منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مشاركات وتحقيقات لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=35)
-   -   حرف القاف ومخالسة اللهجات (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=5936)

صالح بن إبراهيم العوض 06-23-2014 05:16 PM

حرف القاف ومخالسة اللهجات
 
بسم الله الرحمن الرحيم
(حرف القاف ومخالسة اللهجات)


مدخل:
لا تفتأ اللغة العربية تواجه صنوفاً من الحروب والتحديات المستميتة، ولغة أية أمة مستهدفة كما تستهدف الأرواح والعقول والمعتقدات، واللغة العربية استهدفت لأنها وعاء الدين وقوامه وسر كتابه العظيم، وما برح أعداؤها يسعون جادين ليل نهار لإنهاكها وعزل أبنائها عن نتاجها الثري؛ ليقفوا حائرين أمام تلقي هذا الثراء الغني بكل معاني التفرد والتميز بين اللغات الأخرى المتهاوية على معاقبة الليل والنهار وتوالي الحقوب، لافتقارها إلى مقومات البقاء والديمومة، ولقلة موروثها الأصيل، ولعدم روحانيتها بابتعادها عن الارتباط بالإرث الديني لشعوبها، فضعفت وتهالكت؛ فلا نكاد نجد لغةً تحافظ على أصولها التواضعية دلالة وتركيباً؛ تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون دون أن يطالها التغيير والتحريف.
اللغة العربية أعظم لغة، وأهم لغة نطق بها الإنسان، فهي لغة دين ومجتمع وسياسة وعلم؛ إذ بها نزل القرآن الكريم، وبها ارتقت أمته، ونالت اللغات الأخرى من ألفاظها قسطاً كبيراً، واستعارت حروفها بعض اللغات التي جاورتها؛ فكتبت به واصطنعته رمزاً للتعبير المقروء، وتتجلى عظمة العربية في أنها احتوت العلوم المختلفة التي نُقِلَت إليها من لغات أخرى على أيدي المترجمين العرب والمستعربين إبان ازدهار الحضارة الإسلامية قبل نيْفٍ وعشرة قرون.
أدرك محاربو اللغة العربية أنها الوعاء الأمين والحاضن السخي للقيم والأخلاق، وللمعاني العقدية الصادقة، فانبروا بكل ما أوتوا من وسائل وسبل لضربها في العمق؛ لأنهم بتوهمهم تحقيق الانتصار على اللغة سيقطعون الطريق على انتشار العقيدة، وسيربكون ثبات القيم الدينية والأخلاق الإسلامية، فجاءت مناهجهم العدوانية موجهة بدقة إلى لغة القرآن، وقد ذكر الدكتور السيد رزق الطويل في كتابه:"اللسان العربي والإسلام معاً في معركة المواجهة"، نصوصاً منتقاة بعناية عن رموز المستشرقين الذين رسموا الخطط لمحاربة الإسلام بخنق وعائه وحاضنه اللغة العربية، ومما أورده:
1- "يقول وليم جيفور بلجراف: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه، وبالطبع لا يمكن أن يتوارى القرآن إلا بالقضاء على لغته.
2- عقد مؤتمر بالقاهرة في 4 من إبريل سنة 1906م في بيت أحمد عرابي، الزعيم العربي المسلم، وقد عاد من منفاه محروماً من ماله وداره، واجتمع المؤتمرون، وهم من المستشرقين، برئاسة القسيس زويمر، ونادى أحد المؤتمرين بإنشاء جامعة نصرانية، تتولى كل الكنائس المسيحية الإنفاق عليها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة.(1)
والكتاب حافل بما يكشف حقيقة المؤامرة على لغتنا التي عليها يقوم ديننا.
وفي كتاب الدكتور محمد محمد حسين – رحمه الله – "حصوننا مهددة من داخلها" الذي مضى عليه ما يزيد على 55 سنة لفتات صادقة، من مؤمن راسخ الإيمان، تفضح مساعي الغربيين لهدم اللغة العربية بأساليب شتى، غالبها يفرض بحكم الهيمنة والسيطرة العسكرية، والالتزام بمواثيق المنظمات الدولية التي تهدف إلى تطويق الإسلام بانتزاع أبنائه منه فكرياً عن طريق التحكم بالتعليم وأسه اللغة العربية.
وبعض الذين استقوا العلوم من مؤسسات غربية تحديداً أُشْبِعوا أن العلوم واسعة جامعة، متى ما وقعت على مجال انسحبت بالضرورة على نظائرها وأشباهها، فعلم اللغة ودراسة الأصوات يتساوى فيه البشر جميعاً، وما ينطبق على إنسان الأدغال نحققه في رجل الحضارة الحديثة في أوروبا، وما أوقعناه على زنوج أفريقيا نقيسه حتماً على إنسان الجزيرة العربية، فهم يرون أن خصائص البشر اللغوية واحدة وهذا خطأ فاحش، وغرور من القول طائش، فطبيعة اللغة لها مقوماتها في كل بيئة من جوانب اجتماعية، وأساليب أداء، وطواعية أجهزة النطق، والدكتور محمد محمد حسين – رحمه الله - يقول: "يحاول علم اللغة أن يجد طرقاً لدراسة (اللغة) باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة، تصلح لدراسة جميع الأشكال الكلامية التي تصطنعها الجماعات البشرية على اختلافها. وقد يكون لهذه المحاولة ما يبررها في اللغات الأوروبية التي تشترك في طبيعتها اللغوية وتتقارب في ظروفها الاجتماعية، والتي تتغير معاجمها بين الحين والحين، فلا يمر قرن واحد على لغة من لغاتها دون أن يصيبها تغيير أساسي في كثير من مفرداتها وقواعدها. ولكن إقحام هذه الدراسة التي تنبع اهتماماتها وقواعدها من طبيعة اللغات الأوروبية على لغة كالعربية، تختلف في طبيعتها وفي ظروفها التاريخية والاجتماعية اختلافاً أساسياً عن هذه اللغات ، بدعٌ شاذٌّ قليل الجدوى، بل هو إفساد مُضِرٌّ وقلب للأوضاع، لأنه يحاول أن يفرض قواعد نابعة من خارج اللغة العربية على طبيعتها اللغوية، بدل أن يستنبط من واقعها اللغوي وطبيعتها المستقرة قواعد تعين على فهمها وضبطها واستخدامها في التعبير. واللغة العربية – بحمد الله – غنية بهذه الدراسات عريقة فيها. وقياسها على اللغات الأوروبية التي ليس لها مثل هذا التراث العريق الممعن في العراقة طولاً وعرضاً، خطأ فادح، لا يكون إلا عن جهل وسوء قصد".(2)
