![]() |
السماع والقياس من خلال المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية
السماع والقياس من خلال المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية د ربيعة العمراني الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وصلى الله على محمد العدنان وعلى آله وصحبه بإحسان . أتقدم بداية بكلمة شكر وتقدير إلى كل من أسهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذه الندوة العلمية القيمة، وأخص بالذكر جامعة سيدي محمد بن عبد الله، رئاسة وعمادة وأساتذة وطلبة. والشكر والتقدير موصول إلى الأستاذة الفاضلة الدكتورة سعيدة العلمي، رئيسة مركز الدراسات الأندلسية المغربية، على سعة صدرها وقوة صبرها على ما تستوجبه مثل هذه المناسبات من إجراءات وتنظيمات. أما بعد: اشترط الشاطبي الأصولي، كغيره من العلماء، في المجتهد التمكن من اللغة العربية المعتمد عليها في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، لكنه اجتهد في طبيعة هذه العلاقة حيث يقول :”… أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا؛ فهو متوسط في فهم الشريعة ، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة” (1). فهذا قياس بديع بين مستويات التمكن من اللغة العربية والتمكن من الشريعة، ينبئ بأن الرجل بلغ درجة في اللغة ، مكنته من بلوغ مثيلتها في الشريعة ، ليجمع بين الاجتهادين الأصولي الفقهي، والنحوي واللساني، فما مظاهر ذلك من خلال القياس الذي اعتمده في الانتصار لابن مالك أو الرد عليه، انطلاقا من مؤلفه:” المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية” وما موقفه من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، باعتباره مصدرا رئيسا للسماع عند صاحب الخلاصة المراد توضيح مشكلاتها. وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من الإشارة إلى أهمية المنظومات التعليمية _ما دامت هذه الخلاصة واحدة منها. حظيت المنظومات التعليمية باهتمام كبير في التراث العربي، وكانت عمدا لكثير من العلوم والفنون، يرتكز عليها العلماء في حلقاتهم وإجازاتهم ؛ لأنها أكثر سهولة في حفظ المعلومة وعُلوقها في الذهن . ومن أشهرها “الشاطبية” أو”حرزُ الأماني ووجه التهاني”للإمام أبي محمد القاسم بن فِيرُّه الشاطبي المتوفى سنة 590 هـ، وألفيةُ العراقي في علوم الحديث للعلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل العراقي المتوفى سنة 806هـ، والخلاصة في النحو، لجمال الدين ابن مالك الأندلسي المتوفى672 هـ .وهي تلخيص للكافية الشافية، لكنها كانت واحة باسقة حجبت الأنظار عن الأصل الذي لُخصتْ منه وعما قبلها وبعدها من المنظومات النحوية. وقامت عليها شروح عديدة لتوضيح إشاراتها وفك رموزها نذكر منها: 1ـ شرح ابن الناظم (ت 686هـ) 2- كاشف الخصاصة عن ألفاظ الخلاصة لشمس الدين الجزري (ت 711هـ). 3- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك .للمرادي (ت 749هـ ) 4- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الأنصاري ( ت 761هـ): 5-شرح ابن عقيل (ت 769هـ). 6- منهج السالك إلى الكلام حيان النحوي (ت 745هـ) 7- المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية لأبي إسحاق الشاطبي (ت 790هـ) ، محور هذا العرض, والذي قال عنه احمد بابا التنبكتي( ت 1036):”شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلف عليها مثله بحثا وتحقيقا على ألفية ابن مالك لأبي فيما أعلم” (2) عرف هذا المؤلف النور وصدر عن معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي جامعة أم القرى بمكة المكرمة.في عشر مجلدات بعد طول أمد وانتظار قارب ربع قرن. موضوع الكتاب ومصادره : يقول الشاطبي: “وأنا أرجو أن ينفع الله به المفيد والمستفيد، إنه حميد مجيد، وأن يكون هذا المجموع مستقلا بإبداء معاني الخلاصة غنيا عن المزيد , منهضا إلى أوج الاستبصار عن حضيض التقليد. ولذلك وسمته بالمقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية. ولعَمْرِي إن مُطالعه ليطَّلِع منه على كثير من أسرار علم اللسان، ودفائن سيبويه وغيره من علماء هذا الشأن ، التي من قصُر إدراكه دونها لم يَحْلَ في هذا العلم بطائل، ومن ضاق فهمه عنها فَاسْمُ الإمامة عنه زائلٌ إلى ما تضمنه من حل كثير من عقد كتابه” التسهيل” ومشكلاته وفك مُعَمَّيَاتِهِ وفتح مقفلاته . على أني بكلامه استدللت على كلامه، وبنوره اهتديت في بيداء استبهامه إلى رفع أعلاه” (3). عرض الشاطبي لآراء النحاة منذ نشأة هذا العلم حتى عصره، ووازن بينها وساق العلل وعرف بمصطلحات ابن مالك و أورد آراء كثير من النحاة الأندلسيين الذين ضاعت مؤلفاتهم. أما مصادره النحوية فكثيرة وأهمها الكتاب لسيبويه(ت 180هـ ) وشرحه للسيرافي( ت 368هـ ) وكتب الفراء( ت 207هـ) والمبرد (ت 286هـ)والزجاج(ت 311هـ) وابن السراج(ت 316هـ) وأبي علي الفارسي (377 هـ) والرماني ( ت 384هـ)وابن جني(ت 392) والسهيلي(ت 571هـ) والجزولي(ت 606هـ) وابن خروف(ت 607هـ) والشلوبين(ت 645هـ) وابن مالك(672هـ) وأبي حيان(ت 745هـ) وابن هشام ( ت 761هـ) منهج الكتاب: يقول الشاطبي: ” أما بعد فإن بعض من يجب علي إسعافه ، ولا يسعني خلافه كان قد أشار علي أن أقيد على أرجوزة الإمام العلامة ابي عبد الله بن مالك الصغرى وهي المسماة بالخلاصة، شرحا يوضح مشكلها، ويفتح ويرفع عن منصة البيان فوائدها، ويجلو في محك الاختيار فرائدها، ويشرح ما استبهم من مقاصدها ويقف الناظر فيها على أغراضها من مراصدها من غير تعرض إلى ما سوى هذا الغرض ولا اشتغال عن الجوهر بالعرض” (4 ) ويضيف في موقع آخر:”وقد سلكت فيه مسلك شيوخي ـرضي الله عنهم ـ في البحث وتحقيق المسائل , والتأنيس بالتنظير والتنقير عن دفائن اللفظ، وبتتبعه بقدر الإمكان، والاعتراض وإيراد الإشكال، والاعتذار عن اللفظ المشروح على حسب ما أعطاه الوقت والحال، وأوجبه تحسين الظن بالمؤلف، وعدم الوقوف وراء اللفظ تقليدا دون أن يتحرر معنى الكلام او يظهر وجهه، والاحتجاج لمذهب المؤلف وترجيحه لما أمكن له وجه ترجيح، وتنشيط القارئ في بعض المواطن بالحكايات عن أهل العلم في المسائل المتكلم فيها” (5). من أبرز شيوخه في النحو واللغة : أبو عبد الله محمد بن علي بن الفخار، سيويه العصر(ت 754هـ) والشريف الحسني (ت 760هـ) وأبو عبد الله البلنسي.