* تحوّل "فاعل" و"مفعول" إلى "فعيل":
قد يأتي "فعيل" ويصحّ حمله على "فاعل" و "مفعول" في الوقت نفسه، إذْ يصحّ حمله عليهما معاً، وذلك كقوله تعالى:
(وعِنْدَنا كِتَاْبٌ حَفِيظٌ ) سورة ق "4" "فحفيظ" يصحّ أن يكون محفوظاً من الشياطين ومن أيّ تغيير وتحريف فيه ويصح أن يكون حافظاً لما أُودع فيه.
ومثله كقوله تعالى: (يَنْقَلِبْ إليكَ الَبصُر خاسئاً، وهو حَسيِرٌï´)سورة الملك"4"
"فحسير" يصحّ أن يكون "حاسراً" و"محسوراً" ولكن آثر القرآن الكريم استخدام صيغة "فعيل" بدلاً منهما لما فيها من دلالةٍ على الثبوت والدوام والمبالغة في الوصف( 26).
* تحوّل "مُفْعِل" إلى فعيل":
تستخدم العربُ "فعيلاً" بمعنى "مُفْعلٍ"، إذا أرادوا الثبوت في الصفة، كقوله تعالى:
(بديع السّماوات والأرض). سورة البقرة(117) سورة الأنعام (101)
أي: مُبْدِعُ السّماوات والأرض، فبديع "فعيل" لفظاً، ومعناه "مُفْعِل" ومثله قول الشاعر عمرو بن معد يكرب:
أمِـــنْ رَيْحَـــانةَ الـــدّاعي السّميــعُ
يُؤرّقُِنـي وأَصْحَــابـــي هُجُــــوع( 27)
أي: الدّاعي المُسْمِعُ، أمّا قولهم: "أنا النَذِيُر العُرْيَانُ.."(28 ) فالنذير، بمعنى المُنْذِرُ، كالسميع، بمعنى "المُسْمِعُ"
وقد جاء على صيغة "مُفعِل" في قول الشاعر:
أَنـــا الُمنْـــذِرُ العُــرْيَانُ يُنْـبِذٌ قَوْمَـهُ إذا الصَّـدقُ لاينْبِذْ لــك الثّــوب كاذبُ( 29)
ولكنّهم في المثل لمّا أرادوا ثبوت الصّفة فيه جاؤوا بها على "فعيل" بدلاً من"مُفْعِل"...
وقد تتفجّر الطاقات الدّلاليّة الدفينة في الوحدة الصرفية "فعيل" المتمثّلة في صفات اللزوم والثبات إلى "مُفاعِل"، أَوْ "مُفاعَل".
* تحوّل "مُفاعِل"، أَوْ "مُفاعَل" إلى"فعيل":
ومن تحوّل الصيغ الصّرفية مجيء "فعيل" بمعنى "مُفاعِل"، وهو كثير في كلام العرب، وذلك كقولهم: (أَسْرَعُ مِنْ فريق الخيْلِ)( 30) فقولهم:"فريق" جاء على وزن "فعيل" بمعنى "مُفاعِل" يعني(31 ) به الفرس الذّي يسابق فهو يُفارق الخيل وينفرد عنها، فهو مُفَارِقٌ، ومن مجيئه على "مُفاعَل" قولهم : (أَغْدَرُ مِنْ غَدِيْرٍ)( 32).
فقد نقل الميداني أنّ أهل اللغة يجعلون "الغدير" من "المغادرة"، أي: غادره السيل، أي: تركه، وهو "فعيل" بمعنى "مُفَاعَل". وسميّ غديراً، من المُغَادرة، فيكون أغْدَرَ من مُغَادَرٍ، أي: الذّي يُغادره الماء...(33 )
إنّ نواة الوحدة الصّرفية "فعيل" بمقياس علم الصّرف الحديث، يمكن أن تتوالد لتشكلّ "فَعُول"، و"فُعُول".