ثم يقول د.محمد محمد حسين: "وخطر هذه الدعوات على التراث الإسلامي وعلى الأجيال التالية من أبناء المسلمين وأبناء العرب بخاصة واضح لا شك فيه. فكلها يرمي إلى عزل هذه الأجيال عن تراثها، بتغيير رسم الخط تارة، وبتطوير اللغة تارة أخرى، وهو تطوير يزداد مع توالي الأعوام، وبتغيير مصطلح العلوم اللغوية من نحوية وصرفية وبلاغية تارة ثالثة، وهو مصطلح يشيع استعماله في كل كتب التراث من تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث الشريف، وشرح النصوص الشعرية والنثرية".(3)
من هنا كان يتعين علينا أن نتوخى الحذر في مناقشاتنا لقضايا اللغة العربية، واستقصائنا لدراسات أسلافنا من علماء اللغة، فحينما انفتح العالم العربي على الغرب قسراً، ولم تعد تجمعه الخلافة الإسلامية، هب الغيورون من أبنائه ليذودوا عن لغتهم فأنشئت في بغداد ودمشق والقاهرة مجامع للغة العربية، وهي وإن كانت قامت على أساس قومي عروبي، مشوب بشيء من الحرص الديني لدى بعض أعضائها، فقد اندس فيها من المستشرقين وحوارييهم وأذيالهم كثير ممن تزيَّوا بزي العلماء، وتمسحوا بمسوح المخلصين للعربية؛ فنضحت منهم دعوات صارخة لهدمها؛ تزعم أنها تحمل معاني التجديد والتطوير، فقد دعا أحد أعضائها، في الأربعينيات الميلادية من القرن الماضي، إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، وأحد رؤساء مجمع القاهرة دعا علناً إلى تمصير اللغة العربية (أي تحويلها إلى اللهجة المصرية الدارجة)، وفي المؤتمر الأول للمجامع اللغوية المنعقد في دمشق سنة 1956م دعا رئيس مجمع القاهرة إلى تطوير اللغة العربية بمزجها باللهجات العامية، إلا أنه لم يغب عن الشرفاء مآربهم فتصدوا لهم ووقفوا بوجوههم وَوَأَدُوا مساعيَهم فخرجوا يجرون أذيال الخيبة والخسران.(4)
وما نزال نسمع ونرى بعض الأصوات التي تدعو إلى التغيير في العربية وأسسها ومبانيها الثابتة، ولا نتهم أولئك بسوء النية، ولكننا نأخذهم بحسن الظن، فنعزو عملهم هذا إلى خدمة اللغة وزعمهم أنها بحاجة إلى تطوير ومواكبة المستجدات والمستحدثات العصرية، ومن هذا القبيل أني وجدت من يدعو إلى ابتداع حرف جديد يضاف إلى رموز الكتابة العربية وهو في حقيقته صوت لغوي يندرج تحت حرف أصل من حروفها الأصول، رُمِزَ له في كتابتها بما يعبر عنه؛ وهو "حرف القاف".
إن أبرز سمة تميز اللغة العربية عن سواها من اللغات هي في مخارج حروفها التي يحققها العربي بفطرته التلقائية دون تكلف أو تعمّل، وذلك ما يجعل لها وقعاً خاصاً في الأذن يختلف عن بقية اللغات الأخرى.
ثم إن نشأة العربي في بيئة صحراوية، تشح عليه وتجود بمقومات الحياة، أخصبت خياله؛ لتتسع لغته لذلك الخيال فتأتي اللغة معبرة عن حياته بكل معانيها بلا حدود ولا قيود.
وقد روَّض العربي نفسه وطوَّع لسانه، فَشَقَّ على غيره من الأعاجم مجاراته ومحاكاته في لغته نطقاً لا اكتناهاً، إذ حفظ لنا الأدب شعراء برّزوا من الأعاجم والروم والزنوج في الشعر، ولكنهم أعيِياء حين ينطقون، كزياد الأعجم ونصيب وسحيم وغيرهم ممن استعرب في أُخَرَة من عمره، خلاف من ولد فيهم.
بعض الحروف تعد محكاً حقيقياً للعروبة والعجمة، فالعربي يفصحها، والأعجمي يعيى بها ويرتضخ لكنةً لا ينفك عنها، والقاف على رأس هذه الحروف، فمخرجها وطريقة نطقها كانا مثارَي جدل منذ وضع سيبويه النحو وقعَّد لمخارج الحروف، إلى أن تلاه الدارسون للهجات العرب في كل عصر وزمن، ليأتي اليوم من يقف وقفة جادة ليحدد معالمها ويتثبت من الآراء التي طرحها الأوائل فوفقوا في بعض الاجتهادات وشتتوا في بعضها.
درس الأوائل الحروف العربية وأحصوها، ووصفوها وصفاً دقيقاً، ووضعوا الرسوم المناسبة لها في تسعة وعشرين رمزاً، قسموها على الأجهزة الصوتية المعروفة في الإنسان، وحفلت بتفصيلها كتب اللغة القديمة وكتب الصوتيات الحديثة.
وبوقفة من البحث الجاد فيما كتبه الباحثون عن حرف القاف بالذات، وجدت أننا لم نخرج عن إطار جهودهم الجليلة، وما دعونا إلا بدعوتهم الصادقة للإبقاء على أصوله ورده إلى ما كان العرب الأقحاح ينطقونه به فتلتقي عليه كل بيئاتهم ولهجاتهم المتفاوتة، لذلك جمعهم القرآن الكريم في أصفى اللهجات وأنقى اللغات ليأتي مبرّأً من كل مأخذ، أصيلاً في كل لغة.

