mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post ردود على تُرَّهات

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:42 PM ]


ردود على تُرَّهات
التقدير النحوي من خصائص العربية ،وحركات الإعراب الدالة على المعاني من فضائلها

بسم الله الرحمن الرحيم
سألني طالب علم نجيب حبيب عن أسباب التقدير في النحو العربي وفوائده ،ذاكراً أنه سمع من أحد المحدثين المشتغلين في هذه الصناعة،المنتفعين من هذه البضاعة ،
قوله :إن التقدير لاداعي له ،وأن فهم الجملة يجب أن يكون هو الظاهر منها ،وأن السياق وحده هو الذي يظهر معناها ،وأن النحاة عقَّدوا العربية بدلاً من أن يسهلوها ،حين جعلوا حركات الإعراب دالة على المعاني ،فحزنت وحوقلت ووعدته بتوضيح المسألة بعد انصراف الشواغل

و في خطبة الجمعة الماضية تحدث الخطيب عن علامات الساعة الصغرى فذكر منها –ولاأعلم المصدر - أن يُفتحَ الكتاب " كناية عن انتشار الجهل ،وفساد الأمر ،وكثرة الخلط واضطراب الفكر ،
وذكرني هذا بقول بعض العلماء :لا تضعوا العلم في الأوعية الفاسدة "لأن العلم نظيف وربما أفسده فساد الأوعية ،فتأمل ،وما أكثر الأوعية الفاسدة في زماننا ،نسأل الله أن لا يجعلنا منهم .

ما كنت أظن أن أساتذة في هذا الآن تُدرِّس مثل هذه الأباطيل ،وتنشر مثل هذه الأضاليل بين طلبة العلم المساكين ،من غير أن تبين مالها وماعليها ، ولماذا هذا الإفساد الذي لايقوم إلا على المقارنة بالعاميات كما ذكر الأستاذ الفطحل ،-فهل صارت هي النموذج الي يُحتذى ويقارن به ؟!-ثم الاتكاء على بعض الأمثلة القليلة التي تعتمد على قرائن وشياطين خارجية ،

ثم لماذا لايتسع صدر هذا الأستاذ إلى سماع ردود الطلاب الطيبين عليه، والحكمة ضالة المؤمن ، -ومِ الله ما كنت أرغب أن أضيع الوقت مع أمثال هؤلاء ،فالوقت أنفس من أن يضيع في ترهاتهم ثم رأيتُني بعد الانتهاء من الامتحانات مدفوعاً للإجابة قبل أن تنطفئ جذوة الحماس ،وتفتر عزيمة الرد، بياناً للحق ،وتوضيحاً للغامض ،

ودفاعاً عن تراث علمي أقامه عقل مبدع ،وفكر نيّر ،وإنارة لطلاب العلم الأوفياء ،الذين سيكونون بعون الله رجالات هذه الأمة علماً وخلقاً وسيرة وسلوكاً ،بعيدين عن الانحرافات الفكرية ،واللوثات العقلية،التي تظهر كل حين وآن ،أقول مجيباً مستعيناً بالله :

لقد بات من البدهيات _فيما أحسب _ أن التقدير من خصائص العربية ، إذلاتتصور العربية بلا تقدير ،وهدمه يُعدُّ هدماً لركن أساس أُقيم عليه هذا الصرح الشامخ ،وقبل أن نعرض المراد منه أود أن أشير أولاًإلى أن المصطلحات الدالة عليه كثيرة عند القدماء ([1] )فهناك التأويل والإضمار والاستتار والحذف والتفسير والمعنى ،

وهناك طرق تؤدي إليه كالتخريج والتوجيه والتأويل أيضاً ،ومن مسالكه التقديم والتأخير ،والتضمين ،وما أحسن قول النحاة في هذا الصدد:لامشاحة في الاصطلاح،لأنهم نوعوا عباراتهم في الدلالة على ذاك المقدر ،فأحياناًيستعملون الإضمار يريدون منه التقدير

والعكس صحيح ،وأحياناً يستعملون الحذف يريدون منه التقدير ، والعكس صحيح ،وأحياناًيستخدمون التأويل ويريدون به التقدير ،والعكس صحيح ،وأحياناً يستعملون التخريج كما يستعملون التوجيه أو التأويل،
بل إن سيبويه استعمل عبارات خاصة تدل على "التقدير "من ذلك) : كأنه قال – كأنه يحمله –إنما تريد أو يريد )ناهيك عن استخدامه لمصطلحي الإضماروالحذف في كثير من مواضع كتابه المشهور ،أما مصطلح (التقدير)فوجدته قد استعمله في حديثه عن ضمير الشأن مع مصطلح الإضمار( [2])

والمعلوم أن ضبط المصطلح في كتاب سيبويه كان بسيطاً يتفق مع عهد نشأة هذه الصناعة ،ومع كثرة تحديد المصطلحات ومحاولات ضبطها عبر العصور لم تتحدد تماماً –فيما أحسب- ،لذا قلتُ :إن عبارة "لامشاحة في الاصطلاح "عبارة تؤدي الغرض من هذه المصطلحات المترادفة ،

لا سيما أن الفروق الدقيقة جداً بين هذه المصطلحات ليس لها تأثير على المعنى الثاني الذي نود الكشف عنه بالتقدير ،والظاهر أن البغدادي أدرك هذا التشاجر والتشابك في المصطلحات حين قال :إن سيبويه يطلق كثيراً لفظ الإضمار على الحذف ([3])

وعلى كل حال فمن هذه المصطلحات المترادفة ولوازمها،تكونت نظرية التقدير في الصنعة النحوية ،وهي جميعاً تلتقي- فيما أحسب -في كونها تفسيراً لتلك العملية الذهنية التي تؤدي إلى كشف المعنى المخبوء في الجملة العربية ،فالجملة العربية من أهم خصائصها أنها موَّارة بالمعاني ،

والدلائل على ذلك كثيرة جداً،أهمها قول الرسول صلى الله عليه وسلم :أوتيت جوامع الكلم ،أي المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ([4])وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : لايفقه الرجل كلَّ الفقه , حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة ً" ([5]) .

