأستاذ شفيق جبري ، والدكتور أمجد الطرابلسي ، والأستاذ سعيد الأفغاني في دمشق، وكالعلامة الأستاذ محمود محمد شاكر ، والدكتور شوقي ضيف ، والدكتور عبد الحليم النجار ، وغيرهم .
لقد استقى الدكتور مازن من تلك الينابيع الثرّة وأضاف إليها ما حصلـّه بنشاطه ، ومطالعاته ، وقد كان معروفًا بين زملائه بولعه العجيب بالقراءة والمطالعة وبشوقه ورغبته في حضور المحاضرات والمناقشات العلمية ومجالس العلم والأدب.
حصل العلامة المبارك على أهلية التعليم الثانوي من المعهد العالي للمعلمين بدمشق سنة 1952 م ، فدبلوم التربية والتعليم ، ثم أُوفد إلى القاهرة في أواخر سنة 1954م، و التحق بالدراسات العليا بكلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الماجستير في الآداب سنة 1957م ، ثم على الدكتوراة في الآداب من جامعة القاهرة 1960م ، ثم عاد بعد عام 1960 وعُيِّن مدرسًا في جامعة دمشق وبقي فيها مدرسًا فأستاذًا مساعدًا فأستاذًا لكرسي آداب اللغة العربية، وظل في جامعة دمشق حتى عام 1989م
المناصب العلمية التي تولاها:
1- المناصب التي شغلها في سورية :
- مدرس في كلية الآداب بجامعة دمشق 1960 م .
- أستاذ مساعد في كلية الآداب بجامعة دمشق 1966 م .
- أستاذ كرسي اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق 1970 م .

2- المناصب التي شغلها خارج سورية :
- مدرس في جامعة الرياض بالسعودية 1965م و 1966 م .
- أستاذ في الجامعة اللبنانية 1972 و 1973 م .
-أستاذ بجامعة الملك سعود بالرياض في العام الثالث من تأسيسها.
- رئيس قسم اللغة العربية في جامعة قطر ، والمسؤول الثقافي بالجامعة ، وأمين سر مجلس كلية الإنسانيات ، وعضو مجلس الجامعة بقطر 1974 – 1981 م .
- أستاذ زائر في جامعة وهران بالجزائر 1984 م .
- أستاذ زائر في كلية الدعوة بطرابلس بليبيا 1986 م .
- رئيس قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي بالإمارات 1989م ، وحتى الآن .

مصطفى شعبان 11-04-2016 01:34 PM

*الكتب و البحوث العلمية المنشورة :
أ‌- الكتب :
- قواعد اللغة العربية (بالاشتراك) ، طبع دمشق ، وزارة المعارف سنة 1953 م .
- الإيضاح في علل النحو للزجَّـاجي (تحقيق) ، طبع القاهرة ، في دار العروبة ، سنة 1959 م ، وبيروت ، في دار النفائس ، سنة 1974م ، وبيروت ، في دار النفائس ، سنة 1986م .
- مجتمع الهمذاني من خلال مقاماته ، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق ، المجلد 43/1968م – المجلد 44/1969م ، ومطبعة الترقي بدمشق ، عام 1970 م ، ودار الفكر بدمشق 1981 م .
- الزجَّـاجي ، حياته وآثاره ومذهبه النحوي ، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق ، المجلد 34/1959م – المجلد 35/1960م ، ودار الفكر بدمشق عام 1960 م ، وعام 1984 م .
- الرمَّـاني النحوي ، في ضوء شرحه لكتاب سيبويه، طبع الجامعة السورية بدمشق عام 1963م ، ودار الكتب اللبناني عام 1974 م ، ودار الفكر بدمشق عام 1995 .
- الدليل في دراسة الأدب العربي (بالاشتراك ) ، طبع دار الفكر بدمشق ، ط 3 /1965 م .
- مغني اللبيب لابن هشام (تحقيق بالاشتراك) ، طبع دار الفكر بدمشق عام 1965 م ، ودار الفكر ببيروت عام 1969 م ، وعام 1985 م .
وطبع في حلب وإيران والباكستان .
- النحو العربي ، بحث في نشأة النحو وتاريخ العلة النحوية ، طبع المكتبة الحديثة بدمشق عام 1965م ، ودار الفكر ببيروت عام 1971م ، وعام 1981 م .
- النصوص اللغوية ، طبع دار الفكر ، ببيروت ، 1967م ، وعام 1981 م .
- الموجز في تاريخ البلاغة ، طبع دار الفكر ، ببيروت عام 1968م ، ط2 دمشق ، دار الفكر 1979م .
تصويرا : دمشق ، دار الفكر ، عام 1981 م .
ط3 ، دمشق ، دار الفكر 1995م .
- كتاب اللامات (تحقيق) ، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق 1969م .
ودار الفكر بدمشق 1985م ، تصويرا عن طبعة المجمع ، ببيروت ، دار صادر عام 1992م .
- نحو وعي لغوي ، مكتبة الفارابي ، دمشق ، 1970م ، ومؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1979م ، وعام 1985م .
- اللغة العربية في التعليم العالي ، والبحث العلمي ، طبع مؤسسة الرسالة والبحث العلمي ، طبع مؤسسة الرسالة ودار النفائس ببيروت ، عام 1973 م ، وعام 1981م ، ط4 مزيدة ومنقحة بمؤسسة الرسالة ودار النفائس عام 1998 م .
- مختارات شعرية ( بالاشتراك ) ، للمرحلة الابتدائية (الصفوف الثلاثة الأولى) ، طبع إدارة الشؤون الدينية بالدوحة عام 1982 م .
- مختارات شعرية ( بالاشتراك ) ، للمرحلة الابتدائية (الصفوف الثلاثة الأخيرة) ، طبع إدارة الشؤون الدينية بالدوحة عام 1982 م .
- مختارات شعرية ( بالاشتراك ) ، للمرحلة الإعدادية ، طبع إدارة الشؤون الدينية بالدوحة عام 1982 م .
- مختارات شعرية ( بالاشتراك ) ، للمرحلة الثانوية ، طبع إدارة الشؤون الدينية بالدوحة عام 1982 م .
- اللغة العربية لغير المختصيّـن (بالاشتراك) ، طبع جامعة تشرين باللاذقية، عام 1983 م .
- المباحث المرضية المتعلـّقة بمنّ الشرطية ، لابن هشام (تحقيق) ، طبع دار ابن كثير بدمشق ، عام 1987 م .
- الألفاظ المهموزة (تحقيق) ، رسالتان لابن جني ، طبع دار الفكر بدمشق ، عام 1988 م .
- عقود الهمز ، رسالتان لابن جني (تحقيق) ، طبع دار الفكر بدمشق ، عام 1988 م .
- المقتضب ، لابن جني (تحقيق) ، طبع دار ابن كثير بدمشق ، عام 1988 م .
- الصبر مطيّة النجاح ، وهي قصيدة في الحكم للظهير الإربلي (تحقيق) ، مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ، وطبع دار الفكر بدمشق ، عام 1990 م .
- الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة للشيخ زكريا الأنصاري (تحقيق) ، مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ، وطبع دار الفكر بدمشق ، عام 1991 م ، ودار الفكر بدمشق ، ط2 ، عام 2001 م .
- أشهر الأمثال للشيخ طاهر الجزائري (تحقيق) ، طبع دار الفكر بدمشق عام 1995 ، وط2 ، عام 1997 م .
- مشروع الأنموذج المقترح لخطة تدريس اللغة العربية ، وآدابها في الدرجة الجامعية الأولى في الوطن العربي ، طبع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – المركز العربي لبحوث التعليم العالي ، بدمشق – بلا تاريخ .
- مقالات في العربية ، طبع دار البشائر ، بدمشق عام 1999 م .

ب‌- المقالات :
- البلاغة وتذوق النص الأدبي ، مجلة الكلية 10/1995 م .
- تصحيح نص تراثي في المباحث المرضية ، آفاق الثقافة والتراث 8 آذار / 1995 م .
- آثار الشيخ طاهر الجزائري ، آفاق التراث 1/ حزيران 1993 م ، وصحيفة الشعب / الجزائر 16 جوان 1994 م .
- في النقد النحوي ، مجلة الكلية 6/1993 م .
- الشيخ طاهر الجزائري ، مجلة الكلية 7/1993 م .
- عثمان بن جني ، رومي يوناني ، عربه الإسلام ، فأصبح عالمًا في القراءات ، وحجًة في العربية ، الاتحاد ، بأبوظبي 21/1/1992 م .
- رحلة نحوية مع أستاذي شوقي ضيف ، شوقي ضيف ، سيرة ، وتحية ، دار المعارف ، بمصر /1992 م .
- الخليل بن أحمد الفراهيدي ، شيخ اللغويين ، وأستاذ النحويين ، ورائد المعجمية العربية ، ومبتكر علم العروض ، الاتحاد ، بأبوظبي ، 17/3/1992 م .
- من بقايا الفصاح في كلام أهل الخليج ، المنتدى ، 90/يناير ، 1991 م .
- اللغة أم العلوم ، مجلة الكلية /3/1991 م .
- أبو عمرو بن العلاء أستاذ العلماء وشيخ الرواة ، الاتحاد بأبوظبي 24/12/1991 م .
- علي بن عيسى الرماني النحوي الحكيم ، الاتحاد بأبوظبي 10/12/1991 م .
- جرجي زيدان وتاريخ الإسلام ، المنتدى 99/أكتوبر 1991 م .
- أحمد بن فارس لغوي جمع إتقان العلماء وظرف الكتـّاب والشعراء ، الاتحاد بأبوظبي 31/12/1991 م .
- الهمزة والألف ومدلولهما عند القدماء ، مجلة الكلية /1/1990 م .
- لقاء وجها ً لوجه ، مجلة العربي /الكويت 372 / نوفمبر / 1989م .
- ليس في كلام العرب لابن خالويه ، موازنة بين طبعتين ، مجلة مجمع اللغة العربية ، ج2/م49/1974 م .
- القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية ، مجلة الخفجي 2/م3/أيار 1973م .
- دروس من الحج (الخفجي) 10/م2/كانون الثاني 1973 م .
- مقابلة حول كتاب نحو وعي لغوي ، جريدة الثورة / دمشق / 31/2 تموز / 1969 م .
- البلاغة العربية والبلاغة الأجنبية ، جريدة الثورة / دمشق / 24 / 9 / 1969 م .
- اللغة بين التطور المفروض ، والخطأ المرفوض ، الفيصل 149 / حزيران 1989 م .
- مفهوم حذف الهمزة في الخط عند القدماء (ملحق بكتاب رسالتان لابن جني ) دار الفكر ، دمشق ، عام 1988 م .
- فن تجويد العربية ، المركز العربي للتدريب الإذاعي والتلفزيوني / دمشق / 1988 م .
- اللغة العربية والوحدة ، ندوة مشتركة (جورج صدقي ، علي عقلة عرسان ، مازن المبارك ، رضوان الداية ، خالد برادعي) مجلة الوحدة / الرباط / 33/34/حزيران وتموز/ 1987 م .
- تقديم كتاب إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين لابن طولون / تحقيق : محمود الأرناؤوط ، طبع مؤسسة الرسالة ، ببيروت ، ط2 / 1987 م .
- مفتاح المشكلة اللغوية ليس بأيدي النحويين ، الأسبوع الأدبي ، دمشق ، 9/ 27 آذار / 1986 م .
- تقديم كتاب قطوف لغوية لعبد الفتاح المصري ، مؤسسة علوم القرآن ، دمشق ، بيروت /1984م.
- الاهتمام باللغة سببه الشعور بالضعف ، لقاء مجلة الرسالة / الكويت / 863 / تشرين ثاني / 1979 م .
- حتمية التعريب في التعليم الجامعي (مؤتمر التعليم العالي في الوطن العربي ) بغداد 4-7/3/1978 م .
- شخصيات جامعية ، لقاء مجلة العروبة / الدوحة / 269/ آذار / 1975م .
- الإعلام رسالة لا وظيفة ، مجلة الدوحة / قطر / 70 / 1395 هـ .
- حوار : مقال في مجلة الدوحة القطرية /71/رجب/1395هـ .
- دقات قلب المرء / الدوحة القطرية/72/ شعبان / 1395هـ .
- الدكتور عبد الحليم النجار ، رجل فقدناه ، مجلة (حضارة الإسلام) ، دمشق 10/أيار/1964م .
- دراسة نقدية لكتاب الأدب العربي ، جريدة اللواء / دمشق / 1964 م .
- نحو وعي لغوي : محاضرة في المركز الثقافي بدير الزور ، بتاريخ 25/4/1963 م .
- من شعر السجن في أدب العرب ، بحث قدم للتخرج في كلية الآداب بجامعة دمشق / 1952 م .
- تقديم ديوان الروض النضير للشاعر الحاج فرحان سلام .
- تدريس اللغة العربية في الجامعة (ندوة مشكلات اللغة العربية على مستوى الجامعة في دول الخليج والجزيرة العربية ) / الكويت 4-6/ نوفمبر /1979 م .
- نحو منهج تكاملي لعلوم اللغة العربية ، مجلة المعرفة /289و290/آذار ونيسان/1986 م ، ألقي في ندوة الجامعات العربية في الجزائر 9/4/1984 م .
- دراسة نقدية لكتاب الأدب العربي / دمشق / جريدة اللواء / 1963م .
- الكتاب يتحدث : الأسبوع الأدبي .
- الشيخ طاهر الجزائري ، مجلة كلية الدراسات 7/1414هـ / 1993م .
- المنهج المتكامل في تدريس اللغة العربية / مجلة كلية الدراسات 8/1415هـ/1994م .
- قواعد الإملاء بين القدماء والمحدثين / مجلة كلية الدراسات 9/1415هـ / 1995 م .
- الزجاجي ، جريدة الرسالة الكويتية 1/22 فبراير / 1995م / 23 رمضان / 1415 هـ .
- صور حضارية من حياة ابن عساكر وكتابه تاريخ مدينة دمشق / آفاق الثقافة والتراث / سنة1 / 4 / 1994 م .

*المشاركات المؤسسية والعلمية:
- شارك في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات المختصة باللغة العربية في دمشق وبيروت والجزائر والكويت وبغداد وقطر والبندقية (إيطاليا) .
- شارك في عدد كبير من اللقاءات والحلقات الإذاعية والتلفازية والصحفية في الوطن العربي .
- شارك في كثير من المحاضرات في المراكز الثقافية والعلمية والمدارس والكليات والجامعات في الوطن العربي .
- شَغَلَ منصِبي رئيسِ قسمِ الحضارةِ، في الموسوعةِ العربيةِ، و مجمعِ اللغةِ العربية، في دمشق.
- الإشراف على طلبة الدراسات العليا :
- أشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراة .
- ناقش عددًا كبيرًا من طلبة الماجستير والدكتوراه في الوطن العربي .

*ملامح شخصيته الفكرية:
يتحدث الدكتور مازن المبارك عن بدايات نشأته الأولى التي أثرت في صبغ ملامحه الشخصية فيقول:
كانت النشأة في بيت والدي الشيخ عبدالقادر المبارك، وهو أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، وأحد أساطين اللغة وأعاجيبها ونوادرها في النصف الأوَّل من القرن العشرين، وقد توفِّي سنة 1945 وعُمري لا يتجاوز الخامسة عشرة، فتولَّى رعايتي وتعليمي أخي الشيخ محمد المبارك، وكان لهذه النشأة أثرٌ بالغ في إرشادي وتعليمي، كما أنَّ الأيام الأولى التي أدْرَكتُها، كان فيها عدد كبير من المعلمين الذين يَعُدُّون الطلاب أبناءَهم، فيُشرفون على تربيتهم، ويُولُونهم رعايتهم من جميع النواحي، وكان من لُطف الله بي أني أدركتُ نفرًا من هؤلاء المعلِّمين في كلِّ مرحلة من مراحل تعليمي، يعني مثلاً: الأستاذ الأفغاني درَّسني في المدرسة الإعدادية، ثم درَّسني في الجامعة، وكان يدور بي على الشُّعَب التي يُدرِّسها؛ لأقرأَ لهم النصَّ الذي يريد تدريسَهم إيَّاه، وهو يقول: انتبهوا على مخارج زميلكم مازن، فلفَت نظري إلى استمرار العناية بمخارج الحروف، وسبب إتقاني مخارجَ الحروف أنَّ والدي - رَحِمه الله - كان قد عيَّن لنا أستاذًا يُقرئنا القرآن فجر كلِّ يومٍ صيفًا وشتاءً، يأتي معه بعد صلاة الفجر، ونَجلس بين يديه واحدًا واحدًا، وواحدةً واحدةً، ذكورًا وإناثًا، كان شيخًا ضريرًا من حُفَّاظ القرآن ومُجَوِّديه، لكلٍّ منَّا صفحة واحدة في اليوم، من أخي محمد المبارك إلى أصغر إخوتي، وممن درَّسني في الجامعة شقيقي الأستاذ محمد المبارك، والأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا، والأستاذ الشيخ بهجت البيطار، والدكتور أمجد الطرابلسي، والأستاذ شفيق جبري، هؤلاء كلهم ممن نَعِمت بالتَّلمذة عليهم في الجامعة.

مصطفى شعبان 11-04-2016 01:43 PM

* أعلام لقيهم العلامة المبارك وأخذ عنهم:

1- الشاعر محمد البزم:
د. المبارك:
محمد البزم عرَفته وأنا صغير؛ لأنه كان زميلاً لوالدي، وكانا يَحضُران في بعض المجالسات والمذاكرات العلميَّة.
إذًا هو صديق الوالد؟

د. المبارك:
زميل وليس صديقًا؛ لأنني لَم أرَه في بيتنا، ولَم أرَ والدي في بيته، ولكنهما كانا يَذهبان معًا إلى كثيرٍ من الجلسات العلميَّة، كجلسة الأمير طاهر الجزائري - هذا غير الشيخ طاهر - في زقاق النقيب في حي العمارة، له جلسة أسبوعيَّة وهي جلسة مُذاكرة علميَّة، كثيرًا ما كان يَحضرها الأستاذ البزم.

