النهضة اللغوية ومخاطر سياسات التلهيج الفرنكفونية - حالة المغرب نموذجـًا- [1]
تسعى حلقات هذه الدراسة إلى الاشتباك مع موضوع حساس للغاية، يتعلق بمدى حضور الأبعاد الثقافية والحضارية في مجتمعات ما بعد الربيع الديمقراطي، من خلال طرح قضية استرجاع السيادة اللغوية الثقافية المفقودة واستكمال معركة الاستقلال اللغوي والثقافي وتفكيك رواسب الاستعمار الثقافي، وكسب معركة التخلف الآخر[1] بتعبير عالم الاجتماع التونسي محمود الذوادي، وهذا يقتضي ونحن بصدد أسئلة ما بعد الربيع الديمقراطي وعي الصراع الحاد حول اللغة باعتباره ليس صراعاً محايداً، فالحديث عن استعمال لغةٍ بدلاً من أخرى، لا يكون محكوماً بالاعتبار اللساني أو اللغوي أو البيداغوجي، وإنما يتعدى ذلك بكثيرٍ، إذ يتأطر بالمقاصد السياسية والحضارية الكبرى للقوى المهيمنة، ويمتد ليعبر عن جوهر الصراع والتوتر الحضاري الراهن[2].
إن إحدى الوظائف الحضارية الأساسية الملقاة على عاتق مجتمعات ما بعد الربيع الديمقراطي هي كسب رهان الاستقلال الثاني لدولة الثورة، وفك الارتهان بالإرث الاستعماري القائم على التغريب الثقافي والافتراس اللغوي وتكريس التبعية الحضارية، خدمة لمصالح الاستعمار الجديد عبر الثقافة واللغة؛ فالحاجة ملحة في عصر الثورة إلى امتلاك القدرة والكفاح الجماعي لاستعادة السيادة اللغوية الثقافية المفقودة والهوية اللغوية المسلوبة، ومجاوزة حالة الاغتراب التي تعيشه العربية واللغات الوطنية، فضلا عن تعزيز مكانتها وتفعيلها الحقيقي في إعادة بناء النسق الثقافي والتعليمي والإعلامي والمعرفي وربطها بالنهضة المركبة المستقلة والشاملة؛ في إطار سياساتٍ لغويةٍ مندمجةٍ وفاعلة ومنفتحة على اللغات العالمية، لكنها متحيزةٌ للذات الحضارية[3].
ولذلك تعالج الدراسة موضوعا قديما / متجددا ألا وهو الدعوات المتكررة في الوطن العربي والدول المغاربية لتشجيع العاميات واعتمادها لغة عالمية والسعي لجعلها بديلا عن اللغة العربية، إذ سنعمل على تحليل الخطاب التلهيجي في الحالة المغربية، وما يخفيه من محاولات للهيمنة الثقافية وإضعاف العربية وعرقلة عملية النهوض بها والتمكين للفرنكفونية المتسترة وراءها؛ وتنقسم الدراسة إلى مدخل عام تأطيري، يقدم للبحث ويبرز إشكاليته الكبرى ومقاربته وتوجهاته ومفاهيمه وأبعاده من منظور منهجي ومعرفي، ثم سننتقل لعرض الأسس التي يستند عليها الخطاب التلهيجي في الترويج لدعوته وتفكيك مقولاته الحاكمة، مع تخصيص محور للرد العلمي عليها بعد عن لغة المصادرة والخطاب المتشنج؛ كما سيتناول البحث بالكشف خلفيات هذه الدعوات وأبعادها السياسية والحضارية؛ فضلا عن تحليل المخاطر ورصد التحديات التي يطرحها طبيعة هذا الخطاب من التمكين للفرنكفونية وإضعاف اللغة العربية وما يستتبعه من تكريس لآفة التجزئة وتقسيم الأوطان وتعميق التخلف.
(1) مدخل عام
لا يمكن لأي بلد أن يشق طريقه نحو النهضة والإبداع والابتكار من غير الرهان على لغته، فقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة في جل الحقول المعرفية المهتمة بعلاقة اللغة بالفكر وارتباطات اللغة بالتنمية فضلا التجارب النهضوية بأن اللغة الأم هي التي تسهم في إنجاز النقلة النهضوية الهائلة، وأنها أحد الأوجه الرئيسة لتدارك الفجوة المعرفية والتنموية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي؛ ولعل التجربة الصينية واليابانية خير دليل لدعاة الهيمنة الثقافية واللغوية الساعين إلى التشكيك في نموذج "النهضة الحضارية المركبة المستقلة والذاتية" وتحويله إلى نموذج تنموي تابع ثقافيا ولغويا للمستعمر.
