لقد فتحت المحافل الدولية والملتقيات والمؤتمرات وخاصة تلك التي تنظمها الرابطة الدولية للأدب المقارن آفاقا واعدة لمستقبل الأدب المقارن. ومن الأمور التي تبشر بخير أن هيمنة الغرب على هذه الرابطة ولي وإلى غير رجعة. وهذا راجع إلى دخول عوالم التخوم والعالم الثالث بقوة هذا المحفل الدولي بهدف التاثير على مجريات الأمور وتغيير موازين القوة الأدبية في العالم. وقد تحققت هذه التحولات تدريجيا، وتجلى ذلك في انعقاد أول مؤتمر دولي في بلد إفريقي، في بريتوريا (جنوب إفريقيا) سنة 2000. ويمثل هذا الحدث الهام نوعا من السمو بالآداب الإفريقية إلى المراتب العليا التي يجب أن تتبوأها عن جدارة واستحقاق، باعتبارها مهد الإنسانية الأولى ومنبع الحضارات. وهذا اعتراف أيضا بحضارات المشافهة التي خلدت إنسانية البراءة والفطرة والفن والصوت والطبيعة والعراقة والديمومة. ولم تمض بعد ذلك إلا ثلاث سنوات كي يعقد مؤتمر الرابطة، هذه المرة، في مدينة تكتسي دلالة رمزية وأسطورية عالمية. إنها مدينة هونغ كونغ، هذه المدينة الصينية التي تحتل مكانة خاصة في المتخيل الإنساني. إنها الشرق بعجائبه وغرائبه وخوارقه ووهجه السحري الخالد، ومن خلالها يتجلى هذا الشرق بكل حمولته الحضارية والثقافية وبكل استيهاماته ورموزه وتمثيلاته. ولم تمض على ذلك إلا بضع سنوات لكي يتجدد اللقاء هذه المرة في سيول عاصمة كوريا الجنوبية ، وكان ذلك سنة 2010.
وقد ساعد هذا الانفتاح على إفريقيا وعلى الشرق الأقصى في تحقيق المراجعة وروح التعاون والتواصل لدى مختلف المقارنين في العالم، خاصة وأننا نعيش في يومنا هذا ما يعرف بالقرية الكونية. وبديهي أن هذا التوجه الجديد سيغير حتما المتخيل الأدبي العالمي وسيرسم جغرافية جديدة للأدب العالمي، وما يتبع ذلك من نظريات ورؤى وتمثيلات وتصورات. وقد تحققت نبوة إيتيامبل وحلمه الكبير في إعادة الاعتبار للشرق باعتباره هو الأصل والمنبع والمنطلق. وهو من الذين دعوا إلى تأسيس علم جديد يتمثل في الاستغراب (وهو ما دعا إليه أيضا حسن حنفي) ، أي تبيان اشعاعية الشرق على الغرب ثقافيا وفكريا وحضاريا، عبر الأزمنة والعصور المتعاقبة.
لم يبق الأدب المقارن في العالم العربي بمعزل عن هذه التغيرات والتحولات والمستجدات العالمية التي فرضتها عولمة زاحفة. وقد وجدت أصداءها في عديد من الكتابات التي اتسمت بالجرأة والاستشراف.
تعالت الأصوات منذ مدة لدى بعض المقارنين العرب بضرورة إخضاع الدراسات المقارنة لاستراتيجية جديدة تقوم على المواجهة المقارنية المتعددة الجوانب والاتجاهات، مقارنية تتصف بالشمولية والعالمية في إطار أصالة الأدب العربية وعراقته من جهة، وفي إطار الموروث الأدبي الإنساني العالمي، من جهة أخرى. وهذا يعني أن الجزئيات لا ترى إلا في إطار الكليات، أي جدلية الثابت والمتحول. وقديما قال ابن خلدون:” الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان. والإنسان ليس هو الإنسان في كل زمان ومكان”،. وقد شاع في أيامنا هذه مصطلح بدأ يستهوي كثيرا من العقول وهو مصطلح الادب- العالم الذي أخذ ينافس مصطلحا آخر وهو مصطلح “الأدب العالمي”.على غرار: الاقتصاد –العالم والثقافة-العالم.
