يتبع :
أولاً: باعتبار النصوص
اعتبار كليات الشريعة : قام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , باعتبار كليات الشريعة الإسلامية قبل اعتبار النصوص الجزئية , لأن الكليات ثبتت بتواتر النصوص عليها فهي أقطع من الجزئية , فوضعها في المقام الأول , و الدليل على ذلك ما ألمح إليه بنصه فقال :" ولما بدا من مكنون السر ما بدا , و وفق الله الكريم لما شاء منه وهدى , لم أزل أقيد أوابده , و أضم من شوارده تفصيلاً و جملاً , معتمداً على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية " . فإذا أمعنت النظر تجده قد رسم ملامح منهجه بدقة فائقة يصعب معها اللبس أو الخلل فانظر قوله : " لم أزل أقيد أوابده , و أضم من شوارده تفصيلاً و جملاً " , هذا دليل على إمعانه النظر في النصوص مع إمعان نظره في صور فروعها, ثم قوله: "تفصيلاً و جملاً " وهو بيان لحال نظره في النصوص و ما ينبني عليها من فروع , وتجد هنا أن نظره في النصوص اعتمد على أمرين أساسيين هما : الأول: نظرة جزئية خاصة باعتبار النص كوحدةٍ تشريعية كاملة . الثاني: نظرة باعتبار باقي النصوص. وهذا يعني عدم الاستقلال بالنصوص الجزئية في فهم مقصودها بل قدَّم عليها النصوص الكلية التي هي أقطع من حيث الدلالة على روح التشريع ومقصد المشرع في ذلك ,.
الاستقراء كمنهج : اعتمد الإمام الشاطبي رحمه الله الاستقراء لأفراد الموضوع منهجاً , ليثبت بعد ذلك الحكم باعتبار جميع الصور لا بعضها , و نص على ذلك بقوله : " معتمداً على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية " , وهو منهج عقلي سليم .
ربط أطراف المسائل النقلية بأطرافها العقلية : قام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بربط أطراف المسائل النقلية بأطرافها العقلية , ومن ذلك أنه أوصل أصول المسائل في الكتاب و السنة بامتدادها بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جد عليها من أمور , فتكون المسائل غير متروكة للهوى ولكن مربوطة بأصولها من الكتاب و السنة فلا خلاف في الحكم عليها إذا تم ردها إلى أصلها , وذلك قوله " ومبيناً أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية , حسبما أعطته الاستطاعة و المنة" , وما لهذه الطريقة من أثر على صحة وسلامة التشريع .
ثانياً: باعتبار المعاني
الأخذ بالمصالح :أخذ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بالمصالح و راعى المعاني في تقرير الأحكام , شأنه شأن الإمام مالك رحمه الله تعالى , و الكثير من الأصوليين الذين اعتمدوا منهج الاستقراء لأحكام الشريعة و النصوص التي أنشأتها , فكان يأخذ بالمصالح رحمه الله تعالى و يكثر منها شأنه شأن علماء المذهب المالكي , لكن ما تميز به رحمه الله تعالى أنه عبر عن مذهبه مبيناً أسباب أخذه هذا مدافعاً عنه أشد دفاع , ما يظهر الحق و يجلوا الغمامة عن الأعين فقال: " أما قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية..." و يقصد بذلك شيخه مالك رحمه الله تعالى , مؤكداً أن سبب الأخذ بالمصالح على هذا النحو تعلق النصوص الشرعية بالمصالح و دوران النصوص الشرعية حيث دارت المصالح , و الحق أن من عارض الشاطبي في مذهبه , لم يرى مذهبه رأي الواعي العاقل صاحب اللب السليم الذي يلمح بعين البصيرة ما تقصر عنه أعين العوام , فهو المتبع لا المبتدع , ولقد ارتقى بمنهجية الفقهاء , و أكمل مسيرة الفقه , و ما ذلك إلا عبر اعتماد منهج مدرسة المدينة المنورة , عاصمة الدعوة و الدولة , التي بها أصحاب رسول الله و شيوخ التابعين , و قد عاصر أبناءهم نمو التشريع على يد الخلفاء الراشيد رحمهم الله تعالى , فهم الذين مثَّلوا ميراث النبوة عملاً لا قولاً , و حاضرةً عندهم فتوى رسول الله صلى الله عليه و سلم , فاستشف الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بنور الله تعالى ملامح مدرسة النبوة , فأرسى رواسيها و خط حدودها , و جاء الفقه الحديث بما يحمل من جديد برهاناً على صحة المنهاج و سلامة الطريقة و الحمد لله تعالى .