وحدَثت بيني وبينه صِلة قويَّة، حين أوفَد أحد الأساتذة من ثانوية "جودت الهاشمي"، فكلَّف الأستاذ البزم تدريسنا الأدبَ في صفِّ الكفاءة، وكان آخر عهده بالتدريس، فكنتُ أُساعده في وضْع الدرجات التي يُمليها عليّ؛ لأنه كان قد قلَّ نظرُه، ويتعذَّر عليه الكتابة، فكان يسأل الطلاب، ويقدِّر العلامة، ويقول لي: ضَعْ لأخينا علامة كذا، فأضع له، وبعد مدة وجَدته في الطريق في حالة سيِّئة، فكتبتُ مقالة بعنوان: "كتاب مفتوح إلى وزير المعارف"، طلبتُ فيه إليه أن يُعيِّن أستاذنا البزم مُفتيًا لُغويًّا للإذاعة، بحيث يبقى في بيته؛ لعجزه عن السَّير والذَّهاب، والمذيع يتَّصل به هاتفيًّا؛ ليسأله عن الكلمات التي ستمرُّ في نشرة الأخبار، أو أن يقرأَ عليه نشرة الأخبار، وبذلك تكون الإذاعة أستاذًا لغويًّا لكل السامعين، ويكون مصدرها اللغوي ثقةً: هو الأستاذ محمد البزم.

الله أكبر، واللهِ إنها خطة عظيمة جدًّا، ما أحوجَنا اليوم إليها!

د. المبارك:
نحن اليوم أشدُّ حاجةً إليها، المهم أنه استدعاني حين قرَأ المقالة، فذهَبت مع ابنه إلى بيته، وكانت أوَّل مقابلة شخصيَّة خارجة عن نطاق الدرس، قال: ما دعاك إلى ما كتَبتَ؟ قلت له: إني رأيتُك في الطريق وأنت أستاذي فكتبتُها، قال: هل دفَع بك أحد إلى ذلك؟ قلت: لا، قال: أتعرف الصِّلة التي كانت بيني وبين أبيك؟ قلت: لا أعرف سوى شيءٍ واحد، قال: ما هو؟ قلت له: حين جِئتنا أستاذًا في صف الكفاءة في ثانوية جودت الهاشمي، ذهبتُ إلى والدي وقلتُ له: ذهَب أستاذ اللغة العربية وجاءنا أستاذ جديد، قال: من الذي جاءَكم؟ قلت له: اسمه محمد البزم، قال لي: يا مازن، أخْبِر زملاءَكَ أنَّ هذا عالِم؛ فحاولوا أن تستفيدوا منه ما استطعتُم، قال لي: أهكذا قال أبوك؟ قلت له: إي والله يا أستاذ، قال لي: هل تعلم ما كان بيني وبين أخيك؟ قلت له: أعلم أنَّك اعترضتَ على إحدى اللجان التي كان فيها ثلاثة أساتذة عادوا حديثًا من فرنسا، فجعلوهم مُفتِّشين، أو أساتذة للغة العربية، ووضَعوا اسْمك معهم، فرفَضتَ، وعدَدتَهم شُبانًا ناشئين، فاستجابَت الوزارة بحذف اثنين منهم، وأبْقَت أخي معك، فوافَقْتَ، هذا الذي أعْرِفه، قال: أنا أشكرك على ما كتبتَ، ولكني ما كنتُ أنتظر الوفاء من أحدٍ من هذه الأمة، وخصوصًا من هذه العائلة، قلت له يا أستاذ: هل جئتَ بي لتشكرني أو لتشتمني؟ فضَحِك وقال: لا تثريبَ عليك، ماذا تدرس؟ قلت له: أدرس في كلية الآداب، وسأتخصَّص في النحو، قال: إذا شئتَ أن تقرأ عليّ كتاب المغني، فإنك تستطيع أن تبدأ ذلك من الغد، قلت له: والله هذا شرف عظيم، وفُرصه سأغتنمُها، لكن اسمح لي أن أتأخَّر شهرًا؛ حتى أنتهيَ من امتحانات الإجازة - وكنت في السنة الرابعة في كلية الآداب، وأنا أُريد أن أنتهي من الكلية - قال: حسنًا، اتصل بعد الإجازة، وحين سألتُ بعد الإجازة، قالوا لي: إن الرئيس الشيشكلي نقَله حين سَمِع بمرضه إلى المستشفى العسكري، وبَقِي فيه إلى أن توفِّي - رحمة الله عليه.

وأذكر أنه حدَّثني في تلك الجلسة عن كتابه "في الجحيم" الذي ما زال ضائعًا إلى اليوم، ما خرَج إلى النور، ولا نعلم أين بَقِي.

2- الأستاذ علي الطنطاوي:
د. المبارك:
عرَفته منذ كنتُ صغيرًا جدًّا، كان يزورنا مع أنور العطار الشاعر الشامي المعروف، وكان يجلسان طويلاً عند والدي، واستمرَّت صِلتي به إلى قبل وفاته بسنة أو سنتين، حيث زُرته في المملكة السعودية، وسَهِرت عنده سهرة طويلة، ذكَّرته فيها بأيام طفولتي وأيام شبابه - عليه رحمة الله - وما رأيتُ أشدَّ عصبيَّة منه، ولا أكثر ذكاءً، ولا أوسع ثقافةً، كان رجلاً عجيبًا في فِطنته وذكائه، ووفائه وأدبه - رحمة الله عليه - وهذا يحتاج إلى كتابٍ كالكتاب الذي أخرَجته عن أستاذي سعيد الأفغاني.

3- الأستاذ عز الدين التنوخي:
د. المبارك:
عز الدين التنوخي كان يَلفت نظري في ارتجاله الشعرَ وفي كلِّ مناسبة، ولو كنتُ واعيًا في تلك الأيام التي كان يَحضر فيها عند والدي أحيانًا، وفي بيت الأستاذ الشيخ بهجت البيطار، وأحيانًا عندنا في البيت، وأحيانًا في مجمع اللغة العربية، وكان اسمه المجمع العلمي العربي - لو كنتُ واعيًا لتلك الجلسات التي حضَرتُ فيها مع والدي، لسَجَّلت له أشعارًا رائعة، ثم حظيتُ به أستاذًا للبلاغة في كلية الآداب، درَّسنا تهذيبَ الإيضاح بأجزائه الثلاثة، وكان من أصفى الناس قلبًا، لا يَحقد على إنسان، ورافقتُه في رحلة إلى تركيا أيام الرئيس حسني الزعيم؛ إذ أحبَّ أن يقرِّب المسافة بين السوريين والأتراك، فألْغَى مخافر الحدود، وجلَب ضُبَّاطًا أتراكًا؛ لتدريب الجيش السوري، وطلَب إلى جامعة دمشق أن تُرسل بعثة إلى تركيا، فاختارَت عشرين طالبًا، كنتُ واحدًا منهم، وكان على رأس هذه البعثة الأستاذ عز الدين التنوخي، ورافَقنا فيها الأستاذ سعيد الأفغاني، والدكتور عبدالكريم اليافي.

4- الدكتور طه حسين:
د. المبارك:
الدكتور طه حسين بَقِيت على صِلة به مدة سنتين تقريبًا، وفي إحدى السنتين كنتُ أحضر عليه أسبوعيًّا حين كان يدرِّس طلاب الدراسات العليا، وكنت أنا الذي أقرأ في الكتاب الذي يُحضِره إلى القاعة، وهو الذي يَشرح ما أقرأ، يُعطيني مرافِقُه - وكان اسمه الدكتور فريد شحاتة - كان يُعطيني الكتاب، ويُعَيِّن لي المكان وأنا أقرأ سطرين، أو ثلاثة أسطر؛ حتى يدق الدكتور على المِنصة، فأسْكُت، فيَشرح، وإذا انتهى شرحًا، يقول: تابِع، كان يَعرفني من صوتي، فبمجرَّد أن أتحدَّث إليه، أو أُلقي السلام عليه، يقول مَن؟ الطالب الشامي.

وكان من أجمل الناس أسلوبًا، ومن أجمل الناس موسيقا كلامٍ، ومن أكثر الناس حفظًا، يُلقي المحاضرة ساعة، وأحيانًا ساعة ونصف الساعة، وأحيانًا ساعتين، يَستريح بينهم خمسَ دقائق، لا يَتلجْلج، ولا يتردَّد، ولا يقف عند استشهاد بيت من أبيات الشعر من أيِّ عصر من العصور، لَم أعثُر له على لحنٍ واحد؛ يعني: كنا نتلذَّذ بأسلوبه والاستماع إليه، وفي مقابل ذلك كان شديد الجبر؛ يعني: إذا استشعَر أنَّ سؤالك له فيه شيء من الاعتراض أو التردُّد في قَبول ما يُلقيه، فالويل لك، وقد حدَث بيني وبينه شيءٌ من هذا القبيل، حين تعرَّض للمنفلوطي وللرافعي، وهاجَم الرافعي هجومًا شنيعًا، ومدَح المنفلوطي، فقَلَبتُ أنا الآية بأسلوب سؤال، وقلت له: عفوًا دكتور، أتعني أنَّ الذي أخَذ عن الغرب وفَهِم ما أخَذ، وتمثَّل ما أخَذ، وأفْهَم ما فَهِم... إلى آخره، هو الرافعي، وأنَّ الذي لَم يَفهم هو المنفلوطي؟ فضَحِك وأضْحَك الناس عليّ، وقال: أهكذا فَهِمت؟ قلت له: نعم، قال: من أين؟ قلت: مما قرأتُ، وبدَأ يُحاورني إلى أن غَضِب حين شَعَر بأنني أُناصر الرافعي، وكأنَّ الرافعي انتصَب من قبره أمامه، وقطَع الدرس، وقال: أتحدَّاك وأتحدَّى مَن تُبَلِّغه، وأتحدَّى مَن يسمع هذا الكلام، وكان المدرَّج مُمتلئًا؛ إذ كانت الأساتذة تَحضر معنا، مع أن عددَنا - معشر طلاب الدراسات العليا - كان قليلاً، فتحدَّى الجميع أن يُلخِّصوا له كتابًا واحدًا من آثار الرافعي، قلت له: حاضر، قال: موعدنا الأربعاء القادم - لأنَّ درْسَه كان كلَّ أربعاء - لَخِّص لي: "أوراق الورد"، أو "رسائل الأحزان"، قلت له: عفوًا يا دكتور، هذه رسائل وجدانيَّة لا تُلَخَّص، ولكني أُلَخِّص لك "تحت راية القرآن"، فقال: لَخِّص ما شئتَ، ثم ضرَب على المِنصَّة، ونَهَض وخرَج من القاعة، فلَحقني الطلاب، وبشَّروني بأني سأكون خارج الجامعة، وسأرجع إلى بلدي عن قريب، ولا يُمكن لي أن أُتابع الدراسة؛ لأنني ورَّطت نفسي، ولَم يكن قد مضى على وجودي في مصر شهر؛ يعني: أني لا أعرف كلَّ هذا الجو - وكان هذا سنة 1955 - فأسْرَعت إليه في رئاسة القسم؛ حيث يجلس يشرب القهوة بين الدَّرسين، قلت له: السلام عليكم، فلم يَرُد، بل قال: مَن؟ الطالب الشامي، قلت له: نعم، أنا يا دكتور، جِئت أسأل ولَم أقِف لأعترض، أنا تلميذكم قبل أن أصِلَ إلى مصر، أنا قرأتُ كلَّ ما كتَب الدكتور طه حسين قبل أن آتي إلى مصر، وأنا الآن جئتُ لأَسْتَزيد، ولَم أجِئ لأردَّ ما قرأتُ؛ ولذلك فأنا أعتذِر عن محاضرة الأسبوع القادم، وأرجو أن ننسى ما حصَل، وأن كذا وأن كذا، قال: لا بأْسَ، لك ما شِئتَ، قلت له: السلام عليكم، فلم يَرد، ووقَع في المحظور زميل مصري اسمه عبدالمحسن طه بدر، فلخَّص رسالة ليستْ للرافعي، وإنما في موضوع آخر، لا علاقة له بالرافعي، ومع ذلك فقد كنَّا في دَرْس الأربعاء نَضحك في أثناء إلقائه؛ لكثرة ما كان يُعَلِّق الدكتور طه من تعليقاتٍ مُضحكة.

وفي إحدى المرات سألَني: ماذا تَدرس؟ قلتُ له: أدرس النحو، قال: هل اطَّلعت على إحياء النحو؟ - وهو كتاب لإبراهيم مصطفى - قلت له: إذا سَمَح أستاذنا أقول له رأيي فيما جاء في مقدمة الكتاب - والذي كتَب المقدمة هو طه حسين طبعًا - فقد بالَغ الكاتب جدًّا في إصراره على تسمية الكتاب إحياء النحو، والكتاب جيِّد ولكنه ليس إحياءً، ولو اطَّلع صاحبه على كتاب الإيضاح في عِلل النحو للزجاجي، لوجَد غير ذلك، طبعًا أنا كنتُ قد بدأتُ بدراسة الإيضاح - وهو موضوع دراستي للماجستير - فقال لي الدكتور طه - رحمة الله عليه -: والله يا بُني، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لترَكتُ كثيرًا مما كتَبتُ، ولبدَأتُ بكتابة النحو من الصفر.

5- الأستاذ محمود محمد شاكر:
د. المبارك:
هي كلمة واحدة: ما وجَدت في حياتي رجلاً بعد والدي دخَلت اللغة دَمَه، وفَهِم أسرارها وأسرار التعبير فيها، وفَهِم نصوصَها كما يُريد أصحابُها، مثل محمود شاكر، كانت لنا حلقة نحرص عليها، يَحضرها أحيانًا الدكتور نصر الدين الأسد، ويَحضرها الأستاذ فرحان الفرحان، والدكتور يعقوب الغنيم، والدكتور خالد جمعة، والأستاذ راتب النفاخ، درَسنا عليه بعض قصائد المفضَّليات، فكنا كمَن يَسبح فوق الماء، وكان هو الغوَّاص الذي يُعطينا ما كنا لا نُدركه إلاَّ بسباحته هو وبغَوْصه، واستمرَّت صِلتي به وصِلته بي، وكان يَزورني في دمشق وفي الدوحة، وزارَني في "دُبَي" حين أرسلتُ له دعوة فاعْتَذَر، فقلت له: لا بد أن تأتي، قال لي: أنت في "دُبَي"، قلت له: نعم، قال: أنا سأذهب إلى الكويت، قلت له: متى وصَلت إلى الكويت؟ خَبِّرني كي نَستقبلك بعدها، واستقبلناه بدعوة من السيد جمعة الماجد، وبَقِي عندنا أسبوعًا، زار الكلية وزار المركز الثقافي، وكان في غاية السرور، وكان في تلك الفترة على كرسي، رافَقته ابنته الآنسة "زلفى"، وتمتَّعنا معه أسبوعًا لا ننساه.

6- الدكتور شوقي ضيف رئيس مجمع القاهرة:
د. المبارك:
شوقي ضيف كتبتُ عنه مقالاً طويلاً في الكتاب الذي أصدَروه بمناسبة ذكراه السبعين، بعنوان: رحلتي النحويَّة مع أستاذي الكبير شوقي ضيف، كتبتُ كلَّ ما أعرفه عن دماثته وخُلقه وتواضُعه؛ يعني: أنا أحمد الله أنني في مصر، لَقِيت أُناسًا تعلَّمت منهم الأخلاق والأدب، كما تعلَّمت العلم، مثل: الدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبدالحليم النجار، والشيخ علي النجار، ومصطفى السقا، وهؤلاء والله تعلَّمت منهم الأدب والخُلق، قبل أن أتعلَّم العلم.

7- الدكتور أمجد الطرابلسي:
د. المبارك:
الدكتور أمجد الطرابلسي كان الأستاذ الذي أثبَت لنا في بواكير حياتنا أنَّ الفصحى يُمكن أن تكون لغة الدرس، ولغة الحديث اليومي، كان لا يتحدَّث إلينا إلاَّ بلُغة ذات مخارج وصفات معيَّنة، وهذه صفة لُغته المتميزة، وكان يحدِّثنا بما لا يستطيع المعلمون اليوم أن يُحَدِّثوا بمثله: طلاقة لسان، وحلاوة تراكيب، ومن هنا أدَركت فيما بعد قضيَّةً لا أدري إن كان الناس يعرفونها، حين كنتُ طالبًا في الإعدادي والثانوي، وكان الأستاذ البزم يحضر المناسبات الوطنية والقومية والدينيَّة، ويُكلَّف بإلقاء قصائدَ ما سَمِعت الأستاذ البزم يُلقي في حياتي غير مرَّة واحدة، وأمَّا بقيَّة المرَّات كلها، فكان يُناديني قائلاً: خُذ هذه القصيدة، وقل لأمجد أنْ يَقرأها عني، فأَذْهب إلى الأستاذ، وكان أستاذًا معه في التجهيز، فأذهب إلى الأستاذ أمجد، وأقول له: يقول لك الأستاذ البزم أن تُلقي هذه القصيدة عِوَضًا عنه، فكان يخرج إلى المنبر، ويُلقي القصيدة في أكثر من عيد، وفي أكثر من مناسبة، لا يُكلِّف غير أمجد الطرابلسي بقراءة شعره، وكنت أقول في نفسي: لأنه يحبُّه، أو لأنه صديقه، لكن حين أصبحتُ تلميذًا في الكلية لأمجد الطرابلسي، وكنتُ أسمع هذه اللغة، عرَفت لماذا كان الأستاذ يختاره لقراءة شعره.

8- الأستاذ الكبير الأستاذ سعيد الأفغاني:
وقد كتبتُم عنه كتابكم المعروف، ولكن أريد خلاصة رأيكم في الرجل.

د. المبارك:
الأستاذ الأفغاني لَم يترك له تمسُّكه بالحق صاحبًا؛ لذلك بعد أن خرَج على المعاش، قلَّ مَن ذهَب إلى بيته أو زارَه.

مصطفى شعبان 11-04-2016 01:53 PM

9-يوسف الصيداوي:
د. المبارك:
يوسف الصيداوي كان من أَوْفَى الناس بالأستاذ الأفغاني، أنا كنتُ أزوره باستمرار حين نكون في دمشق، وكان كثيرًا ما يتَّصل عليّ ويقول لي: لا تأتِ يا مازن، أنا أُريد أن آتي، فيأتي إلى بيتي، زارني مرارًا في هذه القاعة وفي الصالون، وفي آخر عُمره كنتُ أستأذن منه وأستقْبِله في الطابق الأرضي عند أهلي؛ حتى لا أكلِّفه صعود الدَّرج - رحمة الله عليه، ما كان أصلبَ الرأي عنده، وما كان أصعبَ إقناعه بأمر من الأمور لا يُريدها!

