بسم الله الرحمن الرحيم
(حرف القاف ومخالسة اللهجات)
مدخل:
لا تفتأ اللغة العربية تواجه صنوفاً من الحروب والتحديات المستميتة، ولغة أية أمة مستهدفة كما تستهدف الأرواح والعقول والمعتقدات، واللغة العربية استهدفت لأنها وعاء الدين وقوامه وسر كتابه العظيم، وما برح أعداؤها يسعون جادين ليل نهار لإنهاكها وعزل أبنائها عن نتاجها الثري؛ ليقفوا حائرين أمام تلقي هذا الثراء الغني بكل معاني التفرد والتميز بين اللغات الأخرى المتهاوية على معاقبة الليل والنهار وتوالي الحقوب، لافتقارها إلى مقومات البقاء والديمومة، ولقلة موروثها الأصيل، ولعدم روحانيتها بابتعادها عن الارتباط بالإرث الديني لشعوبها، فضعفت وتهالكت؛ فلا نكاد نجد لغةً تحافظ على أصولها التواضعية دلالة وتركيباً؛ تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون دون أن يطالها التغيير والتحريف.
اللغة العربية أعظم لغة، وأهم لغة نطق بها الإنسان، فهي لغة دين ومجتمع وسياسة وعلم؛ إذ بها نزل القرآن الكريم، وبها ارتقت أمته، ونالت اللغات الأخرى من ألفاظها قسطاً كبيراً، واستعارت حروفها بعض اللغات التي جاورتها؛ فكتبت به واصطنعته رمزاً للتعبير المقروء، وتتجلى عظمة العربية في أنها احتوت العلوم المختلفة التي نُقِلَت إليها من لغات أخرى على أيدي المترجمين العرب والمستعربين إبان ازدهار الحضارة الإسلامية قبل نيْفٍ وعشرة قرون.
أدرك محاربو اللغة العربية أنها الوعاء الأمين والحاضن السخي للقيم والأخلاق، وللمعاني العقدية الصادقة، فانبروا بكل ما أوتوا من وسائل وسبل لضربها في العمق؛ لأنهم بتوهمهم تحقيق الانتصار على اللغة سيقطعون الطريق على انتشار العقيدة، وسيربكون ثبات القيم الدينية والأخلاق الإسلامية، فجاءت مناهجهم العدوانية موجهة بدقة إلى لغة القرآن، وقد ذكر الدكتور السيد رزق الطويل في كتابه:"اللسان العربي والإسلام معاً في معركة المواجهة"، نصوصاً منتقاة بعناية عن رموز المستشرقين الذين رسموا الخطط لمحاربة الإسلام بخنق وعائه وحاضنه اللغة العربية، ومما أورده:
1- "يقول وليم جيفور بلجراف: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه، وبالطبع لا يمكن أن يتوارى القرآن إلا بالقضاء على لغته.
2- عقد مؤتمر بالقاهرة في 4 من إبريل سنة 1906م في بيت أحمد عرابي، الزعيم العربي المسلم، وقد عاد من منفاه محروماً من ماله وداره، واجتمع المؤتمرون، وهم من المستشرقين، برئاسة القسيس زويمر، ونادى أحد المؤتمرين بإنشاء جامعة نصرانية، تتولى كل الكنائس المسيحية الإنفاق عليها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة.(1)
والكتاب حافل بما يكشف حقيقة المؤامرة على لغتنا التي عليها يقوم ديننا.
وفي كتاب الدكتور محمد محمد حسين – رحمه الله – "حصوننا مهددة من داخلها" الذي مضى عليه ما يزيد على 55 سنة لفتات صادقة، من مؤمن راسخ الإيمان، تفضح مساعي الغربيين لهدم اللغة العربية بأساليب شتى، غالبها يفرض بحكم الهيمنة والسيطرة العسكرية، والالتزام بمواثيق المنظمات الدولية التي تهدف إلى تطويق الإسلام بانتزاع أبنائه منه فكرياً عن طريق التحكم بالتعليم وأسه اللغة العربية.