* فعيل بمعنى "فَعُول" أَوْ "فُعُول":
تُستخْدم الوحدة الأولى "فَعُول" بفتح الفاء لتحقيق المبالغة في الوصف، وذلك كقول مفدي زكريا:
وَسَــرى فـــي فــم الــزّمـانِ زبـانا مثــلاً فــي فــم الـزّمـان شَـرُودا( 34).
وامتثــل سـافـراً مُحيــاك جــــــلا دي ولا تلتثـــم فلســــت حَقُــــوداً.
استخدم الشاعر الوحدتين الصّرفيتين" شَرُود" "حَقُود" ليبرز من خلال الأولى بشاعة الخبر، وصورة البطل الشهيد الّذّي صار مثلاً استعصى، وتمرّد كالفرس الجموح فصار مثلاً في فم الزّمان، ومن خلال الثانية أسلوب التعريض والتهكمّ من الجلاد الفرنسي الذّي التثم كالمرأة، فلم يكشف عن وجهه، وعبارة "فلست حقوداً" من الأساليب التي تظهر مالا تُبطن لأنّ في عمقها ناراً متأجّجة. وتلك حال الشهيد مع الجلاّد الفرنسي، وأمّا الوحدة الأخرى "فُعُول" بضّم الفاء، فقد وردت دالّة على الجمع، كقول الشاعر مفدي زكريا:
يــا فرنســا كفـــى خِــداعــاً فإنّـا يـــا فرنســـا لَقَــدْ مَللَنا الوُعودا(35 ).
يــا فرنســا امطــري حـديداً َوْ نــاراً واملَئِــي الأرض والسّـــماءَ جُنُــــودا.
يتّضح ممّا تقدّم أنّ الوحدة الصّرفية "فعيل"، "فَعُول"، "فُعُول"، أنشأت حركيّة ممّيزة في الأبيات السّابقة، وشكلّت حضوراً هَيْمَنَ على الأبيات كُلِّها، فرفعت طاقة الأبيات الإيقاعية وحرّكتها تحريكاً دائم التناغم، أعتقت العلامة من قيودها الدّلالية والبنيوية، وهو تشكيل يسلّط على ذهن المتلقي إيقاعاً تطريبيّاً مكثّفاً يفرقه في أودية الشاعر السّحيقة. وكذلك فقد اتخذ التحّول في الصيغ الصّرفية مظاهر كثيرة منها ـ أيضاً ـ التحول في صيغة الوحدة الصرفية "مفعول" إلى "فاعل".
* تحوّل "مفعول" إلى "فاعل":
قد يأتي "فاعل" ويُراد به "مفعول" إذا أُريد المبالغة في الوصف كقوله تعالى:
(لاعَاْصِمَ الْيَوْمَ من أَمْرِ اللهِ)سورة هود(43) أي لا أحد مَعْصُومٌ من أمر الله...
وكقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِق من مَاءٍ دَافِقٍ..) سورة الطارق (5-6)
فدافق، معناه: مدفوق، أي: مصبوب، فحوِّل "مفعول" إلى "فاعل" لأنّه أبلغ وأمكن في الوصف من "المفعول" فالدافق أَبلغُ "من المدفوق" فقد جعله كأنّه الفاعل، لأنّ العرب إذا أرادوا المبالغة في وصف الشيء جاؤوا بـ (فاعل) بدل مفعول ومنه قول الحطيئة في هجاء الزّبرقان بن بدر:
دَعِ المكــارمَ لا تَــرْحَــــلْ لِبـغيـتِهـا واقْعُــدْ فإنّـك أَنْت الطّـاعـم الكـاسـي(36 )
أي: المطعوم المكسّو، ومثله قولهم: "النّقد عند الحافرة"( 37)، وقيل: "النّقدُ عِنْدَ الحافِر.."( 38) فمن قال: "الحافرة" فقد جعلها بمعنى الأرض التي تُحْفَرُ فيها قبورهم، فسّماها "الحافرة" والمعنى "المحفورة" لأنّ الأرض لا تَحْفِرُ، بل تُحْفَرُ، فهي "مفعولة" في معنى "فاعلة" لفظاً، كالراضية بمعنى المرضيّة، كقوله تعالى:
(فأمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ في عِيْشةٍ راضيةٍ) القارعة (6-7)
فراضية، نعت للعيشة، "فاعلة" ها هنا بمعنى "مفعولة"( 39) ومعناه، في عيشةٍ مَرْضيةٍ، لأنّ أهلها يَرضَوْن بالعيش في دار الخلود، فالقوم راضُون العيش، مَرْضي. وقد يأتي (فاعل)، ويراد به (مفعول)، إذا أريدُ المبالغة في الوصف تقول العرب:"ما بها صَافرُ..."، أي: مَصْفُورٌ به.( 40)
فقد نقل عن أبي عبيدة (ت 210)هـ والأصمعي (ت 216هـ) أنهّما يجعلان معناه "ما في الدّار أَحَدٌ يُصْفُربه..."، وهذا ما جاء على لفظ (فاعل)، ومعناه (مفعول به) أي: مَصْفُورٌ به.
ومنه قول الشاعر:
خَلَــتِ الـمـنـازلُ مـــا بِهَـــــا ممّــا عَهَــدْتُ بِهُـــنّ صَــافِـــرٌ( 41)
ومنهم مَنْ يجعله بمعنى "أحد"، فيكون معنى المثل: (ما بها ديّارٌ).
ولكنّ المعنى الأوّل أقرب من المعنى الثاني، ويُفهم ذلك من قصّة المثل، أي: ما بها مصفورٌ به، كما قالوا: "أَجْبَنُ مِنْ صَافِرٍ"(42 )
قيل: إنّ الصّافر كُلُّ ما يَصْفِر من الطيور، وقيل: إنّه طائر يتعلق من الشجر برجليه، وينكس رأسه، ويظلّ يصفر طوال ليله لكي لا ينام، فيسقط من الشجرة(43 )
ولكنّ حمزة الأصبهاني (ت 351هـ) نقل عن ابن الأعرابي أنهّم أرادوا بالصافر، المصفور به(44 )، ولكنّ المعنى الأول هو الأقرب، وإنمّا يُعْدَل عن المفعول إلى الفاعل لغرض المبالغة في الوصف، فهم يقولون: سرّ كاتمٌ، وليل نائم، وعيشةٌ راضية، إذا أرادوا المبالغة في الكتمان، والسكون والرّضا، وقد علّل الفراء(ت 207هـ) تحوّل (مفعول) إلى (فاعل) تعليلاً لهجيّاً بقوله: إنّ أهل الحجاز أفعل لها من غيرهم أن يجعلوا "المفعول" (فاعلاً) إذا كان في مذهب نعت، كقول العرب: هذا سرُّ كاتِمٌ، وهمٌّ ناصبٌ، وليل نائمٌ، وعيشة راضية( 45)، أي: مرضيّة، فأقيم الفاعل مقام المفعول، وقد ذكر السيوطي (ت 911هـ)، أنّ فاعلاً( 46) جاء بمعنى "مفعول" في خمسة أحرف هي: ترابٌ سافٍ، وعيشةٌ راضية، وماءٌ دافقٌ. و سرُّ كاتِمٌ، وليلٌ نائِمٌ، ولكنّها في الحقيقة أكثر من ذ لك.