وآخر ما صدَر له كتاب أُوصي بقراءته؛ لأنه يجلو أشياء كثيرة من آرائه، لَم تكن مكتوبة لا في كُتبه ولا في دروسه، كتاب صدَر، كُلِّفت مروة بنت الأستاذ حسن إسماعيل بمراجعته، أصْدَرته دار البشائر منذ ثلاثة أيام، اسمه: "عصارة فكر وتجربة حياة"، وهو مجموع مقالات سعيد الأفغاني التي نُشِرت في العراق والسعودية، والمغرب ومصر وسوريا؛ يعني: حاوَلنا جَمْع ما أمْكَن جَمْعه في كتاب ضخمٍ وجيِّدٍ وجميل.

10- عباس محمود العقاد:
د. المبارك:
أدرَكت في مصر أناسًا كثيرين، بعض زملائي المصريين لا يعرفونهم، مثل الأستاذ حسن الزيَّات، والأستاذ عباس محمود العقاد، فأنا جلستُ إليهم، وقد زُرتُ إبراهيم مصطفى صاحب إحياء النحو أكثر من مرة، أمَّا الأستاذ أحمد حسن الزيات، فالفضل في معرفته يعود إلى أستاذي الأفغاني الذي أرسَل إليه رسالة معي، فزُرته وسلَّمتُه الرسالة، وتعرَّف عليّ، وطلَب إليّ ألاَّ أنقطعَ عن زيارته، وأمَّا الأستاذ العقاد، فكان أخي الأستاذ محمد المبارك يَزوره كلَّما جاء إلى القاهرة، فكنتُ أُرافقه، ثم أصبحتْ عادةً لي أن أزورَه، ولو لَم يكن أخي موجودًا؛ لأنه عرَفني، وهكذا سَمَحت لي الظروف أن أتعرَّف إلى كلِّ هؤلاء، فكنتُ في غاية السرور.

واللهِ ما زِلت أذكر حين دخَلت إلى الصالون في بيت الأستاذ أحمد حسن الزيات، ودخَل هو للسلام والاستقبال، كأنني أرى أمامي افتتاحيَّة من افتتاحيَّاته التي يَكتبها في مجلة الرسالة بإشراقها وضيائها، أنت تعرف أسلوبه، كنَّا نقرَأ مقالته، فلا يَهمُّنا ما فيها من فكرٍ بقدر ما تُعجبنا إشراقها وجمال أسلوبها، يدخل الرجل بالقميص الأبيض الناصع، والبذلة الكُحليَّة الغامقة، مع الربطة الحمراء أو الزرقاء المناسبة، والطربوش على رأسه - وهو في بيته - وبحذاء يَلمع كالمرآة في غاية الأناقة، والله هذه قطعة من البيان، لوحة تصويريَّة تتراءَى لي - وهو يتحدَّث - بين منظره وبين المقال، ثم النظارة التي يَختارها؛ لتغطي حواجبه العِرَاض، كنت أُحلِّل كلَّ ذلك قبل أن أعتادَ أساليب التحليل الأدبي.
كذلك إذا انتقَلت إلى أسلوب العقاد، تجده إنسانًا لا يهتمُّ بالمظهر، طاولة خشبية متواضعة جدًّا، جدًّا، جدًّا، يستقبلني أحيانًا بالبيجامة، وقد لفَّ على عُنقه شالاً من الصوف، سميكًا كُحْلِي اللون، لا يرفعه لا أدري لماذا؟ يَلفه حول عُنقه، ويترك نصفه على صَدْره، ونصفه الآخر على ظهره، ثم يجلس بنظَّارته، ويُلقي عليك الكلام، وكأنه قائد عسكري يُعطيك أوامر تكليف؛ لتشعر أنَّك لستَ في موضع تستطيع أن تسألَ أو تعترض، بل هو يُقرِّر شيئًا عليك أن تَقبله، كلُّ ذلك بكلام موجَز، لا تستطيع أن تحذفَ منه شيئًا؛ إذ لا فضول في كلامه، على نقيض الدكتور طه حسين؛ إذ تستطيع أن تحذفَ نصف الكلام دون أن يتغيَّر المعنى، ويبدو أن العاهة ذات أثر في هذا، فهو يُكرِّر لتفهم، بينما جُمَل الأستاذ العقاد - رحمه الله - موجزة شديدة، يُلقيها بعنفٍ، وقد كنتُ أحتال في توجيه بعض ما أعْدَدت من أسئلة، دون أن أوَجِّهها مباشرة؛ خشية أن أقعَ معه فيما وقَعت مع طه حسين؛ كيلا يظنَّ أنني أعترض على رأْيٍ من آرائه؛ إذ كنتُ أتحاشى ذلك جدًّا.

11-الأستاذ أحمد راتب النفاخ:
د. المبارك:
عليه رحمة الله، والله فيه مُشابهة في الأخلاق بينه وبين الأستاذ محمود شاكر - عليه رحمة الله - يعني أنا عرَفت الأستاذ راتب؛ لأنه كان قد تقدَّمنا بسنة، فأنا دخلتُ كلية الآداب ولَم يكن فيها سنة رابعة، كان أعلى شيء فيها السنة الثالثة؛ لأنها كانت حديثة التأسيس، أُسِّست سنة 1946، وأنا دخَلت 1948، فكان أعلى الطلاب يمثِّلهم الدكتور صالح الأشتر وهو في السنة الثالثة، وكان في السنة الثانية راتب النفاخ، وعزت حسن، وهذه الطبقة، وكنا في السنة الأولى مازن المبارك، وعبدالكريم الأشتر، وعاصم البيطار؛ يعني: الأستاذ راتب يَسبقني بسنة؛ ولذلك تخرَّج قبلي بسنة، ودرَّس في "درعا"، ثم عُيِّن معيدًا، وأُوفِد بعدي بسنة أو سنتين إلى القاهرة، وكنت على صِلة به منذ كان طالبًا، ثم معيدًا، ثم موفدًا، ورافَقته في القاهرة، ثم كان صديقًا كأحسن ما يكون الصديق، وهو الذي أخَذني إلى محمود شاكر، بَقِيت سنة في مصر لَم أزُر الأستاذ محمود شاكر، ولا عرَفته، وكان الأخ راتب يطلب إلي مرارًا أن أُرافقه في زيارته، إلى أنْ أجبَرني إجبارًا، فذهَبت معه، وكان اللقاء الأول، واستمرَّت الصِّلة.

والحق أنَّ الرجل كان على درجة من العلم لا يحتاج فيها إلى شهادة مني أو من أمثالي، وكثيرًا ما كان بعض الطلاب يسألونني عن تفسير بعض الأبيات، أو القضايا المتَّصلة بالأدب القديم، وكانت ساعة الأستاذ راتب بعد ساعتي، وكان أحيانًا يُجافيني، فكان الطلاب يسألونني عن بعض الأسئلة، فأُجيبهم عما يتَّصل بالنحو وأقول لهم: هذا السؤال الثاني أتركه لزميلي فلان، فهو أعلم به مني.

12- الدكتور شاكر الفحام:
د. المبارك:
الدكتور شاكر الفحام يا سيِّدي، عرَفته من عام 1952، اشترَكنا في تصحيح الثانوية "البكالوريا"، وأنا شارَكت في تصحيح الثانوية قبل زُملائي بسنة كاملة؛ لأنني كنت الناجح الأوَّل، فكرَّمتني الوزارة - وزارة المعارف، لَم يكن ثَمَّة تعليم عالٍ - ودَعَتني إلى التصحيح، مع أني لَم أكن أستاذًا، بل كنتُ طالبًا متخرِّجًا، ففي تلك السنة كان الأستاذ شاكر الفحام وإحسان النص، وصبري الأشتر وأمثالهم، ما زالوا أساتذة.

حين كنتُ في مصر، أُوفِد قسمٌ منهم عن طريق الاختيار - اختارتْه الوزارة - وقسم عن طريق المسابقة، فجاء إلى مصر الدكتور عبدالكريم الأشتر، والدكتورة عزيزة مريدن، والدكتور عمر الدقاق، والدكتور محمد خير فارس، والدكتور إحسان النص، والدكتور صبري الأشتر، والدكتور شاكر الفحام.
ولَم يكن في سوريا أحدٌ ممن حازُوا شهادة ماجستير ودكتوراه من مصر قبل مازن مبارك؛ لأن الذين أخَذوا قبلي درَسوا أصلاً في مصر، أعني: في الجامعة؛ إذ لَم يكن عندنا جامعة، فزكي المحاسني، وشكري فيصل، وشاكر الفحام، وأنور الرفاعي، هؤلاء درَسوا في مصر؛ لأنه لَم يكن عندنا جامعة، درَسوا بعد البكالوريا، أمَّا أنا فكنتُ أوَّل طالب سوري يحمل الإجازة - يعني البكالوريوس على لَهْجتهم - لذلك حين ذهبْتُ إلى مصر صدَر قرار قَبولي في السنة الثانية من كلية الآداب، ولَمَّا ذهَبت إلى العميد لأحتجَّ، قال لي: وضعناك مع فلان وفلان من حَمَلَة دار المعلِّمين؛ لأنك تَحمل الإجازة، قلت له: هؤلاء طُلاَّبي، أنا الذين أعطيتُهم شهادة دار المُعلِّمين، أما أنا فمعي إجازة بعد دراسة أربع سنوات، قال: أين الشهادة؟ فأبرَزت له الشهادة، والله فخاطَبني بالفرنسية:
Vous avez quatre sertafika?

قلت له: نعم، معي أربع سرتفيكات؛ لأنه كان عندنا نظام الشهادات مجموعها يساوي الإجازة، قال لي: ماذا تعني الإجازة؟ قلت له: تعني البكالوريوس أو الليسانس، قال: أنتم السوريين، تُعربون وتَضعون ما شئتُم من المصطلحات وحْدكم، دون أن تُعلمونا بها، وما أدْرَانا أنَّ الإجازة تعني الليسانس؟ خُذ يا بُني، قدِّم لي ظُلامة؛ لأعدِّل لك القرار، وفعلاً جلستُ عنده، وقدَّمت ظُلامة، وبعد ثلاثة أيام عُدِّل القرار، فقُبِلت في الماجستير، فأنا أوَّل سوري يحمل إجازة سوريَّة، ويُقبَل في الجامعة المصرية، ويُتابع الدراسات العليا، أمَّا الذين سبقوني من السوريين، فدراساتهم الجامعيَّة الأصليَّة كانت هناك.

مصطفى شعبان 11-04-2016 02:06 PM

لقد عاصر الدكتور مازن في مُقتبل حياته العلمية في جامعة دمشق جمهرة من زملاء عمله – الذين كان بعضهم أستاذًا له ، وأستاذًا لجيلنا أيضًا ؛ وأتيح له أن يتعرف على أعلام جامعة دمشق ، وكلياتها المختلفة ؛ بأسباب كثيرة منها صلاته العلميّة ، والاجتماعية ، وموقعه في قسم اللغة العربية ...
وأتيح له أيضا أن يكون – بصفتيه الشخصية والرسمية – على صلة بقضايا اللغة العربيّة في مجال التعليم ، والتربية والثقافة والإعلام ، ولم يمض وقت بعيد حتى كان الدكتور مازن اسما ً مرموقًا:
- في الهيئة التعليمية في قسم اللغة العربية.
- وفي إطار جامعة دمشق في كل مجال له صلة باللُّغة ، والمصطلح.
- وفي وجوه العلاقات التربوية التعليمية ، والثقافية والإعلامية.
- وبرز ؛ أيضًا ؛ بصفة صاحب حضور إعلامي متميز في ندوات الأدب واللغة والثقافة والحضارة ...
لا يَصْعُب على دارس شخصية الدكتور مازن المبارك ، ومتابع نشاطه الفكري ، واللغوي ، والحضاري ، أن يتبيّن ملامح تلك الشخصية في جوانبها المختلفة ، فهو بمقدار ما له من الذاتية والخصوصية والرغبة في الالتفات إلى الذات والأهل والمكتبة الخاصة والاستقلالية ، يحبّ أن يكون في زورق كبير مكشوف للسماء ، لا غطاءَ ، في مجموعة من الناس ، ويفضّل أن يكون أولئك الناس من الأصحاب ، والأصدقاء ، والجيران ، والزملاء المقربين ...
- وهو - أيضًا- بمقدار ما يحبّ أن يكون مع النخبة المُختارة التي يشعر معها بالانسجام والتوافق يستطيع أن يتلاءم مع الإطار الواسع والعدد الجمّ .
- إنها القدرة : على الائتلاف مع ظروف الحياة ، والمواءمة بين المطلوب والموجود ؛ وبين المتصوَّر والممكن .
- وهو ؛ بمقدار ما في طباعه من خصوصية ذات تميّز يعرفها أقاربه كما يعرفها أصحابُه ومريدوه : قادرٌ على الانفتاح على الآخرين ، وعلى تطويع النفس ، لقَبُول الناس على اختلاف طباعهم وأمزجتهم ، لزمانٍ محدود ، ولكنه – على كل حال- زمانٌ كافٍ لكي يتطبع في نفوس الناس عنه تلك المقدرة على التفافهم ، والتعّايش ، وتسيير الأمور في ظروفها المختلفة .
على أن قارئ الشخصية يلاحظ معالمها في ثلاثة اتجاهات : المعالم الخاصة ، والمعالم الجامعية ، والمعالم العامة .
في المعالم الخاصة ، التي يعبر عنها أيضًا بالمعالم الشخصية ، هي معالم تدور حول قوام الذات ، وخصائص النفس ، ومكوّنات الوُجدان ، وفي هذا كله ما يلوّن الإنسان بلونه ، ويطبعه بطابعه ، ويعطيه – عند نفسه وعند الناس- هويته الخاصة ، وقد اشتركت عوامل كثيرة في تكوين هذه المعالم الخاصة :
- فجانب ، أو جوانب ، يشترك فيها مع أبناء جيله مع أحداث عامة ، وظروف شاملة .
- وجانب أو جوانب ، يختص بها ، وتنبع من ذاته ، ويختلط الجانبان معًا ، يكونا الصورة ، والمزية ، والهويّة ، والذاتية ، والخصوصية .
وعاصر الدكتور مازن مثل أبناء جيله ، بعض زمان الحكم الفرنسي ، وعايش في شبابه الأوّل انتصار إرادة الشعب السوري ، وأدرك نضج ثمرات الثورة السورية التي ناصبت الاستعمار الفرنسي العداء ، وكان في أكثره مجاهدةً بالسّلاح :
سقط فيها الشهداء ، وأقلقت فيه راحة المستعمر المعتدي ، الذي قطع أوصال بلاد العرب ، وفرّق ما بين أبناء الأمة الواحدة .
ومع تشرّب ذلك الجيل بالحماسة الوطنية ، والروح الوثّابة كانوا واعين لمعركة البناء : وأهمّه بناء الفكر ، والوجدان .
ومن هنا كان اختيارًا قاصدًا أعان عليه كون التراجم له من أسرة علميّة مغموسة في الحركة العلميّة – الثقافيّة وكان اختيار طريق التعليم اختيارًا يحقق في النفس الذات الداخلية ، ويواصل جهود الأسرة ، ممثلة في الأب العالم ، والأخ الباحث ، الذي مدّ يديه إلى جانبي الحياة : العلمية من جهة ، والعامّة من جهة أخرى .
وقد اتضحت في معالم مازن المبارك الخاصة :
- ملامح الذكاء : ولا أبالغ ، وأنا أصف ذكاءه بالّلمّاح .
- وعوامل النجاح : يستوي في ذلك جانبا العلم والعمل .
- وغزارة النشاط : فهو شعلة من الحيوية المتدفقة .
- ودقة النظام : فمن عرفه عن قُرب عرف تلك الدقة ومحافظته على مراسمها في حلّه وترحاله ؛ وعلى امتداد سنوات الشباب والكهولة ...
والمعالم الجامعية ، فقد كان المترجم له في جامعة دمشق أحد أعضاء هيئة التدريس البارزين ، وكان ذلك في عدد من الجامعات العربية ، التي انتقل إليها أستاذًا معارًا ، أو زائرًا ، أو مقيمًا.
ولقد تكونت معالم شخصيته الجامعية في كليّة الآداب بجامعة دمشق ، وفي ظلال التقاليد الجامعية الأكاديمية المعروفة في جامعتنا ، ولئن كانت السنوات التي أظلت كلية الآداب في دمشق غير مديدة ؛ منذ نشأة الكلية وابتداء نشاط قسم اللغة العربية ، لقد ورث المعلمون والدارسون معاً تقاليد أصيلة عريقة في مدينة دمشق ، في مدارسها التقليدية القديمة ، ومساجدها التي أبرزت العلماء ، والفقهاء ، والأدباء ، ومجالس علمائها ، التي وصلت مؤلفاتهم ومحاضراتهم إلى أقطار البلاد العربية والإسلامية .
لقد أسهم الدكتور مازن في حركة التعليم الجامعي في القسم والكليّة ، وأسهم في إعطاء خريجي دمشق تلك السُّمعة العلميّة في تخصص اللغة العربية ، حيثما ذهبوا ، للاستزادة من طلب العلم ، أو العمل في أقطار العرب بكفاية عالية .
وظهرت المعالم الجامعية في شخصية الدكتور المبارك في رحاب العلم في جوانب :
- التدريس الجامعي .
- والتأليف والتحقيق .
- وتغطية الندوات المتخصصّة ، والملتقيات ، والمؤتمرات .
وكثيراً ما كان يتفاجئ الحاضرين في تلك الملتقيات بكونه ممثلاً لجامعة أخرى غير جامعته الأصلية : في أثناء لحاقه ببعض الأقطار العربية في إطار التعاون الجامعي بين دمشق وغيرها .
ومثلما تميّزت معالم الشخصية الخاصة ، والمعالم الجامعية ، تميّزت أيضا معالم الشخصية العامة .
ومظاهر الشخصية العامة ، إنما تستمدّ من الدائرتين الأوليين : الذاتية والجامعية فالرجل يظهر في المجتمع ، ويقدم حيثما يكون باعتباره المعلم الجامعي المتخصص ، الذي تُطيف به هالة الأستاذ ، المحاضر ، المتكلم ، الباحث ، المحاور ، والذي يَحْمِلُ اللغة على كاهله ، ويطوف بها حيث ما ذهب لتكون في مواقعها ومكانها ...
وإذا كانت شخصية المعلم ، شخصية اعتبارية تحظى بكل تقدير في المراحل الدراسية المختلفة ، فإن شخصية الجامعي – والبلاد حديثة عهد بالجامعيين الحاصلين على المؤهلات العليا – هي شخصية مرموقة :
- للحقيقة العلمية والأكاديمية التي تمثلها من جانب ؛
- وللهالة الاجتماعية التي ترافقها من جانب آخر .
وشخصية الدكتور مازن ، الذي يعرفه أصحابُه بكنيته :
أبي زاهر ، شخصية ٌ متميزة ، ظاهرة المعالم ، وهم يحسبون حسابًا لهذه الشخصية ، في جدٍّ وهزل ، وفي محاورة ومباسطة ؛ وفي أخذٍ وردّ .
ومن مزايا هذه الشخصية القدرة على الجمع بين جوانب قد تبدو للمشاهد العابر متضادة ، أو متناقضة ، وهما عند التدقيق وجهان لعملة واحدة :
- فبالقدر الذي يُجيد فيه المُتَرْجَم له المجاملة ، والمداراة ، والمحاسنة ، والمسايرة إلى أبعد الحدود ، فإنه يتمتع أيضا ، وحين يكون الموقف في حاجة ، بالصَّراحة ، وهي صراحة واضحة ، ليس فيها مواربة ، ولا يمكن أن يكون لها تفسير آخر .
- ومع معرفة أبي زاهر بأساليب الكياسة واللياقة الاجتماعية وأخذ الأمور بالليونة ، وما يسمى (السياسة) بالمعنى الاجتماعي ، فإنه قادر على الحسم ، وتحمل مسؤولية القرار الحاسم .
- ولعل هذا مما يميز صورته في حياته العملية والاجتماعية .
- ومع كثرة أسفاره ، وإقاماته العديدة المديدة في بلدان عربية مختلفة ، واستقراره ، واستئناسه بالاغتراب ، حتى لكأنه من أبناء البلد الذي يقيم فيه ، يجده من يعرفه مرتبطا بالوطن الصغير ، مشغولا بالآتي منه مع مسافر قادم ، أو نبأ شارد ، أو هاتفٍ واصل ٍ ، أو مارّ عابر ، أو بريد مكتوب ...
- ومن هنا يسمع منه أصحابه في اغترابه ، منذ أن عرف الاغتراب الرغبة العاجلة في الاستقرار ، في الدار مع المكتبة والكتاب ، ومع الأصحاب والأحباب ، ثم تغلب على آرائه الطامحة ، وقائع الحياة المماثلة ...
- وأبو زاهر ، يبدو على سمته الهدوء والسَّكينة ، ومن مظاهره العامة الانتباه ، وتلقي الرأي والحجة ، ولكنه ، وإن بدا عليه هذا القدر الكبير من الصبر ، يمكن في لحظة أن يظهر عليه وجه العملة الآخر من حدّة الانفعال ، إذا نفذ الصبر منه ، أو غضب للوجْهِ الذي يراه صوابا ، وهو مع هذا يبقى في إطار الوقار ، وفي تماسك الشخصية .
- والدكتور مازن المبارك ممّن يعتد بالرأي ، ويدافع عن الفكرة ، ويعجبه أن يكون في ظلال الخصوصية ، وقد تعود أن يبني رأيه أو يقيم فكرته بعد دراسة وأناة ، ومن هنا كان التصلب المعهود منه في الرأي ، والفكرة ، والموقف .
ولكن الجانب الآخر ، هو أنه – مع هذه الصلابة التي تبدو جاسية أحيانًا- قادر على أن يأخذ بالحق إذا اتضح له الوجه فيه ، أو كانت حجة الطرف الآخر ، حُجةً بيّنة .
يتنازل عن الرأي الخاص ، وإن كان عزيزا عنده ، ليأخذ بالصواب ، أو الحق ، وقد اتضحت معالمه .
وأسلوبه في الدفاع عن الرأي ، والأخذ بالرأي الآخر ، يدخل في ملامح الشخصية : القائمة على الوضوح ، والصراحة ، والسلامة في الموقف .
وفي مظاهر شخصية الدكتور مازن المبارك ، التي تمتزج فيها الخصال والخصائص ، والمعلومات والمعارف ، والخواطر والنوازع :
- حُسن المحاضرة .
- وحُسن المحاورة .
- وحُسن المذاكرة .
أما حُسن المحاضرة ، فيتجلى في لقائه مع طلابه ، ومع مستمعي أحاديثه وبحوثه .
وإذا كان المشهور عن معلمي النحو جفاف العبارة وبعدها عن الطلاوة ، وقربها من لغة أهل الرياضيات أصحاب الأعداد والأرقام ، فإن عبارة الدكتور مبارك عبارة حسنة ، وأسلوبه أسلوب صريح ، ثم إن له قدرة على إيضاح المُرَاد بالعبارة القاصدة ، والكلام القليل ...
وأما حُسن المحاورة ، فيبدو لزملائه في الاجتماعات الأكاديمية وفي الندوات العلمية ، واللقاءات الإعلامية ، فإنه يقدم الحجة ويدلل عليها ، ويحاور الطرف الآخر بأناة وصبر وقدرة على الهجوم ، في الوقت المناسب ، حين تكون الخاتمة حاسمة .
وأما حُسن المذاكرة ، فيبدو في لقاءاته العامة ، في أوقات الجد والهزل ، والمزاح والمباسطة ، ويبدو في لقاءاته الخاصة ، في قضايا العلم والثقافة ، وفي قضايا المجتمع والحياة ...
ويَتبع هذا قدرة على الاستماع ، وصبر على الطرف الآخر ، ولكنه الصبر (الذي له حدود) ، كما يقولون ...
جوانب الدكتور مازن المبارك متعددة ، وهو في كل جانب يبدو ، وكأنه مختص به ، لا يكاد يجاوزه إلى غيره ؛
o فقد كان - وما يزال – معلمًا ناجحًا، له أسلوبه الخاص ، في التدريس والتعليم ، وإيصال الفكرة ، وتقديم المعلومات .
o وهو مؤلف ناجح ، يتقن التأليف الجامعي ، الذي يتوجه به كاتبه إلى القارئ المختص ، ليوصل إليه المعلومة ، ويختصر له الطريق .
o وهو باحث جاد ، وقد شغلته قضايا اللغة العربية في مراحلها المختلفة ، وركّز اهتمامه على التعليم الجامعي ، وكانت له مشاركة مهمة في تعليم اللغة العربية ، لغير الناطقين بها ...
o وهو مربٍّ مسؤول ، ومن هنا نجد في محاضراته ، ومحاوراته ، وبحوثه ، وتواليفه ملامح :
- الأب الذي يرعى أولاده .
- والعالم الحريص على إيصال المعلومة إلى أصحابها
- والمعلم الذي يحمل مسؤولية تواصل الأجيال .
- والمحنك المجرّب الذي عركته الأيام والليالي .
وإذا لخصنا منهجه في تعليمه ، وتأليفه ، ومحاضرته ، ومذاكرته ، قلنا :
إنه يسعى دائما للأخذ بأيدي طلابه ، ومريديه من شقّ طريق العلم إلى شق طريق الحياة.
يُتبع إن شاء الله

