انبثقت العلوم اللغوية كلها من مشكاة واحدة هي القرآن الكريم، تدور في فلكه تبيانا لأحكامه، وضبطا لألفاظه، "اتجهت كل جماعة وجهة في تفقهه فباتت طائفة عاكفة على تصحيح متنه في عناية فائقة وإتقان بارع في الأخذ والأداء والتلقين والتلقي، وبرع من هؤلاء في الدراسات اللغوية جم غفير بفضلهم نشأ علم العربية" (1) الذي أطلق عليه فيما بعد اسم النحو العربي.
"وكان أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي" (2) حرصا على القرآن الكريم من التحريف بعد أن تفشى اللحن، وصار المسلمون يلحنون في قراءة القرآن الكريم فأخطأ قارئ فقرأ: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ من المُشْرِكينَ وَرَسُوله) بجر لفظة "رسوله" بدلا من رفعها.
ولم يكن الهدف من ذلك العمل حفظ النص القرآني من اللحن فحسب؛ بل كان يهدف إِلى غاية أبعد وأسمى تتمثل في أن يقرؤوا القرآن وأن يفهموا معانيه ومقاصده، لأنه هو الذي ينظِّم لهم شئون حياتهم، "ومن ثم نستطيع تفسير نشأة الحركة العقلية العربية كلها بأنها كانت نتيجة نزول القرآن الكريم فهي كلها من نحو وصرف وبلاغة وتفسير وفقه وأصول وكلام تسعى إِلى هدف واحد هو فهم النص القرآني" (3)
***
ولمّا كان الفقه يسعى إلى حصول "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (4) ـ ولن يتحقق له هذا العلم إلا بفهم معاني ومقاصد النصوص الشرعية ـ كان اقتران النحو بالفقه قرانا لا انفصام فيه، ففي كتاب رياضة المتعلمين لأبي نعيم الحافظ "ذكر فيه مراتب أنواع العلوم وما ينبغي أن يقدّم تعلمه منها، فذكر الفقه، وأورد عليه ما أورد، ثم قال: ثم يتلو الفقه من العلوم علم العربية والنحو، لأنه آلة لجميع العلوم، لا يجد أحد منه بداً، ليقيم به تلاوة كتاب الله، ورواية كلام رسول الله، لكي لا يخرجه جهل الإعراب إلى إسقاط المعاني". (5) وجعل علماء الأصول ذلك شرطا من الشروط الأساسية لمن يخوض غمار الفقه والإفتاء، فلا يتصدر فقيه أو مفتٍ للفتيا إلا بعد إتقان النحو واللغة.(6)
***
من ثمّ كان لكل من الخلافات الفقهية والنحوية أثرها البالغ في بعضها، حتى إننا نجد ابن مضاء القرطبي قاضي القضاة في دولة الموحدين لما أراد أن ينصر مذهبه الظاهري ويدعم ثورة الموحدين على مذاهب الفقه ـ خاصة الفقه المالكي ـ تصدى إلى النحو العربي بكتابه الرد على النحاة رغبة في هدم النحو المشرقي، وإن لم يكن يقصد هدم النحو لذاته، وإنماَ كان يهدف إِلى هدمه باعتباره وسيلة لفهم الفقه المشرقي.
ينفي ابن مضاء من النحو كل ما لا يستقيم ومذهب الظاهرية، فينفي من النحو العلل الثواني والثوالث مثلما تنفي الظاهرية العلل من الشرع الحنيف، فالفقيه في المذهب الظاهري لا يحتاج إلى تعليل ما حرم بالنص، كذلك النحوي لا يحتاج إلى تعليل ما ثبت بالنص، "وذلك مثل سؤال السائل عن (زيد) من قولنا (قام زيد) لمَ رُفع؟ فيقال: لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر، ولا فرق بين ذلك وبين من عرف شيئا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه إلى غيره، فسأل لم حُرم؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه". (7).
ولأن المذهب الظاهري أيضا لا يعتد بالقياس في الفقه فقد دعا ابن مضاء القرطبي إِلى إِلغاء القياس من النحو أيضا، وضرب لذلك مثالا بقياس إِعراب الفعل المضارع على إِعراب الاسم، فالاسم عند النحاة أصل والفعل المضارع فرع اكتسب إعرابه لعلتين:
أولاهما: كونه صالحا للدلالة على الحال والاستقبال كالفعل يقوم فإِذا قلت: سوف يقوم تخصص للاستقِبال بعد أن كان شائعا.
وثانيهما: دخول لام الابتداء عليه كما تدخل على الاسم نحو كقولك: إِن زيداً لقائم في الاسم وقولك: إِن زيداً ليقوم في الفعل المضارع.
رفض ابن مضاء هذا القياس لإِعراب الفعل المضارع، وحكم بأن الإعراب في الفعل المضارع أصل كما هو أصل في الاسم. (8)
***
إذن ليس من العجب أن نرى خلافات في الأحكام الفقهية تخرج من عباءة المسائل النحوية، والأمثلة على ذلك عديدة، حتى إن عالمين من علماء الشريعة يفردان كتابين كاملين في تخريج المسائل الفقهية على النحو:
أولهما: الصَّعْقَة الغَضَبِيَّة في الرِّدِ على مُنْكريّ العَربَيَّة للإمام الطوفي
وثانيهما: الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية لجمال الدين الإسنوي.
