[IMG]
[/IMG]
التقديم الرائع الفريد للعلامة د. سعد مصلوح لكتاب العالم الكبير أ.د. خالد فهمي عن مقاصد علم اللغة في الحضارة العربية الإسلامية:
((هَـاؤُم اقـرأوا هذا الكتـاب!
-----------
الحمد لله وليِّ الحمدِ ومستحقِّه، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّهِ ومصطفاهُ مِن خَلْقِه، وعلى جميع من رضيَهُمُ اللهُ أهلاً لطاعتهِ مِن الآلِ والأصحابِ والتابعين لهُم بِإحسان. ثم أما بعدُ؛
فالذي بين يديكَ – أيها القارئ المتطلع للفائدة – هو كتابٌ حَقيقٌ بالحِفايةِ كُلِّ الحِفاية؛ فما هو بنتيج الرَّيثِ والعَجَلةِ، ولا هو من أضغاثِ الأحاديث التي يُلفِّقُ بينها كاتبها على أي نحوٍ اتفق. إنه كتابٌ لا يَخُطُّهُ بيمينهِ إلا عقلٌ جَميعٌ، وذِهنٌ واقِدٌ، وقلمٌ عَرفَ لَذَّةَ الإخلاصِ في الطلب، فقام في حقِّ العِلمِ بما وَجَبَ. أقولُ ذلك، وأعلمَ أن القُرَّاءِ لا أُحاشي منهم أحداً يعلمون ما لِصاحِبهِ عندي من مكانةٍ ومكانٍ، ولعلَّ منهم مَن يَحملُ القول على المجاملةِ والإحسانِ.
بيد أنهُ ما مِن صارفٍ يصرفُ مُحبَّا لتُراثِ هذه الأمَّة وحَادِباً عليهِ عن أن يُقِرَّ للمُتْقِنِ بفضيلةِ الإتقان إذا ما ثَبتَ له ذلك بيقين. ولقد جَمعتُ نَفسي لِقراءةِ الكتاب، فوجدتُهُ قد جَعَلَ من ثمراتِ عقول المتقدمين من أهلِ العلمِ بالعربية على مدار القرون موضوعاً للتأمل والنظر، وتَغيَّا الكَشْفَ عن قُصودِهِمْ من التأليف والتصنيف ظاهِرِها والخبيءِ، مستلهماً مقالات علماء الفقه والأصول، بإشارةٍ ذكيةٍ زاكيةٍ من صديقنا الفقيهِ الأصوليّ الراشدِ وصفي بن عاشور حفظهُ اللهُ، فاستفتحَ بذلكُم نَحْواً مِن التصنيفِ لا يَستوطِئُ مركَبَهُ إلا من كانَ مملوكَ الهمَّةِ، صادقَ العزمَة، صابراً نَفسَهُ على صراطٍ حَديدٍ وَعْرٍ، تشتبه فيه المسالك، وتتشاجنُ فيهِ بُنيَّاتِ الطريق. أَفيكونُ عَجَباً إذن أن تُستطابَ منهُ النيَّةُ، وأن يُستصابَ الفِعلُ، ويُحمَدَ لهُ السُّرى؟
وهل يرضى أحدٌ مِن أُولي الألبابِ لِنَفْسهِ أن يَظلِمَ ليُشتهرَ بالعدل؟ لا؛ ولا نُعمى! إنها لَشهادةٌ، وما ينبغي أن يكونَ لِما يَشجُ بيني وبين صاحبِ الكتابِ من وثيقِ الوُدِّ أن يُخردِلَ هذه الشهادةَ ويُفسدها. وإذا كان على عينِ الرِّضا ألاَّ تَنْظُرَ عن كلالةِ الأعشى، فلا ينبغي لِعينِ السُخطِ أن تنظرَ إلى ما تُنكرهُ بعينِ زرقاءِ اليمامة؛ فإنَّ السواءَ محمودٌ في كلِ مقام.
وأقولُ: إنَّه إذا ثَبتَ للعملِ عقيدةُ الإخلاص، وحقِّيةُ الجِدِّ في الطلب، فإنَّ أي خلافٍ أو مُثاقفةٍ بعدها تكونُ حينئذٍ خيراً محضاً، بل إنها مطلوبُ الباحثينَ لابتعاثِ رواقدِ الذهن، واستظهار الحقِّ، ولا علينا بعد ذلك إن دهمنا شاغبٌ يَلِخُّ في كلامه، أو يَلِجُّ في المصاخَبةِ والإعنات.
لقد جاء هذا الكتاب في مقاصد العلوم اللغوية، مفتتحاً فنّاً من التصنيف يستوجب عليه صاحبهُ ثناءً آنفاً إلى ثناءٍ سالف؛ فما تسامعنا من قبلهِ بمصَنَّفٍ نَخْرَبَ هذه التلال المتراكمة من المصادر والنصوص، فاحصاً عن أمر قُصودِها بأدواتٍ استدلاليةٍ رهيفةٍ، قادرةٍ على التحسسُ والاستشعارِ على بُعدٍ. ذلكُم في الحقيقةِ مرجوعُ الأمر ومدارهُ. أما الكمالُ فإن مِن عظمتهِ أن يكون إدراكُهُ في استمرار العملِ على بُلُوغهِ؛ إذ ليس للكمالِ في طلب العلمِ غايةٌ تُحَدُّ. ولعلَ من أكذَبِ ما قالتهُ العرب في مثل هذا السياق بيتَ عدي ابن الرِّقَاع غفرَ اللهُ له:
وعَلـمتُ حتى ما أسائِـلُ واحداً عَنْ عِلمِ واحـدَةٍ لِكي أَزْدَادَهـا
نعم! ولقد سألني الابن العزيز والصديق الكريم أبو مجدِ الدين خالد بن فهمي أن أُقدمَ لكتابه هذا، فحَمِدتُ لهُ بعد القراءةِ ما سأل؛ إذ حملني سؤالهُ على مصاحبة هذا السِّفر الرصين والاستمتاع به. إذ ربما سلكتُ معه – إن لم يفعل – سبيلَ الإرجاءِ لازدحامِ الشواغلِ بما لا طاقةَ للوقتِ المحدودِ باستيعابِهِ. فَلَهُ الشكرُ حينَ سألني، وليَ الجائزةُ والمثوبةُ حين أسأَلْتُه، ورأيتُني سعيداً إذ أُرامِقُهُ وهو يخطو خطواتهِ الواثقةَ على طريقِ الأستاذيةِ الرشيدةِ، الشاهدةِ له بين أبناءِ جيلهِ بالعلمِ والفضلِ. وأسألُ اللهَ لهُ التوفيقِ في قابل عملِهِ، وأن يَقْدُرَ لهُ الخيرَ حيثُ كان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله على ما وفق وأعان.
وكتبه: سعد بن عبد العزيز مصلوح
الكويت في يوم الجمعة
السابع والعشرين من المحرم عام 1436 للهجرة
الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2014 للميلاد)).