وقد يكون التحوّل بين صيغ اسم الفاعل نفسها، فقد تستخدم صيغة (فاعل)، بدل صيغة"مُفْعِل"، وكلاهما اسم فاعل، إلاّ أَنّ "فاعلاً" من الفعل الثلاثي، و"مُفْعِلاً" من غير الثلاثي، إنمّا عُدِلَ من (مُفْعِل) إلى (فاعل)، وذلك على الصورة الآتية:
* تحوّل مُفْعِل إلى فاعل:
تستخدم العرب الوحدة الصّرفية (فاعل) بدل صيغة (مُفْعِل)، لأنّها أشهر في الوصف وأمكن في تثبيته، كقول النابغة الذّبياني:
كِلينــي لَهِــمٍّ يــا أُمَيْمِــةَِ نــاصِــبٍ وَلَيْــلٍ أقـاسـيه بـطِـيِء الكـواكــبِ( 47)
فجعل "ناصباً" بمعنى "مُنْصِب"، لأنّه أبلغ في وصف الليل، ولو شاء لقال: "مُنْصِب" من غير أن يختّل الوزن، لكنّه آثر "فاعلاً" على "مُفْعِل" لما فيه من وضوح الدّلالة على الوصف( 48).
وقد تتنامى الوحدات الصّرفيّة وتتوالد لتتفقّص فتأتي مصدراً خلافاً للقياس، كالوَقُود، والوضوء، ومنه قوله تعالى:(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النّار ذَاتِ الوَقُودِ) سورة البروج (4-5)
فقد قُرئِت بفتح "الواو" وضمّها( 49). وذهب ابن خالويه (ت 370) إلى( 50) أنّ "الوقُود" هو الحطب، فهو اسم، أمّا المصدر منه فهو "الوُقود" بضمّ "الواو" وقد جاءت (فَعُول) في كلام العرب متضمّنة معنى "فاعل" و"مفعول"، كما جاءت متضمّنة المعنيين معاً، وذلك كما هو مفصّل في الصورة الآتية:
* تحوّل فاعل إلى فعول:
وقد تأتي الوحدة الصّرفية (فَعُول) ويُراد بها (فاعل)، في كلام العرب كثيراً، وإذا كانت كذلك لم تدخلها هاء التأنيث، وإن وُصِفَ بها المؤنث(51).
لأنهّا لم تُبْنَ على فعل كما هو في (فاعل) و(فعيل)، و"مُفْعِل"، وإذا أُريدَ بها الدّلالة على التكثير والمبالغة
في الوصف عُدِلَ عن (فاعل) إلى فعول)، وذلك كقولهم: (اللّقُوحُ الرَّبعيّةُ مَالٌ وطعامٌ)(52 ) فاللّقُوح هي الناقة اللاّقحة، فهي "فاعل" في المعنى، وإن كان لفظها "فَعُولاً"، ولكنّ اللّقُوحَ أبلغ وأمكن من اللاّقحة لما فيها من دلالةٍ على الكثرة.. ومنه كذلك قولهم: (الَيمِينُ الَغمُوسُ تَدعُ الدَّارَ بَلاقِعَ( 53)
قال الميداني( ت518 هـ): اليمِينُ الغَموُسُ هي التي تَغْمُسُ صاحبها في الإثم، فهو"فَعُول" بمعنى (فاعل)، ولكنّ غَمُوساً أبلغ وأمكن في وصف الكثرة من "غامس"، وقد تأتي "فَعُول" بمعنى "مَفعُول"، وذلك على الصورة الآتية:
* تحوّل مَفعُول إلى فَعُول:
قد تأتي صيغة (فَعُول) في الكلام، ويُراد بها (مفعول)، فيصحّ أن تدخلها الهاء للتفريق بين ماله الفعل، وما الفعل واقع عليه، فسقوط الهاء من المؤنث يدلّ على أنّ (فعولاً) بمعنى (فاعل). وثبوتها فيه يدّل على أنّه بمعنى (مفعول) كقول عنترة بن شداد:
فيهــا اثْنَتـــانِ وَأَرْبَعــُونَ حَلُــوبَــةً سُـــوداً كخــافيــةِ الغُراب الأَسْحَـمِ( 54).