(ت 782هـ) و الكتاب شرح مستفيض لم يركب صاحبه الاختصار بل فضل التعمق والتفصيل فقد بسط الشرح وأنشأ موسوعة حول الألفية خالفت المعهود من شروح الألفية التي اعتمدت الإيجاز، يقول صاحب مقدمة التحقيق محمد بن إبراهيم البناء: “ولقد عرفنا بعض هذه الشروح فلما قدر لنا أن نعايش منهج الشاطبي هنا بدا لنا أنه قد فاتنا كثير من مرامي الألفية وأنه قد مررنا بكثير من مشكلاتها مر الكرام كما يقولون” (6). وعلل هذا البسط بقوله:”لم اقصد فيه قصد الاختصار الذي قصده غيري ممن شرح هذا النظم لأمور أكيدة “(7). وقد حصر هذه الأمور في أربعة دوافع وهي: 1ـ أن واضعه لم يقصد به الصائم أي المبتدئ في هذا العلم. 2ـان الناظم لم يكن مجرد ناقل بل لجأ إلى التعليل والترجيح والأخذ بالدليل . 3ـ في الكتاب قواعد كلية تحتاج إلى البسط ولا يسعها الاختصار . 4ـ فيه إشارة وغموض واكتفاء بالمفهوم مما يوحي أن صاحبه يود إشراك الشادي والمنتهي. والشاطبي الأصولي يرفض إلا أن يخوض في أصول النحو خاصة أنه صاحب كتاب في هذا العلم ” الأصول العربية ” والذي أشار إليه بكثرة في هذا الشرح كقوله:” وقد بينت هذه المسألة بما هو أوسع من هذا وأشفى للصدر في باب الضرائر من “أصول العربية “(8) . وسنختصر في هذا العرض على مسألتين تتعلقان بأصول النحو_ مما تناوله الشاطبي في كتابه”المقاصد الشافية ” _ الأولى تهم السماع وهي قضية الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، والثانية تخص القياس الذي قال بشأنه واضع مقدمة التحقيق:” ولا أعتقد أن في نحو العربية كتابا حوى مقالات وتحقيقات حول القياس مثل هذا الشرح”(9). 1) الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف اختلف العلماء حول الاحتجاج بالحديث النبوي في الدراسات النحوية فمنهم من منع ذلك كابن الصائغ وأبي حيان الأندلسي، ومنهم من ذهب إلى صحة هذا الاحتجاج مطلقا كابن مالك وابن هشام، ومنهم من ذهب مذهبا وسطا بينهما وهذا رأي أبي إسحاق الشاطبي. إذ يقول :” واعلم أن جميع ما استدل به الناظم، أو استُدِلَّ له به مبناه على السماع, فان القياس عند أهل اللسان تابع غير متبوع أي تابع للسماع من أهل العرب,فالسماع هو الحاكم على القياس وليس السماع تابعا للقياس ، ولذلك قال الإمام “قف حيث وقفوا ثم فَسِّرْ” ، فأخذ الناس هذا منه أصلا يرجعون إليه، والسماع الذي اعتمده الناظم أمران : احدهما الشعر والآخر الحديث، أما الحديث فانه خالف في الاستشهاد به جميع المتقدمين، إذ لا تجد في كتاب نحوي استدلالا بحديث منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على وجه أذكره بحول الله . وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم وبأشعارهم التي فيها ذكر الخنا والفحش …ويتركون الأحاديث الصحيحة, كما ترى ,ووجه تركهم للحديث أن يستشهدوا به ما ثبت عندهم من نقله على المعنى وجواز ذلك عند الأئمة إذ المقصود الأعظم عندهم فيه إنما هو المعنى لتلقي الأحكام الشرعية لا اللفظ ، ولذلك تجد في الأحاديث اختلاف الألفاظ كثيرا، فترى الحديث الواحد، في القصة الواحدة والمقالة الفذة التي لا ثانية لها، قد اختلفت فيه العبارات اختلافا متفاوتا ما بين جار على عرف من كلام العرب ، وما لم يعرف وليس ذلك إلا لما ساغ لهم أعني الرواة من نقله بالمعنى… خلاف ما عليه الأمر في نقل الشعر وكلام العرب، فإنهم اعني رواته ، لم ينقلوه أخذا لمعناه، بل فقط المعتنى به عندهم كان اللفظ، لما ينبني على ذلك من الأحكام اللسانية ، فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نُقل من كلام العرب عن الثقات، وتركوا ما نقل من الأحاديث لاحتمال إخراج الراوي لفظ الحديث عن القياس العربي,فيكون قد بنى على غير أصل، وذلك من جملة تحريهم في الحلافظة على القواعد اللسانية.ولو رأيت اجتهادهم في الأخذ عن العرب ، وكيفية التلقي منهم لقضيت العجب، فليس بمنكر تركهم للاستشهاد بالحديث والاستنباط منه ن كيف وهم قد بنوا على ما نقل أهل القراءات من الروايات في ألفاظ القرآن، فبنوا عليها لما كان اعتناؤهم بنقل الألفاظ، وإذا فرض في الحديث ما نقل بلفظه وعرف بذلك، بنص أو بقرينة تدل على ااعتناء باللفظ صار ذلك المنقول أولى ما يحتج به النحويون، واللغويون ، والبيانيون ويبنون عليه علومهم.” (10). ويخلص بعد ذلك إلى تقسيم الحديث من حيث النقل إلى قسمين: أحدهما : ما عرف أن المعتنى به فيه نقل معانيه لا نق ألفاظه، فهذا لم يقع به استشهاد من أهل اللسان. والثاني ما عرف أن المعتنى به فيه نقل ألفاظه لمقصود خاص به، فهذا يصح الاستشهاد به في أحكام اللسان العربي. وهذا ما ذهب إليه مجمع اللغة العربية بالقاهرة أيضا (11). 2) قواعد نفيسة في القياس يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله:”غير أن هاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها في الكلام على هذا النظم، وما ارتكب صاحبه فيه وفي غيره، وذلك أن المعتمد في القياس عند واضعيه الأولين، إنما هو اتباع صلب كلام العرب، وما هو الأكثر فيه؛ فنظروا إلى ما كثر مثلا كثرة مسترسلة الاستعمال فضبطوه ضبطا ينقاس ويُتَكَلَّم بمثله، لأنه من صريح كلامهم، وما وجدوه من ذلك لم يكثر كثرة توازي تلك الكثرة، ولم يشع في الاستعمال نظروا: هل له من معارض في قياس كلامهم أم لا؟ فما لم يكن له معارض أجْرَوْا فيه القياس أيضا، لأنهم علموا أن العرب لو استعملت مثله لكان على هذا القياس، كما قالوا في النسب إلى فعولة: فَعَليّ، ولم يذكروا منه في السماع إلا شَنَئِيًّا فِي شَنُوءَة، فقاسوا عليه أمثاله لعدم المعارض له، فصار بمثابة الكلي الذي لم يوجد من جزئياته إلا واحد كشمس وقمر، وكذلك إذا تكافأ السماعان في الكثرة بحيث يصح القياس على كل واحد منهما وإن كانا متعارضين في الظاهر, لأن ذلك راجع إلى جواز الوجهين كلغة الحجازيين وبني تميم في إعمال (ما) وإهمالها، والتقديم والتأخير في المبتدأ مع الخبر، والفاعل مع المفعول، وغير ذلك، فليس في الحقيقة بتعارض، لا سيما إن كانا في لغتين مفترقتين، فإن اللغات المفترقة ألسنة متباينة، وقياسات مستقلة، فلا تعارض فيها البتة، وإن قلَّت إحداهما بالإضافة إلى الأخرى، إلا أن تضعف جدا فلها حكمها، وأما الوجهان في اللغة الواحدة فحكمهما ما ذكر، وما كان له معارض توقفوا في القياس عليه، ووقفوه على محله، إذا كان المعارض له مقيسا، وذلك كدخول (أن) في خبر (كاد) تشبيها بعسى، لو أعملنا نحن القياس في إدخالها لانحرفت لنا قاعدة عدم إدخالها، مع أنه الشائع في السماع. وهذا كله مبين في الأصول”(12 ). |