وبعض الذين استقوا العلوم من مؤسسات غربية تحديداً أُشْبِعوا أن العلوم واسعة جامعة، متى ما وقعت على مجال انسحبت بالضرورة على نظائرها وأشباهها، فعلم اللغة ودراسة الأصوات يتساوى فيه البشر جميعاً، وما ينطبق على إنسان الأدغال نحققه في رجل الحضارة الحديثة في أوروبا، وما أوقعناه على زنوج أفريقيا نقيسه حتماً على إنسان الجزيرة العربية، فهم يرون أن خصائص البشر اللغوية واحدة وهذا خطأ فاحش، وغرور من القول طائش، فطبيعة اللغة لها مقوماتها في كل بيئة من جوانب اجتماعية، وأساليب أداء، وطواعية أجهزة النطق، والدكتور محمد محمد حسين – رحمه الله - يقول: "يحاول علم اللغة أن يجد طرقاً لدراسة (اللغة) باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة، تصلح لدراسة جميع الأشكال الكلامية التي تصطنعها الجماعات البشرية على اختلافها. وقد يكون لهذه المحاولة ما يبررها في اللغات الأوروبية التي تشترك في طبيعتها اللغوية وتتقارب في ظروفها الاجتماعية، والتي تتغير معاجمها بين الحين والحين، فلا يمر قرن واحد على لغة من لغاتها دون أن يصيبها تغيير أساسي في كثير من مفرداتها وقواعدها. ولكن إقحام هذه الدراسة التي تنبع اهتماماتها وقواعدها من طبيعة اللغات الأوروبية على لغة كالعربية، تختلف في طبيعتها وفي ظروفها التاريخية والاجتماعية اختلافاً أساسياً عن هذه اللغات ، بدعٌ شاذٌّ قليل الجدوى، بل هو إفساد مُضِرٌّ وقلب للأوضاع، لأنه يحاول أن يفرض قواعد نابعة من خارج اللغة العربية على طبيعتها اللغوية، بدل أن يستنبط من واقعها اللغوي وطبيعتها المستقرة قواعد تعين على فهمها وضبطها واستخدامها في التعبير. واللغة العربية – بحمد الله – غنية بهذه الدراسات عريقة فيها. وقياسها على اللغات الأوروبية التي ليس لها مثل هذا التراث العريق الممعن في العراقة طولاً وعرضاً، خطأ فادح، لا يكون إلا عن جهل وسوء قصد".(2)
ثم يقول د.محمد محمد حسين: "وخطر هذه الدعوات على التراث الإسلامي وعلى الأجيال التالية من أبناء المسلمين وأبناء العرب بخاصة واضح لا شك فيه. فكلها يرمي إلى عزل هذه الأجيال عن تراثها، بتغيير رسم الخط تارة، وبتطوير اللغة تارة أخرى، وهو تطوير يزداد مع توالي الأعوام، وبتغيير مصطلح العلوم اللغوية من نحوية وصرفية وبلاغية تارة ثالثة، وهو مصطلح يشيع استعماله في كل كتب التراث من تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث الشريف، وشرح النصوص الشعرية والنثرية".(3)
من هنا كان يتعين علينا أن نتوخى الحذر في مناقشاتنا لقضايا اللغة العربية، واستقصائنا لدراسات أسلافنا من علماء اللغة، فحينما انفتح العالم العربي على الغرب قسراً، ولم تعد تجمعه الخلافة الإسلامية، هب الغيورون من أبنائه ليذودوا عن لغتهم فأنشئت في بغداد ودمشق والقاهرة مجامع للغة العربية، وهي وإن كانت قامت على أساس قومي عروبي، مشوب بشيء من الحرص الديني لدى بعض أعضائها، فقد اندس فيها من المستشرقين وحوارييهم وأذيالهم كثير ممن تزيَّوا بزي العلماء، وتمسحوا بمسوح المخلصين للعربية؛ فنضحت منهم دعوات صارخة لهدمها؛ تزعم أنها تحمل معاني التجديد والتطوير، فقد دعا أحد أعضائها، في الأربعينيات الميلادية من القرن الماضي، إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، وأحد رؤساء مجمع القاهرة دعا علناً إلى تمصير اللغة العربية (أي تحويلها إلى اللهجة المصرية الدارجة)، وفي المؤتمر الأول للمجامع اللغوية المنعقد في دمشق سنة 1956م دعا رئيس مجمع القاهرة إلى تطوير اللغة العربية بمزجها باللهجات العامية، إلا أنه لم يغب عن الشرفاء مآربهم فتصدوا لهم ووقفوا بوجوههم وَوَأَدُوا مساعيَهم فخرجوا يجرون أذيال الخيبة والخسران.(4)
وما نزال نسمع ونرى بعض الأصوات التي تدعو إلى التغيير في العربية وأسسها ومبانيها الثابتة، ولا نتهم أولئك بسوء النية، ولكننا نأخذهم بحسن الظن، فنعزو عملهم هذا إلى خدمة اللغة وزعمهم أنها بحاجة إلى تطوير ومواكبة المستجدات والمستحدثات العصرية، ومن هذا القبيل أني وجدت من يدعو إلى ابتداع حرف جديد يضاف إلى رموز الكتابة العربية وهو في حقيقته صوت لغوي يندرج تحت حرف أصل من حروفها الأصول، رُمِزَ له في كتابتها بما يعبر عنه؛ وهو "حرف القاف".