عبدالله بنعلي 11-04-2016 04:59 PM

حوار مع الأستاذ الدكتور مازن المبارك
د. محمد حسان الطيان


من موقع الالوكة:
تاريخ الإضافة: 15/9/2011 ميلادي - 16/10/1432 هجري





الأستاذ الدكتور مازن المبارك أحد أعلام العربيَّة المعاصرين، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق، يمثِّل تاريخًا طويلاً في الجهاد في سبيل العربية وتحت رايتها؛ عِلمًا وتعليمًا، وتأليفًا وتحقيقًا، ومشاركةً فعَّالة في مختلف أوْجه النشاط المعرفي، وهو إلى هذا وذاك من أقدم كُتَّاب مجلة الوعي الإسلامي، فضلاً عمَّا قدَّم للمكتبة العربية من نفائس المصنَّفات والمُحقَّقات.



أجرى الحوار معه الدكتور محمد حسان الطيان، مُنسق مقرَّرات اللغة العربية في الجامعة العربية المفتوحة بالكويت، والعضو المراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق، وكان ذلك في يوم الأحد 27 شعبان عام 1431 الموافق 8 آب من صيف عام 2010 في بيته الكائن بالمِزَّة بدمشق.



د. الطيان:

اسمح لي يا سيدي أن أستهلَّ هذا اللقاء بسؤالكم عن البدايات، أين كانت النشأةُ؟ وما تأثيرها في تكوينكم العلمي؟



د. المبارك:

كانت النشأة في بيت والدي الشيخ عبدالقادر المبارك، وهو أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، وأحد أساطين اللغة وأعاجيبها ونوادرها في النصف الأوَّل من القرن العشرين، وقد توفِّي سنة 1945 وعُمري لا يتجاوز الخامسة عشرة، فتولَّى رعايتي وتعليمي أخي الشيخ محمد المبارك، وكان لهذه النشأة أثرٌ بالغ في إرشادي وتعليمي، كما أنَّ الأيام الأولى التي أدْرَكتُها، كان فيها عدد كبير من المعلمين الذين يَعُدُّون الطلاب أبناءَهم، فيُشرفون على تربيتهم، ويُولُونهم رعايتهم من جميع النواحي، وكان من لُطف الله بي أني أدركتُ نفرًا من هؤلاء المعلِّمين في كلِّ مرحلة من مراحل تعليمي، يعني مثلاً: الأستاذ الأفغاني درَّسني في المدرسة الإعدادية، ثم درَّسني في الجامعة، وكان يدور بي على الشُّعَب التي يُدرِّسها؛ لأقرأَ لهم النصَّ الذي يريد تدريسَهم إيَّاه، وهو يقول: انتبهوا على مخارج زميلكم مازن، فلفَت نظري إلى استمرار العناية بمخارج الحروف، وسبب إتقاني مخارجَ الحروف أنَّ والدي - رَحِمه الله - كان قد عيَّن لنا أستاذًا يُقرئنا القرآن فجر كلِّ يومٍ صيفًا وشتاءً، يأتي معه بعد صلاة الفجر، ونَجلس بين يديه واحدًا واحدًا، وواحدةً واحدةً، ذكورًا وإناثًا، كان شيخًا ضريرًا من حُفَّاظ القرآن ومُجَوِّديه، لكلٍّ منَّا صفحة واحدة في اليوم، من أخي محمد المبارك إلى أصغر إخوتي، وممن درَّسني في الجامعة شقيقي الأستاذ محمد المبارك، والأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا، والأستاذ الشيخ بهجت البيطار، والدكتور أمجد الطرابلسي، والأستاذ شفيق جبري، هؤلاء كلهم ممن نَعِمت بالتَّلمذة عليهم في الجامعة.



د. الطيان:

يقودني هذا السؤال إلى سؤال يتعلَّق بأعلام كبارٍ لَقِيتموهم، أو أخَذتم عنهم، راجيًا إيجاز انطباعاتكم عنهم، وقد اختَرت عشرة منهم، تاركًا لكم الخيار في الحديث عمَّن تشاؤون منهم.



1- الشاعر محمد البزم:

د. المبارك:

محمد البزم عرَفته وأنا صغير؛ لأنه كان زميلاً لوالدي، وكانا يَحضُران في بعض المجالسات والمذاكرات العلميَّة.

إذًا هو صديق الوالد؟



د. المبارك:

زميل وليس صديقًا؛ لأنني لَم أرَه في بيتنا، ولَم أرَ والدي في بيته، ولكنهما كانا يَذهبان معًا إلى كثيرٍ من الجلسات العلميَّة، كجلسة الأمير طاهر الجزائري - هذا غير الشيخ طاهر - في زقاق النقيب في حي العمارة، له جلسة أسبوعيَّة وهي جلسة مُذاكرة علميَّة، كثيرًا ما كان يَحضرها الأستاذ البزم.



وحدَثت بيني وبينه صِلة قويَّة، حين أوفَد أحد الأساتذة من ثانوية "جودت الهاشمي"، فكلَّف الأستاذ البزم تدريسنا الأدبَ في صفِّ الكفاءة، وكان آخر عهده بالتدريس، فكنتُ أُساعده في وضْع الدرجات التي يُمليها عليّ؛ لأنه كان قد قلَّ نظرُه، ويتعذَّر عليه الكتابة، فكان يسأل الطلاب، ويقدِّر العلامة، ويقول لي: ضَعْ لأخينا علامة كذا، فأضع له، وبعد مدة وجَدته في الطريق في حالة سيِّئة، فكتبتُ مقالة بعنوان: "كتاب مفتوح إلى وزير المعارف"، طلبتُ فيه إليه أن يُعيِّن أستاذنا البزم مُفتيًا لُغويًّا للإذاعة، بحيث يبقى في بيته؛ لعجزه عن السَّير والذَّهاب، والمذيع يتَّصل به هاتفيًّا؛ ليسأله عن الكلمات التي ستمرُّ في نشرة الأخبار، أو أن يقرأَ عليه نشرة الأخبار، وبذلك تكون الإذاعة أستاذًا لغويًّا لكل السامعين، ويكون مصدرها اللغوي ثقةً: هو الأستاذ محمد البزم.



الله أكبر، واللهِ إنها خطة عظيمة جدًّا، ما أحوجَنا اليوم إليها!



د. المبارك:

نحن اليوم أشدُّ حاجةً إليها، المهم أنه استدعاني حين قرَأ المقالة، فذهَبت مع ابنه إلى بيته، وكانت أوَّل مقابلة شخصيَّة خارجة عن نطاق الدرس، قال: ما دعاك إلى ما كتَبتَ؟ قلت له: إني رأيتُك في الطريق وأنت أستاذي فكتبتُها، قال: هل دفَع بك أحد إلى ذلك؟ قلت: لا، قال: أتعرف الصِّلة التي كانت بيني وبين أبيك؟ قلت: لا أعرف سوى شيءٍ واحد، قال: ما هو؟ قلت له: حين جِئتنا أستاذًا في صف الكفاءة في ثانوية جودت الهاشمي، ذهبتُ إلى والدي وقلتُ له: ذهَب أستاذ اللغة العربية وجاءنا أستاذ جديد، قال: من الذي جاءَكم؟ قلت له: اسمه محمد البزم، قال لي: يا مازن، أخْبِر زملاءَكَ أنَّ هذا عالِم؛ فحاولوا أن تستفيدوا منه ما استطعتُم، قال لي: أهكذا قال أبوك؟ قلت له: إي والله يا أستاذ، قال لي: هل تعلم ما كان بيني وبين أخيك؟ قلت له: أعلم أنَّك اعترضتَ على إحدى اللجان التي كان فيها ثلاثة أساتذة عادوا حديثًا من فرنسا، فجعلوهم مُفتِّشين، أو أساتذة للغة العربية، ووضَعوا اسْمك معهم، فرفَضتَ، وعدَدتَهم شُبانًا ناشئين، فاستجابَت الوزارة بحذف اثنين منهم، وأبْقَت أخي معك، فوافَقْتَ، هذا الذي أعْرِفه، قال: أنا أشكرك على ما كتبتَ، ولكني ما كنتُ أنتظر الوفاء من أحدٍ من هذه الأمة، وخصوصًا من هذه العائلة، قلت له يا أستاذ: هل جئتَ بي لتشكرني أو لتشتمني؟ فضَحِك وقال: لا تثريبَ عليك، ماذا تدرس؟ قلت له: أدرس في كلية الآداب، وسأتخصَّص في النحو، قال: إذا شئتَ أن تقرأ عليّ كتاب المغني، فإنك تستطيع أن تبدأ ذلك من الغد، قلت له: والله هذا شرف عظيم، وفُرصه سأغتنمُها، لكن اسمح لي أن أتأخَّر شهرًا؛ حتى أنتهيَ من امتحانات الإجازة - وكنت في السنة الرابعة في كلية الآداب، وأنا أُريد أن أنتهي من الكلية - قال: حسنًا، اتصل بعد الإجازة، وحين سألتُ بعد الإجازة، قالوا لي: إن الرئيس الشيشكلي نقَله حين سَمِع بمرضه إلى المستشفى العسكري، وبَقِي فيه إلى أن توفِّي - رحمة الله عليه.



وأذكر أنه حدَّثني في تلك الجلسة عن كتابه "في الجحيم" الذي ما زال ضائعًا إلى اليوم، ما خرَج إلى النور، ولا نعلم أين بَقِي.



2- الأستاذ علي الطنطاوي:

د. المبارك:

عرَفته منذ كنتُ صغيرًا جدًّا، كان يزورنا مع أنور العطار الشاعر الشامي المعروف، وكان يجلسان طويلاً عند والدي، واستمرَّت صِلتي به إلى قبل وفاته بسنة أو سنتين، حيث زُرته في المملكة السعودية، وسَهِرت عنده سهرة طويلة، ذكَّرته فيها بأيام طفولتي وأيام شبابه - عليه رحمة الله - وما رأيتُ أشدَّ عصبيَّة منه، ولا أكثر ذكاءً، ولا أوسع ثقافةً، كان رجلاً عجيبًا في فِطنته وذكائه، ووفائه وأدبه - رحمة الله عليه - وهذا يحتاج إلى كتابٍ كالكتاب الذي أخرَجته عن أستاذي سعيد الأفغاني.


3- الأستاذ عز الدين التنوخي:

د. المبارك:

عز الدين التنوخي كان يَلفت نظري في ارتجاله الشعرَ وفي كلِّ مناسبة، ولو كنتُ واعيًا في تلك الأيام التي كان يَحضر فيها عند والدي أحيانًا، وفي بيت الأستاذ الشيخ بهجت البيطار، وأحيانًا عندنا في البيت، وأحيانًا في مجمع اللغة العربية، وكان اسمه المجمع العلمي العربي - لو كنتُ واعيًا لتلك الجلسات التي حضَرتُ فيها مع والدي، لسَجَّلت له أشعارًا رائعة، ثم حظيتُ به أستاذًا للبلاغة في كلية الآداب، درَّسنا تهذيبَ الإيضاح بأجزائه الثلاثة، وكان من أصفى الناس قلبًا، لا يَحقد على إنسان، ورافقتُه في رحلة إلى تركيا أيام الرئيس حسني الزعيم؛ إذ أحبَّ أن يقرِّب المسافة بين السوريين والأتراك، فألْغَى مخافر الحدود، وجلَب ضُبَّاطًا أتراكًا؛ لتدريب الجيش السوري، وطلَب إلى جامعة دمشق أن تُرسل بعثة إلى تركيا، فاختارَت عشرين طالبًا، كنتُ واحدًا منهم، وكان على رأس هذه البعثة الأستاذ عز الدين التنوخي، ورافَقنا فيها الأستاذ سعيد الأفغاني، والدكتور عبدالكريم اليافي.