الدراسات الحديثة لحرف القاف:
وقفت على نصوص رصينة لا تكاد تحصر تناولت الحرف، وأسهبت فيه درساً وتمحيصاً، بما لا يتيح مجالاً لمتأول، ولا يبيح اجتهاداً لمتقوِّل في أن يزيدا فيها أو يعيدا.
إن من أبرز ما وقفت عليه بحثاً مستفيضاً للدكتور عبد الفتاح محجوب محمد إبراهيم عنوانه: "القاف المسماة فصيحة، والأخرى المسماة عامية في عربية اليوم الفصحى"، نشره في مجلة جامعة أم القرى للبحوث العلمية المحكمة، في عددها الثاني عشر من سنتها التاسعة لعام 1416هـ. وقد جاء البحث في صفحات ما بين 211-246. ولعله توصل بطريقة علمية إلى أن القاف - على تفاوت بيئات الجزيرة العربية وما جاورها من الأقطار إقليمياً وجغرافياً - في أغلب مخارجها فصيحة وأكد أن القاف العامية اليوم هي الفصيحة في الأصل، وما تفرع منها داخل في حكمها ولو فرضته بيئة معينة، وله وجه توصيفي في دراسة الصوتيات ومخارج الحروف.
ومجال هذا البحث واسع متشعب الأنحاء، فلم نرَ أواخرَنا سلَّموا لأوائلنا بما وصلوا إليه من استنباط علمي، ولو أيقنوا بدقته واتفاقه من الناحية العلمية، شأنه بذلك شأن العلوم التطبيقية المتجددة بسعة المستحدثات العلمية التي تلغي ما قبلها غالباً؛ إما ببطلان النظرية أو بتطويرها إلى ما هو أدق منها.
لم يكن اتجاه البحث في الصوتيات على مسار واحد لدى القدامى والمحدثين، فقد كانا – كما يقول د.تمام حسان – على طرفي نقيض تماماً حيث يقول:
"ولقد اتجه سيبويه وأصحابه عند النظر في استنباط الحروف من الأصوات عكس ما يراه المحدثون، فسوف نرى في دراسة الصوتيات أن اتجاه البحث الحديث إنما يكون من الأصوات إلى الحروف؛ إذ ينظم الباحث ما لديه من أصوات جرت ملاحظتها ووصفها فيبوبها إلى مجموعات تسمى كل مجموعة منها حرفاً؛ وذلك كأن يجمع الأصوات المختلفة الدالة على النون مع اختلاف المخارج بين هذه الأصوات فيجعلها تحت عنوان واحد هو "حرف النون". ولكن سيبويه وأصحابه، حين تصدوا لتحليل الأصوات العربية، كان بين أيديهم نظام صوتي كامل معروف ومشهور للغة العربية، وكانت الحروف التي يشتمل عليها هذا النظام قد جرى تطويعها للكتابة منذ زمن طويل، فكان لكل حرف منها رمز كتابي يدل على الحرف في عمومه، دون النظر إلى ما يندرج تحته من أصوات. فارتضى سيبويه وأصحابه هذا النظام الصوتي المشهور واتخذوه نقطة ابتداء في دراستهم للأصوات العربية، ومن هنا رأينا الأصوات العربية التي تحت كل حرف من هذا النظام لا تعدو أن تكون صفة لهذا الحرف.
... ولقد رأى سيبويه (وهو رأي شيوخه وأصحابه كذلك) أن أصول حروف العربية (يقصد الأصوات الرئيسية لحروفها) تبلغ في عددها تسعة وعشرين حرفاً".(5) وهي المعروفة في الكتابة العربية منذ شرع القلم وانتُضِيَ مدوناً بلغة العرب.
ويضيف الدكتور حسان أن ما تناوله سيبويه في كتابه من حال الحروف المعتد بها في الكتابة المحصورة في 29 حرفاً يضاف إليه الحروف الفرعية المستحسنة؛ وهي ستة فروع يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار فيفيض في تفصيلها وغالبها كما يشير الدكتور حسان دون تمثيل.
ويأتي بعد ذلك على "حروف "ثمانية" أخرى غير مستحسنة ولا كثيرة في لغة من ترتضى عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر، ولم يحدد سيبويه بالنسبة لهذه الثمانية ما إذا كانت قاصرة على الكلمات المعربة من اللغات الأجنبية دون الكلمات الأصيلة في العربية أو أنها كانت توجد في الكلمات الأصيلة كذلك ليأتي منها بـ:37- "الجيم التي كالكاف"ولم نجد في كلام سيبويه تمثيلاً لهذه الجيم ولكن ابن عصفور جاء بمثال لها في المقرب ... إن كلمة "رجل" تصير بهذه الجيم إلى "ركل؛ ragul"وهو بهذا يجعل الجيم أختاً للجيم القاهرية ومطابقة لها تماماً" (6)
أشار أ.د. تمام حسان إلى ملمح دقيق حول من قرأ كتاب سيبويه ونظر فيه حيث قال:
"ولقد كان قراء كتاب سيبويه – ولا يزالون – يجدون صعوبة في فهم مصطلحات سيبويه التي استعملها في تحليله للأصوات العربية، إما لأنهم لا يرون لهذه الاصطلاحات عنصر الاطراد في الدلالة، وإما لأنهم يخلطون بين معناها المعجمي ومعناها الاصطلاحي، وإما لأسباب أخرى".(7)
ويعد الأستاذ الدكتور تمام حسان مرجعاً عليه المعوّل في علوم العربية لا سيما الصوتيات وعلوم اللغة، لذلك وجدت الدكتور أحمد مختار عمر يعتمده مرجحاً لآراء ساقها في حرف القاف حينما قال: "القاف:
يتلخص رأي القدماء في وصف هذا الصوت فيما يأتي:
1- من ناحية المخرج ذكر سيبويه وابن جني أنه "من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى"، كما ذكر أن مخرج الكاف يلي مخرج القاف. ولكن من المتأخرين من ذكر أن القاف والكاف في حيز واحد (وإن اعتبر الكاف أدنى إلى مقدم الفم) ولذا وصفهما جميعاً بأنهما لهويتان، وعلل ذلك بقوله: لأن مبدأهما من اللهاة.
2- من ناحية الجهر والهمس وصفها الجميع بأنها مجهورة.
3- من ناحية التفخيم لم يعتبرها القدماء من أصوات التفخيم لأنهم قصروا تلك الأصوات على الصاد والضاد والطاء والظاء.
فما وجه الحق في مخرج القاف؟ وفي وصفها بالجهر؟ ووصفها بالترقيق؟
أما بالنسبة للمخرج فالأمر هين، لأنهما يمكن اعتبارهما من مخرج واحد إذا وسعنا دائرة المخرج لتشمل منطقتي اللهاة والطبق اللين المتجاورتين. كما أنهما يمكن اعتبارهما من مخرجين إذا فصلنا منطقة الطبق اللين عن منطقة اللهاة. وهذا الخلاف الموجود بين القدماء نجده كذلك بين المحدثين؛ فنجد ترويزكوي مثلاً يعتبر القاف هي المقابل المفخم للكاف، كاعتبار الطاء هي المقابل المفخم للتاء، وهذا يعني اتحاد مخرجهما. ولكننا نجد العاني يفرق بين مخرجيهما فيضع القاف في منطقة اللهاة والكاف في منطقة الطبق اللين.
أما من ناحية وصفها بالجهر فإننا نجد مجيدي القراءات في مصر الآن ينطقونها مهموسة، كما ذكر كانتينو أن هذا هو النطق التقليدي في العربية الفصحى اليوم.
فهل أخطأ القدماء؟ رغم وجود هذا الاحتمال، وبخاصة إذا كانوا لم يجردوا القاف من الحركة التي تليها، فإننا نحسن الظن بهم ونقول: لعلهم وصفوا قافاً مجهورة في القديم، ثم تطورت بمرور الوقت حتى صارت مهموسة، أو لعل النطقين كانا موجودين جنباً إلى جنب فاختاروا من بينهما ما اعتبروه فصيحاً وهو الصوت المجهور.
ولكن كيف كانت تنطق هذه القاف المجهورة؟
لذلك احتمالان – نستقيهما من اللهجات العربية الحديثة – وهما:
- نطقها غيناً أو قريبة من صوت الغين.
- نطقها جيماً قاهرية (مجهور الكاف) أو قريبة من صوت هذه الجيم.
وكلا النطقين ما يزال منتشراً في الأقاليم العربية.
أما من ناحية الحكم عليها بالترقيق، أو بعبارة أخرى عدم إدراجها في الأصوات المفخمة فيبدو أن السبب في هذا عدم وجود مقابل مرقق لها. ولذا لم يلفت تفخيمها نظر القدماء. ولكن من ناحية أخرى نجد سيبويه يذكر القاف في زمرة الحروف المانعة لإمالة الألف، أي الحروف المستعلية أو المفخمة. وهو الوصف الذي أيده كل من جاكوب سن، وبرجسون، ... ويؤيده كثير من النحاة الأوروبيين، ويوافق عليه جزئياً الدكتور تمام حسان حيث ينسب للقاف بعض القيمة التفخيمية. (8)
وللأستاذ الدكتور علي سيد أحمد جعفر بحث حول مصطلحات صوتية غامضة خص القاف منها بدراسة وافية. ومما قاله فيه:
"فنحن نرى أن عبارة سيبويه ومن تبعه في تحديد مخرج القاف بأنه :(من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى) يمكن أن تفهم عبارة: (أقصى اللسان) فيها أنها أقصى نقطة داخلية في اللسان الراقد، وهي عينها أعلى جِذْعِه، وعبارة (وما فوقه من الحنك الأعلى) أنها نهاية الحنك الأعلى من الداخل، وهي بعينها منطقة أصل اللهاة. وبذلك تلتقي التحديدات.
وهذه القاف: شديدة، مجهورة، مستعلية.
وقد هُدِيتُ إلى نطقها مجهورةً حسب ما وصفها القدماء، وأمارسه وأعلمه تلاميذي، ويتوفر فيها – بهذا النطق – كل ما قاله الأقدمون.
هذا ولا تختلف قافنا الحديثة التي نسمعها على ألسنة مجيدي القراءات القرآنية عن القاف القديمة شيئا ذا بال، اللهم إلا أن القاف الحديثة مهموسة لا مجهورة كما ينطق بها قديماً، وهذا شيء من التطور الصوتي الذي أصاب هذا الصوت على مر العصور، مع احتفاظ القاف الحديثة بمخرج القاف القديمة وبقية صفاتها المنصوص عليها في كتب اللغة والقراءات والتجويد.
فالقاف الحديثة: صوت صامت مهموس لهوي انفجاري.


صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.

صالح بن إبراهيم العوض 06-23-2014 05:23 PM

تابع ما قبله:


(حرف القاف ومخالسة اللهجات)




وبما أن قسماً كبيراً من الألسن الدارجة في العربية ينطق أصحابها بقاف مجهورة، أمكننا الاعتقاد – على سبيل الاحتمال والترجيح – بأن القاف كان فعلاً حرفاً مجهوراً في العربية القديمة، ويمكن أن يكون نطقه مهموساً في اللهجات الحضرية المدنية، لأن أغلبية المثقفين اليوم هم من أصل مدني. وبخلاف ذلك، فإن اللهجات التي صارت القاف القديمة فيها حرفاً مجهوراً هي لهجات بدوية.(9)
ثم يسوق أ.د.علي جعفر نقلاً، أظنه عن جان كانيتو، فقد ألبس في نُقُولِه:
"وأما القاف القديمة التي بقيت في لهجات البدو الرحَّل بشمال الجزيرة العربية كلهجة الرقة الواقعة على الفرات الأوسط، وأغلبية لهجات الصحراء الجزائرية، ولهجة قبيلة الموالي، فتفزع إلى الانقلاب غينات، فكثيراً ما سمعناهم يقولون: (الغائد) عِوَض (القائد)، و(عبد الغادر) عِوَض (عبد القادر)". (10)
ثم يواصل تحديده إقليمياً للقاف الحديثة فيقول:
"وهي لهجة أوضح ما تكون على ألسنة إخواننا السودانيين، بل يتميزون بها تميزاً واضحاً، كما نسمعها بشيء من الوضوح على ألسنة منطقة البحرين وما حولها من الخليج العربي، وفي نطق أبناء اليمن الجنوبيين، خصوصاً من كان منهم في جهة الشرق، حيث منطقة حضرموت وما جاورها. ولعل هذه المناطق كانت هي الأصل الأصيل الذي هاجر منه فروع من القبائل العربية جهة الشمال (الرقة) والشرق[لعله يقصد الغرب] ( السودان)، والشمال الغربي ( صحراء الجزائر وموريتانيا).(11)
وفي تناول د.عيد محمد الطيب للقاف في كتابه: "لهجات العرب وامتدادها إلى العصر الحاضر" يختصر كثيراً مما قيل عنها إذ يقول تعليقاً على حديث أبي علي الفارسي عن قاف رأى أنها مذمومة غير مستحسنة:
"فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جداً فيقولون: الكَوم (كذا) بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم، قال الشاعر:
ولا أكَول لكَدر الكَوم كَد نضجت ولا أكَول لباب الدار مكَفول*
هكذا جاءت في كتابه، ولعله أراد بها تلك القاف التي نجدها في البيئات البدوية من الوطن العربي، وفي لهجات الصعيد، أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان، حيث تنطق القاف على صورة الجيم السامية القاهرية اليمنية مع شيء من التفخيم. فكان عليه أن يكتبها بكاف فارسية أو كاف بثلاث نقاط تحتية كما فعل الصغاني، لكن حتى مع هذا الرسم، قد يفوته التفخيم اليسير الملحوظ في نطقها.
ومع هذا فهذه القاف كما نلاحظ نطقها اليوم ليست من اللهاة، بل هي من منطقة متقدمة قليلاً فهي من مخرج الكاف لكنها تتميز منها بالجهر وشيء من التضخيم.
قد يقال هذه هي الجيم السامية فكيف تكونان في بيئة واحدة؟!
الواقع أن أهل الصعيد الذين ينطقون القاف بهذه الطريقة يحافظون على نطق الجيم الفصحى ليفرقوا بين الصوتين.
والذين ينطقون الجيم اليمنية ينطقون القاف بصورة تكاد تكون الفصحى التي جاءت في كتاب سيبويه وسر صناعة الإعراب لابن جني، ليتضح الفرق بين الصوتين ويؤدي كل منهما وظيفته الدلالية، إنهم يقولون :(برتكَال) و(كَتَله) و (كَطعه)، في (برتقال) و(قتله) و(قطعه) على صورة الكاف مع شيء يسير من التفخيم اليسير الذي يميزها من الكاف.
وبهذا يتضح لنا أن لهذا الصوت (القاف) صوراً عديدة في النطق العربي القديم والحديث.
القاف الفصحى التي تخرج من أقصى اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى اللين وهي صوت مجهور شديد مستعلٍ مفخم منفتح مصمت، وما زال هذا الصوت في منطقة البرلس؛ إذ يسكنها عرب محافظون، ونسمعه بهذا الشكل من القراء المجيدين أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل.
هذه القاف قد تطورت فتأخر مخرجها قليلاً جهة الحلق لتخرج من اللهاة مع احتفاظها بصفاتها التي ذكرها القدامى.
ثم يضيف بعض "...اللهجات الحديثة التي تستبدل بها صوت الهمزة على نحو ما نجده في لهجة سكان مدن الشام وشمال مصر.
إن هذا الصوت ليعد من الأصوات التي وجدت عناية من اللغويين العرب حيث حرصوا على أن تظل على صورتها المثلى في الفصحى، فاشترطوا أن تقلقل إذا سكنت حتى لا يضيع جهرها فتتحول إلى صوت مهموس، ومع ذلك فإن الناس في حديثهم لا يلاحظون جهرها فوقع ما توقعه اللغويون وصارت في نطق المحدثين مهموسة".(12)
إنني من خلال استقرائي لبعض البحوث التي وقفت عليها حول حرف القاف ومراحل معاناته الزمنية مع النطق حتى وصَلَنا اليوم، وجدت من يشير إشارات إيجابية لصالح لهجاتنا الحالية، مثل الباحثة صالحة راشد غنيم التي ترى: "أن الفصحى عند سيبويه هي اللهجات نفسها، فنطق القبائل العربية على اتساع بيئاتها وتباين منازلها يعد في نظره وحدة واحدة تدرس جميعاً لاستنباط القواعد منها". ومما ألمح إليه بعضهم أيضاً أن: "اللهجة النجدية (المنطوقة في المنطقة الوسطى) تعتبر اللهجة الأكثر محافظة، والأقرب إلى العربية الفصحى".
فالدكتور محمد خضر عريف جرد الفصحى من حرف القاف الحجازية الشائعة في العامية، وجرد العامية من القاف الفصحى، وفي كلتا التبرئتين - فيما يظهر لي - اعتمد على الدراسة الصوتية فقط، بينما وجدنا من خلال ما سبق أن تلك الصوتيات مراحل ثابتة في دراسات الأوائل وتطورية في دراسات المحدثين.(13)
ويروق لبعض الباحثين، الذين لم يقدروا الحرف العربي حق قدره، ما أورده ابن خلدون في مقدمته عن اللسان العربي، وما طرأ عليه من تغيُّرٍ آلَ به التقادم – زعماً - إلى استحداث مخارج جديدة للحروف، مباينةٍ ومغايرةٍ لأصول مخارجها العربية المعروفة، وربما شددوا على الأخذ بدعوته إلى تأصيل مخارجها واعتمادها بوصفها تطوراً مرحلياً يأتي من طبيعة اللغات، ولكنه فاتهم أن ابن خلدون في سياق حديثه عن هذا الحال عد هذا التطور فساداً في اللغة، وتحولاً في اللسان إلى الأسوأ، فابن خلدون لا يجوز له، ولا هو يجوِّز لنفسه، أن يضع قاعدة بنائية على جرف هارٍ، تكسر قواعد راسخة في لغة هو يعرف مكوناتها ومقوماتها المتكاملة والتكاملية، والعيب حتماً فيمن فَهِمَ بطريقته، التي ربما حادت به عن الصواب، ما يرمي إليه ابن خلدون، لا فيما كتبه، مثلما انصرف بعض الدارسين إلى تحوير آراء رموز العربية كسيبويه.
ابن خلدون، حينما يذكر القرآن الكريم، يشير إلى أنه نزل بلسان عربي مبين، وإلى أنه نزل بلغة العرب، وهو موقن - حق اليقين - أن القرآن لا يتغير ولا يتبدل بتبدل لغته، ولو قدر لتلك اللغة أن تكون غير قابلة للثبات، ولا تمتلك مقومات ذلك الثبات، لما نزل بها القرآن بهذا المنهج ونُسِب إلى الله يقيناً قطعياً.
ويكفي اللغة العربية عزة أن الله بكتابه الكريم جعلها مِظَنَّةَ العقل والتقوى دون كل اللغات، فنزوله بلسانها برجاء أن يعقله الناس:"إِنَّاْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ" الزخرف3. وهو بهذا اللسان غير ذي عوج: "قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِيْ عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُوْنَ" الزمر 28.
من استهواه التأول والإبحار في مقدمة ابن خلدون بأدوات غير الأدوات التي نفهم بها، وتلقٍّ غير الذي نتلقى به فربما تاه شططاً، ونَزَا على مبادئَ أَلِفَهَا الناسُ ليروغَ بها عن الفهم العليِّ والطريق السويِّ. وما أكثر أولئك الذين خدعتهم - حين جهلوا - النظريات الغربية، فعمدوا إلى إرثنا القويم ليلوُوا أعناقه تطويعاً وتأليفاً لئلا يخرج على سَنَن أولئك الذين انتزعوهم بَهْراً، واجتذبوهم خدعةً، وما علم أولئك المنساقون أن المسلك مأموم والمبتغى مرسوم.
وفي نقاش علمي رصين تناول الدكتور عبد القادر المهيري مراوحة ابن خلدون بين لفظتي اللغة واللسان في مقدمته وخرج بنتيجة مؤداها يصب في مصلحة التنوع اللهجي الذي يصح لنا بناءً على ما توصل إليه الدكتور المهيري أن نرد بعض التأوّلات الباطلة لفهم أقوال ابن خلدون واستنباط بعض الآراء منها بغير ما أرادها. يقول الدكتور المهيري: "فمفهوم اللغة هنا هو بمثابة الفرع المنتمي إلى أصل واحد هو اللغة العربية في معناها العام، ولذا يقول:"لغات الأمصار الإسلامية بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية". (14)
