سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الخامسة عشرة:
الأستاذ الدكتور أسلمو ولد سيدي أحمد – عضو مجمع القاهرة المراسل من موريتانيا – و
رأيه في التعريب:
التعريب قضية كبيرة ومعقدة وذات أبعاد متعددة، والعقبات التي تقع في طريق تحقيق هذا النوع من القضايا تكون عادة كثيرة ومتشعبة تشعب القضية نفسها؛ ومن ثَم فإنه يستحيل التغلب عليها بين عشية وضحاها. ومع ذلك فإن المشاكل التي تواجهها عملية التعريب لا يستعصي حلها على أمة عظيمة مثل أمتنا العربية، أمة غنية بإيمانها وإرادتها وتصميمها، وبأبنائها وعلمائها النابغين المبرزين الذين تعج بهم المؤسسات العلمية ومراكز البحث في كل مكان من المعمورة.
يؤكد ذلك ما نراه من تجارب عملية ناجحة، في بعض الأقطار العربية، حيث أصبح التعريب شاملاً وكليًّا في الكثير من القطاعات، بل وفي أجهزة الدولة كلها (التجربة السورية).
ومع أننا اعتبرنا موضوع التعريب موضوعًا شائكًا ومعقدًا، فإن ذلك يجب ألا يصيبنا بالإحباط أو التراخي، بحيث نظل ننتظر ونتردد، في عملية التعريب، إلى ما لا نهاية له. إن السماء لا تمطر حلولاً للمشاكل. لابد أن نتحرك. لقد طال الانتظار، والزمن لا يرحم، خاصة أننا اليوم في عهد السرعة. وحتى لا نظل نردد ما ردده الآخرون من قبلنا، حول هذا الموضوع، دعونا نقرر – ولنكن صريحين – أن مفتاح هذه القضية العربية المصيرية (قضية التعريب) يوجد بأيدي أصحاب القرار في أقطارنا العربية، لابد من اتخاذ قرار سياسي حاسم وملزم في هذا الموضوع، قرار لا يفتح الباب أمام أي استثناء؛ لأننا لاحظنا – بالتجربة – أن الاستثناء في أحيان كثيرة يصبح هو القاعدة، وهذا ما حدث فعلاً بالنسبة للتعريب، عندما تقرر أن يكون متدرجًا، وفي قطاعات معينة، إلى أن يتم الاستعداد لتعريب القطاعات الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالتعليم العالي والجامعي.
والقرار السياسي – على أهميته – لا يكفي وحده للوصول إلى الهدف المنشود، ذلك إنما أشرنا إليه آنفًا من أن مفتاح التعريب يوجد بحوزة أصحاب القرار، نعني به أنه لابد من وجود إرادة معززة بقناعة، لدى كل الأوساط العربية الفاعلة، من أجل خوض عملية التعريب، كلٌّ فيما يخصه، وعلى جميع المستويات. ولنأخذ – على سبيل المثال – تعريب التعليم العالي، في التخصصات العلمية خاصة؛ لقد ثبت – بالتجربة – أن جميع الأساتذة العرب، وحتى الذين تلقوا تعليمهم بلغات أجنبية، قادرون – إذا ما توافرت لديهم القناعة – على إلقاء محاضراتهم وإعداد بحوثهم باللغة العربية، وأن العدد القليل من هؤلاء الأساتذة يتلقى، في ذلك صعوبات طفيفة يتم التغلب عليها في فترة وجيزة. مع ملاحظة ارتفاع درجة استيعاب المواد العلمية لدى الطلبة بفضل تلقيهم العلم باللغة الأم.
المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة – الجزء 84، ص 217، 218.
إعداد: مصطفى يوسف