4- الدكتور طه حسين:

د. المبارك:

الدكتور طه حسين بَقِيت على صِلة به مدة سنتين تقريبًا، وفي إحدى السنتين كنتُ أحضر عليه أسبوعيًّا حين كان يدرِّس طلاب الدراسات العليا، وكنت أنا الذي أقرأ في الكتاب الذي يُحضِره إلى القاعة، وهو الذي يَشرح ما أقرأ، يُعطيني مرافِقُه - وكان اسمه الدكتور فريد شحاتة - كان يُعطيني الكتاب، ويُعَيِّن لي المكان وأنا أقرأ سطرين، أو ثلاثة أسطر؛ حتى يدق الدكتور على المِنصة، فأسْكُت، فيَشرح، وإذا انتهى شرحًا، يقول: تابِع، كان يَعرفني من صوتي، فبمجرَّد أن أتحدَّث إليه، أو أُلقي السلام عليه، يقول مَن؟ الطالب الشامي.



وكان من أجمل الناس أسلوبًا، ومن أجمل الناس موسيقا كلامٍ، ومن أكثر الناس حفظًا، يُلقي المحاضرة ساعة، وأحيانًا ساعة ونصف الساعة، وأحيانًا ساعتين، يَستريح بينهم خمسَ دقائق، لا يَتلجْلج، ولا يتردَّد، ولا يقف عند استشهاد بيت من أبيات الشعر من أيِّ عصر من العصور، لَم أعثُر له على لحنٍ واحد؛ يعني: كنا نتلذَّذ بأسلوبه والاستماع إليه، وفي مقابل ذلك كان شديد الجبر؛ يعني: إذا استشعَر أنَّ سؤالك له فيه شيء من الاعتراض أو التردُّد في قَبول ما يُلقيه، فالويل لك، وقد حدَث بيني وبينه شيءٌ من هذا القبيل، حين تعرَّض للمنفلوطي وللرافعي، وهاجَم الرافعي هجومًا شنيعًا، ومدَح المنفلوطي، فقَلَبتُ أنا الآية بأسلوب سؤال، وقلت له: عفوًا دكتور، أتعني أنَّ الذي أخَذ عن الغرب وفَهِم ما أخَذ، وتمثَّل ما أخَذ، وأفْهَم ما فَهِم... إلى آخره، هو الرافعي، وأنَّ الذي لَم يَفهم هو المنفلوطي؟ فضَحِك وأضْحَك الناس عليّ، وقال: أهكذا فَهِمت؟ قلت له: نعم، قال: من أين؟ قلت: مما قرأتُ، وبدَأ يُحاورني إلى أن غَضِب حين شَعَر بأنني أُناصر الرافعي، وكأنَّ الرافعي انتصَب من قبره أمامه، وقطَع الدرس، وقال: أتحدَّاك وأتحدَّى مَن تُبَلِّغه، وأتحدَّى مَن يسمع هذا الكلام، وكان المدرَّج مُمتلئًا؛ إذ كانت الأساتذة تَحضر معنا، مع أن عددَنا - معشر طلاب الدراسات العليا - كان قليلاً، فتحدَّى الجميع أن يُلخِّصوا له كتابًا واحدًا من آثار الرافعي، قلت له: حاضر، قال: موعدنا الأربعاء القادم - لأنَّ درْسَه كان كلَّ أربعاء - لَخِّص لي: "أوراق الورد"، أو "رسائل الأحزان"، قلت له: عفوًا يا دكتور، هذه رسائل وجدانيَّة لا تُلَخَّص، ولكني أُلَخِّص لك "تحت راية القرآن"، فقال: لَخِّص ما شئتَ، ثم ضرَب على المِنصَّة، ونَهَض وخرَج من القاعة، فلَحقني الطلاب، وبشَّروني بأني سأكون خارج الجامعة، وسأرجع إلى بلدي عن قريب، ولا يُمكن لي أن أُتابع الدراسة؛ لأنني ورَّطت نفسي، ولَم يكن قد مضى على وجودي في مصر شهر؛ يعني: أني لا أعرف كلَّ هذا الجو - وكان هذا سنة 1955 - فأسْرَعت إليه في رئاسة القسم؛ حيث يجلس يشرب القهوة بين الدَّرسين، قلت له: السلام عليكم، فلم يَرُد، بل قال: مَن؟ الطالب الشامي، قلت له: نعم، أنا يا دكتور، جِئت أسأل ولَم أقِف لأعترض، أنا تلميذكم قبل أن أصِلَ إلى مصر، أنا قرأتُ كلَّ ما كتَب الدكتور طه حسين قبل أن آتي إلى مصر، وأنا الآن جئتُ لأَسْتَزيد، ولَم أجِئ لأردَّ ما قرأتُ؛ ولذلك فأنا أعتذِر عن محاضرة الأسبوع القادم، وأرجو أن ننسى ما حصَل، وأن كذا وأن كذا، قال: لا بأْسَ، لك ما شِئتَ، قلت له: السلام عليكم، فلم يَرد، ووقَع في المحظور زميل مصري اسمه عبدالمحسن طه بدر، فلخَّص رسالة ليستْ للرافعي، وإنما في موضوع آخر، لا علاقة له بالرافعي، ومع ذلك فقد كنَّا في دَرْس الأربعاء نَضحك في أثناء إلقائه؛ لكثرة ما كان يُعَلِّق الدكتور طه من تعليقاتٍ مُضحكة.



وفي إحدى المرات سألَني: ماذا تَدرس؟ قلتُ له: أدرس النحو، قال: هل اطَّلعت على إحياء النحو؟ - وهو كتاب لإبراهيم مصطفى - قلت له: إذا سَمَح أستاذنا أقول له رأيي فيما جاء في مقدمة الكتاب - والذي كتَب المقدمة هو طه حسين طبعًا - فقد بالَغ الكاتب جدًّا في إصراره على تسمية الكتاب إحياء النحو، والكتاب جيِّد ولكنه ليس إحياءً، ولو اطَّلع صاحبه على كتاب الإيضاح في عِلل النحو للزجاجي، لوجَد غير ذلك، طبعًا أنا كنتُ قد بدأتُ بدراسة الإيضاح - وهو موضوع دراستي للماجستير - فقال لي الدكتور طه - رحمة الله عليه -: والله يا بُني، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لترَكتُ كثيرًا مما كتَبتُ، ولبدَأتُ بكتابة النحو من الصفر.



5- الأستاذ محمود محمد شاكر:

د. المبارك:

هي كلمة واحدة: ما وجَدت في حياتي رجلاً بعد والدي دخَلت اللغة دَمَه، وفَهِم أسرارها وأسرار التعبير فيها، وفَهِم نصوصَها كما يُريد أصحابُها، مثل محمود شاكر، كانت لنا حلقة نحرص عليها، يَحضرها أحيانًا الدكتور نصر الدين الأسد، ويَحضرها الأستاذ فرحان الفرحان، والدكتور يعقوب الغنيم، والدكتور خالد جمعة، والأستاذ راتب النفاخ، درَسنا عليه بعض قصائد المفضَّليات، فكنا كمَن يَسبح فوق الماء، وكان هو الغوَّاص الذي يُعطينا ما كنا لا نُدركه إلاَّ بسباحته هو وبغَوْصه، واستمرَّت صِلتي به وصِلته بي، وكان يَزورني في دمشق وفي الدوحة، وزارَني في "دُبَي" حين أرسلتُ له دعوة فاعْتَذَر، فقلت له: لا بد أن تأتي، قال لي: أنت في "دُبَي"، قلت له: نعم، قال: أنا سأذهب إلى الكويت، قلت له: متى وصَلت إلى الكويت؟ خَبِّرني كي نَستقبلك بعدها، واستقبلناه بدعوة من السيد جمعة الماجد، وبَقِي عندنا أسبوعًا، زار الكلية وزار المركز الثقافي، وكان في غاية السرور، وكان في تلك الفترة على كرسي، رافَقته ابنته الآنسة "زلفى"، وتمتَّعنا معه أسبوعًا لا ننساه.



6- الدكتور شوقي ضيف رئيس مجمع القاهرة:

د. المبارك:

شوقي ضيف كتبتُ عنه مقالاً طويلاً في الكتاب الذي أصدَروه بمناسبة ذكراه السبعين، بعنوان: رحلتي النحويَّة مع أستاذي الكبير شوقي ضيف، كتبتُ كلَّ ما أعرفه عن دماثته وخُلقه وتواضُعه؛ يعني: أنا أحمد الله أنني في مصر، لَقِيت أُناسًا تعلَّمت منهم الأخلاق والأدب، كما تعلَّمت العلم، مثل: الدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبدالحليم النجار، والشيخ علي النجار، ومصطفى السقا، وهؤلاء والله تعلَّمت منهم الأدب والخُلق، قبل أن أتعلَّم العلم.



7- الدكتور أمجد الطرابلسي:

د. المبارك:

الدكتور أمجد الطرابلسي كان الأستاذ الذي أثبَت لنا في بواكير حياتنا أنَّ الفصحى يُمكن أن تكون لغة الدرس، ولغة الحديث اليومي، كان لا يتحدَّث إلينا إلاَّ بلُغة ذات مخارج وصفات معيَّنة، وهذه صفة لُغته المتميزة، وكان يحدِّثنا بما لا يستطيع المعلمون اليوم أن يُحَدِّثوا بمثله: طلاقة لسان، وحلاوة تراكيب، ومن هنا أدَركت فيما بعد قضيَّةً لا أدري إن كان الناس يعرفونها، حين كنتُ طالبًا في الإعدادي والثانوي، وكان الأستاذ البزم يحضر المناسبات الوطنية والقومية والدينيَّة، ويُكلَّف بإلقاء قصائدَ ما سَمِعت الأستاذ البزم يُلقي في حياتي غير مرَّة واحدة، وأمَّا بقيَّة المرَّات كلها، فكان يُناديني قائلاً: خُذ هذه القصيدة، وقل لأمجد أنْ يَقرأها عني، فأَذْهب إلى الأستاذ، وكان أستاذًا معه في التجهيز، فأذهب إلى الأستاذ أمجد، وأقول له: يقول لك الأستاذ البزم أن تُلقي هذه القصيدة عِوَضًا عنه، فكان يخرج إلى المنبر، ويُلقي القصيدة في أكثر من عيد، وفي أكثر من مناسبة، لا يُكلِّف غير أمجد الطرابلسي بقراءة شعره، وكنت أقول في نفسي: لأنه يحبُّه، أو لأنه صديقه، لكن حين أصبحتُ تلميذًا في الكلية لأمجد الطرابلسي، وكنتُ أسمع هذه اللغة، عرَفت لماذا كان الأستاذ يختاره لقراءة شعره.



8- الأستاذ الكبير الأستاذ سعيد الأفغاني:

وقد كتبتُم عنه كتابكم المعروف، ولكن أريد خلاصة رأيكم في الرجل.



د. المبارك:

الأستاذ الأفغاني لَم يترك له تمسُّكه بالحق صاحبًا؛ لذلك بعد أن خرَج على المعاش، قلَّ مَن ذهَب إلى بيته أو زارَه.



د. الطيان:

لقد لاحَظْت ذلك يا سيِّدي، وكان من فضْل الله عليّ أني كنتُ أزوره بين الفَيْنة والأخرى مع الأستاذ يوسف الصيداوي.



د. المبارك:

يوسف الصيداوي كان من أَوْفَى الناس بالأستاذ الأفغاني، أنا كنتُ أزوره باستمرار حين نكون في دمشق، وكان كثيرًا ما يتَّصل عليّ ويقول لي: لا تأتِ يا مازن، أنا أُريد أن آتي، فيأتي إلى بيتي، زارني مرارًا في هذه القاعة وفي الصالون، وفي آخر عُمره كنتُ أستأذن منه وأستقْبِله في الطابق الأرضي عند أهلي؛ حتى لا أكلِّفه صعود الدَّرج - رحمة الله عليه، ما كان أصلبَ الرأي عنده، وما كان أصعبَ إقناعه بأمر من الأمور لا يُريدها!



وآخر ما صدَر له كتاب أُوصي بقراءته؛ لأنه يجلو أشياء كثيرة من آرائه، لَم تكن مكتوبة لا في كُتبه ولا في دروسه، كتاب صدَر، كُلِّفت مروة بنت الأستاذ حسن إسماعيل بمراجعته، أصْدَرته دار البشائر منذ ثلاثة أيام، اسمه: "عصارة فكر وتجربة حياة"، وهو مجموع مقالات سعيد الأفغاني التي نُشِرت في العراق والسعودية، والمغرب ومصر وسوريا؛ يعني: حاوَلنا جَمْع ما أمْكَن جَمْعه في كتاب ضخمٍ وجيِّدٍ وجميل.



د. الطيان:

أذكر أني قرأتُ بعضًا من مقالات الأستاذ سعيد الأفغاني، فراعني رُقيُّ الأسلوب الذي يكتب به، دَعْ عنك عِلْمه وتخصُّصه.



د. المبارك:

ستجد في هذا الكتاب التنوُّع؛ يعني: مقالات اجتماعيَّة، مقالات تاريخيَّة، مقالات لُغوية، مقالات نَحْويَّة، ردود على فلان، شكر لفلان؛ يعني: هو كتاب ضخم جدًّا، ومبوَّب بحسب الموضوعات؛ ولذلك أنا أُوصي بقراءته.

عبدالله بنعلي 11-04-2016 05:00 PM

يتبع :
د. الطيان:

حين أعْدَدت سؤالي هذا، لَم أكن أتوقَّع أن أحظى بهذا التدفُّق وهذه المعلومات المهمَّة، وأنا أرى أن ما تفضَّلتم به يَصلح أن يكون نواة لكتاب يُعرض لِمَن عرَفتم من الأعلام، ففي ذلك خيرٌ كثير.



د. المبارك:

أدرَكت في مصر أناسًا كثيرين، بعض زملائي المصريين لا يعرفونهم، مثل الأستاذ حسن الزيَّات، والأستاذ عباس محمود العقاد، فأنا جلستُ إليهم، وقد زُرتُ إبراهيم مصطفى صاحب إحياء النحو أكثر من مرة، أمَّا الأستاذ أحمد حسن الزيات، فالفضل في معرفته يعود إلى أستاذي الأفغاني الذي أرسَل إليه رسالة معي، فزُرته وسلَّمتُه الرسالة، وتعرَّف عليّ، وطلَب إليّ ألاَّ أنقطعَ عن زيارته، وأمَّا الأستاذ العقاد، فكان أخي الأستاذ محمد المبارك يَزوره كلَّما جاء إلى القاهرة، فكنتُ أُرافقه، ثم أصبحتْ عادةً لي أن أزورَه، ولو لَم يكن أخي موجودًا؛ لأنه عرَفني، وهكذا سَمَحت لي الظروف أن أتعرَّف إلى كلِّ هؤلاء، فكنتُ في غاية السرور.



واللهِ ما زِلت أذكر حين دخَلت إلى الصالون في بيت الأستاذ أحمد حسن الزيات، ودخَل هو للسلام والاستقبال، كأنني أرى أمامي افتتاحيَّة من افتتاحيَّاته التي يَكتبها في مجلة الرسالة بإشراقها وضيائها، أنت تعرف أسلوبه، كنَّا نقرَأ مقالته، فلا يَهمُّنا ما فيها من فكرٍ بقدر ما تُعجبنا إشراقها وجمال أسلوبها، يدخل الرجل بالقميص الأبيض الناصع، والبذلة الكُحليَّة الغامقة، مع الربطة الحمراء أو الزرقاء المناسبة، والطربوش على رأسه - وهو في بيته - وبحذاء يَلمع كالمرآة في غاية الأناقة، والله هذه قطعة من البيان، لوحة تصويريَّة تتراءَى لي - وهو يتحدَّث - بين منظره وبين المقال، ثم النظارة التي يَختارها؛ لتغطي حواجبه العِرَاض، كنت أُحلِّل كلَّ ذلك قبل أن أعتادَ أساليب التحليل الأدبي.



د. الطيان:

يعني تحقَّقت المقولة التي تقول: الأسلوب هو الرجل.



د. المبارك:

كذلك إذا انتقَلت إلى أسلوب العقاد، تجده إنسانًا لا يهتمُّ بالمظهر، طاولة خشبية متواضعة جدًّا، جدًّا، جدًّا، يستقبلني أحيانًا بالبيجامة، وقد لفَّ على عُنقه شالاً من الصوف، سميكًا كُحْلِي اللون، لا يرفعه لا أدري لماذا؟ يَلفه حول عُنقه، ويترك نصفه على صَدْره، ونصفه الآخر على ظهره، ثم يجلس بنظَّارته، ويُلقي عليك الكلام، وكأنه قائد عسكري يُعطيك أوامر تكليف؛ لتشعر أنَّك لستَ في موضع تستطيع أن تسألَ أو تعترض، بل هو يُقرِّر شيئًا عليك أن تَقبله، كلُّ ذلك بكلام موجَز، لا تستطيع أن تحذفَ منه شيئًا؛ إذ لا فضول في كلامه، على نقيض الدكتور طه حسين؛ إذ تستطيع أن تحذفَ نصف الكلام دون أن يتغيَّر المعنى، ويبدو أن العاهة ذات أثر في هذا، فهو يُكرِّر لتفهم، بينما جُمَل الأستاذ العقاد - رحمه الله - موجزة شديدة، يُلقيها بعنفٍ، وقد كنتُ أحتال في توجيه بعض ما أعْدَدت من أسئلة، دون أن أوَجِّهها مباشرة؛ خشية أن أقعَ معه فيما وقَعت مع طه حسين؛ كيلا يظنَّ أنني أعترض على رأْيٍ من آرائه؛ إذ كنتُ أتحاشى ذلك جدًّا.



