فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=9
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَالِثًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّقْوِيمِ: ...
كَيْفَ اضْطَرَبَ أُسْلُوبُ هَذَا الْكَلَامِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ؟
لقد حرص هذا الكلام على تحصيل أسباب القوة، فاعتنى بتنسيق مقاطع الأصوات، وتدقيق صيغ الكلمات، وتقريب معاني المفردات، وتأليف عناصر المركبات. ولكنه توهم القوة في بعض مظاهر تلك الظواهر، حتى إذا ما استعملها كانت مظاهر ضعف، ولم يستطع الرجوع عنها!
لقد وصف جدولي الأخلاقيين القدماء بأنهما ثابتان لا ينتقلان، ثم ألح عليه مظهر قديم من التعبير، فقال: "وَلَا يَتَحَلْحَلَانِ"، فكان في توالي الحاءين واللامين على هذا النحو من الثقل على بعض الطابعين، ما حمله على تحريف الكلمة إلى "يَتَلَحْلَحَانِ"!
وأراد أن يعبر عن كراهة بعض الصفات، فقال: "يَجْتَوِيهَا النَّاسُ وَيَتَبَرَّمُونَ بِهَا وَيَسْتَثْقِلُونَ مَكَانَهَا"، فكان في "يَجْتَوِيهَا (يكرهها)"، من الغرابة على بعض الطابعين، ما حمله على تصحيفها إلى "يحتويها"!
وأراد أن يصور اعتصار الأراذل لقلوب الأفاضل، فقال: "يَعْتَصِرُونَهَا وَيَحْتَلِبُونَ دِرَّتَهَا (لبنها، أي قِوَام حياتها)، حَتَّى تَجِفَّ جَفَافَ الْحَشَفِ الْبَالِي"، فكان في "الحَشَفِ (أردأ التمر ويابسه وفاسده)"، من الغرابة على بعض الطابعين، ما حمله على تصحيفها إلى "الخشف (الظبي)"!
وأراد أن يزيد وجوه السرور في قوله: "يَتَأَلَّفُ مِنْهَا شَأْنُ سَعَادَتِهِمْ وَهَنَائِهِمْ"، فعطف على كلمة "سَعَادَة" من "سَعَادَتِهِمْ"، كلمةَ "هَنَاء" من "هَنَائِهِمْ"، والذي في متن اللغة العربية "هَنَاءَة" ، وهي -لو انتبه- أحسن مُلَاءَمَةً لكلمة "سَعَادَة" التي قبلها، فكلتاهما مع تلاقيهما على معنى السرور، مِنْ وزن صرفي واحد (فَعَالَة).
وأراد النهي عن حض الناس على بعض الأخلاق، فقال: "(...) لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ الدُّعَاءُ لَهُ"، و"إِنَّ الدُّعَاءَ إِلَى (...)"، بدلا من أن يقول: "(...) ليس من الرأي الدَّعْوة إليه"، و"إن الدَّعْوة إلى (...)"؛ فلئن بَدَتِ الدَّعْوةُ مَرَّةَ الدُّعَاءِ، لقد اختص دونها بمعنى التوسل إلى الحق، سبحانه، وتعالى!
وأراد أن يشترط وجود السعادة للوصف بالفضيلة ووجود الشقاء للوصف بالرذيلة، فقال: "حَيْثُ تَكُونُ السَّعَادَةُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الْفَضِيلَةُ -وَإِنْ كَانَتْ رَذِيلَةَ اللُّؤْمِ- وَحَيْثُ يَكُونُ الشَّقَاءُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الرَّذِيلَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فَضِيلَةَ الْكَرَمِ"، فتوهم "حيث" أداة شرط، ورتب الكلام بعدها ترتيب عناصر الجملة الشرطية، ولو انتبه لقال: "حيث تكون السعادة (...) تكون الفضيلة (...) وحيث يكون الشقاء (...) تكون الرذيلة (...)"!
وأراد أن يعبر عن بغي الناس، فقال: "لَا يُعْجِبُهُمْ مِثْلَ الرَّأْسِ الضَّعِيفِ الْمُتَهَالِكِ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الذِّيَادَ عَنْ نَفْسِهِ"، فتوهم كفاية ما ذكر في الدلالة على "لا يعجبهم شيءٌ مثلَما يعجبهم الرأس الضعيف (...)"، ولا خير في تضليل المتلقي وتعطيل فهمه!
لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ؟
إن هذا الكلام هو مقال "الماضي والحاضر" لمصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924م)، من كتابه "النظرات" . كاتب كبير له في نهضة النثر الفني العربي الحديث من الأثر، مثل الذي لمحمود سامي البارودي (1839-1904م)، في نهضة الشعر العربي الحديث؛ فكلاهما جاء على فَتْرَةٍ من الأدب، فبعثه من رقدته، وجذبه من وهدته، ووصله بسلفه الصالح .