آفاق
مر الأدب المقارن، كما رأينا، بمراحل عدة في العالم العربي، وقد رصدنا بعضا من هذه الحفريات المختلفة التي مر بها حتى بلغ سن الرشد واستوى على سوقه. بعد مرحلة الانبهار والإعجاب بالآداب الغربية، طيلة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، جاءت مرحلة التأسيس في الأربعينيات والخمسينيات ، ولم يلبث الأدب المقارن أن بدأ يتحسس طريقه بشيء من الثقة والوعي والاستشراف ، وقد ارتأى أنه من الأفيد والأصلح تغيير المواقع والمنطلقات، وذلك بالتركيز، بالدرجة الأولى، على إشعاعية العرب على الغرب في شتى المجالات لتبيان مواطن التأثير والبرهنة عليها. ويجد إنسان الأدب المقارن أحيانا صعوبة كبيرة في البرهنة على حقيقة التأثير لغياب الأدلة القاطعة، رغم وجود التماثل والتشابه والتطابق والالتقاء. وقد بين علماء الأنتروبولوجيا الثقافية أن التشابه في بعض الصفات (باترن) يكون مرده أحيانا إلى ما يسمى بالثوابت الإنسانية اللصيقة بالإنسان في كل زمان ومكان والتي ترتبط بالأبنية الأنتروبولوجية العميقة للإنسان.
اتجه الدرس المقارن العربي، بداية من الثلث الأخير من القرن العشرين، إلى الاهتمام بديوننا لدى الغرب، وتجلى ذلك في مسح مقارني ومعرفي يبين فيه باع المقارنين العرب ومدى تأثر الغرب بكتابات ابن المقفع وقصص الحيوان وألف ليلة وليلة والقصص الشرقي بصفة عامة. كما بين الدرس المقارن كيفية تاثر الغربيين بالعرب عن طريق الأندلس ومالطا والمشرق العربي والحروب الصليبية، في مجال المكونات الأدبية والثقافية والحضارية الإسلامية. ومن الطبيعي أنه يستحيل على المقارنين الإحاطة بكل مجلات التأثير والتأثر في هذا المجال، كما أن غياب التصور النسقي يلغي عناصر الديناميكية والتفاعل والعضوية والشمولية في مثل هذه الدراسات التي تقتضي تعاضد وتعاون كثير من التخصصات.
كما يلاحظ الباحث في المدة الاخيرة محاولة بعض الباحثين مد الجسور مع الآداب الفارسية لدراسة التفاعلات الحية والتواصل الدائم بين المكونات الأدبية والموضوعات المختلفة، وخاصة ما يتصل بالتصوف وقصص المعراج والحيوان والمقامات والقصص الشعبي، وتعد حكاية ألف ليلة وليلة فضاء ثريا وخصبا لالتقاء المكونات الفارسية بالمكونات العربية في مجال الشخصيات والسرد والقص والمتخيل. ومن الذين اضطلعوا بهذه الدراسات نجد كلا من محمد عبد السلام كفافي (في الأدب المقارن) وطاهر ندا (الأدب المقارن) ، وبديع محمد جمعة (الأدب المقارن) الذين فتحوا آفاقا واعدة لارتياد عوالم الآداب الفارسية (والتركية أحيانا).
وقد شجع هذا التوجه بعض المقارنين العرب على الذهاب بعيدا في ارتياد عوالم الشرق، وخاصة الشرق الأقصى المتمثل في الصين واليابان، من خلال بعض الدراسات المنجزة والمنشورة في المجلات العلمية المحكمة. ويبدوأن الأدب المقارن في العالم العربي بدأ يتطلع الى كسر ثنائية العرب/الغرب للانفتاح على آفاق جديدة لمقارنية تأخذ بعين الاعتبار وسطية العالم العربي وموقعه الجيو- حضاري، حيث يمثل فضاء عبور التقت فيه وما زالت تلقى مختلف الثقافات والحضارات العالمية. إنه فضاء يجمع ثلاث قارات وحضارات عديدة ، ويجمع بين الشرق والغرب، وكذلك بين الشمال والجنوب. هذا العمق الحضاري يحتم على العرب الالتفات إلى القارة السمراء، الى أمريكا الجنوبية وإلى الشرق، ووجد بعض المقارنين العرب أنفسهم يلجون حقولا خصبة للمقارنة باحتضانهم للآداب الشفوية والمكتوبة وللآداب الفرنكفونية والإنجلوفونية والإسبانوفونية التي تتعايش على أرض إفريقيا وعلى أرض أمريكا اللاتينية. ولم يجد هؤلاء حرجا في مقارنة الأدب العربي قديمه وحديثه، بهذه الأداب الفتية التي فرضت عليها بعض اللغات الاجنبية نتيجة الحملات الاستعمارية وعنف التاريخ. يقول الحكيم الإفريقي هامباتا با:” عندما يموت عندنا شيخ عجوز، فإن المكتبة الوطنية كلها تحترق”. إنه خطر داهم يهدد هذه الحضارات العريقة بلغاتها وثقافاتها وإنسانياتها. وقد بينت الإحصائيات أن أربعين لغة تنقرض في كل سنة لصالح اللغة الإنجليزية التي تكتسح العالم تماشيا مع منطق العولمة التي تسعى لتنميط العالم والقضاء على التعددية والاختلاف بهدف فرض النموذج الثقافي الأمريكي.