د. الطيان:

9- الأستاذ أحمد راتب النفاخ:

د. المبارك:

عليه رحمة الله، والله فيه مُشابهة في الأخلاق بينه وبين الأستاذ محمود شاكر - عليه رحمة الله - يعني أنا عرَفت الأستاذ راتب؛ لأنه كان قد تقدَّمنا بسنة، فأنا دخلتُ كلية الآداب ولَم يكن فيها سنة رابعة، كان أعلى شيء فيها السنة الثالثة؛ لأنها كانت حديثة التأسيس، أُسِّست سنة 1946، وأنا دخَلت 1948، فكان أعلى الطلاب يمثِّلهم الدكتور صالح الأشتر وهو في السنة الثالثة، وكان في السنة الثانية راتب النفاخ، وعزت حسن، وهذه الطبقة، وكنا في السنة الأولى مازن المبارك، وعبدالكريم الأشتر، وعاصم البيطار؛ يعني: الأستاذ راتب يَسبقني بسنة؛ ولذلك تخرَّج قبلي بسنة، ودرَّس في "درعا"، ثم عُيِّن معيدًا، وأُوفِد بعدي بسنة أو سنتين إلى القاهرة، وكنت على صِلة به منذ كان طالبًا، ثم معيدًا، ثم موفدًا، ورافَقته في القاهرة، ثم كان صديقًا كأحسن ما يكون الصديق، وهو الذي أخَذني إلى محمود شاكر، بَقِيت سنة في مصر لَم أزُر الأستاذ محمود شاكر، ولا عرَفته، وكان الأخ راتب يطلب إلي مرارًا أن أُرافقه في زيارته، إلى أنْ أجبَرني إجبارًا، فذهَبت معه، وكان اللقاء الأول، واستمرَّت الصِّلة.



والحق أنَّ الرجل كان على درجة من العلم لا يحتاج فيها إلى شهادة مني أو من أمثالي، وكثيرًا ما كان بعض الطلاب يسألونني عن تفسير بعض الأبيات، أو القضايا المتَّصلة بالأدب القديم، وكانت ساعة الأستاذ راتب بعد ساعتي، وكان أحيانًا يُجافيني، فكان الطلاب يسألونني عن بعض الأسئلة، فأُجيبهم عما يتَّصل بالنحو وأقول لهم: هذا السؤال الثاني أتركه لزميلي فلان، فهو أعلم به مني.



د. الطيان:

ما شاء الله، جزاكم الله كلَّ خير، هذه شهادة وموقف لا يستطيع مثلي أن يُقيمه، ولكنَّه والله في غاية الروعة، وفي غاية النُّبل، وفي غاية الإنصاف.



10- الدكتور شاكر الفحام:

د. المبارك:

الدكتور شاكر الفحام يا سيِّدي، عرَفته من عام 1952، اشترَكنا في تصحيح الثانوية "البكالوريا"، وأنا شارَكت في تصحيح الثانوية قبل زُملائي بسنة كاملة؛ لأنني كنت الناجح الأوَّل، فكرَّمتني الوزارة - وزارة المعارف، لَم يكن ثَمَّة تعليم عالٍ - ودَعَتني إلى التصحيح، مع أني لَم أكن أستاذًا، بل كنتُ طالبًا متخرِّجًا، ففي تلك السنة كان الأستاذ شاكر الفحام وإحسان النص، وصبري الأشتر وأمثالهم، ما زالوا أساتذة.



حين كنتُ في مصر، أُوفِد قسمٌ منهم عن طريق الاختيار - اختارتْه الوزارة - وقسم عن طريق المسابقة، فجاء إلى مصر الدكتور عبدالكريم الأشتر، والدكتورة عزيزة مريدن، والدكتور عمر الدقاق، والدكتور محمد خير فارس، والدكتور إحسان النص، والدكتور صبري الأشتر، والدكتور شاكر الفحام.



د. الطيان:

المعروف أن د. شاكر درَس الدراسة الجامعيَّة العادية هناك.



د. المبارك:

لَم يكن في سوريا أحدٌ ممن حازُوا شهادة ماجستير ودكتوراه من مصر قبل مازن مبارك؛ لأن الذين أخَذوا قبلي درَسوا أصلاً في مصر، أعني: في الجامعة؛ إذ لَم يكن عندنا جامعة، فزكي المحاسني، وشكري فيصل، وشاكر الفحام، وأنور الرفاعي، هؤلاء درَسوا في مصر؛ لأنه لَم يكن عندنا جامعة، درَسوا بعد البكالوريا، أمَّا أنا فكنتُ أوَّل طالب سوري يحمل الإجازة - يعني البكالوريوس على لَهْجتهم - لذلك حين ذهبْتُ إلى مصر صدَر قرار قَبولي في السنة الثانية من كلية الآداب، ولَمَّا ذهَبت إلى العميد لأحتجَّ، قال لي: وضعناك مع فلان وفلان من حَمَلَة دار المعلِّمين؛ لأنك تَحمل الإجازة، قلت له: هؤلاء طُلاَّبي، أنا الذين أعطيتُهم شهادة دار المُعلِّمين، أما أنا فمعي إجازة بعد دراسة أربع سنوات، قال: أين الشهادة؟ فأبرَزت له الشهادة، والله فخاطَبني بالفرنسية:

VOUS AVEZ QUATRE SERTAFIKA?



قلت له: نعم، معي أربع سرتفيكات؛ لأنه كان عندنا نظام الشهادات مجموعها يساوي الإجازة، قال لي: ماذا تعني الإجازة؟ قلت له: تعني البكالوريوس أو الليسانس، قال: أنتم السوريين، تُعربون وتَضعون ما شئتُم من المصطلحات وحْدكم، دون أن تُعلمونا بها، وما أدْرَانا أنَّ الإجازة تعني الليسانس؟ خُذ يا بُني، قدِّم لي ظُلامة؛ لأعدِّل لك القرار، وفعلاً جلستُ عنده، وقدَّمت ظُلامة، وبعد ثلاثة أيام عُدِّل القرار، فقُبِلت في الماجستير، فأنا أوَّل سوري يحمل إجازة سوريَّة، ويُقبَل في الجامعة المصرية، ويُتابع الدراسات العليا، أمَّا الذين سبقوني من السوريين، فدراساتهم الجامعيَّة الأصليَّة كانت هناك.



د. الطيان:

يقول الرافعي - رحمه الله -: "ما ذَلَّتْ لُغة شعبٍ إلاَّ ذلَّ، ولا انحطَّت إلاَّ كان أمرُه إلى ذَهاب وإدبار".

كيف تَرون أثر العربية في واقعنا؟ وما مقدار تحقُّق مقولة الرافعي - رحمه الله - اليوم في أُمَّتنا وفي لُغتنا؟



د. المبارك:

والله أنا أرى كلام الأستاذ الرافعي - عليه رحمة الله - صحيحًا، وأرى عكسه صحيحًا أيضًا؛ يعني: ما ذلَّت لغة قوم، إلاَّ ذلُّوا، وأرى أنه ما ذلَّ قوم إلاَّ ذلَّت لُغتهم؛ كما هي حالنا اليوم، فالمعادلة طرديَّة؛ تقوى الأُمَّة، فتَقْوى لُغتها، وتقوى اللغة، فتقوى الأُمَّة؛ لأن اللغة تُعلِّم أبناءها المُروءة، وتُعلِّمهم الأخلاق، وتُقَوِّي الشخصية، وتَبني الفكر، هذه المعاني الآن غائبة عن كثيرٍ من المُثقَّفين، يظنون موضوع اللغة وتمسُّكنا بالفصحى عبارة عن تعصُّب لا لزومَ له، وأنَّ العلم يُمكن أن يكون بأيِّ لُغة، على حين أنَّ الأُمَّة التي تتقدَّم عِلميًّا تتقدَّم لُغتها، وحين تتقدَّم لُغتها تتقدَّم، فهناك معادلة طرديَّة بين اللغة وبين الأُمة، فنحن يمكن أن نُعزَّ بإعزاز اللغة، ويمكن أن تُعز اللغة بإعزازنا، والتاريخ أكبر دليلٍ على ذلك، حين نرى اللغات الأوروبيَّة الحيَّة، ونرى اللغة العربية متى كان عِزُّها؟ أين كان العرب حين كانت العربية عزيزة؟ كيف كان الحكم العربي حين كانت العربية؟ كيف كان العلم العربي الذي نُقِل عن طريق إسبانيا وعن طريق صقلِّية إلى أوروبا؟ وكيف كان العالَم يَخضع للعرب حضاريًّا وسياسيًّا ولُغويًّا؟ ثم انسَحب العرب، وأفَلَت شمسُهم، فانحصَر ظلُّ لُغتهم، وما زِلنا نتراجَع، أو نقف على الأقل، ونحن حين نقف ويتقدَّم غيرنا، فمعنى ذلك أننا تأخَّرنا؛ ولذلك فكلام الرافعي صحيح، نحن عِزُّنا بلُغتنا، وعِزُّ لُغتنا بنا، وأعتقد أنه لولا بقايا الإسلام والتمسُّك بالقرآن، لكنا تأخَّرنا، وتأخَّرت لُغتنا أكثر من ذلك بكثير.



د. الطيان:

تصديقًا لِمَا تتفضَّلون به، زارني في مكتبي بالجامعة دكتور أمريكي يَرطن بالعربية، وعندما اعْتَذَرت منه عن عدم تمكُّني من مخاطبته بالإنجليزية، قال لي: وما الإنجليزية؟ إنها مجرَّد لُغة لِصَّة - أي والله هكذا قال - تَسرِق من هنا وهناك.



فالحقُّ أنها عزَّت بقوَّتهم وتمكُّنهم وتفوُّقهم، ولكن ما السبيل إلى تغيير واقعنا اللغوي الذي نعيشه؟ وكيف لنا أن نرقى بلُغتنا؟



د. المبارك:

لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والله أنا الآن أُفضِّل أن نوجِّه بعض الجهود إلى إحياء الوعي اللغوي، لا إلى إحياء اللغة نفسها؛ لأنني أرى العاميَّة التي تَطغى في الإعلام وفي الحياة اليوميَّة، وأرى أن ما يُدعى بالمعركة بين الفصحى والعاميَّة، لا حاجة إليه، ولا لزومَ له، كلُّ ما هنالك أنَّ اللغة العامية لا تزول بقرار سياسي، اللغة بصورة عامَّة مِلك الناس، وليست ملك الحاكم، ومن الصعب أن يَصدر قرار فيغيِّر لغة؛ لأن ذلك يحتاج إلى زمنٍ، أهم شيء أن يحبَّ العاميُّ الذي يتحدَّث العامية اللغة الفصحى، وأن يتمنَّى أن يكون من أصحاب اللغة الفصحى، هذا الحب وحْده في هذه المرحلة يكفي، ويَكفيني أن يشعرَ العرب بالحبِّ نحو لُغتهم، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على حمايتها، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على استعمالها، يَستعملها مَن يستطيع منهم ذلك، لكنَّه يجد التشجيع، ويجد الاحترام، ويجد الإمكان المفتوح له، أمَّا أن نجدَ الصدود والمقاومة من المستغربين العرب، فهذا من أعجب العجب! يعني نحن الآن نجد صدودًا، ونجد مقاومة من كثير من الناس، وهذا بلا شكٍّ لا أعتقد أنه عن سوء نيَّة، بقَدْر ما هو عن جهلٍ، فإذا استطَعنا أن نُحبِّبهم في اللغة العربية، وأن نرغِّبهم فيها وفي أدبها، فقد أفْلَحنا.



يا أخي، إن مثل هؤلاء كالمؤمن الذي يرتكب المعصية، لكنه يعلم أنه لا يَرتكبها مكابرةً لله، ولا تحدِّيًا لله، وإنما يرتكبها؛ لأن نفسه ضَعُفَت، ويتمنَّى ألاَّ يرتكبَها، أنا أريد الآن أن يكون هناك وعي لغوي كالوعي الديني، العامي لا يعرف أصول الفقه، ولا يعرف أحكام الفقه، ومع ذلك لا يرضى أن يشتمَ الدين، ولا يرضى أن يترك الدين، كذلك لو أننا ننشر الوعي الشعبي عند الناس؛ ليُصبح اللحام والبقال والحلاق، يحترمون العربية ويحبون العربية، ويَزدرون المثقَّف الذي لا يحترم العربية، أنا هذا الآن يَكفيني.



د. الطيان:

صدقتُم وقد وجدت فعلاً - في نَشْر ما يسمَّى بجماليات العربية من أفانين الشعر والنثر والطرائف - أكبر الأثر في تحبيب العربية إلى نفوس الناس.



د. المبارك:

هذا طريق ممتاز، ويجب أن يُجمعَ هذا ويُنشر.



د. الطيان:

ينحو بعض الناس وبعض الصحفيين باللائمة على المجامع، ويتَّهمونها بالتقصير في أداء رسالتها، فأين هي من هذه اللغة؟ ماذا فعلتْ من أجلها؟ وما السبيل إلى أن يكون تأثيرها أبلغَ وأوسعَ وأعظم؟



د. المبارك:

والله يا سيدي، نحن لا نُنكر أنَّ المجامع مُقصِّرة، وأن مَجمعنا مُقصِّرٌ، ورسالة المجمع أصبَحت واسعة جدًّا، وبعض الناس الذين يتَّهمونه بالتقصير، يرون ظاهر الأمر دون باطنه، وهذا أيضًا يعود لتقصير المجمع، فمَجمعنا عُمره كذا سنة، ومع ذلك لَم يمضِ على تأسيس مكتب إعلامي فيه سنة واحدة؛ أي: إنَّ ما يحدث في المَجمع لا يَعلم به إلاَّ الذي يعيش داخل المجمع، فالآن فيه ما لا يقلُّ عن اثنتي عشرة لجنة، فيه لجنة فيزياء، وكيمياء، ونبات، وحضارة، وحياة يومية، وكلُّ لجنة وضَعت مئات المصطلحات بعد دراسة وتمحيصٍ، وهذه المصطلحات لَم يَدْرِ بها أحد إلى الآن؛ لأن عندنا رتابة؛ أي: روتين، فهي يجب أن تُعرض على اللجنة، ثم على مجلس المجمع، ثم على المؤتمر السنوي الذي يَحضره أعضاء مجامع اللغة العربية؛ ليناقشوها ويُقِرُّوها، وبعد ذلك تُطبع على شكل مشروع؛ لأخْذ آراء الذين يَطلِعون عليه، ثم يُطبع نهائيًّا، وهذا يحتاج إلى سنة أخرى.



لقد أنْجَز قسم كبير من معجم الفيزياء أو المعجم كله، وكذلك ألفاظ الحضارة، لكن هذا لا يكفي، كذلك لجنة الأصول واللغة العربية تأتيها رسائل وفتاوى، فتُجيب عنها وتَصدر كلمات كثيرة ومصطلحات كثيرة، وتُفصح من العامية ألفاظًا كثيرة، لكنَّها تنتظر حتى تعرض على المَجمع، ثم تعرض على المؤتمر السنوي، ثم تُنشر، وعمَّا قريب أعتقد أن مَجمع دمشق سينشر مجموعة كبيرة من هذه الكتب التي تتضمَّن مثل هذه المصطلحات.



لكن بصورة عامة، فاللغة ليست من الأمور التي يُمكن إصلاحها بين عشيَّة وضحاها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالمجمع وحْده لا يكفي، أنا أحبُّ أن تكون الجماهير مُلتفَّة حول المجمع؛ يعني: مثلاً أنا حضرتُ في المجمع عشرين محاضرة، ما وجَدت عشرين واحدًا من أساتذة اللغة العربية الجامعيين يحضرون المحاضرات أين هم؟


د. الطيان:

فعلاً أنا أشعر بجفاء بين قسم اللغة العربية، وبين المجمع، لماذا؟



د. المبارك:

هذا بين المثقفين عامَّة، كمثال أنا حضرت المجمع القديم، ففي المجمع القديم لَم يكن هنالك جفوة، كان كثير من التُّجار والصناعيين يَحضرون محاضرات الشيخ عبدالقادر المبارك، والشيخ عبدالقادر المغربي، والأمير مصطفى الشهابي، وأمثال هؤلاء وأمثال كرد علي، وكان هذا يُشَجِّعهم أحيانًا على مدِّ يد العون إلى المجمع، فإمكاناته المادية قليلة جدًّا، أنا في اعتقادي أن المبنى الذي يقوم به المجمع الآن لا يَصلح للمجمع، نحن حتى الآن ليس عندنا قاعة مكتبة في المجمع، فإذا أرادَ عضو المجمع أن يَجلس في قاعة المكتبة ليراجع - كما كنتُ وأنا ابن عضو مجمع أدْخُل مكتبة المجمع، وأُراجع أيام كرد علي، وأيام الشهابي، وأيام حسني سبح، وأيام المجمع القديم - لَم يَجد قاعة يَركن إليها.



د. الطيان:

هل من كلمة ختامية لقُرَّاء المجلة، ولمُحبِّي العربية في كل مكان؟



د. المبارك:

والله أنا أوجِّه نحو حبِّ العربية، وتنشئة الأولاد على حبِّ العربية؛ فهي الرابطة إلى تاريخك العربي، وهي الجِسر إلى كتابك الديني، فلا قرآن بلا عربيَّة، ولا فَهم للإسلام بلا عربية، ولا اتصال بالعرب إلاَّ عن طريق العربيَّة، فسواء كنتَ قوميًّا، أو كنتَ إسلاميًّا، فلا بدَّ أن تكون العربية هي الرابط لك، ومتى ضاعَت، ضاع مستقبلنا، وأنا لستُ أُسرف في التفاؤل، ولكنني متفائل مع شيءٍ من الحذر، وضرورة البقاء في حالة وعي وفِطنة لِمَا يُكتب لهذه الأُمَّة وللُغتها، ولا أرى داعيًا للتشاؤم ولا القنوط؛ فالأُمة في حالة صحوة والحمد لله، والكثيرون يؤمنون أن المستقبل لهذه اللغة.



د. الطيان:

إن شاء الله بجهودكم وجهود أمثالكم، هذه الجهود التي ينبغي أن تُذكر فتُشكر، فجزاكم الله عنَّا وعن العربية خيرَ ما جزَى عالِمًا عن قومٍ، وأستاذًا عن تلامذته، وبارَك الله في حياتكم، ونفَع بكم، ومدَّكم بعونٍ منه - سبحانه، ولكم جزيل الشكر والتقدير يا شيخَنا، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz4P33V9YXR

عبدالله بنعلي 11-04-2016 05:05 PM

من صفحة بما حمل الجمل:
2006-07-06 08:45
الدكتور مازن المبارك عضواً جديداً في مجمع اللغة العربية بدمشق

أصدر الرئيس بشار الأسد المرسوم رقم 241 القاضي بتعيين الأستاذ الدكتور مازن عبد القادر المبارك عضواً في مجمع اللغة العربية.