وقد وردت (فَعُول) وصفاً للمؤنث من غير "هاء" التأنيث مع كونها بمعنى (مفعول)، كقولهم: (آكل من بَرْذُنَةٍ رَغُوثِ)( 55) فـ " رَغُوثِ"، (فَعُول)، معناها (مفعولة)، لأنها مرغوثة، فولدها يرغثها، أي يرضعها، فالفعل واقع عليها لا واقع لها. كحلوب، وركوب، وكقوله تعالى: (وعلمّناه صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُم لتحُصِْنكم من بَأْسِكُم فَهَلْ أنتم شاكرون) سورة الأنبياء (80) فاللَّبُوس، هو ما يُلْبَسُ، فهو "ملبوس"، "مفعول"( 56)
وقد تأتي (فَعُول) بمعنى (فاعل)، و(مفعول) معاً، وذلك على الصورة الآتية:
* تحوّل فاعل ومفعول إلى فَعُول:
وقد تتحّول الوحدتان الصّرفيتان (فاعل)، و(مفعول) إلى "فَعُول"، وذلك كقولهم: (وَمَرْعَى ولا أَكُولةٌ..)( 57) فالأكولة هي الشاة التي يسمّنها الرّاعي لنفسه ليأكلها، فهي في معنى (مَفعُولة)، أي: مأكولة الراعي ، لكنّ أبا الطيب اللّغوي (ت351هـ)(58 ) جعلها من الأضداد، وقد تعني "الآكلة" وقد تعني "المأكولة"، ولكنّ القياس يجعلها أقرب إلى "المفعول" من "الفاعل" لاتصال هاء التأنيث بها، والمعنى يقرّبها من "الفاعل"، أي: إنّ المرعى موجود، ولكن ليست هناك آكلة له، وقيل: الأكولة التي (تأكل)، وقد قيل: إنّ العرب تستعمل "أَفْعل" بمعنى "فاعلٍ". أَوْ (فعيلٍ)، أَوْ (مفعولٍ)، وعليه فإنّ "أَفْعل" لا يُرادُ بها في هذه الحالة التفضيل لذاته، وإنمّا جاء لغيره مع دلالتها على التكثير، وذلك على الصورة الآتية.
* تحوّل فاعل إلى أَفْعَل:
تتحوّل (فاعل) إلى (أفعل) إذا أُرِيدَ بها تأكيداً لمعنىً وتكثيره، كقوله تعالى:
( ربُّكمُ أَعْلَمُ بِكُمُ...) سورة الإسراء (54)، أي: عَالمٌ بكم...(59 )
وقد تأتي "أفعل" بمعنى (فعيل) كقوله تعالى: (وَهُو الّذي يَبْدأ الخَلْقَ ثمّ يُعيدُه وَهُو أَهْوَنُ عَلَيْهِ) سورة الروم (27) أي: هَينٌ عليه، (فعيل). ومثله قول الفرزدق:
إنّ الــّذي ســمّك السّــماء بَنَــى لنــا بَيْتــاً دَعَــائمُُــه أَعــزُّ وَأَطــْوَلُ( 60)
أي: عزيزة طويلة، فلمّا أراد الشاعر أن يبالغ في عزّ دعائم بيته وطولها، جاء بها على "أَفْعل" بدلاً من "فعيل"، وكذلك قولهم: "إنمّا المَرْءُ بأَصغَريْهِ."( 61)
أي: صغيريه، قلبه ولسانه، ولكنّه لمّا أُرِيدَ المبالغة في صغر القلب واللسان بالنسبة لأعضاء الجسم الأخرى. جِيءَ به على "أَفْعل" لأنه أمكنُ في المبالغة والتكثير من (فعيل) . وكذلك قد تُحوّلُ صيغة الوحدة الصّرفية (فاعل) إلى "فُعَلَةٍ".