وسنأخذ نموذجا موضحا لمنهج الشاطبي في تناول قول ابن مالك وتوظيف القياس في الاحتجاج له أو ضده ، حيث الاعتراض والاستدراك والتساؤلات على ابن مالك دون أن يكون طالب عثرة، بل كان متأدبا بأدب العلماء ،ساعيا إلى الترجيح القائم على البرهنة والاستدلال ويتعلق الأمر بسبق الحال إذا كان صاحب الحال مجرورا بحرف جر. يقول الشاطبي: “ثم قال[ يقصد ابن مالك] [رجز] وَسَبْقَ حَالِ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أَبَوْا وَلَا أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ هذا الفصل يتكلم فيه على الحال من المجرور بحرف هل يجوز تقديمه عليه أم لا يجوز. والتقدير: قد أبوا (يعني النحويين_ سبق حال الاسم الذي جر بحرف، ويعني أن النحويين منعوا إذا كان كان صاحب الحال مجرورا بحرف أن يتقدم الحال عليه، وإنما يكون عندهم متأخرا عنه لزوما بحيث لا يجوز في القياس غيره، فإذا قلت : مررت بزينب ضاحكة، فهو اللازم، وكذلك إذا قلت مررت بالزيديْنِ قائمَيْنِ، لا يجوز أن تقول : مررت ضاحكةً بزينب، ولا مررت قائمَيْنِ بالزَّيْدَيْنِ والا يجوز تقديمه على متعلق الجار وهو الفعل ونحوه أولى، فلا يقال ضاحكة مررت بزينب ولا قائمين مررت بالزيدين، هذا ما حكاه على النحويين . ولم يذكر المسبوق ما هو إذ هو مفهوم أن المراد سبقُ الحال على صاحبه، وسبقه على صاحبه تارة يكون مع سبق العامل عليهما، وتارة مع سبق الحال على صاحبه والعامل معا، ثم ذكر ما اختاره مذهبا ورجحه على غيره، وهو الجواز، فقال ” ولا أمنعه فقد ورد” يريد: لا أمنع ذلك السبق الذي منعتم بل أجيز سبق الحال لصاحبه المجرور بحرف، وسبقه لصاحبه وللعامل معا، وبين سبب هذه الإجازة ، والمخالفة وأنه السماع المقتضي للجواز بقوله: “فقد ورد” يعني أنه ورد من كلام العرب فهو موجود ، وإذا كان مسموعا فلا سبيل إلى المنع جملة، إذ السماع هو الإمام المتبع، فمن ذلك قول الله تعالى:”وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” (13) فالظاهر في كافة أنه حال من الناس كما لو قال: للناس كافة.والعرب لا تستعمل كافة قط إلا حالا….. ومن المنظوم قول الشاعر من أبيات الحماسة (14): إذا المرءُ أَعْيَتْهُ الرياسةُ ناشِئًا فَمَطْلَبُهَا كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ (15) يقول الشاطبي :”والصواب _والله أعلم_ مع النحويين دون ابن مالك، لأنهم لم يأتوا بوجه المنع القياسي إلا بعد استقراء كلام العرب، وأنهم لم يجدوا التقديم إلا في شعر لا يُجْعَل وحده مأخذَ قياس، أو في الآية الكريمة مع احتمالها وعدم نظير لها في ظاهرها، ومعارضة الاستقراء للقياس في المسألة ، فحينئذ جزموا بمنع المسألة ، وأولوا الآية الكريمة حين لم يجدوا لها في الكلام نظيرا ، ولم يثبت عندهم جواز التقديم في لغة من اللغات، فالحق ما ذهبوا إليه .ومن عادة ابن مالك التعويل على اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرُها جوازُ ما يمنعه النحويون ، فيعول عليها في الجواز ، ومخالفة الأئمة ، وربما رشح ذلك بأبيات مشهورة أو غير مشهورة , ومثل ذلك ليس بإنصاف ، فإن القرآن الكريم قد يأتي بما لا يقاس مثله، وإن كان فصيحا وموجَّها في القياس لقلته…[ف]ليس كل ما تكلم به العرب يقاس عليه، وربما يظن من لم يطلع على مقاصد النحويين أن قولهم “شاذ” أو “لا يقاس عليه” أو “بعيد في النظر القياسي” أو ما أشبه ذلك ضعيف في نفسه وغير فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن؛ فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لعمر الله أن يشنع عليهم، ويمال نحوهم بالتجهيل والتقبيح، فإن النحويين إنما قالوا ذلك لأنهم لما استقروا كلام العرب ليقيموا منه قوانين يُحْذَى حَذْوُها وجدوه على قسمين: قسم سَهُلَ عليهم فيه وجه القياس ولم يعارضه معارض لشياعه في الاستعمال وكثرة النظائر فيه فأعملوه بإطلاق؛ علما بأن العرب كذلك كانت تفعل في قياسه. وقسم لم يظهر لهم فيه وجه القياس، أو عارضه معارض لقلته وكثرة ما خالفه. فهنا قالوا إنه “شاذ” أو “موقوف على السماع” أو نحو ذلك؛ بمعنى أنا نتبع العرب فيما تكلموا به من ذلك ولا نقيس غيره عليه، لا لأنه غيرُ فصيح، بل لأنا نعلم أنها لم تقصد في ذلك القليل أن يُقاس عليه، أو يَغْلِب على الظن ذلك، وترى المعارض له أقوى وأشهرَ وأكثرَ في الاستعمال، هذا الذي يعنون لا أنهم يرمون الكلام العربي بالتضعيف والتهجين ، حاش لله، وهم الذين قاموا بفرض الذَّبِّ عن ألفاظ الكتاب، وعبارات الشريعة، وكلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم أشد توقيرا لكلام العرب، وأشد احتياطا عليه ممن يَغْمِزُ عليهم بما هم منه برآء.