وتعد اللغة- حسب عالم اللسانيات عبد القادر الفاسي الفهري - من المسؤوليات المباشرة للدولة ومن المحددات الأساسية لبنية الدولة/الوطن، وإذا كانت اللغة مسألة هوية وتماسك مجتمعي وتراث حضاري ورمز سيادة تاريخية، فإنها إلى جانب ذلك مسألة تنموية وفكرية واقتصادية تنافسية راهنة، اعتبارا لكونها رافعة النمو المعرفي، وأداة لنقل المعرفة والمعلومات إلى عموم القوى المنتجة، ولسان الإنتاج والإبداع والتواصل المعرفي/الثقافي، بل هي أيضا لسان التنافس في مجتمع اقتصاد المعرفة والمعلومات والاتصال؛ كما تشتمل قضية اللغة على أبعاد حقوقية/قانونية وديمقراطية، تتمثل في ضمان الحقوق اللغوية للمواطن والتكفل بحمايتها وتأهيلها، وفي تكريس حقه في الاختيار والاستفتاء حولها، إذ يندرج ضمن هذا البعد السوسيو-النفسي ما تمثله اللغة من الاستقرار النفسي والطمأنينة والاعتزاز بالذات، علاوة على أنها اللحام المجتمعي المؤتمن على الجماعة؛ وعلى ضوء ذلك تتحول المسألة اللغوية إلى مسألة سياسية، تستدعي من الدولة والمجتمع اتخاذ السياسة اللغوية الرشيدة والقرار اللازمين من أجل إفراز وتنفيذ الاختيارات الضرورية لتأهيلها وتطويرها[4].
إن للغة دورًا حاسمًا في تطوير قدرات الناس على التمرس بالعمل، وعلى الرفع المستمر من كفاءاتهم، والإغناء المتجدد للخبرة التقنية، وتعميق المعرفة العلمية وتوسيع الثقافة العملية، ولها الدور المركزي في وقاية النسيج الاجتماعي من التفكك، وفي تهذيب السلوك الفردي، وترسيخ القيم الجمالية والحضارية الرفيعة وخلق التوازنات النفسية، ونحو هذا من المجالات الكثيرة التي تتصل باللغة وبحملها الثقافي اتصالا مباشرًا[5]؛ ومن ثم لا تعد اللغة مجرد وسيلة للتعبير أو أداة للاتصال والتواصل والتفاهم، أي أنها ليست وعاء تصب فيه المعاني المراد نقلها فقط، وإنما هي وعاء للتفكير وأداة للعمليات التفكيرية، ومشحون حضاري وثقافي ومخزون تراثي، وظاهرة اجتماعية وتاريخية تتطور وتنمو بتعدد وتنوع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية.
ومن المتداول بين المختصين في علم اللغة الاجتماعي أن الأمم ذات الثقافات المترسخة لا تستطيع النهوض دون الاعتماد على لغاتها، حيث إن للغة دورا بارزا في عملية النهوض وأثرا بالغ الوقع في التنمية بمفهومها الشامل. فكلما اتسعت قاعدة استعمال لغة ما، وتداولها أصحابها كانوا أقدر على الفهم والإفهام، وأكثر وعيًا بالأشياء والأفكار، وأسرع إلى الاختراع والابتكار. ويتأيد هذا الزعم بتجارب بعض الأمم الحاضرة التي سلكت هذا السبيل في النهوض؛ ولذا يظهر أن بين اللغة والمجتمع رحما موصولا وتعاضدا لا غنى لأي منهما عنه[6].
وتتميز اللغة بكونها ظاهرة متعددة الأبعاد، لكونها مجالا يلتقي فيه التاريخي والثقافي بالسياسي والمجتمعي والاقتصادي، ونستحضر هنا مارسيل موس الذي نظر إلى اللغة بوصفها "ظاهرة اجتماعية كلية" (phénomène social total)؛ وذلك لكونها محل تقاطع بين ما يعود للاستعمال الاجتماعي لتلك اللغة، وما يتعلق بمصالح الأفراد أو الجماعات، والدوافع الفردية والجماعية والإيديولوجية، وبالاقتصادي الذي قد يحدد مكانتها؛ ومن ثم تخضع اللغة للتحول التاريخي بتحول المجتمعات. ولقد أبرزت الدراسات في هذا المجال أن اللغة تعرف تحولا حتى في بنيتها، كما ميزت العلوم اللسانية بين ما هو سنكروني يتعلق بالقوانين البنيوية للغة، وبين ما هو دياكروني ويتعلق بتاريخها وتحولها. فالتحولات التي تطرأ على المجتمع، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، لها تأثير على وضع اللغة ومكانتها، كما أن الصراعات الإيديولوجية بين الجماعات والتوترات الاجتماعية تحوم حول اللغة، فكل مرحلة من مراحل تطور المجتمع إلا وتتطلب أن يتكيف الواقع اللغوي مع هذا التطور؛ فهناك لغات تنتعش ولغات تتلاشى بتوقف استعمالها، فقد أحصت اليونسكو حوالي 220 لغة اندثرت منذ 1950[7]. فاللغة في نهاية المطاف تشكل صورة المجتمع عن نفسه، وتعكس أولوياته وطرق تعبيره عن ذاته وطرائق فهمه لعلاقته بأفراده وبالآخرين وبالعالم. بيد أن اللغة لا يتصل معناها الشمولي بالمجتمع وبصورته عن نفسه فحسب، بل يتصل أيضا بالتطور الثقافي الاجتماعي ووعي هذا المجتمع بذاته ومهماته وأولوياته وتوقه إلى الاتصال بالحضارات الإنسانية الأخرى والتفاعل معها دون التخلي عن الخصوصيات الثقافية لأبنائه[8].