يتبع ,,,
__________________________________________________ _________________

[1]-انظر محاولات التفريق بين مصطلحي الحذف والإضمار في كليات أبي البقاء ، والتعريفات للجرجاني ، والبرهان للزركشي، وحاشية الصبان 1/576،وحاشية ياسين على شرح التصريح 1/96

-[2] انظر الكتاب 1/224،135، 319، 356 ، 582 . 2/176 ، 312 .

-[3]الخزانة 4/161وانظر المصادر الآتية للدلالة على ماذكرناه ،معاني القرآن للفراء 1/31-156-175،2/333-412،والمقتضب ،للمبرد، 3/88،4/157،والأصول ،لابن السراج 1/162-163-186-237-247،والمسائل المشكلة ،للفارسي ،142-143-144-268|،ودلائل الإعجاز 163أسرار العربية ،للأنباري ،153و الإنصاف 1/82شرح المفصل ،لابن يعيش 1/90،وحاشية ياسين على شرح التصريح 1/96وحاشية الصبان 1/576

[4]-تأويل المشكل ،لابن قتيبة ،4

[5]- المحرر الوجيز 27/1



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:46 PM ]


وبدهي أن رؤية الوجوه الكثيرة لا تتم بلا تقديرات وتأويلات تحتملها الآيات الكريمة ,ولولا أنها موجودة في كلام العرب الذي نزل به القرآن الكريم لكان هذا الحديث لايمثل الواقع اللغوي العربي ، قال الغزالي مبيناً سر ذلك :إن القرآن أنزلبلغة العرب ،

فكان مشتملاً على أصناف كلامهم
من إيجاز وتطويل وإضماروحذف وإبدالوتقديم وتأخير ،ليكون ذلك مفحماً لهم ،ومعجزاً في حقهم ([1] )ومما يدل على أن التقدير سمة من سمات العربية ،ولاتفهم العربية بدونه ، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ([2])،فبالتأويل تكتشف المعاني المستترة تحت التراكيب الظاهرة


وقال ابن عباس " القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه" ([3])

فإذاكان القرآن الكريم قد نزل باللسان العربي المبين ،فذا يعني أن الكلام العربي ذلول ذو وجوه ،وللوصول إلى هذه الوجوه لابد من سلوك النظام اللغوي العربي ،الذي تميز بظاهرة التقدير ،وكذلك الحال مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،فلايمكن الوصول إلى معانيها الدقيقة إلا بمعرفة هذا النظام اللغوي العربي ،

وفيه الحذف والإضمار وكل مايتصل بالتقديرات النحوية التي نص عليها النحاة ،وقد أشار إلى ذلك الإمام العيني بقوله "أما أقواله –صلى الله عليه وسلم –فهو الكلام العربي ،فمن لم يعرف الكلام العربي بجهاته ،فهو بمعزل عن هذا العلم ،

وهي كونه حقيقة ومجازاًوكناية
وصريحاً وعاماً وخاصاً ومطلقاً ومقيداًومحذوفاًومضمراً...ونحو ذلك مع كونه على قانون العربية الذي بينه النحاة بتفاصيله ،وعلى قواعد استعمال العرب وهو المعبر عنه بعلم اللغة ([4] )


لقد أكد اللغويون أن العرب كانت تضمر وتقدر في كلامها ، ولبيان ذلك عقد الثعالبي عدداً من الفصول كلها تشير إلى ظاهرة التقدير، وأورد أمثلة عليه بعضها من القرآن الكريم , وبعضها من كلام العرب، من ذلك قوله في "فصل عن إقامة الاسم والمصدر مقام الفاعل والمفعول" قال تقول العرب : رجل عدلٌ أي عادل ورضا أي مرضي , وبنو فلان لنا سلم ،أي مسالمون ،وحرب أي محاربون , وفي القرآن الكريم " ولكن البرَّ من آمن بالله وتقديره ولكن البرَّ بر ُّ من أمن بالله، فأضمر ذكر البر , وحذفه([5]) .



وعقد فصلاً لإلغاء خبر( لو )اكتفاءً بما يدل عليه الكلام وثقة بفهم المخاطب , قال ذلك من سنن العرب وأورد فيه قوله تعالى : (ولو أنَّ قرآنا سيرتْ به الجبالُ أو قطعتْ به الأرضُ أو كلم به الموتى بل لله الأمرُ جميعا) والخبر عنده مضمر كأنه قال : لكان هذا القرآن([6])


وكأني به يريد التأكيد على أن التقدير خُلِقَ مع العربية ،وأنه لاينبغي الترددفي قبوله ،لذا عقد فصلاً آخر عنونه بفصل مجمل في الإضمار يناسب ماتقدم من الحذف،بين فيه سبباً من أسباب التقدير أيضاً، قال : من سنن العرب الإضمار إيثاراً للتخفيف ،

وثقة بفهم المخاطب، ومن ذلك إضمار (أن) وحذفها من مكانها كما قال تعالى : ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) . أي أن يريكم البرق .

وقال طرفة :
ألا أيهذا الزاجريُّ أحضرَ الوغى ************ وأن اشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخلدي
فأضمر (أن) أولاً , ثم أظهرها ثانياً في بيت واحد ,

وتقديره : (ألا أيهذا الزاجري أن احضر الوغى ) ([7])

ومن ذلك إضمار الفعل كما قال تعالى : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى) , وتقديره : فضُرِبَ فحُيِيَ، كذلك يحيي الله الموتى . ومثله ( وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) ,

وتقديره فضرب فانفجرت .... ومن ذلك

_ إضمار القول كما قال تعالى : ( وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد أيمانكم ) في ضمنه( فيقال لهم أكفرتم ؟ ), لأن (أما) لابد لها في الخبر من فاء ،فلما أضمر القول أضمر الفاء . وقال الشنفرى :
فلا تَدفنوني إنَّ دفني محرَّمٌ *********** عليكمْ ولكن خامِري أمَّ عامر
يريد لا تدفنوني ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت :خامري أم عامر . يعني الضبع لتأكلني [8],