والسؤال المطروح، هو هل المقارنية العربية قادرة على بث الروح في هذه الآداب لربطها بمنابعها الحية وتبيان عالميتها وقدرتها على العطاء والبقاء وعلى الإشعاعية الدائمة. إن المقارنية العربية مطالبة ببلورة مشروع نهضوي واستشراف الآفاق المستقبلية بكل ثقة انطلاقا من رصيدها الحضاري وقدرتها على المقاومة والتحصن: “وضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”. صدق الله العظيم.
__________
قائــمة المراجـــع
– زيغريد هونكة، شمس العرب تسطع على الغرب.، دار الجيل ، بيروت، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1993.
– سعيد علوش، مدارس الأدب المقارن، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1987.
-عبد النبي اصطيف،” المدرسة السلافية والأدب المقارن” مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق العدد 443، أيار 2007.
– روحي الخالدي، تاريخ علم الأدب عند الأفرنج والعرب وفكتور هوكو ، مطبعة السعادة ، القاهرة، 1912.
– د. حيدر محمود غيلان ، الأدب المقارن ومتطلبات العصر، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2006.
– أ.د. عبد الحميد إبراهيم، الأدب المقارن من منظور الأدب العربي، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الدمام، 1997.
-محمد غنيمي هلال : الأدب المقارن ، دار نهضة مصر للطبع والنشر والنشر، القاهرة ، 1973.
– سعيد علوش، مدارس الأدب المقارن – دراسة منهجية ، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1987.
-نذير العظمة ، فضاءات الأدب المقارن ، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق،1962 .
-محمد عبد الرحمن شعيب ، الأدب المقارن، مسائله ومباحثه ، مطبعة دار التأليف ، القاهرة، 1969.
– عبد الحميد إبراهيم ، الأدب المقارن من منظور الأدب العربي، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الدمام، 1416،1997.
-ب.برونال ، كلود بيشوا ، أ.م.روسو،ما الأدب المقارن ؟ ترجمة الأستاذ حسن بوساحة ، مخبر اللغات والترجمة ، جامعة قسنطينة ، 2005.
– ابراهيم سلامة، الادب المقارن ومتطلبات العصر، مركز عبادي للدراسات والنشر ، صنعاء، 2006.
– أحمد درويش ، نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2002.
-دانيال- هنري باجو، الأدب العام والمقارن، ترجمة غسان السيد، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1997.
-هاري ليفن، انكسارات ، مقالات في الأدب المقارن، ترجمة عبد الكريم محفوظ، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق ، 1980.
– تيري هتش، الشرق الخيالي ورؤية الآخر، صورة الشرق في المخيال الغربي، الرؤية السياسية الغربية للشرق الأوسط، ترجمة مي عبد الكريم محمود، دار الهدى للثقافة والنشر، دمشق، 2006، ط1.
-G.E.Von Grunebaum, L’Identité culturelle de l’ Islam, Paris, N.R.F, Gallimard, 1973.
– Gustave Le Bon, La Civilisation des Arabes, Paris, Editions de la Fontaine au Ray, 1884.
– René Etiemble, Comparaison n’est pas raison, Paris, Gallimard, 1963.
-J.E.Bencheikh, De l’imitation à la création : des littératures de langue arabe et l’Occident. Actes du 9ème congrès.
.