فإذا نظرت في قوله نظر الممعن نظره في مذهبه و أصوله و مقاصده , تعلم أن المصلحة هي كما لمحها الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , باب يضم روح التشريع لكثير من الأحكام التشريعية , و التي جاءت النصوص معبرة عنها , مع ذلك فإن أخذ الإمام الشاطبي هذا للمصالح , كان مقيداً بشروط ذكرها هو , مما يجعله في دائرة التشريع لا خارجها , وهي على النحو التالي :
عدم الخروج على مقاصد الشريعة بشيء ,مما يضمن انسجام أحكام الشريعة مع بعضها البعض مع عدم مخالفتها لمصادر التشريع .
ألا يناقض أصلاً من أصول التشريع , مما يضمن الثبات في مسيرة التشريع . حيث يقول الشيخ أبو زهرةعن المذهب المالكي : ".., نعم مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه و لا يناقض أصلاً من أصوله , حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرساله , زاعمين أنه خلع الربقة و فتح باب التشريع , وهيهات , ما أبعده من ذلك رحمه الله , بل هو الذي رضي لنفسه في فقهه بالإتباع , بحيث يخيل للبعض أنه مقلد لمن قبله " , بل و وضع ضوابط للمصالح و أقسامها , فقام الشاطبي رحمه الله تعالى بوضع ضوابط و تقسيمات للمصالح , هي واجبة لفهم مقاصد الشريعة و هي طريق فهم الكتاب و السنة , أو بصورة أوضح ضبط مقاصد التشريع بضوابط و حدود تميز بعضها عن بعض و سيأتي الحديث عنها عند الحديث عن المصلحة و علاقتها بالعلة إن شاء الله تعالى , وتوج ذلك بنظرته الخاصة لمسألة التعليل , فقد نظر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى لموضوع تعليل الأحكام بنظرة خاصة فأرسى مراسي الفهم السليم لمسألة التعليل من خلال الكتاب و السنة , الذي ينبني عليه أثره المرجو منه , في تطور الفقه الإسلامي و صلاحه , ولقد رسخ فيه معنيين هما: الأول : وجوب أخذ النصوص بمقاصدها , الثاني: و جوب إدخال التفسير المصلحي في فهم معانيها و أحكامها , وسنخوض فيها في حينها إن شاء الله تعالى .
ثالثاً: باعتبار المصادر و ضوابط الاستدلال
الأدلة والمذاهب : إن أهم المقومات التي تعتمد عليها المذاهب الفقهية بحيث هي مدرسة تشريعية تلعب دوراً فاعلاً في بناء و بيان فلسفة التشريع , هي الأدلة التي تعتمد عليها تلك المذاهب , أما المذهب المالكي فإنه منشأ النظرة المقصدية بضوابطها التي نص عليها الشاطبي و الفقهاء من بعده , و نرى مدى تفرعها و اتساعها , لذا كان الإمام مالك الأكثر اعتباراً لمصادر التشريع حيث سجل له أخذه بالكتاب و السنة و الإجماع و القياس وقول الصحابي و قول التابعي و الاستصحاب و المصالح المرسلة, و العرف و العادة و الاستحسان , فأخذ كل ما أنتجته هذه الأدلة كل في محله .