أما مستويات اللغة في العصر الحديث، ومحاولة تكريس مصطلحات نظرية لتقسيم تطبيقها إلى اثنين أو ثلاثة، كمن يراها فصحى وعامية، أو يضيف إليهما صنفاً ثالثاً يسمونه القياسي، أو كما يحلو لبعضهم اللهجة الثالثة، وهي التي يستعملها الكتاب لغة للاتصال المكتوب في أجهزة التواصل، وعمدوا إلى إشاعتها عن طريق الروايات والقصص القصيرة وبعض وسائل الاتصال الحديثة ليفرضوها واقعاً نسلِّم به مستقبلاً فيصبح معتمداً، فهي في نظري - وربما يوافقني من يحمل غيرة على لغته – عبث سيندحر ويندثر كما اندثر غيره قبله!
وللأستاذ الدكتور سليمان العايد بحث جليل ألقاه محاضرة في نادي مكة الثقافي الأدبي عام 1417هـ عن علاقة اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة في اللغة العربية، وتناول فيه مادة البحث بطريقة علمية دقيقة، حيث عرض للفوارق بين لغة الخطاب ولغة الكتاب فقال: "لغة الخطاب، واللغة المنطوقة، واللغة المتكلمة، أو لغة التخاطب الحي، وهي لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن". وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب، كالشعر والخطابة، والتأليف مما يتعمّل له الشاعر والخطيب والمؤلف، ويبذل فيه شيئاً من الصنعة انتقاءً واختياراً وإحكاماً.
جاء الإسلام ولدى العرب لغة أدبية سامية، تقصر دونها لغات منتشرة بين قبائل الجزيرة العربية هي أشبه باللهجات المحلية، أو الإقليمية، يدير بها كل فئام شؤونهم اليومية، ويتفاهمون من خلالها في حياتهم البيئية، غير أنهم إذا أرادوا لقولهم اتساع الرقعة، ولكلامهم أن يفهمه من كان من غير بيئتهم فزعوا إلى نمط من القول ذي صفات خاصة في الأصوات، والبنى، والتراكيب؛ ليؤدوا به ما يرغبون فيه من أفكار، ومشاعر، وتجربة. وهذا النمط ينظر إليه العربي على أنه نمط عالٍ من القول، يخرجه من حدود بيئته الضيقة إلى سعة البيئة العربية، كما يحل له مشكلة الاختلاف اللغوي بينه وبين غيره في البيئات العربية الأخرى.
وفي معرض تناول الدكتور سليمان اهتمام أسلافنا بالكتابة؛ ما ساقه عن فطرتهم وعفويتهم في حرصهم على القرآن الكريم واختيار من يكتبه في عصر علا فيه شأن القلم وسما أهله، "فكان عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) يستحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر، وقال عمر (رضي الله عنه): لا يُمْلِيَنَّ في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف. وقال عثمان (رضي الله عنه): اجعلوا المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف، وهي قبائل مضرية، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن، وسُفلى تميم". إلى أن يقول عن اللغة في حاليها المكتوبة والمنطوقة: "إن اللغة كما يقرر علم اللغة الحديث، وكما هو واقعها، ظاهرة متغيرة ومؤقتة، وخاضعة لقوانين التطور، مع اختلاف في الاستجابة لهذه القوانين بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة؛ إذ اللغة المكتوبة ثابتة جامدة بطيئة التغير على حين ينطبق قانون التغير السريع على لغة الخطاب، وهي [يعني اللغة المكتوبة] أوسع انتشاراً، وأقدر على البقاء من اللغة المنطوقة ذات المدى القصير، والنطاق المحدود، والزوال السريع، التي تكتفي بأبسط وسائل التعبير صوتاً، وبنية، وتركيباً، ومفرداتٍ"، إذ هي لغة قد تتخلى في كثير من أحوالها عن قواعد اللغة أو بعضها، أو لا تلتزم بها في جوانبها الأربعة المتقدمة.
وهناك حقيقة قائمة وهي أن اللغة المنطوقة ذات حركة دائبة لا يمكن متابعتها وتنقيتها، وتصحيحها، ووضع القواعد المعمرة لها.
وحول رؤية العلماء في مسار حياتهم اليومية يقول الدكتور سليمان: "وكان علماء اللغة بل أئمتها لا يلتزمون العربية الفصحى المعربة في مخاطباتهم اليومية؛ بل كانوا يجارون العامة، ولا يرون في ذلك بأساً، ولا يتكلفون معهم ما يَعْلَمُونه من قواعد اللغة". ثم يضيف:"هذا في لغة الخطاب، أما لغة الكتابة فلهم فيها وضع آخر يصوره ابن فارس بقوله:"قد كان الناس قديماً يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابَهم بعضَ الذنوب، فأما الآن فقد تجوزوا، حتى إن المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب، وإنما نحن محدثون وفقهاء، فهما يُسَران بما يُساء به اللبيبُ".
إذن ومن خلال ما سبق يتضح لنا بجلاء البون الشاسع بين لغة الخطاب ولغة الكتاب، "ذلك أن هذه العاميات نتيجة تراكمات أربعة عشر قرناً، كانت اللغة الفصحى التي تتجلى في اللغة المدونة المكتوبة معزولة فيها عن مظاهر الحياة اليومية، ولغة الخطاب الدارجة.
وقد تم التمايز بين العربية الفصحى لغة العلم والأدب، والعربية المولدة الدارجة حوالي نهاية القرن الثالث [الهجري] في جميع الأوساط المثقفة. وهذه اللغة المولدة لغة تحررت من كثير من نظام العربية في تراكيبها، وأبنيتها، وأصواتها، ودلالة مفرداتها".
ويختم الدكتور العايد محاضرته بقوله:" وكل ما يمكن عمله هو الترقي بلغة الحياة اليومية، وتقريبها من الفصحى، وتقليل التجاوزات والمخالفات في الأصوات، والبنية، والتراكيب، والدلالة، لتكون قريبة من الفصحى، وإن لم تكن كذلك... فكما يمكن أن نفيد من التراث الشعبي ( العامي)، سواء كان أمثالاً، أم قصصاً، أم أساطير، أم غير ذلك، يمكن أن نفيد من اللغة الدارجة ومن قدرة أهلها الفطرية على الوضع، والارتجال، والتوليد، والاشتقاق، في إثراء اللغة، بعد ضبط ذلك بضوابط علمية". (15)
وفي موضوع للدكتور فالح بن شبيب العجمي عن اللهجات العربية الحديثة بين التهجين والتوليد يقول: "استمرار الثنائية اللغوية لفترة طويلة جداً في العربية بشكل يضعف دينامية التطور في الفروع الناشئة، خصوصاً مع سيطرة الفصحى على النصوص الأدبية بشكل تام، حتى وإن وجد في بعض اللهجات آداب محلية، فإنها لا تحظى بنفس الاحترام الذي تحظى به الآداب التي كتبت بالفصحى.
وارتباط العربية الفصحى بالقرآن الكريم ارتباطاً تعبدياً؛ مما يجعل الصراع بين العربية ولهجاتها صراعاً فكرياً، لم يسمح فيه للأخيرة بالكتابة، ولم ينظر إليها على أنها نظام اتصال رغم قيامها بذلك... وإذا انتقلنا إلى وصف الاضطراب في تطور اللهجات العربية الحديثة؛ فلا بد من الوقوف عند ظواهر من مختلف المستويات تحدد حجم هذا الاضطراب، ومدى خصوصية اللهجات العربية في إطار الدراسات التصنيفية سواء للهجات أو الثنائيات اللغوية:
وأهم ظواهر الاختلاف بين العربية الفصحى واللهجات على المستوى الصوتي ظهور اتجاه لإعطاء النبر أهمية "فونيمية" في اللهجات، بينما لا نجد له أثراً في الفصحى. وأصبح النبر معتمداً على كمية الصائت، ولم يعد متقيداً بالموقع، كما ينتقل النبر في الكلمة الواحدة حسب إضافة بعض المقاطع إليها".(16)
إن اللهجة العامية لا يعتد بها في غير التواصل والمحادثة المنطوقة لأنها لا تتورع عن قبول الدخيل ولا تحتشم عند اقتحام أسوارها، فربما ولج فيها ما ليس منها فيستقر فيها بلا تمييز.
إنما ما يجب الإشارة إليه هو أن العامية حتى في وجودها وامتدادها على مدى تلك الأزمان والعصور البعيدة لا يعني ضرورة الاهتمام بها أو الهم منها فكما يقول د.محمد محمد حسين: "إن وجود العامية والفصحى ظاهرة لغوية عامة في كل لسان، وليس مشكلة أن يـُسعَى إلى حلها. فاللغة الفصحى لها صفة الثبات والاستقرار، والقدرة على التعبير العلمي الدقيق والفني المؤثر الجميل. أما العامية فهي لهجة متطورة مختزلة وميسرة إلى أقصى حدود الاختزال والتيسير، لتفي بحاجات التفاهم السريع الذي لا يبالي بالدقة العلمية أو الجمال الفني. ثم إن التقاط الألفاظ الصالحة من العامية ليس من عمل أقسام اللغة العربية، ولكنه من عمل الكتاب والمترجمين، والمجامع والمحافل المعنية بهذا الشأن. ووسيلته هي أن تمارس العربية الفصحى في كل المجالات الاجتماعية والعلمية. وعلى طول الممارسة سوف يظهر كلمات وكلمات، وعبارات وعبارات، يبقى الصالح منها المستقيم ويموت الفاسد المعوج".(17)