***
وسأكتفي بإعطاء مثال واحد لأثر النحو في الخلاف الفقهي.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ( [المائدة: 6]
اتفق الفقهاء على وجوب مسح الرأس ولكنهم اختلفوا في القدر الواجب، قال الشافعية يجزئ مسح بعض الرأس، وقال الحنابلة لا يجزئ إلا مسح جميع الرأس.
ومنشأ الخلاف الباء في قوله تعالى: "وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ " فالباء عند الشافعية للتبعيض، كأنه قال امسحوا بعض رءوسكم، "فقال الشافعي يجزئ مسح ما يقع عليه الاسم وأقله ثلاث شعرات وحكي عنه لو مسح ثلاث شعرات - وحكي عنه لو مسح شعرة - أجزأه لوقوع الاسم عليها" (9) وعند الحنابلة الباء للإلصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء، "فروي عن أحمد وجوب مسح جميع الرأس في حق كل أحد" (10)
كما اتفق الفقهاء على وجوب غسل اليدين ولكنهم اختلفوا في وجوب دخول المرفقين في الغسل، فعند الجمهور واجب، أما عند زفر من الحنفية، وداود الظاهري، وبعض المالكية فإنه لا يجب لأن معنى (إلى) في قوله (إلى المرافق) لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها كعدم دخول الليل في قوله، (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، أما الجمهور فيرون أن إلى كما ترد للغاية فإنها ترد بمعنى (مع) نحو قوله تعالى: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) أي مع قوتكم. (11)
وهذا ينطبق على الكعبين في قوله (إلى الكعبين) إلا أن الفقهاء اختلفوا في غسل الرجلين، هل هو الواجب أم مسحهما؟ فعند الجمهور الواجب هو الغسل، وعند الإمامية الواجب هو المسح، بينما الطبري خير بين الغسل والمسح.
وسبب الخلاف أن لفظة (أرجلكم) وردت في قراءة ابن كثير وحمزة وغيرهما بكسر اللام، فعطفها من قال بوجوب المسح على رءوسكم معمول امسحوا، وتأول قراءة النصب على محل برءوسكم، بينما من قال بوجوب الغسل فأخذ بقراءة نافع وحفص عن عاصم وغيرهما بنصب أرجلكم، على أنها معطوفة على الوجوه والأيدي معمولين اغسلوا، وتأول قراءة الجر على مجاورة (أرجلكم) لـ (برءوسكم)، ومن قال بالتخير جمع بين القراءتين بلا تأويل. (12)
أما الترتيب بين الأعضاء في الآية السابقة، قال الشافعي وأحمد بوجوبه، وقال مالك وأبو حنيفة بأنه مسنون. تمسك من أوجب الترتيب، أن الله تعالى أمر بالغسل بعد القيام إلى الصلاة بالفاء فقال: " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ" والفاء تفيد الترتيب والتعقيب وإذا وجب الترتيب في غسل الوجه وجب في غيره. بالإضافة أنه أدخل ممسوحا بين مغسولات وقطَع النظير عن نظيره، وكأن نظم الكلام كان يقتضي أن يقول فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برءوسكم، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولا فائدة هنا إلا الترتيب، كما قال من نصر هذا الرأي بأن الواو تفيد الترتيب.
ومن قال بسنية الترتيب أجاب بأن الواو في اللغة للجمع مطلقا وليست للترتيب، واتفق على أن العرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولكن الفائدة هنا ليست وجوب الترتيب بل هي فائدة بلاغية تتمل في اعتدال نظم الكلام في صدر الآية إذ قوله: " فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ " يقابل قوله " وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ " من حيث الزنة واشتمال كل منهما على فعل، ولو اختل من هذا الترتيب شيء لاختل النظم وزال كماله.
هذا قطرة من غيث الخلافات الفقهية التي كان للنحو أثر فيها، وأرى أن الأمر يستحق المزيد من الدراسة والبحث.
.................................................. ..........
الهوامش
1. مقدمه في علوم اللغة: للدكتور البدراوي زهران، الطبعة السابعة، 1999م، ص17
2. طبقات فحول الشعراء: لمحمد ابن سلام الجمحي، تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني - جدة، ج1ص12
3. دروس في كتب النحو: للدكتور عبده الراجحي، دار النهضة العربية – بيروت، 1975م، ص10
4. الفقه الإسلامي وأدلته: للدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية، 1985م، ص 16
5. الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية: لأبي الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، دراسة وتحقيق الدكتور: محمد بن خالد الفاضل، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى، 1997م، ص241
6. انظر: علم أصول الفقه: لمحمد الخضري، دار الحديث – القاهرة، طبعة 2003، ص 359، وكذلك الجامع لأحكام وأصول الفقه المسمى حصول المأمول من علم الأصول للعلامة محمد صديق حسن خان القنوجي، تحقيق ودراسة: أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، دار الفضيلة ـ مصر (د.ت) ص366
7. الرد على النحاة: لابن مضاء القرطبي، تحقيق الدكتور: شوقي ضيف، دار المعارف - مصر، الطبعة الثانية، ص130
8. انظر الرد على النحاة، ص134
9. المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني: لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى، ج1 ص142
10. المغني لابن قدامة: ج1 ص141
11. انظر الصعقة الغضبية للطوفي: ص407
12. انظر الصعقة الغضبية للطوفي: ص432
د . هاني إسماعيل محمد