إن أبرز سمة تميز اللغة العربية عن سواها من اللغات هي في مخارج حروفها التي يحققها العربي بفطرته التلقائية دون تكلف أو تعمّل، وذلك ما يجعل لها وقعاً خاصاً في الأذن يختلف عن بقية اللغات الأخرى.
ثم إن نشأة العربي في بيئة صحراوية، تشح عليه وتجود بمقومات الحياة، أخصبت خياله؛ لتتسع لغته لذلك الخيال فتأتي اللغة معبرة عن حياته بكل معانيها بلا حدود ولا قيود.
وقد روَّض العربي نفسه وطوَّع لسانه، فَشَقَّ على غيره من الأعاجم مجاراته ومحاكاته في لغته نطقاً لا اكتناهاً، إذ حفظ لنا الأدب شعراء برّزوا من الأعاجم والروم والزنوج في الشعر، ولكنهم أعيِياء حين ينطقون، كزياد الأعجم ونصيب وسحيم وغيرهم ممن استعرب في أُخَرَة من عمره، خلاف من ولد فيهم.
بعض الحروف تعد محكاً حقيقياً للعروبة والعجمة، فالعربي يفصحها، والأعجمي يعيى بها ويرتضخ لكنةً لا ينفك عنها، والقاف على رأس هذه الحروف، فمخرجها وطريقة نطقها كانا مثارَي جدل منذ وضع سيبويه النحو وقعَّد لمخارج الحروف، إلى أن تلاه الدارسون للهجات العرب في كل عصر وزمن، ليأتي اليوم من يقف وقفة جادة ليحدد معالمها ويتثبت من الآراء التي طرحها الأوائل فوفقوا في بعض الاجتهادات وشتتوا في بعضها.
درس الأوائل الحروف العربية وأحصوها، ووصفوها وصفاً دقيقاً، ووضعوا الرسوم المناسبة لها في تسعة وعشرين رمزاً، قسموها على الأجهزة الصوتية المعروفة في الإنسان، وحفلت بتفصيلها كتب اللغة القديمة وكتب الصوتيات الحديثة.
وبوقفة من البحث الجاد فيما كتبه الباحثون عن حرف القاف بالذات، وجدت أننا لم نخرج عن إطار جهودهم الجليلة، وما دعونا إلا بدعوتهم الصادقة للإبقاء على أصوله ورده إلى ما كان العرب الأقحاح ينطقونه به فتلتقي عليه كل بيئاتهم ولهجاتهم المتفاوتة، لذلك جمعهم القرآن الكريم في أصفى اللهجات وأنقى اللغات ليأتي مبرّأً من كل مأخذ، أصيلاً في كل لغة.
الدراسات الحديثة لحرف القاف:
وقفت على نصوص رصينة لا تكاد تحصر تناولت الحرف، وأسهبت فيه درساً وتمحيصاً، بما لا يتيح مجالاً لمتأول، ولا يبيح اجتهاداً لمتقوِّل في أن يزيدا فيها أو يعيدا.
إن من أبرز ما وقفت عليه بحثاً مستفيضاً للدكتور عبد الفتاح محجوب محمد إبراهيم عنوانه: "القاف المسماة فصيحة، والأخرى المسماة عامية في عربية اليوم الفصحى"، نشره في مجلة جامعة أم القرى للبحوث العلمية المحكمة، في عددها الثاني عشر من سنتها التاسعة لعام 1416هـ. وقد جاء البحث في صفحات ما بين 211-246. ولعله توصل بطريقة علمية إلى أن القاف - على تفاوت بيئات الجزيرة العربية وما جاورها من الأقطار إقليمياً وجغرافياً - في أغلب مخارجها فصيحة وأكد أن القاف العامية اليوم هي الفصيحة في الأصل، وما تفرع منها داخل في حكمها ولو فرضته بيئة معينة، وله وجه توصيفي في دراسة الصوتيات ومخارج الحروف.
ومجال هذا البحث واسع متشعب الأنحاء، فلم نرَ أواخرَنا سلَّموا لأوائلنا بما وصلوا إليه من استنباط علمي، ولو أيقنوا بدقته واتفاقه من الناحية العلمية، شأنه بذلك شأن العلوم التطبيقية المتجددة بسعة المستحدثات العلمية التي تلغي ما قبلها غالباً؛ إما ببطلان النظرية أو بتطويرها إلى ما هو أدق منها.