الخلاصة:
بعد كل هذا يمكننا القول إن ما شَرَعَ به بعض دعاة النزوع إلى تطوير الكتابة العربية من منطلقات ودعوات مشبوهة؛ أدت إلى التباس بين الصوت والحرف، وبين ما هو ثابت راسخ محفوظ للخاصة ولخاصة الخاصة، وما هو متغير يتداوله الناس بشتى طبقاتهم، عربيُّهم وأعجميهم في شؤونهم اليومية العامة، إن ذلك ليدعوا إلى ابتداع رمز كتابي يحكي ما وصلت إليه العامة في انحدار تطبيقها الصوتي، وابتعادها عن تحقيق مخارج بعض حروف اللغة العربية الفصيحة الصريحة، ما أوصلها إلى التداخل والخلط، لتنأى ببعضها عن أصوله، فينازع الحروف الأصيلة وهو فرع منها كما قرر أسلافنا، فهذا أمر مرفوض ولا يصح بحال على لغة ثابتة الدعائم لا تتزعزع أركانها.



صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.

صالح بن إبراهيم العوض 06-23-2014 05:27 PM

تابع ما قبله:


(حرف القاف ومخالسة اللهجات)




إن حرف القاف، منذ عرف العربي ألفاظه، لم يكن على وتيرة واحدة في الأقاليم العربية في جزيرة العرب؛ فالجنوبي يؤديه بطريقة لا تتفق مع أخيه الشمالي، والشرقي ينطقه بصيغة مغايرة لما عليه أخوه في الغرب، وحفلت المعاجم بنُقُول مختلفة لأصوات البيئات واللهجات المتعددة، ولكنها أبقت على أصله، ولم تدعُ إلى وضع رسم له حسب كل بيئة، أو تفصل بين مخارجه رغم ثبوت تعددها، لسبب واحد هو أن العرب اجتمعوا على لغة قريش التي هي أفصح اللغات، فاستقروا على قبولها واعتمادها في أيامهم وتجمعاتهم الموسمية، التعبدية أو غيرها، وبها نزل القرآن الكريم ولم يختلفوا أو يتنازعوا حول تباين لهجاتهم، وإلا لكنا اليوم في جدال حول ما نراه ونسمعه من لهجات غريبة وقلب للحروف.
أما التحول الصوتي الحادث في بعض البلدان العربية التي تضم أخلاطاً من الناس، تتنوع أعراقها وأجناسها، لتخرج بلهجة أقل ما يقال عنها إنها ليست عربية ألبتة، فقد أوصلنا إلى أن نرى بعض المنسوبين إلى العربية، وربما كان فيهم غير العرب، يقلبون الظاء زاياً مفخمة، والذال زاياً مرققة، والثاء سيناً، والقاف همزة، والجيم قافاً، بمنهج أحالها إلى منحى فطري يتوارثه أبناؤهم، وهؤلاء لا يدخلون في موضوع بحثنا هنا، لأنهم خرجوا على اللغة ولم يطبقوا مخارج حروفها تبعاً لأصولها، ولكننا لو دعونا كما يدعو بعض المنجرِّين وراء الدراسات الصوتية واللسانيات لأقررنا لها بالأصالة والسيادة، وربما تبنينا لها منهجاً كتابياً كما رأيناه لدى دعاة تَبْقِيط حرف القاف.
لقد تهيب علماء أجلاء الخوض في لهجة العوام منذ قرون مضت، وهم لهم باع طويل وقدم سبق في استيعاب أحوال اللغة ومداليلها وما تؤول إليه، فلم يجرُؤوا على معالجة شيء يمت إلى العامية بصلة، وهم يرون أنه ينأى بأصول اللغة النقية عن أركانها وقواعدها وجذورها، مع أننا وجدناهم يتمثلون في أبيات لهم نظموها بلهجتهم الدارجة، ويوردونها في بعض كتبهم، يستملحونها ويروحون بها تحميضاً من جدية بعض النصوص التي ينقلونها، فهم يحترزون من الثناء عليها، ولا يتناولون جوانبها البنائية مقارنة لها بالشعر الرصين المحكم، وأنفة من مداناة غيره إليه. فما بالنا نرى بيننا اليوم من يتنصل من أمانته ويتحلل من موروثه ليستبدله بالأدنى؟!
والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سلسلة دعوة الحق. س6. ع60. ربيع الأول. 1407هـ. إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي. (اللسان العربي والإسلام، معاً في معركة المواجهة). تأليف د. السيد رزق الطويل. ص43.
(2) د.محمد محمد حسين. حصوننا مهددة من داخلها.ص218.ط12-1413هـ.دار الرسالة. مكة المكرمة.
(3) السابق 233.
(4) السابق بتصرف.
(5) د.تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها ص51-52، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3/1985م.
(6) السابق 54-55.
(7) السابق.ص60.
(8) د.أحمد مختار عمر. دراسة الصوت اللغوي 341-344. عالم الكتب/القاهرة.1411هـ-1991م.
(9) د. علي سيد أحمد جعفر، مصطلحات صوتية غامضة. ص118-121. من منشورات مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية. ط1-1434هـ.
(10) السابق.121.
(11) السابق.121.
(12) د.عيد محمد الطيب. لهجات العرب وامتدادها إلى العصر الحاضر. ط1415هـ-1994م. بلا دار نشر. المطبعة الإسلامية الحديثة. القاهرة.
(13) مجلة جامعة أم القرى.س6.ع8. 1414هـ-1993م. بحث للدكتور محمد خضر عريف. ص63-106.
(14) د.عبد القادر المهيري. نظرات في التراث اللغوي العربي. ص185-186. ط1. 1993م. دار الغرب الإسلامي. بيروت لبنان.
(15) أ.د.سليمان بن إبراهيم العايد. محاضرات في اللغة العربية.ج1. ص93-128. منشورات مكتبة الرشد. غُفْل من الطبعة، إلا أنه بعد1430هـ.
(16) مجلة جامعة أم القرى. س10. ع16. 1418هـ. ص377-379.
(17) د.محمد محمد حسين. حصوننا مهددة من داخلها.ص224-225.ط12-1413هـ.دار الرسالة. مكة المكرمة.
* هذا البيت الذي يستشهد به أو يتمثل به بعض دارسي صوت القاف لا يستحق مجرد الالتفات، فهو ضعيف المعنى والمبنى ولا يحمل أية دلالة شعرية، فمأخذه سوقي وضيع تنأى ذائقة المتلقي عن سماعه، وتنفيه وتأنف منه، فكيف نستشهد به لتأصيل لغوي؟!.