فمما سبق كله ندرك أن ظاهرة التقدير واضحة في اللغة العربية . وهناك إجماع بين العلماء عليها، والإجماع حجة , ولم نجد أحداً من العلماء والفقهاء القدماء نقد النحويين في تقديراتهم التي قدروا بها بعض الآيات القرآنية التي احتاجت إلى تقدير

وما ذلك إلا لأنهم مدركون بأن العربية خُلقت هكذا، .ولعل من الخير أن نقدم للقارئ،مثالاً نتبين منه أن الفقهاءأنفسهم اعتمدوا على التقديرالنحوي للوصول إلى الحكم الشرعي ،قال الله تعالى "الحج أشهر معلومات "ذهب الشافعي إلى أن التقدير في الآية أن: وقت الحج أشهر معلومات ،فحذف المبتدأالذي هو( وقت )

وأُقيم المضاف إليه مقامه ،وأخذ إعرابه ،وبنى على ذلك أنه لايصح الإحرام بالحج إلا في أشهره ،فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به ،وقد خصص وقته كما خصص ،الميقات ،وكما خصصت أوقات الصلوات ،والمهم أنه على هذا التقديررجعنا إلى القاعدة المطردة وهي أن المبتدأهو الخبر ،والخبر هو المبتدأ

أما لو بقيت على ظاهرها لكان الخبر غير المبتدأ،لأن الحج ليس هو الأشهر ،فهو مناسك ومشاعر وعبادات ومناسك في أوقات مخصوصة
_______________________
يتبع ,,,

[1]-الإحياء 1/292

[2]- روح المعاني 6/1 وتفسير القاسمي 8/1 , وانظر تخريج الحديث في هامش تفسير القاسمي

[3]- روح المعاني 6/1

[4] -عمدة القاري1/11

[5] فقه اللغة 331. ذهب الكوفيون إلى تقدير المصدر بالمشتق فقالوا : رجل عدل أي عادل , وذهب البصريون إلى أن التقدير ذو عدل أي صاحب عدل .
أما الآية الكريمة فلجأوا إلى التقدير فيها لأنه لا يخبر بالجثة عن المعنى , ويجوز ألا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال: بإطلاق البر على البار مبالغة , والأول أوفق-كما قال الآلوسي - أي على تقدير مضاف (أي بر) من آمن , انظر روح المعاني 2/45

[6]- -فقه اللغة 335

[7]- فقه اللغة 340 وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 248

-[8] فقه اللغة 340،وانظر تأويل مشكل القرآن 248



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:50 PM ]


وذهب مالك إلى أن التقدير :الحج حج أشهر معلومات ،فعلى هذا التقديريكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها ،وإن كان ذلك صحيحاًأي يصح الإحرام بالحج في جميع السنة،([1])والمستفاد أن هذا التقدير حوفظ فيه على القاعد ةالمتلئبة وهي أن المبتدأهو الخبر ،والخبر هو المبتدأ ،وبدهي أن المضاف وهو حج حذف ،وأقيم المضاف إليه مقامه ،([2])ثم لاشك بعد ذلك كله أنه لولا تقدير هذا المبتدأ لكان "أشهر" منصوبة -كما قال مكي –كقولنا : :القتال غدا(ً[3])


من هذا كله ندرك أن ظاهرة التقدير اتفق كل المشتغلين بالعلوم اللغوية والشرعية ،على وجودها ظاهرة لغوية،لأنها كما ذكرت خُلقت مع العربية،والواضع حكيم كما قالوا ،وقد ذكرت سابقاً أن التقدير يراد به تلك العملية العقلية التي تسعى إلى كشف المعاني المخبوءة في الجملة العربية



ولا مانع من أن نتوسع فيه يتسع لنطلقه على ما يطرأعلى الكلمة أو الجملة من عمليات صرفية أو صوتية، لأنه لابد من العملية الذهنية التي نسعى من خلالها إلى تصور ماجرى على الكلمة حتى بدت في صورتها التي شاركت في تشكيل الجملة، فالقول :إن أصل كساء هو كساو ثم كسااثم كساء هو تقديري تخيلي ومثل ذلك القول :إن أصل لم يسع هو لم يسعى،


و لاننسى هنا أن نذكرأيضاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم لنتبين منه علاقة الإعراب بالتقدير الصرفي ،قال عليه الصلاة والسلام :إذا أقرض أحدكم قرضاً فأُهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها .."فإذا قدرت قرضاً اسم مصدر فهو مفعول مطلق مؤكد للعامل أي إذا أقرض أحدكم قرضاً ،وإذا قدرته اسم مفعول فيجوز جعله مفعولاً ثانياً والتقدير إذا أقرض أحدكم مُقرضا أي مالاً أو غيره ([4]،)



ويمكن أن يمتد التقدير ليشمل _فيما أحسب _ مباحث من علم البيان من تشبيه و مجاز واستعارة وكناية وتورية وتوجيه ،بل إن التوحيدي أشار إلى ما يسمى "بلاغة التأويل "وهي التي تحوج كما يقول إلى التدبر والتصفح ،وبين ثمرتها قائًلاً"وبهذه البلاغة يُتسع ُ في أسرار معاني الدين والدنيا ([5]



فكل ما يعتمد في كشف معناه على ذلك الخيال الذي يجب أن نتخيله لنصل به إلى الصورة الأساسية للجملة ،ثم نتصور بعد ذلك الصورة الحديثة التي استقرت عليها العبارة ،يمكن إدراجه تحت ظاهرة التقدير بمفهومه العام ، فالتقدير بهذا الشمول أولى-فيما أحسب - من تقييده بالتقدير النحوي، لأننا نزعم أن كل فروع العربية تسعى إلى كشف المعاني التي تحتملها الجملة العربية، وكلها تتشارك في الكشف عنها،ولا توجد مخالفة بين أنواع التقديرات التي تشملها علوم العربية



ولكن لا شك أن من أهمها التقدير النحوي، لأنه النواة الأولى للمعنى، فإذا صح صحت بقية الاعتبارات التي ننظر بها إلى الجملة العربية- والله أعلم- ولا ننسى في هذا المقام أن أستطرد فأشير إلى دور حركات الإعراب في بيان المعنى ،فهي أيضاً العنصر المهم الذي يتشارك مع عناصر أخرى للوصول إلى المعنى المراد ،وهي تمثل تسعين في المئة من كمية العناصر الأخرى


