(مستعربون في خدمة العربية)
تهدف هذه السلسة إلى بيان دور المستعربين في خدمة اللغة العربية بما قدموه من مؤلفات وبحوث، وتعريفهم للقارئ العربي سواء أكان بالحوار المباشر معهم إن أمكن ذلك أم بالكتابة عنهم، فهؤلاء المستعربون رغم أن لسانهم الأول ليس العربية، فإنهم مع ذلك أحبوا العربية وألَّفوا بها.
الحلقة الثامنة:
فيشر، أَوْجُسْت
August Fischer
(1282 -1368هـ =1865 – 1949م):
أول صاحب تجربة عملية لصناعة معجم تاريخي للغة العربية، وهو أحد كبار المستعربين الألمان، كما كان حجة في اللغات الشرقية من عربية وعبرية، وسريانية وفارسية وغيرها. وُلد في (هالِه) بألمانيا، وكان أستاذه في اللغات الشرقية المستشرق "توربكه" Thorbecke ثم دُعي في 1899م إلى ليبزج ليشغل كرسي الدراسات العربية بعد وفاة ألبرت سوتسين Albert Socin (1844 – 1899م)، وهو الكرسي الذي كان يشغله من قبل فلايشر H. L. Fleischer (1801 – 1888م)، عميد الاستشراق في القرن التاسع عشر، والذي بلغ الاستشراق على يديه ذروته فازداد الاهتمام به والإقبال عليه حتى أصبح فرعًا هامًّا من فروع المعرفة الإنسانية.
ويُعدّ فيشر من مدرسة ليبزج التي كان فلايشر مثلها الأعلى الذي سار عليه علماؤها، وكانت له معرفة واسعة بالأدب وتاريخ الحضارة العربية، ولكنه عشق الدراسة اللغوية، وبحث أساليب العرب في الكتابة وتعمق في دراسة معاجم اللغة العربية، وقد نشر فيشر الطبعة الخامسة لكتاب برونو Rudolf Brunnow (1858 – 1917م): "المنتخب من نثر العرب"، وهو مختارات للمطالعة، وألحق به ثَبَتًا بالألفاظ اعتمد فيه على المعاجم العربية، وقام فيه بدراسة منهجية لمشاهير أدباء العرب وكُتَّابهم، مكنته من تتبع معاني الكلمات العربية.
وبذل فيشر جهدًا لوضع معجم عربي على هذا الأساس وقضى أربعين سنة في جمع مادته وتنسيقها، ولقد لقي عمله هذا اهتمامًا في جميع البيئات العلمية. وعهد إليه مجمع اللغة العربية بنشر هذا المعجم، ولكن الموت حال بينه وبين إتمام عمله. وقد أحياه بعد ذلك من الألمان الأساتذة شبيتالر، وكريمر، وأولمان، فقاموا بجمع المادة التي تركها فيشر وغيره من العلماء، واستعانوا بعدد من أهل التخصص في هذا الميدان. وقد خرجت أول كراسة منه سنة 1957م (من أول حرف الكاف). كما أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أصدر منه بعد وفاته جزءًا صغيرًا. وعلى الرغم من أن معجم فيشر لم يخرج إلى حيز الوجود فإن اهتمام فيشر بنشر معجم للغة العربية قد حمله على التنقيب في أمهات كتب النحو العربي وشروح شواهده لجمع المادة اللازمة لبدء عمله. وكانت حصيلة ذلك كتابه: "الشواهد النحوية" الذي نشره في سنة 1945م وهو يُعَدُّ أداة طيبة لدراسة هذه الشواهد. وكان من الطبيعي أن يصحب اهتمامه بالدراسات اللغوية اهتمامه بنص القرآن الكريم، فنشر دراسة عن "قيمة التراجم المعروفة للقرآن"، ودراسة عن "القرآن عند أبي العلاء المعري".
وقد اهتم الأستاذ فيشر بنشر النصوص العربية وترجمتها إلى الألمانية، وله في ذلك مشاركة فعالة، كما تأثر بمنهج (فلايشر) في العناية بفقه اللغة كأساس لدراسة النصوص وإحيائها، كما امتاز بالدقة والبراعة في علم أصول اللغة وفن المعاجم واللهجات والشعر، فجدد بمذهبه التعليم العربي في الجامعات الألمانية. ومن المجلات العلمية التي أنشأها فيشر: "مجلة الدراسات السامية" S.Z في ليبزج. وقد أخذ العلمَ على الأستاذ فيشر كثيرٌ من المستشرقين نخص بالذكر منهم شاده Arthur Schaade (1883- 1952م)، وجراف G.Graf (1886- 1914م) وبرجشتراسرGotthelf Bergstrasser (1886 – 1933م).
نشاطه المجمعي: كان الأستاذ فيشر من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضوية المجمع يوم إنشائه سنة 1932م، بالمرسوم الملكي لسنة 1933م، وقد اشترك في كثير من لجانه مثل: لجنة العلوم الطبيعية والكيميائية، ولجنة اللهجات، ولجنة الأصول العامة، ولجنة لتقديم تقرير عن معجم النجاري، كما أسهم بنصيب في المباحث المجمعية؛ فقدم: تحقيقًا في كلمة "البق"، وبحثًا ردّ به على الأستاذ الكرملي الخاص بكلمة "موسيقا".
وفي يوم استقبال الأستاذ محمود تيمور في الكرسي الذي خلا بوفاة الدكتور أوجست فيشر، تكلم عنه – كما تقضي تقاليد المجمع في تحدث العضو الجديد عن العضو الراحل، قال الأستاذ محمود تيمور: "لبث الدكتور فيشر أطيب عمره في استخراج الألفاظ من أصول اللغة العربية، وفي بيان منازعها ونظائرها في اللغات السامية ثم دعي إلى المجمع عضوًا عاملاً فيه، فقدم إليه وقد شاب فؤاده في خدمة فكرته. فلما ذاع أمر هذا المعجم، طلب إلى الدكتور فيشر أن ينجزه في دار المجمع، على أن تهيَّأ له وسائل الإقامة والعمل. فخف الشيخ الجليل لذلك وتحمس، وظل بضع سنوات يمضي أغلب السنة في مصر، مستكملاً جذاذاته ومستخرجاته، معدًّا للطبع أصول معجمه، حتى كانت الحرب الشؤمى – الحرب العالمية الثانية -فحالت بينه وبين العودة السنوية لاستئناف عمله في وطن حلمه العزيز. وبقي الشيخ الجليل سني الحرب، يرتقب الفرج... (حتى) عجلت به المنون إلى عالم الغيب والشهادة، تاركًا في هذه الدار صناديق معجمه، تخفق فيها روحه وتتردد فيها أنفاسه، وكأنها تنكر على الناعي أنه قضى... هذا جهاد خمسين عامًا، قضاها رجل أجنبي في مكان قصي، ناسكًا في محراب العلم، يؤدي خدمة للغة العرب. وإني لأقف أمام روعة هذه الذكرى خاشع النفس، أحني لها هامتي من إجلال وتقديس. ولعمري إن ذكرى الدكتور فيشر ستظل تشغل كرسيه في مكانه من المجمع، على الرغم من تعاقب الأوضاع، وترادف الأحداث. وحسبي أنا من هذا الكرسي أن أتفيأ ظله، وأن أردد لذكرى صاحبه تحايا الحمد والتكريم."
انظر: المجمعيون في خمسة وسبعين عامًا/ 576-578.
إعداد: مصطفى يوسف