صالح بن إبراهيم بن صالح العوض.
الرس - 1435/8/25هـ.

عبدالله جابر 06-23-2014 06:09 PM

بارك الله جهدك دكتور صالح على هذه المشاركات، اسأل الله أن ينفع بك ويطيل في عمرك.

صالح بن إبراهيم العوض 07-02-2014 02:43 AM


حفظك الله أستاذ عبد الله جابر ولك مني الشكر والتقدير على ثنائك العطر ومرورك الجميل هنا.

صالح بن إبراهيم العوض 07-02-2014 02:45 AM

نشر الأستاذ الدكتور بهاء الدين عبد الرحمن تعليقاً للدكتور خالد الغامدي في غاية الأهمية رداً على الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الصاعدي الذي اضطربت لديه المفاهيم حول القاف فاستل منها رمزاً كتابياً جديداً ليضيفه إلى الأبجدية العربية الموروثة، وبانتظار إذن الدكتور خالد لأنشر التعليق هنا فهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما أوردته وداعم قوي لرؤيتنا ونقاشنا مع مشرف المجمع الافتراضي.
وهذا رابطه في مدونة الأستاذ الدكتور بهاء الدين عبد الرحمن:
http://linkis.com/anna7u.blogspot.com/nROS8

عبدالله بنعلي 07-02-2014 09:57 AM

ما جرى ويجري هو اختلاف في المفاهيم والبحث العلمي هو الفيصل دائما وأبدا
ويمكن الإستفادة من الترميز الصوتي في القرآت وكذلك في جمع اللغة واللهجات

صالح بن إبراهيم العوض 07-02-2014 01:56 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله بنعلي (المشاركة 9559)
ما جرى ويجري هو اختلاف في المفاهيم والبحث العلمي هو الفيصل دائما وأبدا
ويمكن الإستفادة من الترميز الصوتي في القرآت وكذلك في جمع اللغة واللهجات


أهلاً بك أخي الكريم عبد الله بن علي...

اختلاف المفاهيم وارد وهو ظاهرة صحية في إثراء العلوم ومنه تتسع النظريات وتستحدث القواعد والقوانين، فهو بمثابة تغذية راجعة واسعة، ولكنّ له شرطاً جوهرياً؛ وهو أن لا يكون ذا مساس بناموس شرعي، ولا يترتب عليه تحول لثابت أو انزياح لراسخ، وفي الطرح الموجز الذي أسوقه أدناه للأستاذ الدكتور خالد الغامدي تبيين لهذا الأمر.
لم يتضح لي هل أنت تقصد القراءات أو القرآن في كلمة"القرآت"!
سعدت بك هنا ولك مني الشكر.

صالح بن إبراهيم العوض 07-02-2014 02:00 PM



نقلاً عن مدونة الأستاذ الدكتور بهاء الدين عبد الرحمن يقول:
تعليق الدكتور خالد الغامدي على رد الدكتور عبد الرزاق الصاعدي وعلى قرار مجمعه
يسرني أن أقدم للقراء ما كتبه إليّ الدكتور خالد الغامدي المتخصص في علم اللغة بعد اطلاعه على ما نشره الدكتور عبد الرزاق الصاعدي من رد على تغريداتي ، قال الدكتور خالد :


" فرغت الآن من قراءة رد الدكتور عبد الرزاق الصاعدي ، وهذا تعليق موجز:

1 - لديه لبس أدى إلى خلط في فهم كلام القدماء والمتأخرين ، فهو لا يفرق فيما يظهر من النصوص الكثيرة التي نقلها عن اللغويين والنحويين من سيبويه إلى الزبيدي بين الورود والفصاحة ، فمجرد الثبوت لا يستلزم الفصاحة ، فضلا عما هو أعلى كالأفصحيّة ، فالقاف البدوية أو المعقودة (ما سموه القيف) ثابتة في لهجات البادية منذ عصر الاستشهاد ، ولكن هل يعني هذا أنها فصيحة فضلا عن كونها فصحى ؟ ومن ثَم يُقعّد لها بين حروف الفصحى ويوضع لها رمز أبجدي خاص بها بين رموز أبجدية الفصحى ؟ هو يرى هذا ، ولكنه خطأ علمي وخلط منهجي . يصح علميا أن يوضع لأي صوت فرعي أو صفة صوتية معينة رمز صوتي خاص لأجل الدرس الوصفي ، وهذا معروف بين علماء الأصوات في كل اللغات ، لكن لا يصح منهجيا الخلط بين رموز الكتابة الصوتية ورموز الكتابة الأبجدية .

2 - تناقَض حين استشهد بهذه النقول على صحة موقفه ( الذي هو الترميز الأبجدي لهذا الصوت ) ؛ فالنصوص التي نقلها منذ سيبويه إلى الزبيدي واليوسي ( 1102هـ ) مجمعة على عدم فصاحة هذا الصوت وأنه من الأصوات المستقبحة في القرآن والشعر ، فهي عليه لا له ، فعلى ماذا يستشهد بها ؟! أعلى مجرد الورود ؟ هذا لا يعني الفصاحة كما هو معلوم ، وهو خلاف مقصودهم وتحريف لكلامهم . أم يستشهد بها على الفصاحة ؟ هذا قلبٌ لنصوصهم إلى عكس مقصودهم ! أم على الجواز لأهل هذه اللهجة قديما وحديثا في غير القرآن والفصيح من الكلام الأدبي وغير الأدبي ( إلا للضرورة ، وسأعقب على استشهاده بكلام الإسنوي ) ؟ هذا لا يُحتاج فيه إلى هذه النقول ، لأن كل لهجة غير فصيحة يجوز لأهلها أن ينطقوا بها في كلامهم ، قديما وحديثا ، دون أن يعني هذا أن مجرد نطقهم بها - حتى لو كان في زمن الاحتجاج - يعني الفصاحة بَلْهَ الأفصحية !

3 - قول الفيروزآبادي فيما نقله ابن الطيّب عن ابن حجر حينما سأله عن هذا الصوت : " إنها لغة صحيحة " يخالف ظاهرُه إجماعَ القدماء على عدم فصاحة هذا الصوت في القرآن والمستوى البليغ من الكلام الأدبي ، لكن يحتمل تأويله بأنه يقصد بالصحة صحة الثبوت والورود لا فصاحة الاستعمال ، وإنْ قصد ذلك فهو مخالف للإجماع .

4 - في نقله عن الإسنوي تدليس ! إذْ بتر النص بنقله منه ما يؤيد كلامه وحذفه الباقي الذي يخالفه ! فقد وقف بالنقل عن الإسنوي من الكوكب الدري على آخر قوله : " ونقله النووي في شرح المهذب عن الروياني " . وتمام النص من كتاب الكوكب الدري ما يلي (ص 604 ت عبدالرزاق السعدي ، ط الثانية ، مزيدة ومنقحة ، 1432هـ ، دار الأنبار) : " ثم قال [ أي النووي في المجموع شرح المهذب ] : وفيه نظر . ومالَ المحبُّ الطبري في شرح التنبيه إلى البطلان . لكن اللحن الذي في الفاتحة لا يمنع الصحة إذا كان لا يختل المعنى كما جزم به الرافعي ، وإن كان حراما كما قاله النووي في شرح المهذب ، وحكى فيه وجهًا أن الصلاة لا تصح أيضا . وحينئذ فالصحة في أمثال هذه الأمور لأجل وروده في اللغة ، وبقاء الكلمة على مدلولها أظهر ، بخلاف الإتيان بالدال المهملة في " الذين " عوضًا عن المعجمة ؛ فإن إطلاق الرافعي وغيره يقتضي البطلان وأنه لا يأتي [ كذا في المطبوع ، ولعله : يتأتّى ] فيه الخلاف في الضاد مع الظاء ، وسببه عسر التمييز في المخرج " . انتهى من الكوكب الدري .