فليس السياق وحده كما يزعم بعض من لم يفقه هذا العلم هو الفيصل للوصول إلى المعنى، والدليل على ذلك -مثال بسيط نضربه لأولي النهى- أننا لو قلنا :نجح الطلابُ المجتهدون وكلَُّ-وكل-َّ طلابِ الجامعة، ففي اختلاف ضبط (كل )بالشكل يستدل على معنى يختلف عن الآخر، فلو نصبتها لكان المعنى أن الطلاب المجتهدين مع طلاب الجامعة نجحوا كلهم في وقت واحد، ولو رفعنا (كل) لاحتملت الجملة معنيين:


الأول: أن الطلاب المجتهدين نجحوا وجميع طلاب الجامعة موجودون في الجامعة، فالواو إستئنافية وكل مبتدأ ونقدر خبراً لها أي موجودون.


والمعنى الثاني :أن الطلاب المجتهدين نجحوا ومعهم أيضا طلاب الجامعة وربما نجح المجتهدون أولاً ثم نجح طلاب الجامعة بعدهم وربما نجح طلاب الجامعة أولاً ثم المجتهدون ،وربما نجحوا جميعاً في وقت واحد أو في أوقات مختلفة


كل هذه الاحتمالات تحتملها هذا الجملة، ولولا حركات الإعراب على لفظة( كل )لم يفد السياق الذي يرتكنون إليه إلا معنى واحداً- والله أعلم- وانظر إلى حديث الرسول صلى الله علية وسلم عن قرينه ففي رواية قال عنه بأنه " أسلمَ" وفي رواية أخرى فأسلمُ،ثم انظر إلى قولنا :سار القائد والجند ُ،وسار القائد والجندَ،فالعطف أي الرفع هنا يفيد المشاركة في السير ،والمعية محتملة ،


أما نصب الجند فيؤ كد أنهما سارا معاً ،ولا يميز بين المعنيين إلا الحركة الإعرابية ،ثم انظر أخيراً إلى تراكيب نصب المضارع بعد واو المعية في نحو :لاتقد السيارة وتشرب الشاي ففي ضبط تشرب ،تختلف المعاني ،وهذا أمر معروف مشهور ،


وما أكثر الأمثلة التي تجعلنا نحكم بأن الحركات العربية تدل على المعاني بل إني أرى أن هذا الأمر امتد عند العربي فاستعمله في المبنيات ،أليست فتحة( أنت)َ تدل على المخاطب المذكر وكسرة (أنتِ )تدل على المخاطبة المفردة المؤنثة، والظاهر أن الاستعمال العربي للحركات دالة ًعلى المعاني كان عاماً سواء في أول الكلمة أم في وسطها أم في آخرها ،بدليل الفرق بين الفعل المبني للمعلوم والمبني للمجهول ،


وسواء أكانت الكلمة معربة أم مبنية ،والظاهر أيضاً أن النحاة حين وجدوا ظاهرة العامل والمعمول في العربية مطردة واضحة في المعربات قرروا ذلك وبوبوه ،أما المبنيات التي حافظت على آخر حركاتها مع وجود العامل ،فقد قدروا عمل العامل في محلها ،أي خصت المعربات بتغير الحركة الدالة على المعاني حين التقعيد أما الواقع الاستعمالي العربي فكان العربي معتمداً على الحركة للتفرقة بين المعاني ،


ولا أود الخوض في هذا الجانب الآن ،لأن المراد هو بيان قيمة الحركة العربية في التفرقة بين المعاني بغض النظر عن نوع الكمة من حيث الإعراب والبناء ،وهذا كله يفيد أنه لايمكننا تجاهل دلالة الحركة ،كما يزعم بعضهم ، ثم لا شك أن الارتكان إلى السياق وحده ،
يُقصر الجملة على معنى واحد ،في حين هي مليئة بالمعاني ،و الذهاب إلى أن الجملة لاتحتمل إلا معنى واحداً إجحاف بحق العربية ،وسلب لخِصِّيصة من فضائلها ،وتنقيص من تلك الحكمة التي اشتهر بها العربي فالواضع حكيم كما قالوا ، وإنما استطردت إلى ذلك لأن منكري التقدير هم من هذه الطائفة الذين مردوا على كل قديم بجهلهم المركب.إن قالوا :إن قوله تعالى :إنما يخشى الله من عباده العلماء "يظهر المعنى من غير حركات الإعراب ،فالجواب أن القرينة الشرعية هنا هي التي دلت على المعنى ،


ونحن لاننكر القرائن في دلالتها على المعنى لكن ليست هي الفيصل بل هي عنصر من العناصر التي تدل على المراد والنحاة لم يغفلوها في أحاديثهم وعلى رأسهم سيبويه( [6])،وليت الأستاذ أورد مثالاً واحداً مما أوردناه نحن من الأمثلة ليناقش فيه ،ثم لو سلمنا للأستاذ الفاضل بما يريد ،وسألناه عن عددالأمثلة التي يمكن أن نرتكن فيها على السياق وحده في الكشف عن معانيها ؟كم نسبتها أمام عددالأمثلة التي يظهر معناها من الحركات الدالة عليها ؟أعتقد أنها لاتمثل 1%!فهل نجعل النادر أصلاً ؟
ونترك ماعليه جرى العرب قاطبة؟
_____________________________
يتبع ,,,

[1]. انظر المشكل ،لمكي ،1/123المحرر الوجيز ،1/271وروح المعاني ،1/481

[2]انظر البيان للأنباري 1/146و البحر المحيط 2/276وروح المعاني 1/481وانظر رسالة الطالب النابه ياسر السلمي (حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في الكشاف والتبيان )ففيها الكثير من الأمثلة التي قدر فيها المضاف ثم حذف ،الأمر الذي يؤكد ظاهرة التقدير في العربية

[3] -المشكل 1/123

[4]- تعدد التوجيه النحوي 1/91

[5] -الإمتاع والمؤانسة 2/142

[6] -الكتاب 1/227

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:54 PM ]