اللهم إلا أن يكون في العرب من بَعُدَ عن جمهرتهم، وباين بحبوحة أوطانهم، وقارب مساكن العجم، أو ما أشبه ذلك ممن يخالف العرب في بعض كلامها وأنحاء عباراتها فيقولون: هذه لغة ضعيفة، أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالة على مرتبة تلك اللغة في اللغات، فهذا واجب أن يُعَرَّفَ به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها. وإذا كان هذا قصدهم وعليه مدارهم فهم أحق أن ينسب إليهم المعرفة بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة، وما من ذلك الفصيح قياس، وما ليس بقياس، ولا تضر العبارات إذا عرف الاصطلاح فيها ولا تضر العبارات إذا عرف الاصطلاح فيها، وعلى هذا الْمَهْيَعِ جرى النحويون في منع هذه المسألة، فلم يُغفلو ا السماع أصلا ثم مالوا إلى المنع بالقياس ، وإنما قالوا بالقياس عضدا لما حصل لهم بالاستقراء من امتناع العرب من التقديم، ولكن للكوفيين هنا قاعدة يبنون عليها القياس _مخالفة لما تقدم، وهي أنهم قد يعتبرون اللفظ الشاذ فيقيسون عليه، ويبنون على الشعر الكلام من غير نظر إلى مقاصد العرب، ولا اعتبار لما كثر أو قل فمن ههنا وقع الخلاف بينهم في مسائل كثيرة. والناظم قد ينحو نحوهم في مائل كثيرة وهذه المسألة منها ، وكذلك مسألة تقديم التمييز على عامله ” (16). ثم ينتقل إلى الاعتراض والتساؤلات وإبداء الملاحظات على مذهب ابن مالك هذا قبل الخوض في الاعتذار. فيقول: “ثم على الناظم في هذا الموضع سؤالان : أحدهما أنه نسب إلى جملة النحويين المنع في المسألة بقوله:” قد أبوا” فظاهر هذا انه متفق على المنع فيه، وهذا غير صحيح…فإذا ليس جميع النحويين بقائلين بالمنع، فكان إطلاق ذلك اللفظ عنهم غير لائق من جهتين: من جهة إيهام الاتفاق في المسألة، ومن جهة مخالفته لهم بعد ذلك الإطلاق حتى يتوهم أنه صرح بمخالفة الإجماع، وفي ذلك ما فيه. والثاني : أنه أظهر حجة على ما ذهب إليه ليس فيها متعلق لقوله” فقد ورد” وهذا لا ينجيه، لأن المخالفين مقرون بأنه قد ورد، فهم الذين أنشدوا أكثر الأبيات المتقدمة ، وأتوا بالآية الكريمة، وتكلموا عليها، وأولوا ظاهرها، وحملوا الأبيات على الاضطرار الشعري، وأولوا منها ما أمكن، وإذا كان كذلك، فأي حجة في قوله: “فقد ورد”فإن الوارد في كلام العرب على قسمين: قسم يقاس عليه وقسم لا يقاس عليه ، فالذي لا يقاس عليه ، لا اعتبار به في القياس، وإنما الاعتبار بالآخر فهو الذي كان الحق أن يعنيه فيقول:”فقد ورد كثيرا في الكلام” أو نحو ذلك ، مما يعطي أنه حجة، أما إذا لم يفعل ذلك، فكلامه كالعبث الذي لا يليق بمثله. والعذر له عن الأول أنه لم يجهل أن المسألة مختلف فيها، كيف وقد ذكر الخلاف في التسهيل وشرحه(17)، ولكنه أطلق لفظ الجميع على الأكثر، وهذا سائغ في كلام العرب، شهير الاستعمال، فيقال : جاءني أهل غرناطة إذا جاءك جمهورهم، بل تقول ذلك وإنما جاء كبراؤهم، وهم قليل بالإضافة إلى جميعهم، فلا محذور فيه. وعن الثاني: أن مقصوده إنما هو ورود يعتد بمثله في القياس، لا مطلق الورود بدليل عدم اعتباره للشذوذات في هذا النظام كثيرا، فعرف الاستعمال يعين له ما أراد، وهذا ظاهر . والله أعلم” (18). الهوامش: (1) الموافقات:5/53. لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م. ( 2)نيل الابتهاج بتطريز الديباج : 49.تحقيق طلاب من كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس، تقديم وإشراف عبد الحميد عبد الله الهرامة، منشورات الكلية نفسها. (3 ) المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية: 9/494. تحقيق محمد إبراهيم البنا، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعة الأولى:1428ه/2007م. (4) المقاصد الشافية :1/1-2. (5 ) المقاصد الشافية :9/487. (6) مقدمة التحقيق:19. (7 ) المقاصد الشافية : 9/485. ( 8)لمقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية: 1/499.تحقيق عبد الرحمان بن سليمان العثيمين، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعة الأولى:1428ه/2007م. (9 )مقدمة التحقيق: 21. (10 )لمقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية: 3/401_402. تحقيق عياد بن عيد الثبيتي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعةالأولى:1428ه/2007م. ( 11)مجموعة القرارات العلمية في خمسين عاما:5. (12 )لمقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية:4 / 180 – 181، تحقيق محمد إبراهيم وعبد المجيد قطامش. معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة الطبعةالأولى:1428ه/2007م. ( 13)اسبأ:28. ( 14) انظر شرح الحماسة: 1148، القطعة:415.للمرزوقي،نشر أحمد أمين، وعبد السلام هارون ، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى: 1411ه،1991م ( 15)المقاصد الشافية : 3 / 451-453. ( 16)المقاصد الشافية: 3 / 455. ( 17)حيث يقول:”وإذا كان صاحب الحال مجرورا بحرف لم يجز عند أكثر النحويين، نحو:مررت بهند قائمة، فيخطئون من يقول :مررت قائمة بهند”: شرح التسهيل: 2/252.تحقيق: محمد عبد القادر عطا، طارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية، بيروت ،لبنان. ( 18)المقاصد الشافية: 3/458. لائحة المصادر والمراجع: القرآن الكريم برواية ورش. 1- شرح التسهيل، لا بن مالك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، طارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية، بيروت ،لبنان. 2- شرح الحماسة، للمرزوقي، نشر أحمد أمين، وعبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى: 1411ه،1991م 3- مجموعة القرارات العلمية في خمسين عاما 1934م-1984م، أخرجها وراجعها: محمد شوقي أمين و إبراهيم التوزي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1404 هـ/1984م. 4- المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية:الجزء الأول، تحقيق عبد الرحمان بن سليمان العثيمين، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعة الأولى:1428ه/2007م. 5- المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية:الجزء الثالث. تحقيق عياد بن عيد الثبيتي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعةالأولى:1428ه/2007م. 6- المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، الجزء الرابع، تحقيق محمد إبراهيم وعبد المجيد قطامش. معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة الطبعةالأولى:1428ه/2007م. 7- المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، الجزء التاسع، تحقيق محمد إبراهيم البنا، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .الطبعة الأولى:1428ه/2007م. 8- الموافقات، لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م. 9- نيل الابتهاج بتطريز الديباج ،لأحمد بابا التنبكتي، تحقيق: طلاب من كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس، تقديم وإشراف عبد الحميد عبد الله الهرامة، منشورات الكلية نفسها. |