ففي هذا النص أمور :

أ - قول الإسنوي الشافعي القرشي : " وهي قاف العرب " يقصد العرب المعاصرين له من أهل البوادي والأمصار تمييزا لهم عن غيرهم من المستعربين وأهل الأمصار من ذوي الأصول غير العربية . وكذلك ابن خلدون حينما يقول : " العرب " أو : " أهل الجيل من العرب " يقصد هذا المعنى ، ويبدو أن الصاعدي لم يفهم مقصودهم .

ب - هذه المسألة الفرعية ذكرها الإسنوى في سياق الحديث عن اللحن حينما يستعمل في العبادة ، كاللحن في الفاتحة كما تحدث ونقل عن فقهاء الشافعية ، فهو وغيره من الفقهاء الذين نقل عنهم ( المقدسي والروياني وابن الرفعة والنووي والرافعي ) يحكمون بأن هذا الصوت لحن في اللغة الفصيحة ، ويحكمون كذلك بعدم جواز قراءة القرآن به لمن يستطيع ، ولكن الخلاف الفقهي يتعلق بالصحة الشرعية في الصلاة : هل تصح الصلاة به أو لا تصح ؟ هذا محل الخلاف في النص الذي اطلع عليه الصاعدي ونقله مبتورا ، ولعله لم يفهمه ولم يقصد التدليس .

ج - النووي حرم القراءة بهذا الصوت في الصلاة ، وحكى فيه قولا بعدم صحة الصلاة ، وبين في المجموع وجه النظر في صحة الصلاة مع الكراهة (على القول الآخر) بأن القارئ لم يأت بالحرف كما هو ، بل أتى بالقاف مترددا بين حرفين ، فكيف يُتصور مع هذا التشديد الذي أظهروه أنهم يصفون هذا الصوت بأنه عربي فصيح كما أوهم نقل الصاعدي ؟!

ه - في نقله بيت العجوز الأعرابية عن اليوسي خطأ ؛ إذ أعربه ظنا منه أنه شِعْر بالفصحى ، والواقع أنه بيت من الشعر النبطي سمعه الدلائي الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري من المرأة البدوية في إحدى بلاد الحجاز ، فكتبه الصاعدي هكذا :

حجّ الحجيجُ وناقتي معگولةٌ
يا ربّ يا مولايَ حلّ عگالها

فأعرب كلمتي " الحجيج " و " معگولة " وكذلك نصب الياء في " مولايَ " ظانا أن العجوز نطقت البيت بالفصحى المعربة ! وهيهات ، فالعجوز بدوية عامية عاشت قبل قرابة ثلاثة قرون ونيف حسب ما تقول الحكاية ، ولذا فالمفترض أنها سكنت هذه الكلمات : الحجيجْ ، معقولةْ ، مولايْ . ثم ماذا عن القاف في " ناقتي " ؟ هل نسي اليوسي أن يرسمها برمز القاف البدوية أم أن العجوز لم تقفقفها (كما يعبر الدكتور الصاعدي ) ؟!

هناك ملحوظات أخرى على كلامه ، ولكن هذا يكفي في بيان أن كل جهده وحماسه في هذه القضية لا طائل تحته ، واستشهاداته بنصوص اللغويين والنحاة لا تخدم هدفه وهو الاعتداد بفصاحة هذا الصوت ومن ثم الترميز له بشكل مستقل بين رموز أبجدية العربية الفصحى ، فهذا أمر مرفوض من القدماء والمتأخرين جميعا ، لأنه يسيء إلى العربية الفصحى ولا يخدمها خلاف ما توهم الدكتور الصاعدي الذي نحسب أنه أراد الخير للفصحى ولكن لم يحالفه التوفيق ، وعلى كلٍ يُحسب له تحريك الساحة بالتفكير والحوار ، وهو أمر مفيد للفكر والثقافة " .


وكان الدكتور خالد قد اطلع قبل هذا على قرار المجمع وكتب هذا التعليق :


" في نقاشهم وقرارهم خلْطٌ بين الصوت والحرف ؛ فالصوت الواقع بين القاف والكاف الذي ذكره القدماء واستشهدوا له بقول الشاعر : ولا أگول لگدر الگوم ...إلخ هو صوت ينتمي إلى حرف القاف / ق / ؛ أي ما يسمى في الصوتيات الحديثة : " تنوع صوتي " أو : " متغيِّر صوتي " allophone ، أما الصوت الأساس وهو المسمى حرفا فهو القاف ، والصوت الأساس في الصوتيات الحديثة هو الفونيم phoneme وترجمه بعضهم بالصوت المجرد ، وبعضهم قال: صوتيم ، والأولى في نظري ترجمته بالحرف ، فالحرف ( الفونيم ) صوتٌ أساسٌ يشمل تنوّعين صوتيين على الأقل ، كما يشمل حرف القاف مثلا التنوعات ( الألوفونات ) التالية :

1 - القاف الفصحى المشهورة اللهوية .
2 - والقاف التي بين القاف والكاف ، وهي التي سموها " القيف " .
3 ـ وقافٌ أخرى بين القاف والكاف ، تنطق كافا مفخمة ، وهي بعض اللهجات المعاصرة ، في جزيرة العرب ومصر وغيرها .
4- والقاف التي تنطق همزة كما في اللهجة المصرية .
5- والقاف التي تنطق غينا كما في اللهجة الكويتية .

فهذا الصوت الذي ناقشوه مجرد تنوع صوتي داخل حرف القاف ، فلا يصح والحالة هذه وضع رمز أبجدي له بين الحروف الأبجدية الأساسية ، وإلا لزمهم وضع رموز لكل أصوات الحروف ، وستبلغ حينئذ العشرات !! وهذا خلط في المفاهيم وخلل في المنهج وعبث في الطرح !!
نعم يمكن وضع رموز لأصوات الحروف ( ألوفونات الفونيمات ) لكن على أنها رموز صوتية للألوفونات لغرض الدراسة الوصفية كما يفعل كل علماء الأصوات ، لا على أنها رموز للأبجدية للتعبير عن الحروف ( الفونيمات ) كما فعلوا .

وفي قرارهم اضطراب في المصطلحات ؛ فمرة سموه صوتا ومرة سموه حرفا ، مما يدل على أنهم لم يدركوا الفرق بين الأمرين . كذلك حينما نقلوا عن القدماء قولهم : " الأصوات الفروع " ( ذكره سيبويه وابن جني وغيرهما ) ؛ فالفروع يقصدون بها ما يسمى الآن " التنوعات الصوتية " (ألوفونات) ، وقسموها : مستحسنة ومستقبحة ؛ فالفروع تقابل الأصول كما هو معلوم ، فكيف يضعون للفرع رمزا خاصا بين رموز الأصول وكأنه مستقل ؟!

الخلاصة : إن التنوع الصوتي الذي قرروا بشأنه ما قرروا هو ألوفون لهجي ضمن فونيم / ق / ، وله رمزه الصوتي الخاص في الدرس الصوتي ، أما في أبجدية أصوات العربية الفصحى فلا يصح وضع رموز للألوفونات ( الأصوات ) بين رموز الفونيمات ( الحروف ) المعروفة ، لا گ ولا الرمز الذي وضعوه للقاف البدوية ولا غيرهما ، لأن لهذا عواقب خطيرة كما هو معلوم لدى كل ذي علم ووعي .


الساعة الآن 06:18 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by