لم يكن اتجاه البحث في الصوتيات على مسار واحد لدى القدامى والمحدثين، فقد كانا – كما يقول د.تمام حسان – على طرفي نقيض تماماً حيث يقول:
"ولقد اتجه سيبويه وأصحابه عند النظر في استنباط الحروف من الأصوات عكس ما يراه المحدثون، فسوف نرى في دراسة الصوتيات أن اتجاه البحث الحديث إنما يكون من الأصوات إلى الحروف؛ إذ ينظم الباحث ما لديه من أصوات جرت ملاحظتها ووصفها فيبوبها إلى مجموعات تسمى كل مجموعة منها حرفاً؛ وذلك كأن يجمع الأصوات المختلفة الدالة على النون مع اختلاف المخارج بين هذه الأصوات فيجعلها تحت عنوان واحد هو "حرف النون". ولكن سيبويه وأصحابه، حين تصدوا لتحليل الأصوات العربية، كان بين أيديهم نظام صوتي كامل معروف ومشهور للغة العربية، وكانت الحروف التي يشتمل عليها هذا النظام قد جرى تطويعها للكتابة منذ زمن طويل، فكان لكل حرف منها رمز كتابي يدل على الحرف في عمومه، دون النظر إلى ما يندرج تحته من أصوات. فارتضى سيبويه وأصحابه هذا النظام الصوتي المشهور واتخذوه نقطة ابتداء في دراستهم للأصوات العربية، ومن هنا رأينا الأصوات العربية التي تحت كل حرف من هذا النظام لا تعدو أن تكون صفة لهذا الحرف.
... ولقد رأى سيبويه (وهو رأي شيوخه وأصحابه كذلك) أن أصول حروف العربية (يقصد الأصوات الرئيسية لحروفها) تبلغ في عددها تسعة وعشرين حرفاً".(5) وهي المعروفة في الكتابة العربية منذ شرع القلم وانتُضِيَ مدوناً بلغة العرب.
ويضيف الدكتور حسان أن ما تناوله سيبويه في كتابه من حال الحروف المعتد بها في الكتابة المحصورة في 29 حرفاً يضاف إليه الحروف الفرعية المستحسنة؛ وهي ستة فروع يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار فيفيض في تفصيلها وغالبها كما يشير الدكتور حسان دون تمثيل.
ويأتي بعد ذلك على "حروف "ثمانية" أخرى غير مستحسنة ولا كثيرة في لغة من ترتضى عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر، ولم يحدد سيبويه بالنسبة لهذه الثمانية ما إذا كانت قاصرة على الكلمات المعربة من اللغات الأجنبية دون الكلمات الأصيلة في العربية أو أنها كانت توجد في الكلمات الأصيلة كذلك ليأتي منها بـ:37- "الجيم التي كالكاف"ولم نجد في كلام سيبويه تمثيلاً لهذه الجيم ولكن ابن عصفور جاء بمثال لها في المقرب ... إن كلمة "رجل" تصير بهذه الجيم إلى "ركل؛ ragul"وهو بهذا يجعل الجيم أختاً للجيم القاهرية ومطابقة لها تماماً" (6)
أشار أ.د. تمام حسان إلى ملمح دقيق حول من قرأ كتاب سيبويه ونظر فيه حيث قال:
"ولقد كان قراء كتاب سيبويه – ولا يزالون – يجدون صعوبة في فهم مصطلحات سيبويه التي استعملها في تحليله للأصوات العربية، إما لأنهم لا يرون لهذه الاصطلاحات عنصر الاطراد في الدلالة، وإما لأنهم يخلطون بين معناها المعجمي ومعناها الاصطلاحي، وإما لأسباب أخرى".(7)
ويعد الأستاذ الدكتور تمام حسان مرجعاً عليه المعوّل في علوم العربية لا سيما الصوتيات وعلوم اللغة، لذلك وجدت الدكتور أحمد مختار عمر يعتمده مرجحاً لآراء ساقها في حرف القاف حينما قال: "القاف:
يتلخص رأي القدماء في وصف هذا الصوت فيما يأتي:
1- من ناحية المخرج ذكر سيبويه وابن جني أنه "من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى"، كما ذكر أن مخرج الكاف يلي مخرج القاف. ولكن من المتأخرين من ذكر أن القاف والكاف في حيز واحد (وإن اعتبر الكاف أدنى إلى مقدم الفم) ولذا وصفهما جميعاً بأنهما لهويتان، وعلل ذلك بقوله: لأن مبدأهما من اللهاة.
