إذا ائتلَفَت الأصواتُ قدَحَ التأليفُ في الذّهن شرارَة مَعْنىً أو مَفهوم،
وإذا ضُمّت أصواتٌ إلى أخرى من غير أن يكونَ للتّركيب وجودٌ في
المعجم الذّهنيّ، فإنّ الذّهنَ يُهرَع للتفتيش والبَحث عن دلالة ذلك
التركيب الصّوتي، فإن لم يجدْ أهمَلَ المسألةَ ، أمّا إذا ائتلَفَت الحروفُ
المكتوبةُ رَمَزَ التأليفُ الخطّيّ إلى صورةٍ صوتيّةٍ ويُنظَرُ بعد ذلك هل
يوجَدُ لذلك التأليف الخطّيّ مُقابلٌ أو نظيرٌ في عالَم الأصوات ؟ فإن
وُجدَ كان للحروف مرجع ثابتٌ في الأصوات ، وإن لم يوجَدْ أُهمِلَ
ذلك التأليفُ الخطّيّ. والخلاصَةُ أن الحروفَ المكتوبةَ تبحثُ عن دلالاتها
في مرجعيتها الثابتَة التي هي الأصوات وتبحثُ الأصواتُ عن دلالاتها
في مرجعيتها الثابتَة التي هي مَفاهيم الذّهن وصورُه العقليّةُ. وتستقرُّ
مرجعيّةُ المَفاهيم الذّهنيّة، في آخِرِ المَطافِ، في عالَم الواقع والممكن،
أو العالَم العينيّ المُدرَك حساً أو عقلاً أو تذكُّراً ...
وجماعُ القول أنّ كلّ وجود يبحثُ عن مرجعيته في الوجود الذي فوقَه
ولا يتخطّاه: فالحرف المَكتوبُ يُترجمُ دلالَة الأصوات، والصوتُ اللغويُّ
يترجمُ دلالَة المفهوم، والمفهومُ يترجمُ دلالَة الواقع