من موقع مكتبة لسان العرب
المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المحقق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين وآخرون حالة الفهرسة: غير مفهرس الناشر: جامعة أم القرى سنة النشر: 1428 - 2007 عدد المجلدات: 10 رقم الطبعة: 1 الحجم (بالميجا): 86 ---------- التحميل المباشر: مجلد 1 مجلد 2 مجلد 3 مجلد 4 مجلد 5 مجلد 6 مجلد 7 مجلد 8 مجلد 9 مجلد 10 تقديم مقدمة الواجهة ---------- المصدر : المكتبة الوقفية المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي (790 هـ) , وهو من أهم شروح الفية ابن مالك في النحو الواجهة http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_00.pdf الجزء 1 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_01.pdf الجزء2 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_02.pdf الجزء3 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_03.pdf الجزء4 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_04.pdf الجزء5 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_05.pdf الجزء6 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_06.pdf الجزء7 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_07.pdf الجزء8 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_08.pdf الجزء9 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_09.pdf الجزء10 http://ia301503.us.archive.org/1/ite...makasid_10.pdf |
الإمام "الشاطبي رحمه الله
اسمه وكنيته و نسبه هو إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي , و كنيته التي عرف بها أبو إسحاق , أما نسبه فليس بالعربي مع أنه نال علوم العربية فبرع بها, فلم ينته نسبه إلى قبيلة من قبائل العرب , بل هو عالم أعجمي منْ مَن سبق أجداده للإسلام , و نسب إلى لخام وغرناطة و شاطبة فقيل اللخمي و الغرناطي و الشاطبي. ولادته و نشأته و وفاته تعرض الريسوني لمكان ولادة الشاطبي فقال : " فالأظهر أنه ولد بغرناطة" و سبب هذا أن الإمام الشاطبي نشأ و ترعرع بها و لم يُعلم أنه غادرها , و سبب عدم ترحاله أن أسفار العلماء كانت طلبةً للعلم , أما الشاطبي فكان العلم حاضر بلدته ,أما عن و فاته فهي يوم الثلاثاء من شهر شعبان سنة 790 هجري . شيوخ الشاطبي تتلمذ الشاطبي على يد الكثير من العلماء من شيوخ الغرناطيين و الوافدين الذين أحسنوا إعداده الأدبي و العلمي في شتى الفروع العلمية , ومن هؤلاء أولاً : علماء غر ناطة من أبرز شيوخه ابن الفخار البيري المتوفى سنة 754هـ , و أبو جعفر الشقوري , و أبو سعيد بن لب المتوفى سنة 782هـ , و أبو عبد الله البلنسي المتوفى سنة782هـ . ثانياً: العلماء الوافدين إلي غر ناطة أما شيوخه من العلماء الوافدين فمنهم : أبو عبد الله الشريف التلمساني ,أبو عبد الله المقري ,أبو القاسم السبتي ابن مرزوق الخطيب " الجد" أبو علي الزاوي . تلاميذ الشاطبي تتلمذ على يد الإمام الشاطبي الكثير من العلماء الأجلاء الذين شُهد لهم بالفضل في العلم و قد تنوعت علومهم و إبداعاتهم في جوانب شتى من العلم و قد اشتهر منهم , العلامة أبو يحيى بن عاصم , و القاضي الفقيه أبو بكر بن عاصم, و الفقيه أبو عبد الله البياني , وأبو جعفر القصار , و أبو عبد الله المجاري . طلبه للعلم كان الإمام الشاطبي شغوفاً بالعلم طالباً له من أهله , باحثاً عن كنوزه كاشفاً لأسراره , حيث جمع أصول العلوم الشرعية ففقه وفنونها على يد شيخه ابن الفخار , و فقه النحو على يد شيخه أبي جعفر الشقوري , وفقه الفقه و الفتوى على يد شيخه أبي سعيد بن لب , و فقه التفسير على يد شيخه أبي عبد الله البلنسي , و فقه أصول الفقه على يد شيخيه أبي عبد الله الشريف التلمساني و أبي علي الزاوي , و فقه القواعد الفقهية على يد شيخه أبي عبد الله المقري , و فقه العلوم اللسانية على يد شيخه أبي القاسم السبتي , و فقه علوم الحديث على يد شيخه ابن مرزوق , الملقب بالجد. فيكون بذلك الإمام الشاطبي حاز فنون كل علوم الشريعة , و هذا ما أهله بعد ذلك لينتج نظرياته الفقهية و الأصولية التي أوقفت أهل العلم عندها طلاب , و أفصحت عن مراد الشارع , و كشفت لأهل العلم عنه الحجاب , حيث عمت به فائدة كبيرة لأهل العلم. منزلته العلمية بين العلماء و مؤلفاته لقد تميز الشاطبي رحمه الله تعالى بمنزلة عالية رفيعة بين علماء الشريعة الإسلامية , فتمهر على يديه الكثير من العلماء الذين خرًّجوا الكثير من العلماء , فكان الشاطبي , نجماً ساطعاً بين علماء عصره , حيث ارتقى الشاطبي , مرتبة العلماء الذين خلد التاريخ ذكرهم , فهم الذين أثْرَََو المكتبة الإسلامية بالفكر الذي تستند الأمة عليه , و قد وصفوه فقالوا :" هو الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد الأصولي المفسر الفقيه المحدث اللغوي النظارة المدقق البارع صاحب القدم الراسخ و الإمامة العظمى في سائر فنون العلم الشرعي , الإمام المحقق العلامة الصالح " , و للإمام الشاطبي مؤلفات كثيرة في مختلف علوم العربية و الشرعية , كالنحو و الصرف و الإشتقاق و الأدب و الشعر و علوم الحديث و فقهه و الفقه و أصوله و التصوف و البدع إلى غير ذلك من علوم , ومن كتبه المطبوع و منها غير المطبوع علي النحو التالي: أولاً : المطبوع طبع للإمام الشاطبي العديد من الكتب التي لاقت القبول عند أهل العلم و هي: كتاب الموافقات في أصول الشريعة وهو من أنبل الكتب في بابه. كتاب الإفادات و الإنشادات و فيه طرق و تحف و مدح أدبية و إنشاءات كتاب الإعتصام في أهل البدع و الضلالات ثانياً : غير المطبوعة ولم تحظ مجموعة أخرى من كتابات الإمام الشاطبي بالطباعة , وهذه الكتب هي : شرح جليل على الخلاصة في أربعة أجزاء كتاب المجالس و هو شرح لكتاب البيوع من صحيح البخاري عنوان الإتفاق في علم