2- من ناحية الجهر والهمس وصفها الجميع بأنها مجهورة.
3- من ناحية التفخيم لم يعتبرها القدماء من أصوات التفخيم لأنهم قصروا تلك الأصوات على الصاد والضاد والطاء والظاء.
فما وجه الحق في مخرج القاف؟ وفي وصفها بالجهر؟ ووصفها بالترقيق؟
أما بالنسبة للمخرج فالأمر هين، لأنهما يمكن اعتبارهما من مخرج واحد إذا وسعنا دائرة المخرج لتشمل منطقتي اللهاة والطبق اللين المتجاورتين. كما أنهما يمكن اعتبارهما من مخرجين إذا فصلنا منطقة الطبق اللين عن منطقة اللهاة. وهذا الخلاف الموجود بين القدماء نجده كذلك بين المحدثين؛ فنجد ترويزكوي مثلاً يعتبر القاف هي المقابل المفخم للكاف، كاعتبار الطاء هي المقابل المفخم للتاء، وهذا يعني اتحاد مخرجهما. ولكننا نجد العاني يفرق بين مخرجيهما فيضع القاف في منطقة اللهاة والكاف في منطقة الطبق اللين.
أما من ناحية وصفها بالجهر فإننا نجد مجيدي القراءات في مصر الآن ينطقونها مهموسة، كما ذكر كانتينو أن هذا هو النطق التقليدي في العربية الفصحى اليوم.
فهل أخطأ القدماء؟ رغم وجود هذا الاحتمال، وبخاصة إذا كانوا لم يجردوا القاف من الحركة التي تليها، فإننا نحسن الظن بهم ونقول: لعلهم وصفوا قافاً مجهورة في القديم، ثم تطورت بمرور الوقت حتى صارت مهموسة، أو لعل النطقين كانا موجودين جنباً إلى جنب فاختاروا من بينهما ما اعتبروه فصيحاً وهو الصوت المجهور.
ولكن كيف كانت تنطق هذه القاف المجهورة؟
لذلك احتمالان – نستقيهما من اللهجات العربية الحديثة – وهما:
- نطقها غيناً أو قريبة من صوت الغين.
- نطقها جيماً قاهرية (مجهور الكاف) أو قريبة من صوت هذه الجيم.
وكلا النطقين ما يزال منتشراً في الأقاليم العربية.
أما من ناحية الحكم عليها بالترقيق، أو بعبارة أخرى عدم إدراجها في الأصوات المفخمة فيبدو أن السبب في هذا عدم وجود مقابل مرقق لها. ولذا لم يلفت تفخيمها نظر القدماء. ولكن من ناحية أخرى نجد سيبويه يذكر القاف في زمرة الحروف المانعة لإمالة الألف، أي الحروف المستعلية أو المفخمة. وهو الوصف الذي أيده كل من جاكوب سن، وبرجسون، ... ويؤيده كثير من النحاة الأوروبيين، ويوافق عليه جزئياً الدكتور تمام حسان حيث ينسب للقاف بعض القيمة التفخيمية. (8)
وللأستاذ الدكتور علي سيد أحمد جعفر بحث حول مصطلحات صوتية غامضة خص القاف منها بدراسة وافية. ومما قاله فيه:
"فنحن نرى أن عبارة سيبويه ومن تبعه في تحديد مخرج القاف بأنه :(من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى) يمكن أن تفهم عبارة: (أقصى اللسان) فيها أنها أقصى نقطة داخلية في اللسان الراقد، وهي عينها أعلى جِذْعِه، وعبارة (وما فوقه من الحنك الأعلى) أنها نهاية الحنك الأعلى من الداخل، وهي بعينها منطقة أصل اللهاة. وبذلك تلتقي التحديدات.
وهذه القاف: شديدة، مجهورة، مستعلية.
وقد هُدِيتُ إلى نطقها مجهورةً حسب ما وصفها القدماء، وأمارسه وأعلمه تلاميذي، ويتوفر فيها – بهذا النطق – كل ما قاله الأقدمون.
هذا ولا تختلف قافنا الحديثة التي نسمعها على ألسنة مجيدي القراءات القرآنية عن القاف القديمة شيئا ذا بال، اللهم إلا أن القاف الحديثة مهموسة لا مجهورة كما ينطق بها قديماً، وهذا شيء من التطور الصوتي الذي أصاب هذا الصوت على مر العصور، مع احتفاظ القاف الحديثة بمخرج القاف القديمة وبقية صفاتها المنصوص عليها في كتب اللغة والقراءات والتجويد.
فالقاف الحديثة: صوت صامت مهموس لهوي انفجاري.
صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.