ما يذكر من تقلب أحوال الإنسان
من كتاب الكنز اللغوي في اللَسَن العربي لابن السكيت
قال أبو سعيد: يقال للمولود حينئذ وليد، ثم طفل قال: ولا أدري ما وقته ويقال طِفْلٌ وطَفْلٌ، فأما الطفل فهو الصغير وأما الطفل فهو الرخص الناعم، ثم شدخ إذا كان صغيرا رطبا، فإذا سمن شيئا قيل قد تحلم وقد اغتال، فإذا فطم فهو فطيم، فإذا انتفج وارتفع فهو جفر، فإذا ارتفع عن ذلك فهو جحوش، قال المعترض الهذلي:
قتلنا مخلدا وابني حراق ... وآخر جحوشا فوق الفطيم
فإذا خدم وقوي فهو حزور، قال النابغة:
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد
فإذا ارتفع ولم يبلغ الحلم فهو يفعة ويافع يقال غلام يافع وغلام يفعة وغلمان يفعة الواحد والجميع فيه سواء، وقد يقال غلمان أيفاع وقد أيفع الغلام يوفع إيفاعا، قال الشاعر [وهو متمم بن نويرة اليربوعي]
كهول ومرد من بني عم مالك ... وأيفاع صدق لو تمليتهم رضى
تمليتهم أي تمتعت بهم، ويقال من هذا لبست جديدا وتمليت حبيبا أي تمتعت به، فإذا احتلم فهو حالم، فإذا خرج وجهه فهو طار ويقال قد طرشاربه، قال الشاعر [وهو أبو قيس بن رفاعة] :
منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب
ما أن طر شاربه بالفتح هكذا ينشده بالفتح، ويقال للبعير إذا ألقى وبره ونبت له وبر آخر جديد قد طر يطر طرورا، ويقال للحمار إذا ألقى شعره ونبت له شعر آخر جديد مثل ذلك، فإذا التف وجهه ولم يكن في الشعر مزيد فهو مجتمع، قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون
يريد بقوله نجذني دربني وحنكني، دربني أي صيرني دربا حادا، وهو شاب من الحلم إلى أن يكتهل، فإذا تم فهو كهل، فإذا قعد بعد بلوغ وقت النكاح أعواما لا ينكح فهو عانس يقال رجل عانس وامرأة عانس، قال أبو ذؤيب:
فإني على ما كنت تعهد بيننا ... وليدين حتى أنت أشمط عانس
ويقال قد عنست تعنس عنوسا وعنست تعنيسا وهي امرأة معنسة وعانس، فإذا تمت شدته فهو صمل، وإذا رأى البياض فهو أشيب وأشمط، فإذا ظهر به الشيب واستبانت فيه السن فهو شيخ، فإذا جاوز ذلك فهو مسن، فإذا ارتفع عن ذلك فهو قحم وقحر، قال رؤبة:
رأين قحما شاب واقلحما ... طال عليه الدهر فاسلهما
والمسلهم الضامر، وقال رؤبة أيضا:
تهوي رؤوس القاحرات القحر ... إذا هوت بين اللها والحنجر
ويقال جمل قحر وقحارية مثل قراسية والقراسية الضخم من الإبل الكبير، فإذا أخلق فهو إنقحل ويقال رجل إنقحل وامرأة إنقحلة، قال الراجز:
لما رأتني خلقا إنقحلا
ورجل نهشل وامرأة نهشلة وقد نهشلت المرأة وخنشلت إذا أسنت وفيها بقية لم يذهب جل شبابها، فإذا قصر خطوه وضعف قيل دلف يدلف وهو دالف، وقال أوس بن حجر:
كهمك لا حد الشباب يضلني ... ولا هرم ممن توجه دالف
توجه أي ممن تهيأ للهلاك، فإذا انحنى وضمر فهو عشبة وعشمة لغتان، فإذا بلغ أقصى ذلك فهو هرم، فإذا أكثر الكلام واختلف قوله فهو المهترم جميعا، وإذا ذهب عقله فهو الخرف وقد خرف يخرف خرفا، والهم الكبير من الناس والدواب يقال رجل هم وامرأة همة، قال الشاعر [وهو أعشى باهلة]
وناب همة لا خير فيها ... مشرمة الأشاعر بالمداري
المشرم المخرم يقال شرم أنفه أي خرمه، فيقول هذه امرأة ولدت فتفتقت فشدت لتجف رحمها، والأشاعر منابت الشعر من الفرج، والعل الكبير من كل شيء المسن الصغير الجرم، والجرم خلقته، قال المتنخل:
ليس بعل كبير لا شباب به ... لكن أثيلة صافي الوجه مقتبل
والمقتبل المستأنف للشباب مبتدأه، وقال بعض شعراء عبد القيس:
ظلت ثلاثا لا تراع من الشذى ... ولو ظل في أوصالها العل يرتقي
والعل هاهنا القراد الصغير الجائع وهو أعض ما يكون وأخبثه، وكل مسن صغير الجرم فهو عل، والشذى مقصور الأذى.