إن هذا الأستاذ نفسه لاينكر أن الحركة إذا وقعت في أول الكلمة أو في وسطها وتغيرت دلت على معاني مختلفة كقولنا :مُكرَم ومُكرِم ،وضَربَ وضُرِبَ،فلماذا إذا وقعت في الأخير ليس لها دلالة؟-كما يقول الدكتور مازن المبارك وهوبصدد رده على إبراهيم أنيس ([1] )

نعم نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض !والظاهر أن هذا الفريق حين تعوزه الأدلة يلجأ إلى العاميات –أي إلى ركن أوهى من بيت العنكبوت –فيقول ى: إن الناس المتكلمين بالعاميات يفهمون أغراض بعضهم مع خلو العامية من حركات الإعراب!فالجواب: أن الوقوف على مرامي العرب من كلامها لايتحقق بدقة إلا بحركات الإعراب ،مثال ذلك أن الناطق بالشهادتين إذا لم يرفع "رسول "لايدخل في الإسلام ،

قال ابن بابشاذ" إن من قال :أشهد أن محمداً رسولَ الله بنصبهما جميعاًلم يكن قد شهد له صلى الله عليه وسلم بالرسالة،لأنه لم يخبر عن محمد مع نصب الرسول بشيء ولا اعترف به ، قال :وكذلك لو قال : عن الله ربنا لم يكن معترفاً بشيء،فإن رفع الرب كان معترفاً بالربوبية وهو الصواب "( [2])

فهل بعد هذا نحتاج إلى دليل ؟ولا أظن بعد هذا القول مع كل الأمثلة التي ذكرناها أن منكر حركات الإعراب في دلالتها على المعاني ،بحاجة إلى مايفتح له ما أغلقه الله عليه .اللهم اشرح صدورنا ويسر أمورنا وفرج همومنا .



ونعود بعد هذا الاستطراد - والعود أحمد -إلى التقدير لنتحدث عن أسبابه تلك التي يمكن أن نلتقطها من العيش مع النحاة في فكرهم ،لقد ذكر وا أسباباً داعية إلى الحذف والتقدير كطول الجملة وكثرة الاستعمال والضرورات الشعرية والحذف لعلل صوتية، ويبدو لي أن أسباب التقدير تندرج أيضاً في فوائده التي يمكن تبيٌّنها مما يأتي :



1-أن الجملة العربية لما كانت موّارة بالمعاني ،كان لابد من التقدير لبيان تلك المعاني ،وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة كثيرة تؤكد ما نقرره ، ولعل أوضح دليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أوتيت جوامع الكلم) أي المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ([3])

فبالتقدير تبرز المعاني،التي تحتضنها الجملة العربية، مثال ذلك قولنا: نصحتك –علماً- بالحياة ومصاعبها، ترى أن كلمة علماً هي مصدر،و يجوز أن نقدرها بالمشتق أي عالماً فنعربها حالاً، إما من فاعل نصح أي نصحتك وأنا عالم بالحياة، وإما من المفعول به وهو الضمير الكاف في نصحتك أي نصحتك وأنت عالم بالحياة، ولو أبقيناها من غير تقديرها ب(عالماً،)

لاعتبرناها مفعولاً لأجله، والمعنى :نصحتك من أجل العلم بالحياة ومصاعبها.فهذا التركيب مع وجازته، رأينا أنه بالتقدير تتنوع معانيه ودلالاته.



،ولو رحنا نلتقط أمثلة على ذلك من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العرب، لجمعنا الكثير من الأمثلة التي ترى فيها التركيب اللغوي الواحد، مليئاً بالمعاني، وأن التقدير مبرز لهذه المعاني الكثيرة.فما أكثر التوجيهات النحوية المبرزة لمعان لاتبدو مباشرة من ظاهر الجملة

وتصفح إن شئت أي كتاب من كتب إعراب القرآن وتفسيره ،أو كتب شراح الحديث النبوي ،أوكتب اللغة ،أوشروح الدواوين الشعرية ،لترى ذلك واضحاً تماماً.



2) وضوح المعنى وبيانه، ففي بعض الأحايين قد يغمض المعنى إن لم نلجأ إلى التقدير من ذلك قوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم}.


قال الكوفيون: إن التقدير :لئلا تضلوا أي أن المصدر المؤول مجرور بلام جر محذوفة والتقدير: يبين الله لكم الحق لئلا تضلوا، وذهب آخرون إلى أنه مفعول لأجله، والتقدير مخافة أن تضلوا، أو مفعول به للفعل يبين أي يبين لكم ضلالكم لتعرفوا الهدى ([4]).



ومثل ذلك قوله تعالى: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}. فلا يدرك معناه إلا بالتقدير، قال العكبري فيه ثلاثة أوجه:


أحدها: تقديره في أن لا تعدلوا، فحذف لا، أي لا تتبعوا الهوى في ترك العدل.


والثاني: تقديره: ابتغاء أن تعدلوا عن الحق.


والثالث: تقديره :مخافة أن تعدلوا عن الحق وعلى الوجهين هو مفعول به([5]).،وما أكثر الأمثلة التي لايظهر معناها إلا بالتقدير ،فهل قوله تعالى "حرمت عليكم أمهاتكم تفهم على ظاهرها أم المراد منها :نكاح أمهاتكم؟ وهل قوله تعالى: ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم "يفهم بوضوح من غير تقدير.؟


ولأن التقدير من روح العربية فقد يحتاج فهم التركيب إلى أكثر من مقد ر ليتضح المعنى من ذلك قولنا: داركَ والحريقَ، فالتقدير هو: بعّد دارك واحذرِ الحريق، ولا يستقيم المعنى هنا إلا بتقدير فعلين إذ لو قدر فعل واحد، لما استقام المعنى، إذ يصير التقدير: بعّد دارك والحريق، أو احذر دارك والحريق.
__________________________
يتبع ,,,

[1] -نحو وعي لغوي 90

[2] -شرح المقدمة المحسبة 2/475،والطريق إلى صنعة الإعراب ،33

[3]- انظر: تأويل المشكل 4.