جدير بالذكر أن د. مازن عبد القادر المبارك قد ولد عام 1930.وتلقى تعليمه في دمشق، وتخرج من جامعة القاهرة حاملاً الدكتوراه في علوم اللغة العربية، عمل مدرساً في جامعة دمشق وعدد من الجامعات العربية.

يعمل الآن رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.

عضو جمعية البحوث والدراسات.

مؤلفاته:
1- الزجاجي، حياته وآثاره ومذهبه النحوي- دمشق 1960- ط2 دار الفكر- دمشق 11984.

2- الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه- ط1- جامعة دمشق 1963. ط2- دار الكتاب اللبناني- بيروت 1972.

3- النحو العربي- ط1- دار الفكر- دمشق 1965. ط2- دار الفكر- بيروت 1971. ط3- دار الفكر- بيروت 1981.

4- النصوص اللغوية- ط1- دار الفكر- دمشق 1967. ط2- دار الفكر- دمشق.

5- الموجز في تاريخ البلاغة- ط1- دار الفكر- دمشق 1968. ط2- دار الفكر- دمشق 1980.

6- نحو وعي لغوي- ط1- مكتبة الفارابي- دمشق 1970. ط2- مؤسسة الرسالة- بيروت 1979.

7- اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي- مؤسسة الرسالة ودار النفائس- بيروت 1973.

ب- الكتب المحققة:
1- الإيضاح في علل النحو للزَّجاجي- ط1- دار العروبة- القاهرة 1959. ط2- دار النفائس- بيروت 1973.

2- مغني اللبيب لابن هشام (بالاشتراك)- ط1- دار الفكر- دمشق 1964. ط2- دار الفكر- بيروت 1969. ط3- دار الفكر- بيروت 1972. ط4- دار الفكر- بيروت. ط5- دار الفكر- بيروت 1979.

3- كتاب اللاّمات للزّجاجي- مجمع اللغة العربية- دمشق 1969. ط2- دار الفكر- دمشق 1985.

4- المباحث المرْضية المتعلقة بمن الشرطية لابن هشام- ابن كثير- دمشق 1987.

5- المقتضب لابن جني- ابن كثير- دمشق 1988.

6- الألفاظ المهموزة لابن جني- دار الفكر- دمشق 1988.

7- عقود الهمز لابن جني- دار الفكر- دمشق 1988.

قدَّم للعديد من المؤلفات والتحقيقات المنشورة منها:

1- أعيان العصر وأعوان النصر ، للصفدي.

2- إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، لابن طولون.

المصباح في النحو، للمطررزي.

عبدالله بنعلي 11-04-2016 05:09 PM

العلامة اللغوي النحوي الدكتور مازن المبارك

بقلم : د. محمد حسان الطيان

من موقع الشيخ محمد خير الطرشان :

((اللغة صفة الأمة في الفرد، وآية الانتساب إلى القوم.. فمن أضاع لغته؛ فَقَدَ نسبه، وأضاع تاريخه))... كلمات ذهبية يعبر بها الأديب اللغوي المبارك مازن المبارك عن حبه للغة العربية واعتزازه بها ورفعه لرايتها ودفاعه عنها أينما كانت..
الدكتور مازن عبد القادر المبارك.. الذي يكتب فيه الدكتور حسان الطيان هذه المقالة:
الدكتور مازن المبارك .. ومواسم الفرح..
لكي نعرف من هو.. أحببنا أن نكتب لكم إخوتي الكرام بضع سطور عن حياته تجدونها بعد أن تقرؤوا مقالة الدكتور حسان الطيان عنه..
إدارة التحرير في موقع رسالتي.نت


الدكتور مازن المبارك... ومواسم الفرح
بقلم: د. محمد حسان الطيان
منسق مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة
عضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق

يقترن الدكتور مازن المبارك في ذاكرتي بمواسم الفرح، فقد كنت ألقاه كلما عاد من مغتربه في دبي إلى دمشق أيام العيد وأيام الصيف, ثم صرت ألقاه كلما عدت من مغتربي في الكويت إلى دمشق أيام العيد وأيام الصيف، والحق أن الدكتور مازن كله فرح.. علمه يضفي على العقل الفرح، ومجلسه يسبغ على النفس الفرح، وأنسه يملأ القلب والمكان بالفرح، وإذا ما حضر مجلساً زانه بكلامه، وملأه بحضوره..
إن الكلام يزين رب المجلس
وإذا ضمته نزهة أو سيران كان مصدر الحبور ومنبع السرور ومجتلب المتعة ومحل الأنس.
وله حديث يجمع بين الفائدة والمتعة على نحو عجيب، فبينا تراه يدفع عن لغتنا ما لحق بها من أذى، ويذود عنها ذود الفارس الهصور، إذا هو يطرفك بأرق النوادر، ويسمعك أعذب الأحاديث والخواطر..إنه السحر الحلال الذي وصفه ابن الرومي بقوله:
وحديثها السـحرُ الحلالُ لو انَّهُ لم يجنِ قتلَ المسـلمِ المتحرِّزِ
إن طال لم يُمللْ وإن هي أوجزتْ ودَّ المحدّث أنهــا لمْ توجـزِ
شـركُ العقولِ وفتنـةٌ ما مثلها للمطمئنِّ وعقـلةُ المسـتوفزِ
وأنا أقسم غير حانث بإذن ربي أني ما جلست معه مجلساً إلا رجوت ألا ينقضي، ولا سمعته يتكلم مرة إلا وددت ألا يسكت، وما زرته يوماً أو زارني إلا تمنيت لو أن الزيارة طالت، أو أن أمدها امتد، وهو دائماً يذكرني بمقولة الشعبي في زياد بن أبيه: "ما رأيت أحداً يتكلم فيحسن إلا أحببت أن يسكت، إلا زياد بن أبيه فإنه لم يخرج قط من حسن إلا إلى ما هو أحسن منه".
كنا بصحبته يوماً في دعوة مشهودة من دعوات شيخنا الشيخ حسام الفرفور، وكان كالعهد به دوماً قِبلة الحضور ومهوى الأفئدة، ومضى الوقت سريعاً، حتى إذا ما حان منتصف الليل، تململ أستاذنا الدكتور مازن في مجلسه هامّاً بالاستئذان، فبادره الشيخ حسام قائلا: أين تمضي إن سهرتنا تبدأ عادة عند الساعة الثانية عشرة، فأجابه أستاذنا على الفور: "فلأمضِ إذن قبل أن تبدأ السهرة".
وما أنس لا أنس تلك الجَمْعة الرائعة التي يجمعنا فيها شيخنا الشيخ سارية الرفاعي في عين الفيجة مع علية القوم وصفوة أهل العلم يزدان مجلسهم بأستاذنا المبارك، يفيض عليه من علمه وأنسه وفضله.
إنه حقاً رجال في رجل، فقد جمع الله له المجد من أطرافه علواً في النسب، وغزارةً في العلم, وجمالاً في الأدب، وفصاحةً في اللسان.
أما علو النسب فحسبه شرفاً أنه مبارك ينتمي إلى دوحة الأشراف, من سلالة سيد البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو سيد شريف من آل البيت الكرام. وقد جمع إلى شرف النسب رحم العلم، فأبوه العالم اللغوي القدير الشيخ عبد القادر المبارك، أحد كبار مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، وأخوه الأكبر الدكتور محمد المبارك، عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق وواحد زمانه علماً ومعرفةً وعملاً. وجده الشيخ محمد المبارك أحد الأدباء البارعين.

وأما علمه وأدبه فهو أحد أوعية العلم بالعربية وعلومها في زماننا، نهل ما نهل من أبيه وأخيه، ثم أخذ العربية عن أكابر أربابها في الشام ومصر، فقد تتلمذ لشاعر الشام الكبير محمد البزم، وشيخ نحاة العصر الأستاذ سعيد الأفغاني، كما انتفع بأساطين العربية المؤسسين لقسمها في جامعة دمشق أمثال د. أمجد الطرابلسي، والشاعر الأديب شفيق جبري، وعز الدين التنوخي, والشيخ بهجة البيطار.
ثم ارتحل في طلب العلم إلى مصر فصحب نخبة من علمائها من أمثال عميد الأدب العربي الأستاذ الدكتور طه حسين، وشيخ مؤرخي الأدب الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، والأستاذ مصطفى السقا, كما أفاد من مجالس شيخ العربية الكبير وفارسها الأجل أبي فهر محمود محمد شاكر، وغيرهم كثير. ليعود إلى جامعة دمشق أستاذاً للنحو وتاريخه وأصوله والبلاغة وتاريخها.
وقد عم نفعه وفضله البلاد والعباد فدرّس في كثير من الجامعات العربية، بدءاً من جامعة دمشق، ومروراً بجامعة الملك عبد العزيز في الرياض، والجامعة اللبنانية ببيروت، وجامعة قطر التي رأس قسم اللغة العربية فيها ، ومعهد اللغة العربية بالجزائر, وكلية الدعوة في ليبية. وانتهاء بكلية الدراسات العربية والإسلامية بدبي التي رأس فيها قسم اللغة العربية أيضا. ثم عاد إلى الشام من جديد ليشرف على الدراسات العليا بقسم التخصص بمعهد الفتح الإسلامي، وليتوّج رحلة عطائه الغنية بانتخابه عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وأذكر أني قد كتبت في مفكرتي عشية أن بلغني نبأ انتخابه ( 27/6/2010) كلاماً هذا نصه: "فليهنأ المجمع، وليهنأ أعضاؤه، وليهنأ كل محب للعربية بانضمام ركن من أركانها، وفارس من فرسانها، وعلم من أعلامها إلى مجمع الخالدين. ولعل المجمع يستعيد به شيئاً من عافيته بعد طول معاناة وسقم، وعسى أن يعيد الله به أياما نضرة عاشها المجمع في ظل علمائه الأفذاذ، من أمثال التنوخي وكرد علي والمغربي والمبارك الكبير – أعني والده – فيصل به ما انقطع، ويجبر ما انصدع، ويحيي ما أميت، إنه سميع مجيب".

والحق أن نفعه لم يقتصر على المعاهد والجامعات، بل امتد إلى المساجد والمراكز الثقافية والبيوتات، فهو لا يدع باباً يمكن أن يرفع فيه للعربية راية إلا طرقه، لقد جاهد في سبيلها حق الجهاد ، ونافح عنها حق المنافحة، وآلى على نفسه أن يبث محبتها والوعي بها وبأهميتها حيثما حلَّ وارتحل. إنها همه وسدمه وقضيته التي يحيا لها.
وقد رفد أستاذنا المبارك المكتبة العربية ببحوثه وكتبه، وقدم لها أجمل وأبدع ما يمكن أن يقدمه ابن بار للغته وأمته، على أن أجلَّ ما صنعه بظني تلك الروح التي نفخها في كتبه، وبثها في مقالاته، ولقنها طلابه وتلامذته وقراءه، أعني حب العربية، والذود عنها، وإعلاء شأنها، ونشر أطايبها وروائعها، وتحبيب الناس بها...
ــــــــــــ

الدكتور مازن المبارك في سطور
بقلم: إدارة التحرير


Œ ولادته ونشأته:
ولد الدكتور مازن المبارك في دمشق سنة 1930م، ونشأ في أسرة علم ونسب شريف، فوالده هو الأستاذ عبد القادر المبارك، وهو عالم كبير، ولغوي ثقة، تلقى الكثير من المعارف اللغوية والأدبية والدينية على شيوخ عصره، كالشيخ أمين سويد، والشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ عطا الكسم، وكان الأستاذ المبارك راوية، حافظاً لكتب الأخبار والتراجم والتاريخ..
والأستاذ محمد المبارك الشقيق الأكبر للدكتور مازن، أيضاً هو عالم لغوي ومربّ معروف..
فالبيئة التي نشأ فيها الدكتور مازن المبارك بيئة علمية كانت تهتم باللغة العربية اهتماماً واسعاً، لذلك نشأ على حبها وتشربها منذ نعومة أظفاره..
لأجل ذلك امتاز بثقافة واسعة، وانكباب على العلم والتعليم والتصدي للتأليف، وقد جمع بين ما تلقاه من أسرته وبيئته، وما حصَّله من تدرجه في مستويات التعليم المنظم حتى اجتمع له ما لا يجتمع لأقرانه..

 العلماء الذين تعرف عليهم:
إن المجتمع الذي كان فيه مجتمع مثقفين وعلماء، عرفهم مع أبيه ثم مع أخيه، وفي مجالس العلم، فيتحدث هو نفسه عن بعض العلماء الذي اجتمع بهم:
الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ أحمد الحارون، والشيخ أبا الخير الميداني، والشيخ إبراهيم الغلاييني.
ومن رجال الثقافة والأدب:
الأستاذ كرد علي، وخليل مردم بك، وعز الدين التنوخي، والشيخ بهجة البيطار، والشيخ عبد القادر المغربي.
ومن الشباب – إذ ذاك-:
علي الطنطاوي، وأنور العطار، وأمين المصري، وغيرهم.
وقد أدرك أستاذنا المبارك طائفة من علماء الأمة وأدبائها في دمشق، ثم في القاهرة، كانت له بهم صلة عادت عليه بالأثر الطيب، كالأستاذ شفيق جبري، والدكتور أمجد الطرابلسي، والأستاذ سعيد الأفغاني في دمشق، وكالعلامة الأستاذ محمود محمد شاكر، والدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبد الحليم النجار، وغيرهم.

إ½ مؤهلاته العلمية:
- الإجازة في الآداب (الليسانس) من جامعة دمشق.
- أهلية التعليم الثانوي من المعهد العالي للمعلين بدمشق 1952 م.
- دبلوم التربية والتعليم.
- الماجستير في الآداب من جامعة القاهرة 1957م.
- دكتوراه في الآداب من جامعة القاهرة 1960م.

 المناصب التي شغلها في سورية:
- مدرس في كلية الآداب بجامعة دمشق 1960 م.
- أستاذ مساعد في كلية الآداب بجامعة دمشق 1966 م.
- أستاذ كرسي اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق 1970 م.
- وهو الآن عضو في مجمع اللغة العربية.

 المناصب التي شغلها خارج سورية:
- مدرس في جامعة الرياض بالسعودية 1965م و 1966 م.
- أستاذ في الجامعة اللبنانية 1972 و 1973 م.
- رئيس قسم اللغة العربية في جامعة قطر، والمسؤول الثقافي بالجامعة، وأمين سر مجلس كلية الإنسانيات، وعضو مجلس الجامعة بقطر 1974 – 1981 م.
- أستاذ زائر في جامعة وهران بالجزائر 1984 م.
- أستاذ زائر في كلية الدعوة بطرابلس بليبيا 1986 م.
- رئيس قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي بالإمارات 1989م.

‘ نشاطه العلمي:
- شارك في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات المختصة باللغة العربية في دمشق وبيروت والجزائر والكويت وبغداد وقطر والبندقية (ايطاليا).
- شارك في عدد كبير من اللقاءات والحلقات الإذاعية والتلفازية والصحفية في الوطن العربي.
- شارك في كثير من المحاضرات في المراكز الثقافية والعلمية والمدارس والكليات والجامعات في الوطن العربي.

’ آثاره العلمية:
له العديد من الآثار العلمية سواء منها الكتب والمقالات، ومن كتبه:
- مجتمع الهمذاني من خلال مقاماته، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
- الرمَّـاني النحوي، في ضوء شرحه لكتاب سيبويه، طبع الجامعة السورية بدمشق.
- النحو العربي، بحث في نشأة النحو وتاريخ العلة النحوية ، طبع المكتبة الحديثة بدمشق.
- الموجز في تاريخ البلاغة، طبع دار الفكر.
وغيرها الكثير.. حفظه الله وبارك في حياته..