الإشتقاق قيل أنه أتلف في حياة الشاطبي واستفاد منه أهل عصره فقط كتاب أصول النحو , قيل أنه أتلف في حياة الشاطبي شرح الألفية يعني ألفية ابن مالك ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في آخر كتابه الإعتصام عن عزمه تأليف كتاب يعالج فيه التصوف و أسماه "مذهب أهل التصوف" , ولكنا لا ندري هل قام بتأليفه أم لا . بيان منهجه الأصولي و مذهبه الفقهي نبذة عامة عن منهجه العلمي كان للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى منهجاً علمياً متزناً , حيث كان له مزايا على ما ذكر هو بنفسه فقال :" وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي , و وجه شطر العلم طلبي , أنظر في عقلياته وشرعياته , و أصوله وفروعه , لم أقتصر منه على علم دون علم , ولا أفردت من أنواعه نوعاً دون أخر , حسبما إقتضاه الزمان و الإمكان و أعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي , بل خضت في لجاجه خوض المحسن للسباحة , و أقدمت في ميدانه إقدام الجريئ .......إلى أن من علىًّ الرب الكريم , الرؤوف الرحيم , فشرح لي من معان الشريعة ما لم يكن في حسابي ......." و لعلها نظرته الشاملة في أخذه للعلوم , ثم رعته يد الله تعالى لينشأ نشأً بعد آخر , لمرحلة يكون الإسلام أحوج إلى علمه الزاخر , تماشياً مع حاجة الإسلام المتنامية يومأً بعد يوم , لما يَجِدُّ من حوادث , فيكون امتداداً بأصل التشريع إلى فرعه , لتكتب السلامة و النجاة لأهل هذا الدين الحنيف , و لم تكن الطريق ممهدة أمام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , بل واجه العديد من الصعاب التي أوشكت أن تثقله إلى الأرض , و كان من أبرزها , ما أثاره بعض أهل العلم الذين عجِّلوا عليه أمره ممن عاصره منهم , ففهموا مقصده على غير وجهته , بالإضافة إلى أهل البدع و الضلالات الذين لا يذرون في مؤمن إلاً و لا ذمةً , فاتهموه بكثير من الأمور التي لا تقبل فيمن هو دونه , فاتهموه بأنه يقول أنَّ الدعاء لا ينفع , و كل أمره أنه لم يلتزم الدعاء الجماعي في إمامته للناس , ونسب إلى التشيع و الرفض و بغض الصحابة , لأنه لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة , ونسب إليه تجويز الخروج على الأئمه , لأنه لم يلتزم ذكرهم في الخطبة , و اتهم بالغلو و التشدد لأنه التزم الفتوى بمشهور المذاهب , إلى غيرها من أمور , و قد عبر عمًّا لاقى منهم بما جادت عليه فصاحته فقال: "بُليتُ يا قومِ و البلوى منوعةُ ..... بمن أُداريه حتى كاد يُرديني . دفع المضرة لا جلبُ لمصلحةٍ ..........فحسبيَ الله في عقلي و في ديني " . و كان لنشأته السليمة دوراً كبيرأ في المضي قدماً في دربه الصعب , بل و خط لنفسه آليةً لأخذ علومه عَبر عنها بنفسه فقال :" فمن هنا قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسَّر الله فيه , فابتدأت بأصول الدين عملاً و اعتقاداً , ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول " , فأقبل على أصول الدين بادئ ذي بدء اعتقاداً و عملاً , ثم ألَّم بفروعه المبنية على تلك الأصول , و هي طريقة سليمة. ثم شرط على نفسه شروطاً لا يحيد عنها مهما كان الأمر فقال: " كثيراً ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزاوي يقول : قال بعض العقلاء : لا يسمى العالم بعلمٍ ما عالماً بذلك العلم على الإطلاق , حتى تتوفر فيه أربعة شروط .... . وهي : أن يحيط علماً بأصول العلم الذي يطلب على الكمال , . ثم تكون له القدرة على العبارة عن ذلك العلم , . ثم يكون عارفاً بما يلزم عنه , . و آخرها أن تكون له القدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم " و تميز بالتأني قبل الكتابة فقال:"ولما بدى من مكنون السر ما بدا , و وفق الله الكريم لما شاء منه وهدى , لم أزل أقيد أوابده ....." بل و المشاورة في ذلك حيث إنه كان يباحث تلميذه أبا جعفر القصار أثناء تأليفه لمباحث الموافقات , ولقد وضُح أثر هذه الطريقة في منهجه فبان متانة صنعته . منهج الإمام الشاطبي الأصولي تميز الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بنظرةٍ خاصةٍ لم يعتبرها كثيرٌ من الأصوليين و الفقهاء , و تمثلَ ذلك باعتبار عدة أمورٍ : من جهة النصوص: و ذلك باثبات الكلية و الجزئية , و اثبات الاستقراء كدليل لاثبات الحكم بمجموع الصور لا بعضها , و ربط أطراف المسائل النقلية بقرينتها العقلية , و استنباط الأحكام منها. من جهة المعاني :فأخذ بالمصالح وضبطها بضوابط سليمة , ثم قسَّمها , ثم نظر إلى علاقتها بالتعليل . من جهة المصادر و ضوابط الاستدلال :و التي تحتوي على عدة أمور مهمةٍ , مما نلمس فيه الكثير من المسائل التي تُؤثر في علم أصول الفقه , و التي سوف نعرض لها على النحو التالي : يتبع : |
يتبع :
أولاً: باعتبار النصوص اعتبار كليات الشريعة : قام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , باعتبار كليات الشريعة الإسلامية قبل اعتبار النصوص الجزئية , لأن الكليات ثبتت بتواتر النصوص عليها فهي أقطع من الجزئية , فوضعها في المقام الأول , و الدليل على ذلك ما ألمح إليه بنصه فقال :" ولما بدا من مكنون السر ما بدا , و وفق الله الكريم لما شاء منه وهدى , لم أزل أقيد أوابده , و أضم من شوارده تفصيلاً و جملاً , معتمداً على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية " . فإذا أمعنت النظر تجده قد رسم ملامح منهجه بدقة فائقة يصعب معها اللبس أو الخلل فانظر قوله : " لم أزل أقيد أوابده , و أضم من شوارده تفصيلاً و جملاً " , هذا دليل على إمعانه النظر في النصوص مع إمعان نظره في صور فروعها, ثم قوله: "تفصيلاً و جملاً " وهو بيان لحال نظره في النصوص و ما ينبني عليها من فروع , وتجد هنا أن نظره في النصوص اعتمد على أمرين أساسيين هما : الأول: نظرة جزئية خاصة باعتبار النص كوحدةٍ تشريعية كاملة . الثاني: نظرة باعتبار باقي النصوص. وهذا يعني عدم الاستقلال بالنصوص الجزئية في فهم مقصودها بل قدَّم عليها النصوص الكلية التي هي أقطع من حيث الدلالة على روح التشريع ومقصد المشرع في