أخذ الإمام الشاطبي بالأدلة: كان مذهب الإمام الشاطبي رحمه الله , أن يأخذ بالدليل الأقوى و يذر سواه , ما لم يوجب ذلك حرجاً , و إلا كان يجمع بينهما , فيقدم الكتاب على السنة , و السنة على القياس , و القياس على قول الصحابي , و قول الصحابي على قول التابعي , و الأثر على المعقول , و هكذا فانظر مانقل الشيخ محمد ابو زهرة عن صاحب كتاب المدارك ما نصه " و أنت إذا نظرت لأول و هلة منازع هؤلاء الأئمة و مآخذهم في الفقه , و اجتهادهم في الشرع , وجدت مالكاً رحمه الله ناهجاً في هذه الاصول منهاجاً, مرتبا لها مراتبها و مدارجها , مقدما كتاب الله على الأثار , ثم مقدماً لها على القياس و الإعتبار , تاركاً منها مالم يتحمله الثقات العارفون لما تحملوه .... " .
سَد الذرائع و أَبطل الحِيل: إن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أخذ بقاعدة سد الذرائع و أبطل الحيل , فإن كان قد فتح باب المصالح على مصراعيه فقد جعل وسيلة يرتب بها هذه المصالح مع بعضها البعض بحيث تتدافع ولا تتعارض , و ما مفهوم سد الذرائع إلا ذلك وهو دفع المصلحة الأقوى الراجحة للمصلحة الأضعف المرجوحة , لكنَّ جهد مالك و الشاطبي لم يقتصر ليضبط فقط تلك المصالح الظاهرة بل تعد إلى أبعد من ذلك ليضبط نوعين آخرين من المصالح و هما : الأول: المصالح التي ظاهرها من جهة المكلف المصلحة و لغلبة الظن الكلمة الأخيرة فيها, . الثاني: تلك المصالح و التي يكثر و قوعها مفسدة مع أن الظن الغالب فيها المصلحة , و لعل هذا ما عده العلماء مغالاةً عند مالك , ولقد دافع عنه الشاطبي رحمه الله في ذلك و أبان الحق للعلماء فقال: "إن مالك اعتبرهُ في سد الذرائع , بناء على كثرة القصد وقوعاً , و ذلك أن القصد لا ينضبط في نفسه لأنه من الأمور الباطنة , لكن له مجال هنا و هو كثرة الوقوع في الوجود أو هو مظنة ذلك , فكما اعُتبرت المظنة و إن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها مجال القصد , ولهذا أصل وهو حديث أم ولد زيد ابن أرقم وهو ماروي عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها فقالت أم ولد زيد بن أرقم :" إني نظير غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يتوب" . فترى أنَّ الشاطبي رحمه الله علَّلَ اعتبار مالك كثرة الوقوع مفسدة محل غلبة الظن , بأن غلبةُ الظن في القصد ممنوعة لأن القصد باطن لا ظاهر , و لكنَّ كثرة الوقوع مظهر لهذا القصد بدليل إقبال الناس عليه , وهذا يحل محل غلبة الظن , مع العلم أن غلبة الظن هي في تحقيق المفسدة في ذات الفعل و الكثرة في الوقوع دليل على إيراد هذه المفسدة على هذا الوجه وقد وضح ذلك حديث أم ولد زيد ابن أرقم فها الصحابي الذي شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المواقع كلها لا يقبل فيه قصد الربا فكان غلبة ظنه أن هذا الوجه في البيع جائز لكن ظنه هذا لم يوافق واقعاً بل إن وقع البيع ممنوع وظنه باطل , أكد ذلك تغليظ أم المؤمنين له , والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا توقيفاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه , و سبب التغليظ , لأن ذلك البيع يعد ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم , وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما ..