[4]- التبيان1/414

[5]- التبيان 1/397

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 06:58 PM ]


3) المحافظة على اطراد الأصول النحوية التي انضبط فيها النظام اللغوي العربي، والظاهر أن هذا السبب هو أكثر الأسباب ظهوراً في تقديرات النحاة، مثال ذلك تقديرهم فعلاً ناصباً للاسم المنصوب في نحو: أزيداً ضربته إذ إن الفعل ضرب متعد إلى مفعول واحد، وقد استوفاه في الضمير، والاستفهام في الأسماء يكون عن الأحداث ولا ناصب لزيد في الجملة مع أن كل منصوب لا بد له من ناصب، فقدروا لذلك كله فعلاً من نفس المذكور ونصبوا زيداً به طرداً للقاعدة.


ومن ذلك أيضاً التقدير الذي لجأ إليه البصريون حين خرّجوا قراءة أبي جعفر {ليُجزى قوماً بما كانوا يكسبون} . ببناء الفعل يُجزى للمجهول ، فقد استدل الأخفش والكوفيون على أنه يجوز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل بعد حذفه مع وجود المفعول به وهي قاعدة مطردة عندهم فخرَّج البصريون القراءة بعد أن حكموا عليها بالشذوذ على أن القائم مقام الفاعل هو ضمير مستتر في الفعل يعود على الغفران المفهوم من قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا}

والتقدير ليجزي الله قوماً الغفران، فالذي أنيب عن الفاعل بعد حذفه هو المفعول الثاني ليجزي، وهو ضمير الغفران وكل ما في الأمر أنه يجوز في باب (كسا )أن ينوب أيُّ المفعولين عن الفاعل بعد حذفه، وهذه منها، وبذلك حاولوا طرد قاعدتهم القائلة إنه لا يجوز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل بعد حذفه مع وجود المفعول([1]).


ومن ذلك أيضاً: أن الكوفيين وجمهور البصريين المتأخرين منعوا تقدم خبر ليس عليها لأنها فعل جامد فأشبه عسى، وخبر عسى لا يتقدم عليها اتفاقاً، وذهب قدماء البصريين والفراء وغيرهم إلى جواز ذلك ومن حججهم قوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم } .

فيوم يأتيهم معمول لـ "مصروفاً" الواقع خبراً لليس، وقد تقدم على ليس واسمها الذي هو ضمير مستتر فيها يعود على العذاب، ...

وتقديم المعمول لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، لذا أجازوا تقديم خبر ليس عليها، وأجاب المانعون :أن هذا التقدير من باب الاتساع، لأن الظروف يُتسع فيها ما لا يُتسع في غيرها،

ثم لجأوا إلى التقدير فقالوا: إن يوم متعلق بفعل محذوف تقديره: يعرفون يوم يأتيهم وجملة – ليس مصروفا- حالية مؤكدة أو مستأنفة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال ([2]).


ومثل ذلك ما ذكروه حول قوله تعالى: {كتابَ الله عليكم}. فقد منع جمهور البصريين تقدم معمول اسم الفعل عليه لقصور درجته عن الفعل، لكونه فرعه في العمل، غير أن الكسائي أجازه إلحاقاً للفرع بأصله، واحتج بهذه الآية، لأن المعنى عليكم كتاب الله، أي الزموا كتاب الله، فكتاب عنده مفعول به متقدم على عامله عليكم

وتأول البصريون الآية فقالوا: إن كتاب مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله تعالى: {حرمت عليكم} والمعنى كتب الله عليكم تحريم ذلك كتاباً، وعليكم متعلقاً بالمصدر كتاب أو بالفعل المحذوف –كتب- ويؤيد هذا التقدير قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميفع، اليماني كتب الله عليكم، فجعل كتب فعلاً ماضياً رافعاً ما بعده، أي كتب الله عليكم تحريم ذلك([3]).



ومثل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله)([4]).

فالقاعدة المطردة أنه يجب دخول الفاء على جواب شطر أما، لأن أما نائبة عن شرط هو مهما، وفعله والتقدير مهما يكن من أمر، وفي الحديث لم تدخل الفاء على الجواب وهذا الحذف نادر

لذا لجأوا إلى التقدير فقالوا: إن التقدير أما بعد: فأقول ما بال، فحذفت فيه الفاء تبعاً للقول، وبهذا التقدير طردوا القاعدة ([5]).


ومن ذلك أن الأخفش ذهب في قوله تعالى: "أو جاؤوكم حصرت صدورهم" إلى أن التقدير أو جاؤوكم قوم حصرت صدورهم، فحذف قوم وأقيم الوصف مقام الموصوف([6])

وذهب البصريون إلى تقدير( قد) قبل الفعل حصرت، والغرض من التقديرين المختلفين هو التأكيد والحفاظ على أن الماضي لا يقع حالاً.


ومثل ذلك ما ذكره النحاة من تعليلات لحذف الخبر وجوباً قبل حال لا يصلح جعلها خبراً عن المبتدأ، كقولنا: ضربي زيداً قائماً، فضربي مبتدأ، وزيداً مفعوله؛ لأنه مصدر مضاف إلى ياء المتكلم، وقائماً حال سد مسد الخبر، والتقدير ضربي زيداً إذ –أو إذا كان قائماً([7])

وكان هنا تامة. والظرف المقدر متعلق بخبر للمبتدأ ضرب، فإن ذهبنا نسألهم عن سبب تقدير هذه المقدرات لأجابوا بتعليلات يغلب عليها الحفاظ على أصول الصنعة ومستلزماتها، قالوا: إن المعنى في ضربي زيداً قائماً هو ضربت زيداً قائماً أو أضرب زيداً قائماً، فالكلام تام باعتبار المعنى، إلا أنه لا بد من النظر في اللفظ وإصلاحه لكون المبتدأ فيه بلا خبر، لأن قائماً لا يصح أن يكون خبراً فيرتفع، لأن الخبر إذا كان مفرداً يكون هو الأول، والمصدر الذي هو الضرب ليس القائم.