ذلك ,. الاستقراء كمنهج : اعتمد الإمام الشاطبي رحمه الله الاستقراء لأفراد الموضوع منهجاً , ليثبت بعد ذلك الحكم باعتبار جميع الصور لا بعضها , و نص على ذلك بقوله : " معتمداً على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية " , وهو منهج عقلي سليم . ربط أطراف المسائل النقلية بأطرافها العقلية : قام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بربط أطراف المسائل النقلية بأطرافها العقلية , ومن ذلك أنه أوصل أصول المسائل في الكتاب و السنة بامتدادها بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جد عليها من أمور , فتكون المسائل غير متروكة للهوى ولكن مربوطة بأصولها من الكتاب و السنة فلا خلاف في الحكم عليها إذا تم ردها إلى أصلها , وذلك قوله " ومبيناً أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية , حسبما أعطته الاستطاعة و المنة" , وما لهذه الطريقة من أثر على صحة وسلامة التشريع . ثانياً: باعتبار المعاني الأخذ بالمصالح :أخذ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بالمصالح و راعى المعاني في تقرير الأحكام , شأنه شأن الإمام مالك رحمه الله تعالى , و الكثير من الأصوليين الذين اعتمدوا منهج الاستقراء لأحكام الشريعة و النصوص التي أنشأتها , فكان يأخذ بالمصالح رحمه الله تعالى و يكثر منها شأنه شأن علماء المذهب المالكي , لكن ما تميز به رحمه الله تعالى أنه عبر عن مذهبه مبيناً أسباب أخذه هذا مدافعاً عنه أشد دفاع , ما يظهر الحق و يجلوا الغمامة عن الأعين فقال: " أما قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية..." و يقصد بذلك شيخه مالك رحمه الله تعالى , مؤكداً أن سبب الأخذ بالمصالح على هذا النحو تعلق النصوص الشرعية بالمصالح و دوران النصوص الشرعية حيث دارت المصالح , و الحق أن من عارض الشاطبي في مذهبه , لم يرى مذهبه رأي الواعي العاقل صاحب اللب السليم الذي يلمح بعين البصيرة ما تقصر عنه أعين العوام , فهو المتبع لا المبتدع , ولقد ارتقى بمنهجية الفقهاء , و أكمل مسيرة الفقه , و ما ذلك إلا عبر اعتماد منهج مدرسة المدينة المنورة , عاصمة الدعوة و الدولة , التي بها أصحاب رسول الله و شيوخ التابعين , و قد عاصر أبناءهم نمو التشريع على يد الخلفاء الراشيد رحمهم الله تعالى , فهم الذين مثَّلوا ميراث النبوة عملاً لا قولاً , و حاضرةً عندهم فتوى رسول الله صلى الله عليه و سلم , فاستشف الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بنور الله تعالى ملامح مدرسة النبوة , فأرسى رواسيها و خط حدودها , و جاء الفقه الحديث بما يحمل من جديد برهاناً على صحة المنهاج و سلامة الطريقة و الحمد لله تعالى . فإذا نظرت في قوله نظر الممعن نظره في مذهبه و أصوله و مقاصده , تعلم أن المصلحة هي كما لمحها الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , باب يضم روح التشريع لكثير من الأحكام التشريعية , و التي جاءت النصوص معبرة عنها , مع ذلك فإن أخذ الإمام الشاطبي هذا للمصالح , كان مقيداً بشروط ذكرها هو , مما يجعله في دائرة التشريع لا خارجها , وهي على النحو التالي : عدم الخروج على مقاصد الشريعة بشيء ,مما يضمن انسجام أحكام الشريعة مع بعضها البعض مع عدم مخالفتها لمصادر التشريع . ألا يناقض أصلاً من أصول التشريع , مما يضمن الثبات في مسيرة التشريع . حيث يقول الشيخ أبو زهرةعن المذهب المالكي : ".., نعم مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه و لا يناقض أصلاً من أصوله , حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرساله , زاعمين أنه خلع الربقة و فتح باب التشريع , وهيهات , ما أبعده من ذلك رحمه الله , بل هو الذي رضي لنفسه في فقهه بالإتباع , بحيث يخيل للبعض أنه مقلد لمن قبله " , بل و وضع ضوابط للمصالح و أقسامها , فقام الشاطبي رحمه الله تعالى بوضع ضوابط و تقسيمات للمصالح , هي واجبة لفهم مقاصد الشريعة و هي طريق فهم الكتاب و السنة , أو بصورة أوضح ضبط مقاصد التشريع بضوابط و حدود تميز بعضها عن بعض و سيأتي الحديث عنها عند الحديث عن المصلحة و علاقتها بالعلة إن شاء الله تعالى , وتوج ذلك بنظرته الخاصة لمسألة التعليل , فقد نظر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى لموضوع تعليل الأحكام بنظرة خاصة فأرسى مراسي الفهم السليم لمسألة التعليل من خلال الكتاب و السنة , الذي ينبني عليه أثره المرجو منه , في تطور الفقه الإسلامي و صلاحه , ولقد رسخ فيه معنيين هما: الأول : وجوب أخذ النصوص بمقاصدها , الثاني: و جوب إدخال التفسير المصلحي في فهم معانيها و أحكامها , وسنخوض فيها في حينها إن شاء الله تعالى . ثالثاً: باعتبار المصادر و ضوابط الاستدلال الأدلة والمذاهب : إن أهم المقومات التي تعتمد عليها المذاهب الفقهية بحيث هي مدرسة تشريعية تلعب دوراً فاعلاً في بناء و بيان فلسفة التشريع , هي الأدلة التي تعتمد عليها تلك المذاهب , أما المذهب المالكي فإنه منشأ النظرة المقصدية بضوابطها التي نص عليها الشاطبي و الفقهاء من بعده , و نرى مدى تفرعها و اتساعها , لذا كان الإمام مالك الأكثر اعتباراً لمصادر التشريع حيث سجل له أخذه بالكتاب و السنة و الإجماع و القياس وقول الصحابي و قول التابعي و الاستصحاب و المصالح المرسلة, و العرف و العادة و الاستحسان , فأخذ كل ما أنتجته هذه الأدلة كل في محله . أخذ الإمام الشاطبي بالأدلة: كان مذهب الإمام الشاطبي رحمه الله , أن يأخذ بالدليل الأقوى و يذر سواه , ما لم يوجب ذلك حرجاً , و إلا كان يجمع بينهما , فيقدم الكتاب على السنة , و السنة على القياس , و القياس على قول الصحابي , و قول الصحابي على قول التابعي , و الأثر على المعقول , و هكذا فانظر مانقل الشيخ محمد ابو زهرة عن صاحب كتاب المدارك ما نصه " و أنت إذا نظرت لأول و هلة منازع هؤلاء الأئمة و مآخذهم في الفقه , و اجتهادهم في الشرع , وجدت مالكاً رحمه الله ناهجاً في هذه الاصول منهاجاً, مرتبا لها مراتبها و مدارجها , مقدما كتاب الله على الأثار , ثم مقدماً لها على القياس