وأستحسن أن أورد من الكتاب نفسه مقال "الإنصاف":
"إِذَا كَانَ لَكَ صَدِيقٌ تُحِبُّهُ وَتُوَالِيهِ، ثُمَّ هَجَمْتَ مِنْهُ عَلَى مَا لَمْ يَجِلَّ فِي نَظَرِكَ، وَلَمْ يَتَّفِقْ مَعَ مَا عَلِمْتَ مِنْ حَالِهِ، وَمَا اطَّرَدَ عِنْدَكَ مِنْ أَعْمَالِهِ- أَوْ كَانَ لَكَ عَدُوٌّ تَذُمُّ طِبَاعَهُ، وَتَنْقِمُ مِنْهُ شُؤُونَهُ، ثُمَّ بَرَقَتْ لَكَ مِنْ جَانِبِ أَخْلَاقِهِ بَارِقَةُ خَيْرٍ، فَتَحَدَّثْتَ بِمَا قَامَ فِي نَفْسِكَ مِنْ مُؤَاخَذَةِ صَدِيقِكَ عَلَى الْخَصْلَةِ الَّتِي ذَمَمْتَهَا، وَحَمْدِ عَدُوِّكَ عَلَى الْخَلَّةِ الَّتِي حَمِدْتَهَا- عَدَّكَ النَّاسُ مُتَلَوِّنًا أَوْ مُخَادِعًا أَوْ ذَا وَجْهَيْنِ، تَمْدَحُ الْيَوْمَ مَنْ تَذُمُّ بِالْأَمْسِ، وَتَذُمُّ فِي سَاعَةٍ مَنْ تَمْدَحُ فِي أُخْرَى، وَقَالُوا إِنَّكَ تُظْهِرُ مَا لَا تُضْمِرُ، وَتُخْفِي غَيْرَ الَّذِي تُبْدِي!
وَلَوْ أَنْصَفُوكَ لَأُعْجِبُوا بِكَ وَبِصِدْقِكَ، وَلَأَكْبَرُوا سَلَامَةَ قَلْبِكَ مِنْ هَوَى النَّفْسِ وَضَلَالِهَا، وَلَسَمَّوْا مَا بَدَا لَهُمْ مِنْكَ اعْتِدَالًا لَا نِفَاقًا وَإِنْصَافًا لَا خِدَاعًا، لِأَنَّكَ لَمْ تَغْلُ فِي حُبِّ صَدِيقِكَ غُلُوَّ مَنْ يُعْمِيهِ الْهَوَى عَنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِهِ، وَلَمْ تَتَمَسَّكْ مِنْ صَدَاقَتِهِ بِالسَّبَبِ الضَّعِيفِ؛ فَعُنِيتَ بِتَعَهُّدِ أَخْلَاقِهِ وَتَفَقُّدِ خِلَالِهِ، لِإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنَ الْأُولَى وَاعْوَجَّ مِنَ الْأُخْرَى.
إِنَّ صَدِيقَكَ الَّذِي يَبْسِمُ لَكَ فِي حَالَيْ رِضَاكَ وَغَضَبِكَ وَحِلْمِكَ وَجَهْلِكَ وَصَوَابِكَ وَسَقَطِكَ، لَيْسَ مِمَّنْ يُغْتَبَطُ بِمَوَدَّتِهِ أَوْ يُوثَقُ بِصَدَاقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِرْآتَكَ الَّتِي تَتَرَاءَى فِيهَا، فَتَكْشِفُ لَكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَتَصْدُقُكَ عَنْ زَيْنِكَ وَشَيْنِكَ وَحُلْوِكَ وَمُرِّكَ. وَهُوَ إِمَّا جَاهِلٌ مُتَهَوِّرٌ فِي مُيُولِهِ وَأَهْوَائِهِ؛ فَلَا يَرَى غَيْرَ مَا تُرِيدُ أَنْ تَرَى نَفْسَهُ، لَا مَا يَجِبُ أَنْ تَرَاهُ- وَإِمَّا مُنَافِقٌ مُخَادِعٌ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَوَاكَ فِي الصَّمْتِ عَنْ عُيُوبِكَ وَتَجْرِيرِ الذُّيُولِ؛ فَجَارَاكَ فِيمَا تُرِيدُ، لِيَبْلُغَ مِنْكَ مَا يُرِيدُ!
فَهَا أَنْتَ ذَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يَعْكِسُونَ الْقَضَايَا، وَيَقْلِبُونَ الْحَقَائِقَ، فَيُسَمُّونَ الصَّادِقَ كَاذِبًا، وَالْكَاذِبَ صَادِقًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ" !