من تدبر النحاة في جمال القرآن ..في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُم أَجمَعونَ﴾
د. أحمد درويش
معلوم أن لفظة ( كلهم) توكيد للشمول ، لكن التوكيد قد يحتاج إلى تقوية فيأتي ( أجمعون) لتمكين التوكيد وتثبيته ...
يقول ابن هشام المصري ( ت: ٧٦١ه) في ( شذور الذهب ) : " ﻓﺎﺋﺪﺓ ﺫﻛﺮ (ﻛﻞ) ﺭﻓﻊ ﻭﻫﻢ ﻣﻦ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻥ اﻟﺴﺎﺟﺪ اﻟﺒﻌﺾ ، ﻭﻓﺎﺋﺪﺓ ﺫﻛﺮ {ﺃﺟﻤﻌﻮﻥ} ﺭﻓﻊ ﻭﻫﻢ ﻣﻦ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺴﺠﺪﻭا ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻭاﺣﺪ ﺑﻞ ﺳﺠﺪﻭا ﻓﻲ ﻭﻗﺘﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﻴﻦ"
ف (كل) نفت بطريق المخالفة تخلف أي منهم عن السجود ( سجدوا كلهم ) ، و( أجمعون) أفادت اتحاد الزمن ، فقد سجدوا جميعا في وقت واحد لم يتأخر أحد ولم يتوان ؛ طاعة واستجابة وخضوعا ...
غير ابن هشام بعقليته الفذة يرى صحة الشمول في ( كلهم) ، ويرى ضعف اتحاد الزمن في ( أجمعون)، فيقول : " ﻭاﻷﻭﻝ ﺻﺤﻴﺢ ﻭاﻟﺜﺎﻧﻲ ﺑﺎﻃﻞ ؛ ﺑﺪﻟﻴﻞ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ {ﻷﻏﻮﻳﻨﻬﻢ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ} ﻷﻥ ﺇﻏﻮاء اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻟﻬﻢ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻭاﺣﺪ ﻓﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ {ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ} ﻻ ﺗﻌﺮﺽ ﻓﻴﻪ ﻻﺗﺤﺎﺩ ﺑﺎﻟﻮﻗﺖ ... ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﻓﻲ اﻵﻳﺔ ﺗﺄﻛﻴﺪا ﻋﻠﻰ ﺗﺄﻛﻴﺪ "
وإن رأيتُ خلاف ما اتجه إليه ابن هشام ف ( أجمعون) هنا يحكي موقفا محددا ، موقف السجود ؛ لذا جاز فيه اتحاد الزمن والانصياع لأمر الله فكأنهم مرصوصون رصا واحدا كأنهم البنيان المستقيم ، ومثله حديث رسول الله في متابعة الإمام " وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ ". ف ( أجمعون) دال هنا على اتحاد الزمن ...
فكان الشمول واتحاد الزمن دالين دلالة صريحة على قمة الطاعة وعشق التكليف ... والعلم عند الله