4- الشاطبي و العادات :
أخذَ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بالعادات و استثمرها بطريقة غريبة ناظر فيها عادات العرب التي اعتبرها الشرع الحنيف , بما توارث الناس من عادات أخرى , وهو منهج الإمام مالك حيث يقول الشيخ أبو زهرة : " ثانيهما : أن مالكاً كان يتجه إلى العادات القانونية التي كانت معروفة عند أهل المدينة , فيضفي عليها مسوحاً دينيةً , و أن تلك العادات هي صورةٌ للعادات العربية القديمة , لم تتفق بعد مع الدين تماماً ولكنها عادات نشأت من محيط المعاملات , وقد ظهر بعضها لمالكٍ كأنه السنة , أو حمَّله اسم السنة , وليس ذلك إلا إصباغا لعادات قانونية عربية بصبغة الدين , و إزالة لما عساه يكون مخالفاً للدين من هذه العادات." , و معنى ذلك أن الإمام الشاطبي رحمه الله وشيوخ المذهب المالكي قاموا بتصفية تلك العادات و تقريبها إلى الإسلام بما يقبله الإسلام و لا يرده , أما ما خالفه فقد تركوه و وازعهم في ذلك أن مجمل هذه العادات عادات عربية قديمة اعتبر التشريع صوراً كثيرةً منها , و قوََّمََ بعضها فكانت منهجية الإمام الشاطبي لينة تستوعب ما وافق التشريع و تترك ما خالفه من عادات توارثتها الأجيال , ولقد نص الإمام الشاطبي رحمه الله على ذلك فقال:" كل أصل علمي يُتخذُ إماماً في العلم فلا يخلو أن يجريَ به العمل على مجرى العادات في مثله , بحيث لا ينخرمَ منه ركن و لا شرط أو لا , فإن جرى فذلك الأصل الصحيح . و إلا فلا.. " وهذا يعني أن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى اعتبر الدليل على صلاح الأصل الشرعي للاستدلال جريانه مع أعراف الناس و عاداتهم و جعل لذلك شرطاً: وهو عدم مخالفة أحد أركان هذا الأصل لمجرى العادات , ولقد عبر عن ذلك صراحة بقوله : " .. فإذن كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطردَ ولا استقام بحسبها في العادة فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها " .
منهج الشاطبي الفقهي :
لقد كان الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى مالكي المذهب درس في مدرسة غر ناطة حيث شاع مذهب مالك بلاد الأندلس جميعها , حيث ينقل لنا الشيخ محمد أبوزهرة قول القاضي عياض في بيان البلاد التي انتشر بها مذهب مالك فيقول " غلب مذهب مالك على الحجاز و البصرة و مصر , و ما وآلاها من بلاد أفريقية و الأندلس و صقلية و المغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا , وظهر ببغداد ظهوراً كثيراً ثم ضعف بعد أربعمائة سنة , وظهر بنيسابور , وكان بها و بغيرها أئمة و مدرسون..." , فتتلمذ على يد مشايخها و تميز بالفهم العميق , مما أهله بعد ذلك أن يخرج كنوزه للناس ما لم يفعله سواه من مشايخ هذا المذهب , وهو الذي كشف الحجاب عما قصد إليه مالك ولم يعبر عنه صراحة بل وضع أسس بنيان شامخ جاءت مدرسة الشاطبي المقصدية ثمرة من ثماره , ثم نظرته للتعليل ثمرة أخرى .
المصادر
رسالة ماجستير " تعليل الأحكام الشرعية عند الإمام الشاطبي " للباحث عدنان على اسبيته من خلال دراسة كتابي الإمام الشاطبي " الموافقات في أصول الأحكام و كتابه الإعتصام " , نوقشت الرسالة في الجامعة الإسلامية بغزة بتاريخ21/9/2005 على يد د. محمد يونس و د. ماهر الحولي تحت إشراف د. زياد مقداد.
وكتاب "تهذيب الموافقات" لمحمد بن حسين الجيزاني طبعة دار ابن الجوزي.