أ- تعاريــف:
لقد استأثر موضوع اللغة[9] بقدر واسع من اهتمامات قدامى اللغويين العرب، ويعد ابن جني(ت390هـ) أبرز هؤلاء الذين شغلوا بأمور اللغة وتقصوا دقائقها وأبرزوا خصائصها. وقد عرفها ابن جني بأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم[10]".
وتحليل هذا التعريف العميق الأبعاد والمركز الدلالة، يؤدي بنا إلى الكشف عن عناصر منطوق بها فيما يمكن أن نسميه "المنظومة اللغوية"، هي: الأصوات والتعبير والقوم أو الناس والأغراض. وقد اشتمل التعريف على أربعة أمور:
1- اللغة أصوات: إذا كان الكثير يربط اللغة بالكتابة وهو وجه من وجهي اللغة، فإن هناك وجها آخر أهم وأسبق منه وهو الصوت فالإنسان نوعا وفردا نطق باللغة أصواتا ثم كتبها ثانيا، وما يؤكد أن الكتابة ليست بالأهمية ذاتها إمكان الاستغناء عنه؛ إذ إن الإنسان قد يتكلم اللغة دون أن يكتبها.
2- اللغة تعبير: الإنسان محتاج للتعبير وإفراغ ما يختلج في نفسه مادام حيا متفاعلا مع ذاته ومحيطه الطبيعي والمجتمعي إنها "ترجمان عما في الضمائر" كما عرفها ابن خلدون، إن التعبير ضرورة إنسانية، من هذا الباب صارت اللغة ضرورة لأنها الأداة الأساس لهذا التعبير التي لا تصل درجتها الوسائل الأخرى كالإشارة والرسم والرمز مثلا، ولذا أعطى الجاحظ للفظ المرتبة الأولى في تصنيفه لأنواع الدلالة حين قال "وجميعُ أصنافِ الدِلاَّلات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياءَ لا تنقُص ولا تَزيد: أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العَقْد ثم الخَطّ ثمَّ الحالُ التي تسمّى نِصْبةً والنِّصبة"[11].
3- اللغة ظاهرة اجتماعية: إذا كان النطق أمرا فرديا فإنه خاضع لما توافقت عليه الجماعة في طبيعة الأصوات وطريقة النطق بها وما تعارفت عليه من الكلمات أي الوحدات المعجمية وما تواضعت عليه من التراكيب النحوية، فلا وجود للغة بالفرد وحده منعزلا عن الآخرين مما يؤكد أن اللغة ظاهرة اجتماعية بامتياز. كما يستفاد من قوله "كل قوم"، على حد تعبير الباحث فيصل الحفيان أن اللغة: "ليست ظاهرة إنسانية بالمعنى العام، أي أنها ليست لغة واحدة، فكل قوم أو مجموعة بشرية لها"لغة" تتشكل معهم، وترتبط بهم، تنتج عنهم وتؤثر فيهم"[12].
4- اللغة وسيلة لتحقيق الأغراض: إذا كانت اللغة أصواتا خاضعة لقواعد يحددها المجتمع وكانت تعبيرا وكشفا لما في النفوس والضمائر من المعاني، فإنها تكون بذاك وسيلة لتحقيق أغراض المتكلمين بها سواء أكانت تلك الأغراض مادية محسوسة أم نفسية معنوية، ولقد ذهب إلى الأمر ذاته ابن خلدون مستعملا لفظ المقصود حين قال في تعريفها: "أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده"[13] فكلا العالـمين أدخلا الغاية من اللغة في تعريفها وهو تحقيق الأغراض والمقاصد.