مصطفى شعبان 11-05-2016 02:38 PM

*الأستاذ الدكتور مازن المبارك محققًا:
أستاذنا الجليل الدكتور مازن المبارك – مدّ الله في عمره- متعدد جوانب الثقافة والنشاط وهو فيها كلها متقنٌ صَـنـَاع ، فهو محاضر من طراز رفيع ، وكاتب بحث بارع ، ومؤلف متمرّس مجتهد ، ومحاور لبق صاحب حجة ، ونحويّ مالكٌ لآفاق اختصاصه ، لكن لم يستبدًّ به النحو ، ولم يستطع أن يحجبه عن آفاق الثقافة المترامية الأطراف ، ومعظم جهوده العلمية بل كلها قاطبة متجهة ٌ إلى خدمة العربية ، وإعلاء شأنها ، والمنافحة عنها ، وإبراز عبقريتها ، وجمالها إنتاجه متقن غير مكثر ، بعيد كلّ البعد عن الادعاء ، يصون كل ما يكتبه وينشره كما يصون منبره الجامعي أيضًا، عن الابتذال والفضول .
ولا أستطيع هنا أن أوفي جوانبه العلمية حقها ، لأن مجال البحث هو جهوده في التحقيق وحدها ، والتحقيق جانب هام من جوانب اهتماماته العلمية .
والتحقيق كالتأليف يتطلب أول ما يتطلب أساسًا أخلاقيًّا ينطلق منه ، وإليه يستند ، فهو أمانة والأمانة ثقيلة ، إلا على أولي العزم ، وهو أخلاق ، والأخلاق صعبة ٌ ، إلا على من راضَ نفسه على ممارستها ، وكبح أهواءه عن جماحها وأخضعها لمقتضاها ... والتحقيق أو لأقلْ : إتقان التحقيق صعب وطويل سلـّمه ...
لذلك كله نرى المحققين الأثبات لا يعبؤون بكثرة الأعمال ، ولا يطنبون في تعدادها... لأن تحقيق الكتاب ، قد يستغرق من المحقق من الوقت أضعاف ما قد يستغرقه تأليف مثله ، وذلك حسب طبيعة خطه ، وتسلسل أوراقه ، ولأن المحقق قد يوقف عمله في مرحلةٍ ما ، لينتظر وصول مخطوطة علم بها ، وانتظار المخطوطات ، والسعي لها معاناة لا يدركها إلا من عاناها ، ووقع في شباكها ...
وربما كان كثيرون قد انصرفوا عن التحقيق بسبب ٍ من صعوبة الوصول ، أو الحصول على المخطوط الذي به يرغبون ، وقد أخبرنا بعض المحققين في مقدماتهم عن جوانب من تلك المعاناة ، وإن صعوبة قراءة كلمة على وجهها ، قد توقفك عن متابعة العمل أسبوعًا، أو أكثر ، وتؤرق عليك ليلك وأنت بها تفكـّر ... وتستنفر حدسك وحواسك لاستجلاء قراءتها ، زد على ذلك أن بعض المعاجم قد لا تسعفك في مواضع ، والمراجع قد تخذلك في مواضع ... ثم بعد ذلك كله أو قبله كله أنت لا تعمل لنفسك في التحقيق ، إنما تعمل لغيرك .. فأنت تحرر نصًّا ليس لك ، وتبذل العمر ، ومعه العيون والراحة ، في إحياء أعمال ستحيا باسم مؤلفيها الذين رحلوا من مئات السنين ، لذلك كان التحقيق واستغراق العمر فيه ، يمثل ضربا ً من الإيثار ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه المغيرون على أعمال غيرهم ، وأوضحت هذه الظاهرة من صوارف بعض المجدّين عن العمل في التحقيق ، ونشير هنا فقط إلى (رسالة الغفران) للمعرّي ، وقد سلخت فيه محققته بنت الشاطئ سنواتٍ من عمرها ، وسنوات أخر في الاستدراكات والتصحيحات ، ثم رأت بعد أن نشرته وشهرته غير ما واحدٍ يتنطع بأن حققه ونشره وهو يدعي أن النص للمعري وليس لها ، وله فيه من الحق مثل مالها ، وهو إنما سرق جهدها ولياليها وعلمها ...
وإذا كان من تحصيل الحاصل أن المحقق يجب أن يكون متضلعا من فنه علميًّا، فإنه أيضًا يجب أن يكون متقنا ً لآليات هذا الفن وتقنياته ، لذلك رأينا المستشرق برجستراسر (توفي 1933م)، ومن بعده المرحوم عبد السلام محمد هارون (توفي 1988م)، يؤلفان في فن تحقيق النصوص ، إضافة إلى ما نثاه في تضاعيف كتاباته العلامة المرحوم محمود محمد شاكر (توفي 1977م) ، في أصول هذا الفن ومستلزماته ، ولعل أهمّ هذه الأمور هو المحقق نفسه ومقدار ما يتمتع به من الفهم ، والحذق في قراءة النصوص وفهمها وتحليلها .
وقبل أن أنتقل إلى الكلام على الأعمال المحققة لأستاذنا المبارك لا بدّ أن أذكر أن التحقيق قد ينتقل إلى مجال الطبع الشخصي ، ويصبح صفة راسخة ً ملازمة ، فترى المحقق محققا تجاه كل فكرة وكل خبر ، وأنا أزعم أن الدكتور المبارك قد أصبح على هذا النحو ، فقد جلس يوما ً أمام الشاشة الصغيرة يراقب ندوة وكان المتحدث يقول : (إن المؤرخين ذكروا أنه اجتمع على حرب المسلمين مشركو قريش ، ومَنْ رافقهم من الأحابيش ، وهم من الحبشة وغيرها من العبيد والزنوج .. وكان بعضهم قد جاء من القارّة) .
وكان هذا الكلام الذي سمعه الدكتور بداية رحلة تنقيب وبحث ومراجعة للسيرة النبوية ، ومعاجم اللغة ، وكتب الأنساب وكانت النتيجة أن بيّن بالدليل الناصع أن الأحابيش إنما هي نسبة إلى جبل (حُـبْـشيّ) ، وهو جبل بأسفل مكـّة بنعمان الأراك ، يقال به سُمّيت أحابيش قريش ، وذلك أنّ بني المصطلق ، وبني الهون بن خزيمة ، اجتمعوا عنده ، وحالفوا قريشًا وتحالفوا بالله : (إنـّا ليد ٌواحدة ٌ على غيرنا ما سجا ليل ٌ ووضح نهار ، وما رسا حُـبْشيّ في مكانه) ، فسموا أحابيش قريش باسم الجبل ، وبينه وبين مكة ستة أميال) ، وخلص الدكتور المبارك إلى أنّ الأحابيش هم بنو الهون ، وبنو الحارث من كنانة وبنو المصطلق من خزاعة ، تحبّـشوا أي تجمعوا ، وتحالفوا عند جبل حبشيّ ، فسُموا الأحابيش ) .
أما (القارّة) وقد قرأها صاحب الندوة بتشديد الراء ، فصوابُها (القارَة) ، بتخفيف الراء وفتحها ، وهي قبيلة مشهورة بالرمي ، وهم عَـضَـل والدّيش ابنا الهون بن خزيمة بن مدركة ، سُمّوا (قارة) لاجتماعهم ، والتفافهم ، لمّا أراد ابن الشـّداخ أن يفرقهم في بني كنانة وقريش ، قال شاعرهم :
دَعُونا قارة ً لا تذعرونا=فنجفلَ مثل َ إجفال الظـَّليم
وهم رماة الحدق في الجاهلية ، وهم اليوم في اليمن ، ينسبون إلى أسد ، والنسبة إليهم : قاريّ ، وهم حلفاء بني زهرة) .
ما ذكرته كان ملخصا ً لبحث موثَّق مطوَّل كتبه الدكتور المبارك محققًا ما سمعه في ندوة تلفزيونية ، ونشره في كتابه : (مقالات في العربية) ، وقد أشرت إلى هذا البحث لأدلّل على ما ذهبت إليه من أنّ التحقيق أضحى لدى المبارك صفة راسخة ً وطبعا ً متحكما ً حتى وهو يستمع إلى ندوة أو يكتب مقالاً .. إنه ببحثه المشار إليه لم يصحح خطأ وقع فيه أحد المشاركين في ندوةٍ عَرَضًا ، بل إنه لخطأ كثيرا ً ما سمعناه يتردد على ألسنة أناس في مواضع مختلفة ، وهم يتصدّون للتعليم أو للخطابة أو الوعظ والإرشاد ... يذهب بهم لفظ الأحابيش إلى الحبشة ، وتذهب بهم الحبشة إلى اللون الأسود .. فيبنون عليه ما يبنون ويفسرون ما يفسرون .


* العلامة مازن المبارك ورأيه في حالة التدهور التي آلت إليها اللغة العربية:
ما ذلَّت لغة قوم، إلاَّ ذلُّوا، وأرى أنه ما ذلَّ قوم إلاَّ ذلَّت لُغتهم؛ كما هي حالنا اليوم، فالمعادلة طرديَّة؛ تقوى الأُمَّة، فتَقْوى لُغتها، وتقوى اللغة، فتقوى الأُمَّة؛ لأن اللغة تُعلِّم أبناءها المُروءة، وتُعلِّمهم الأخلاق، وتُقَوِّي الشخصية، وتَبني الفكر، هذه المعاني الآن غائبة عن كثيرٍ من المُثقَّفين، يظنون موضوع اللغة وتمسُّكنا بالفصحى عبارة عن تعصُّب لا لزومَ له، وأنَّ العلم يُمكن أن يكون بأيِّ لُغة، على حين أنَّ الأُمَّة التي تتقدَّم عِلميًّا تتقدَّم لُغتها، وحين تتقدَّم لُغتها تتقدَّم، فهناك معادلة طرديَّة بين اللغة وبين الأُمة، فنحن يمكن أن نُعزَّ بإعزاز اللغة، ويمكن أن تُعز اللغة بإعزازنا، والتاريخ أكبر دليلٍ على ذلك، حين نرى اللغات الأوروبيَّة الحيَّة، ونرى اللغة العربية متى كان عِزُّها؟ أين كان العرب حين كانت العربية عزيزة؟ كيف كان الحكم العربي حين كانت العربية؟ كيف كان العلم العربي الذي نُقِل عن طريق إسبانيا وعن طريق صقلِّية إلى أوروبا؟ وكيف كان العالَم يَخضع للعرب حضاريًّا وسياسيًّا ولُغويًّا؟ ثم انسَحب العرب، وأفَلَت شمسُهم، فانحصَر ظلُّ لُغتهم، وما زِلنا نتراجَع، أو نقف على الأقل، ونحن حين نقف ويتقدَّم غيرنا، فمعنى ذلك أننا تأخَّرنا؛ ولذلك فكلام الرافعي صحيح، نحن عِزُّنا بلُغتنا، وعِزُّ لُغتنا بنا، وأعتقد أنه لولا بقايا الإسلام والتمسُّك بالقرآن، لكنا تأخَّرنا، وتأخَّرت لُغتنا أكثر من ذلك بكثير.

* رأيه في آليات إحياء الوعي اللغوي:
أنا الآن أُفضِّل أن نوجِّه بعض الجهود إلى إحياء الوعي اللغوي، لا إلى إحياء اللغة نفسها؛ لأنني أرى العاميَّة التي تَطغى في الإعلام وفي الحياة اليوميَّة، وأرى أن ما يُدعى بالمعركة بين الفصحى والعاميَّة، لا حاجة إليه، ولا لزومَ له، كلُّ ما هنالك أنَّ اللغة العامية لا تزول بقرار سياسي، اللغة بصورة عامَّة مِلك الناس، وليست ملك الحاكم، ومن الصعب أن يَصدر قرار فيغيِّر لغة؛ لأن ذلك يحتاج إلى زمنٍ، أهم شيء أن يحبَّ العاميُّ الذي يتحدَّث العامية اللغة الفصحى، وأن يتمنَّى أن يكون من أصحاب اللغة الفصحى، هذا الحب وحْده في هذه المرحلة يكفي، ويَكفيني أن يشعرَ العرب بالحبِّ نحو لُغتهم، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على حمايتها، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على استعمالها، يَستعملها مَن يستطيع منهم ذلك، لكنَّه يجد التشجيع، ويجد الاحترام، ويجد الإمكان المفتوح له، أمَّا أن نجدَ الصدود والمقاومة من المستغربين العرب، فهذا من أعجب العجب! يعني نحن الآن نجد صدودًا، ونجد مقاومة من كثير من الناس، وهذا بلا شكٍّ لا أعتقد أنه عن سوء نيَّة، بقَدْر ما هو عن جهلٍ، فإذا استطَعنا أن نُحبِّبهم في اللغة العربية، وأن نرغِّبهم فيها وفي أدبها، فقد أفْلَحنا.

*رأيه في دور المجامع اللغوية في صيانة اللغة العربية:
نحن لا نُنكر أنَّ المجامع مُقصِّرة، وأن مَجمعنا مُقصِّرٌ، ورسالة المجمع أصبَحت واسعة جدًّا، وبعض الناس الذين يتَّهمونه بالتقصير، يرون ظاهر الأمر دون باطنه، وهذا أيضًا يعود لتقصير المجمع، فمَجمعنا عُمره كذا سنة، ومع ذلك لَم يمضِ على تأسيس مكتب إعلامي فيه سنة واحدة؛ أي: إنَّ ما يحدث في المَجمع لا يَعلم به إلاَّ الذي يعيش داخل المجمع، فالآن فيه ما لا يقلُّ عن اثنتي عشرة لجنة، فيه لجنة فيزياء، وكيمياء، ونبات، وحضارة، وحياة يومية، وكلُّ لجنة وضَعت مئات المصطلحات بعد دراسة وتمحيصٍ، وهذه المصطلحات لَم يَدْرِ بها أحد إلى الآن؛ لأن عندنا رتابة؛ أي: روتين، فهي يجب أن تُعرض على اللجنة، ثم على مجلس المجمع، ثم على المؤتمر السنوي الذي يَحضره أعضاء مجامع اللغة العربية؛ ليناقشوها ويُقِرُّوها، وبعد ذلك تُطبع على شكل مشروع؛ لأخْذ آراء الذين يَطلِعون عليه، ثم يُطبع نهائيًّا، وهذا يحتاج إلى سنة أخرى.

لقد أنْجَز قسم كبير من معجم الفيزياء أو المعجم كله، وكذلك ألفاظ الحضارة، لكن هذا لا يكفي، كذلك لجنة الأصول واللغة العربية تأتيها رسائل وفتاوى، فتُجيب عنها وتَصدر كلمات كثيرة ومصطلحات كثيرة، وتُفصح من العامية ألفاظًا كثيرة، لكنَّها تنتظر حتى تعرض على المَجمع، ثم تعرض على المؤتمر السنوي، ثم تُنشر، وعمَّا قريب أعتقد أن مَجمع دمشق سينشر مجموعة كبيرة من هذه الكتب التي تتضمَّن مثل هذه المصطلحات.

لكن بصورة عامة، فاللغة ليست من الأمور التي يُمكن إصلاحها بين عشيَّة وضحاها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالمجمع وحْده لا يكفي، أنا أحبُّ أن تكون الجماهير مُلتفَّة حول المجمع؛ يعني: مثلاً أنا حضرتُ في المجمع عشرين محاضرة، ما وجَدت عشرين واحدًا من أساتذة اللغة العربية الجامعيين يحضرون المحاضرات أين هم؟

مصطفى شعبان 11-05-2016 03:13 PM

من أقواله ونصائحه لطلاب العربية:
- عن مُستقبلِ العربِ الناطقين بها، إنه في ضعفٍ و انحسارٍ. و هذا الضعفُ ليسَ في اللغةِ، و إنما على ألسنةِ الناطقين بها و أقلامهم. و هي مهينةٌ في بلادهم، كما هُم، بعد أن بهرتهم و غزتهم ثقافةُ الدولار. و في الوقتِ نفسه، لا يُفارِقُهُ التفاؤلُ، على أساسِ قيامِ صحوةٍ عربيةٍ قريبةٍ، تستعيدُ فيها الأمةُ وعيَها بِنفسها و تاريخِها و ثقافتِها و لُغتها، خالعةً عنها رِداءَ الغَرْبِ.
- اللغةَ العربيةَ بيئةٌ كسائرِ البيئاتِ، تتأثَّرُ بالوسطِ الاجتماعي، لذا تحتاجُ إلى تنقِيَةٍ، كما تنقيةُ الماءِ و الهواء. ذلك أن البيئةَ اللغويةَ المُعاصرةَ، وصلت إلى مُستوىً من التَلَوُّثِ، ظهرَ على ألسِنةِ المُتحَدِّثين بها، و كذلك في الإعلامِ و الجرائدِ و الإعلانات. و من هنا تحتاجُ اللغةُ العربيةُ إلى ترميمٍ، أُسوةً بالجهاتِ الرسميَّةِ، التي تُرَمِّمُ الآثارَ و المؤسساتِ العلمية. لكن في البدايةِ، يجبُ أن يُرافِقَ ذلك، ترميمُ شخصيةِ الإنسانِ. و هذا الترميمُ، من مهامِ السياسي و الإعلامي و صاحبِ القرار.
-أعطني بيئةً عربيةً سليمةً، و سَلِّح المواطنَ العربيَّ بالحريةِ، التي يشعُرُ فيها بكرامتِهِ، و يعي ذاتَهُ و يعتَزُّ بانتمائِهِ و قوميته، و تاريخِ أُمَّتِهِ و ثقافتِها، لِأُعطيَكِ العربيةَ التي عرفتَ مِثلَها، على أقلامِ و ألسِنةِ أولئك الذين صنعوا المجدَ اللِساني و اللغوي و الأدبي للأُمَّةِ العربية.
-أنا أريد الآن أن يكون هناك وعي لغوي كالوعي الديني، العامي لا يعرف أصول الفقه، ولا يعرف أحكام الفقه، ومع ذلك لا يرضى أن يشتمَ الدين، ولا يرضى أن يترك الدين، كذلك لو أننا ننشر الوعي الشعبي عند الناس؛ ليُصبح اللحام والبقال والحلاق، يحترمون العربية ويحبون العربية، ويَزدرون المثقَّف الذي لا يحترم العربية، أنا هذا الآن يَكفيني.
-أنا أوجِّه نحو حبِّ العربية، وتنشئة الأولاد على حبِّ العربية؛ فهي الرابطة إلى تاريخك العربي، وهي الجِسر إلى كتابك الديني، فلا قرآن بلا عربيَّة، ولا فَهم للإسلام بلا عربية، ولا اتصال بالعرب إلاَّ عن طريق العربيَّة، فسواء كنتَ قوميًّا، أو كنتَ إسلاميًّا، فلا بدَّ أن تكون العربية هي الرابط لك، ومتى ضاعَت، ضاع مستقبلنا، وأنا لستُ أُسرف في التفاؤل، ولكنني متفائل مع شيءٍ من الحذر، وضرورة البقاء في حالة وعي وفِطنة لِمَا يُكتب لهذه الأُمَّة وللُغتها، ولا أرى داعيًا للتشاؤم ولا القنوط؛ فالأُمة في حالة صحوة والحمد لله، والكثيرون يؤمنون أن المستقبل لهذه اللغة.

مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
مصطفى شعبان
-----------------------
مصادر الترجمة:
(1)حلقة خاصة من حديث الذكريات مع د.مازن المبارك، حول حياته ونشأته، واهتمامته
حاوره فيها الدكتور جاسم المطوع:
رابط الحلقة: https://www.youtube.com/watch?v=yqd_kcbcDL0
(2) حوار مع الأستاذ الدكتور مازن المبارك أجرى الحوار معه الدكتور محمد حسان الطيان، مُنسق مقرَّرات اللغة العربية في الجامعة العربية المفتوحة بالكويت، والعضو المراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق، وكان ذلك في يوم الأحد 27 شعبان عام 1431 الموافق 8 آب من صيف عام 2010 في بيته الكائن بالمِزَّة بدمشق:
رابط الحوار: http://www.alukah.net/literature_********/0/34688/
(3) العلامة واللغوي والنحويّ الأستاذ الدكتور مازن عبد القادر المبارك: سيرته الذاتية على موقع ملتقى أهل الحديث للدكتور مروان:
رابط الترجمة: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=147840
(4) د. مازن المبارك .. عاشق اللغة العربية: مقال على موقع الوحدة، العدد: 8586 التاريخ: الثلاثاء, 22 كانون الأول, 2015 الكاتب: محمد صخر حيدر:
رابط المقال:http://wehda.alwehda.gov.sy/node/402571
(5) السيرة الذاتية للدكتور مازن المبارك: الموسوعة الحرة(ويكيبيديا):
رابط الترجمة: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85...A7%D8%B1%D9%83


الساعة الآن 01:10 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by