و الإعتبار , تاركاً منها مالم يتحمله الثقات العارفون لما تحملوه .... " . سَد الذرائع و أَبطل الحِيل: إن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أخذ بقاعدة سد الذرائع و أبطل الحيل , فإن كان قد فتح باب المصالح على مصراعيه فقد جعل وسيلة يرتب بها هذه المصالح مع بعضها البعض بحيث تتدافع ولا تتعارض , و ما مفهوم سد الذرائع إلا ذلك وهو دفع المصلحة الأقوى الراجحة للمصلحة الأضعف المرجوحة , لكنَّ جهد مالك و الشاطبي لم يقتصر ليضبط فقط تلك المصالح الظاهرة بل تعد إلى أبعد من ذلك ليضبط نوعين آخرين من المصالح و هما : الأول: المصالح التي ظاهرها من جهة المكلف المصلحة و لغلبة الظن الكلمة الأخيرة فيها, . الثاني: تلك المصالح و التي يكثر و قوعها مفسدة مع أن الظن الغالب فيها المصلحة , و لعل هذا ما عده العلماء مغالاةً عند مالك , ولقد دافع عنه الشاطبي رحمه الله في ذلك و أبان الحق للعلماء فقال: "إن مالك اعتبرهُ في سد الذرائع , بناء على كثرة القصد وقوعاً , و ذلك أن القصد لا ينضبط في نفسه لأنه من الأمور الباطنة , لكن له مجال هنا و هو كثرة الوقوع في الوجود أو هو مظنة ذلك , فكما اعُتبرت المظنة و إن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها مجال القصد , ولهذا أصل وهو حديث أم ولد زيد ابن أرقم وهو ماروي عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها فقالت أم ولد زيد بن أرقم :" إني نظير غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يتوب" . فترى أنَّ الشاطبي رحمه الله علَّلَ اعتبار مالك كثرة الوقوع مفسدة محل غلبة الظن , بأن غلبةُ الظن في القصد ممنوعة لأن القصد باطن لا ظاهر , و لكنَّ كثرة الوقوع مظهر لهذا القصد بدليل إقبال الناس عليه , وهذا يحل محل غلبة الظن , مع العلم أن غلبة الظن هي في تحقيق المفسدة في ذات الفعل و الكثرة في الوقوع دليل على إيراد هذه المفسدة على هذا الوجه وقد وضح ذلك حديث أم ولد زيد ابن أرقم فها الصحابي الذي شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المواقع كلها لا يقبل فيه قصد الربا فكان غلبة ظنه أن هذا الوجه في البيع جائز لكن ظنه هذا لم يوافق واقعاً بل إن وقع البيع ممنوع وظنه باطل , أكد ذلك تغليظ أم المؤمنين له , والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا توقيفاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه , و سبب التغليظ , لأن ذلك البيع يعد ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم , وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما .. 4- الشاطبي و العادات : أخذَ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بالعادات و استثمرها بطريقة غريبة ناظر فيها عادات العرب التي اعتبرها الشرع الحنيف , بما توارث الناس من عادات أخرى , وهو منهج الإمام مالك حيث يقول الشيخ أبو زهرة : " ثانيهما : أن مالكاً كان يتجه إلى العادات القانونية التي كانت معروفة عند أهل المدينة , فيضفي عليها مسوحاً دينيةً , و أن تلك العادات هي صورةٌ للعادات العربية القديمة , لم تتفق بعد مع الدين تماماً ولكنها عادات نشأت من محيط المعاملات , وقد ظهر بعضها لمالكٍ كأنه السنة , أو حمَّله اسم السنة , وليس ذلك إلا إصباغا لعادات قانونية عربية بصبغة الدين , و إزالة لما عساه يكون مخالفاً للدين من هذه العادات." , و معنى ذلك أن الإمام الشاطبي رحمه الله وشيوخ المذهب المالكي قاموا بتصفية تلك العادات و تقريبها إلى الإسلام بما يقبله الإسلام و لا يرده , أما ما خالفه فقد تركوه و وازعهم في ذلك أن مجمل هذه العادات عادات عربية قديمة اعتبر التشريع صوراً كثيرةً منها , و قوََّمََ بعضها فكانت منهجية الإمام الشاطبي لينة تستوعب ما وافق التشريع و تترك ما خالفه من عادات توارثتها الأجيال , ولقد نص الإمام الشاطبي رحمه الله على ذلك فقال:" كل أصل علمي يُتخذُ إماماً في العلم فلا يخلو أن يجريَ به العمل على مجرى العادات في مثله , بحيث لا ينخرمَ منه ركن و لا شرط أو لا , فإن جرى فذلك الأصل الصحيح . و إلا فلا.. " وهذا يعني أن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى اعتبر الدليل على صلاح الأصل الشرعي للاستدلال جريانه مع أعراف الناس و عاداتهم و جعل لذلك شرطاً: وهو عدم مخالفة أحد أركان هذا الأصل لمجرى العادات , ولقد عبر عن ذلك صراحة بقوله : " .. فإذن كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطردَ ولا استقام بحسبها في العادة فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها " . منهج الشاطبي الفقهي : لقد كان الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى مالكي المذهب درس في مدرسة غر ناطة حيث شاع مذهب مالك بلاد الأندلس جميعها , حيث ينقل لنا الشيخ محمد أبوزهرة قول القاضي عياض في بيان البلاد التي انتشر بها مذهب مالك فيقول " غلب مذهب مالك على الحجاز و البصرة و مصر , و ما وآلاها من بلاد أفريقية و الأندلس و صقلية و المغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا , وظهر ببغداد ظهوراً كثيراً ثم ضعف بعد أربعمائة سنة , وظهر بنيسابور , وكان بها و بغيرها أئمة و مدرسون..." , فتتلمذ على يد مشايخها و تميز بالفهم العميق , مما أهله بعد ذلك أن يخرج كنوزه للناس ما لم يفعله سواه من مشايخ هذا المذهب , وهو الذي كشف الحجاب عما قصد إليه مالك ولم يعبر عنه صراحة بل وضع أسس بنيان شامخ جاءت مدرسة الشاطبي المقصدية ثمرة من ثماره , ثم نظرته للتعليل ثمرة أخرى . المصادر رسالة ماجستير " تعليل الأحكام الشرعية عند الإمام الشاطبي " للباحث عدنان على اسبيته من خلال دراسة كتابي الإمام الشاطبي " الموافقات في أصول الأحكام و كتابه الإعتصام " , نوقشت الرسالة في الجامعة الإسلامية بغزة بتاريخ21/9/2005 على يد د. محمد يونس و د. ماهر الحولي تحت إشراف د. زياد مقداد. وكتاب "تهذيب الموافقات" لمحمد بن حسين الجيزاني طبعة دار ابن الجوزي. |
| الساعة الآن 05:19 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by