* تحوّل فاعل إلى فُعَلَةَ:
يرى اللّغويون أنّ كُلّ "فُعَلَةٍ" بضمّ الفاء، وفتح العين( 62) تدلّ على (الفاعل)، وذلك كقول الرسول صلىّ الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه أجمعين،"الحَرْبُ خُدَعَةٌ..."( 63)
فقد نُقِلَ عن الكسائي (ت 189 هـ)، وأبي زيد الأنصاري ضمّ "الخاء"( 64). وفتح "الخاء" والدّال فيها، أي :"خُدَعَةٌ" . بجعلها نعتاً للحرب، أي إنّها تخدع الرّجال، فهي ممّا يقع الفعل لها مع دلالتها على المبالغة في الوصف.
ويرى ثعلب (ت 291 هـ) أنّ "خُدْعَةً" بضمّ الخاء، وسكون الدّال، و"خَدْعَةٌ"، بفتح الخاء وسكون الدّال(65 ) لغة الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..
* تحوّل فاعل،إلى فَعَالِ:
قد تتحوّل الوحدة الصّرفية (فاعل)،إلى (فَعَالِ)، وقد اختلف فيها الحجازيون والتميميون، فالحجازيون يجعلونها مبنيّة على الكسر( 66)، سواء أكانت مختومة بالرّاء أم بغيره من الحروف...
أمّا التميميون فإنهّم يعاملونها معاملة الأسماء الممنوعة من الصّرف للعلمية والعدول، أوِ العلميّة والتأنيث الحقيقي، ولكنّ هذه الصيغة وردت في كلام العرب بمعنى(فاعل)، كقولهم: "صار الأمر عليه لزامِ"(67 ) بمعنى:" صار هذا الأمر لازماً له..."، وهو غير قليل في كلام العرب، فهم يقولون للشمس إذا غربت، براحِ، أي: بارحة.. ويقولون لكلب الصيد، كسَابِ، أي: كاسبة، وكذلك في قولهم: "القول ما قالت حَذامِ....."، أي: حاذمة. (فاعلة).
وقد تتحّول – أيضاً- الوحدة الصّرفية (فعيل) إلى (فَعِلٍ)، وكذلك (مفعول)، إلى (مُفْتَعِل),
* تحوّل فَعيل إلى"فَعِلٍ"، ومفعول، إلى مُفْتَعِل:
وقد تتحوّل (فَعيل) إلى"فَعِلٍ" كقوله تعالى:( هذا يَوْمٌ عَسِرٌ...) سورة القمر(8)
وكقوله تعالى: ( وكُلّ صَغيْرٍ وكبير مُستطر.. ) سورة القمر(53)
أنعم النظر في الآيتين الكريمتين السّابقتين تجد أنّ اللفظتين "عَسِر" و"مُسْتطِر" حسنتان لا ثقل بهما، ولا ينبو السّمع عَنهما( 68). ويتّضح ما توحي به الحركات من خفّةٍ في استخدام القرآن الكريم للفظة (عَسِرَ)، مكان (عسير)، واستعمال لفظة"مُسْتطِر" مكان لفظة (مسطور) فلو قيل: (عَسير)، و(مسطور) لنتج فيهما مدّان لا يريدهما سياق القرآن الكريم في صورة فواصل تتمتّع بخفّة الحركات وتواليها، فالقرآن الكريم هو الكلام البليغ المعجزة بلاغته، ولبلاغته فنون منها اختيار كلمات، وتحوّل وحداتٍ تحدث أصواتها وقعاً يفيد البيان أو التأكيد.