ثم قالوا: ولا يصح أن يكون قائماً حال من زيد؛ لأنه لو كان حالاً منه لكان العامل فيه المصدر الذي هو ضربي؛ لأن العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو كان المصدر عاملاً فيه لكان من صلته، وإذا كان من صلته لم يصح أن يسد مسد الخبر، لأن الساد مسد الخبر يكون حكمه حكم الخبر، فكما أن الخبر كان جزءاً غير الأول فكذلك ما سد مسده ينبغي أن يكون غير الأول

وإذا كان الأمر كذلك كان العامل فيه فعلاً مقدراً فيه ضمير فاعل يعود إلى زيد –وهو صاحب الحال- والخبر ظرف زمان مقدر مضاف إلى ذلك الفعل والفاعل والتقدير: ضربي زيداً إذا – أو إذا كان قائماً([8])، وإذا رحنا نسألهم عن سبب تقديرهم إذ أو إذا أو عن سبب تقديرهم كان تامة غير ناقصة، لرأينا إجاباتهم كلها لا تخلو من أن مستلزمات الصنعة النحوية والحفاظ عليها هي الداعية إلى اختيار هذا المقدر.



قال ابن يعيش: "فإن قيل: ولم قدر الخبر بإذ أو إذا دون غيرهما من ظروف المكان –مثلاً- قيل: لأنهما ظرفا زمان، وظروف الزمان يكثر الإخبار بها عن الأحداث، والإخبار بها مختص بالحدث فكان تقديره بها أولى.


وكان إذ وإذا أولى من غيرهما من ظروف الزمان لشمولهما، فإذ تشمل جميع ما مضى، وإذا تشمل جميع المستقبل، فلما أريد جزء من الزمان كان أولى بذلك، فإن قيل: ولم قلتم إن كان المقدرة هي التامة دون أن تكون الناقصة، قيل: لو كانت الناقصة لكان قائماً من قولك: ضربي زيداً قائماً: الخبر، ولو كان خبراً لجاز أن يقع معرفة لأن أخبار كان تكون معرفة ونكرة، فالمعرفة نحو قولك :كان زيد أخاك، والنكرة كقولك: كان زيد قائماً فلما اقتصرها هنا على النكرة ولم تقع المعرفة فيه ألبتة دل ذلك على أنه حال وليس بخبر([9]).
________________________
يتبع ,,,

[1]- انظر لذلك شرح قطر الندى191.

[2]- انظر: إعراب الشواهد في أوضح المسالك1/113

[3]- انظر: إعراب الشواهد 2/559

[4]- انظر: الحديث في صحيح البخاري3/29، في كتاب البيوع.

[5]- انظر إعراب الشواهد في أوضح المسالك(2/684).

[6]- مراده أن جملة حصرت صدورهم صارت صفة لقوم النكرة، وانظر المسائل المشكلة (ص245).

[7] - إذا أريد المضي قدّر بـ(إذ) وإن أريد المستقبل قدر بـ(إذا)

[8]- انظر: شرح المفصل لابن يعيش (1/96) بتصرف يسير.

[9]- شرح المفصل (1/96-97) بتصرف.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-08-2014 - 07:17 PM ]


وعلى هذا النحو سار النحاة ،فهم يحللون التركيب اللغوي تحليلاً وصفياً ثم يحاولون ضبطه وفق الأصول النحوية التي أقاموها بعد استقرائهم كلام العرب، وأحيانا نلحظ أن داخل هذه التحليلات ما يستلزم بيان سبب هذا التحليل، فنراهم يقدمون هذه الأسباب للحفاظ على مستلزمات الصنعة، وهي بدورها تؤدي إلى المحافظة على الأصول العامة.



4- أن التقدير وسيلة من الوسائل التي تبرز فضل العالم وتبين مدى تمكنه من هذا الفن، لأن النحو بأصوله المرنة الكثيرة مع احتمال التركيب للمعاني المتعددة يدفع بالعلماء إلى إبراز المعاني، وقد يخفى معنى على عالم، ويبرز هذا المعنى لعالم آخر، وبهذا يتفاضل العلماء

وقد أشار إلى ما أردناه ابن قتيبة حين قال: "وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجلُّ، ومنه ما يدقُّ ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، ولتكون للعالم فضيلة النظر وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية" ([1]) .



وأضاف موضحاً ذلك فقال: "ولو كان كل فن من العلوم شيئاً واحداً لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي، لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والقليل بالكثير والباطن بالظاهر، وعلى هذا المثال كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته والتابعين واشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز" ([2]) .



وأكد على ذلك حين تكلم عن القرآن الكريم، وألفاظه ومعانيه فقال: "ولو كان القرآن كله ظاهراً مكشوفاً حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة"([3])



إذن فالقدرة على التقدير تدل على تقدم العالم ومكانته، كما تفيد النص أيضاً باستخراج معانيه وتوضيحها .



5- استثمر النحاة التقدير لضبط بعض القواعد النحوية فصيروا التقدير ضابطاً للقاعدة، فقالوا: "إن الظرف والحال على تقدير "في" والإضافة المعنوية على تقدير (من أو اللام أو "في" )والتمييز على تقدير "من" والمفعول لأجله على معنى اللام

ثم جعلوا جواب كيف دالاً على الحال ، وجواب لِمَ دالاً على المفعول لأجله ،وجواب متى دالاً على ظرف الزمان ،وجواب أين دالاً على ظرف المكان .....إلخ
ماوضعوه من ضوابط تعتمد على عمليات ذهنية يقوم بها المرء حين يريد الوصول إلى المراد بدقة .



وانظر إلى هذا الضابط الذي يجعلك مجبراً أن تتوقف لتجري العملية الذهنية كي تصل إلى مايريده المتكلم، قالوا-ماعدا الكسائي- :إن الواجب في جزم الفعل المضارع الواقع في جواب النهي في مثل قولنا: لا تكفر تدخل الجنة، يكون بتقدير "إن" الشرطية مع "لا" النافية مع صحة المعنى حينئذ

فلو قيل: إن لا تكفر تدخل الجنة صح، بخلاف لا تكفر تدخل النار ،فإنه ممتنع، لأنه لا يصح أن يقال: إن لا تكفرْ تدخلُ النار([4]).