* تحول فاعل إلى مفُتعِْلٍ:
قد تتحوّل الوحدة الصّرفية (فاعل) إلى (مفُتعِْلٍ)، وذلك كقوله تعالى": ( فأخذناهم أَخْذَ عزيزٍ مُقْتدِرٍ.. )
سورة القمر(42)
يرى الزمخشري (ت 538هـ) أنّ "اقْتَدَرَ " أقوى من "قَدَرَ" و"مُقْتَدٍِر" ها هنا أبلغُ وأمكنُ من (قادرٍ)،وإنمّا عُدل إليه للدلالة على بسطة القدرة، فإنّ"المُقتدِرَ" و"قادراً" اسم فاعل من"اقتدر" و"قَدَرَ"،ولا شكّ أنّ "افتعل" أبلغ وأمكن من "فَعَلَ"( 69)
ذكر ابن الأثير (ت 629 هـ) أن اللفظ إذا نُقِلَ من وزنٍ إلى وزنٍ آخر أكثر منه، تضمّن معنىً أكثر ممّا تضمّنه أوّلاً، لأن إبانةً الألفاظ لإبانة المعنى، كما أنّ في (مُقْتَدٍِر) زيادةً ليس في "قادر"، ومن ثّم عُدِلَ من "قَدَرَ" إلى "اقْتَدَرَ" لدّلالة الأمر على التفخيم وشدّة الأخذ أَوْ على بسطة القدرة.
وذكر الزركشي (ت 794هـ) ولا شكّ أنّ لفظ "مُقْتَدٍِر" معنىً أنه قادر متمكنّ القدرة لا يردّه شيء على اقتضاء قدرته، ويسمّى هذا: "قوّة اللفظ لقوّة المعنى.."(70 ) وعليه قول أبي نواس:
فَعَفـــوتَ عنّـــي عَفْـــوَ مُقْتَــــدرٍ حلّـــت لـــه نِقـــمٌ فألغــاهــا( 71).
أي: عفو قادر متمكّن القدرة لا يردّه شيء عن إمضاء قدرته.
ويشير الزّركشي أنّ في موضع آخر من البرهان إلى أنّ الوحدة الصّرفية "فاعل" قد تتحول إلى (فَعّالٍ).
* تحوّل فاعل إلى فَعّال:
قد تتحوّل الوحدة الصّرفية (فاعل) إلى(فَعّال)كقوله تعالى:(فَقُلْتُ استغفِروا رَبّكم إِنّه كَاْنَ غفّاراً...) سورة نوح (10).
فقد أراد الله عزّ وجلّ العدول من (غافرٍ) إلى "غفّارٍ"، لأنّ "غفّاراً" أبلغ وأمكنُ من "غافرٍ"، فأنت ترى أَنّ الزمخشري(72 ) تنبّه على هذه الظاهرة البلاغيّة، فتبيّن أَنّ السياق ومتطلبات المقام تقتضي تحوّل الوحدة الصّرفية لتحقيق أغراضٍ بلاغية ودلالية وأسلوبيّة تناسب نسق الآية الكريمة وبداعة سَبْكها...ومثله قوله تعالى:( ولا تُطِعْ كُلَّ حلاّفٍ مَهينٍ همّازٍ مشّاء بنميمٍ، منّاعٍ للخيرِ مُعْتَدٍ أثيمٍ.. )سورة القلم (10-11-12).
هل ترى في المعاجم العربيّة كُلهّا ألفاظاً أنسب من الألفاظ: "حلاّف، وهمّاز، ومشّاء، ومنّاع" التي اختارها السّياق القرآني الكريم لمشهد الإنسان الحلاّف الهمّاز، النمّام، المنّاع للخير بكل وجوهه؟، فلو قيل: حالف، هامز، ماشٍ، مانعٍ.." لخرجت عن دلالة الكثرة والمبالغة ومستوى بلاغة التعبير والإيحاء... ولخفّ الجرسُ، ولضاعَ الأثر المنشود، ولتوارت الصّورة المطلوبة التي رسمتها ألفاظ الوحدات الصّرفية، واستقلت برسمها. ومعنى ذلك أن اختيار اللفظة مُهّم في التناسق الرّفيع، فيرسم جرسها في النفس إيقاعاً عميقاً يوحي بجوّ الفكرة.