ومعنى هذا كله أن الجزم يمتنع إذا لم يصح، تقدير إن مع لا النافية، وحينئذ لا يكون الفعل الثاني مترتباً على الأول كما لو كان مجزوماً لوقوعه في جواب الطلب.



وذهب الكسائي إلى عدم تقدير شيء معتمداً على القرائن، ففي مثل: لا تقترب من النار تحترق، يجزم الفعل تحترق بغير تأويل ولا تقدير([5]).
ورأي الجمهور هو المتجه عندهم .



6- أفاد الشعراء والأدباء من التقدير في العربية، لأنه هيأ لهم رمزية جميلة، عمادها التقدير، فقد استنكر بعض العلماء على الشاعر القائل – متحدثاً عن الذات الإلهية:


يا من يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني


فاعترض عليه سامع قائلاً: كيف تقول :إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟


فقال مرتجلاً:


يا من يراني مجرماً ********** ولا أراه آخذاً



كم ذا أراه منعماً ********** ولا يراني لائذاً

أي تم حذف-الأحوا ل-أو المفعولات الثانية للفعل رأى - ، والبيت كما نرى جميل في سبكه، وماتع في جرسه وعميق في معانيه، لولا أنه يتعلق بالذات الإلهية، وكم في الشعر العربي ونثره من رمزية فاتنة تقوم على فلسفة التقدير

ولكن من الأولى الابتعاد عن مثل هذا ،لأن القراء ليسوا على مستوى واحد راقٍ، يستطيعون فهم هذه الرمزية، وما فيها من تقديرات حتى يسلم المرء من الوقوع في الكفر والعياذ بالله ([6]).

وما أكثر الطوائف التي وقعت في الكفر لتأويلاتها الفاسدة التي لاترتكن إلى أنظمة العرب اللغوية .


7- ومن فوائد التقدير أنه ساعدعلى تنشيط الحركة اللغوية المنضبطة فنرى النحاة يتبارون في تقدير المقدَّر ويتفننون في كشف المخبأ مراعين الأصول النحوية التي تتيح لهم ذلك، فمثلاً: ذهب الكوفيون إلى أن ناصب المفعول لأجله هو الفعل الذي قبله؛ لأنه يلاقيه في المعنى، فإذا قلت: ضربت زيداً تأديباً، كأنك قلت: أدبته تأديباً([7]).



وذهب الزجاج إلى أنه مفعول مطلق وناصبه هو فعل محذوف مقدَّر من لفظ المصدر، فالتقدير عنده في نحو: جئت إكراماً لك: هو أكرمتك إكراماً لك، فهو على هذا التقدير مصدر مؤكد لعامله.



وذهب جمهور البصريين إلى أنه منصوب بالفعل قبله على تقدير حرف الجر وهو اللام (أي المفهم علة) فإذا قلنا: أكرمتك احتراماً لك، فالتقدير: أكرمتك لاحترامي لك، فلما حذف اللام انتصب فهو من المفعول به المنصوب بنزع الخافض ([8]).



فالملاحظ هنا أن سعة التقدير المنضبطة بالنظام اللغوي العربي، ساعدت على تعدد الآراء واتساع رقعة هذا النظام اللغوي.



8- ومن أسباب لجوء النحاة إلى التخريج والتقدير: الابتعاد عن الوجوه اللغوية الضعيفة التي يمكن أن تتخرَّج عليها بعض القراءات القرآنية، فمن المعلوم أن أكثر النحويين المفسرين حرصوا على إبراز أفضل الوجوه اللغوية الواقعة في لغة العرب في تلك القراءات القرآنية([9])
لأن هذه القراءات هي صورة من صور الأساليب اللغوية العربية، فربما ظُنَّ أن بعض هذه القراءات قد تكون على وجه لغوي قليل، فنرى النحاة يقدمون توجيهاً يجعلون به هذه القراءة على أرقى الوجوه اللغوية العربية، وهم على اعتقاد أن العربية تشتمل على أساليب متعددة ومستويات مختلفة

وبالتوجيه تظهر هذه المستويات بترتيباتها وفق كثرة الاستعمال أو قلته،
ومن الأمثلة الدالة على ذلك أيضاً تخريج بعض النحويين لقوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر } فقد ذهب الكسائي إلى جواز العطف بالرفع على اسم إن قبل استكمال الخبر

فالصابئون عنده معطوفة على محل اسم إن البعيد وهو قوله تعالى {الذين} فهو مرفوع قبل دخول إن عليه على أنه مبتدأ ، ورد البصريون ذلك وخرّجوا موضع الشاهد على التقديم والتأخير

وقالوا إن التقدير والله أعلم، إن الذين آمنوا من آمن بالله واليوم الآخر والصابئون والنصارى كذلك، وهذه الجملة معطوفة على جملة إن الذين آمنوا فلا محل لها من الإعراب؛ لأن الأولى استئنافية والعطف هنا من عطف جملة على جملة بعد استكمال الخبر

غير أن
{والصابئون} قُدِّمَ تنبيهاً على أن هؤلاء الصابئين أكثر ضلالة من غيرهم؛ لأنهم مجردون من كل عقيدة ، فهذه الجملة وإن بدت اعتراضية بين اسم إن وخبرها كما في التلاوة؛ لكنها في التقدير متقدمة عن تأخير، والله أعلم.
________________________
يتبع,,,

[1]- تأويل المشكل 87

[2] - تأويل المشكل 87

[3] - السابق87

[4]-شرح قطر الندى (ص112).

[5]-انظر: شرح قطر الندى (ص112) والنحو الوافي (4/394)، .

[6]- ا التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي(2/359) بتصرف.

[7]-انظر: المساعد (1/482-485) وحاشية الصبان (2/179) .

[8]- شرح التسهيل(2/196)

[9] - انظر: البحر (1/4-5)، والجامع للقرطبي (1/129) وروح المعاني (16/355)


التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 06-08-2014 الساعة 08:52 PM

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
ردود فعل متباينة بعد إطلاق"جائزة أحمد شوقي الدولية للشعر" مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 2 04-05-2017 01:30 PM


الساعة الآن 07:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by