أصبحنا نسمعُ دفاعًا عن العامّيّاتِ و الدّوارِجِ و اللّهجاتِ المحلّيّةِ ، بدعوى أنّها اللّغةُ المحكيّةُ
و لغةُ الخطابِ اليوميِّ و لغةُ الواقعِ ، و أنّ العربيّةَ لغةٌ كلاسيكيّةٌ لم تعدْ تَفي بمطالبِ الواقعِ
المتطوِّرِ .
لا شكّ أن العامّيّةَ أساءت إذ عبثت بالقُيودِ اللّغويّة ، فبات من المستحيلِ وضعُ قواعدَ محكَمَةٍ
لصرفِها ونحوِها ولكتابتِها؛ فهي في الكثيرِ من تعابيرِها تكادُ تكونُ لغةَ اختزالٍ، والعامّيّة العربيّةُ
"لُغاتٌ" عدّةٌ لا "لغة" واحدة. هذا وقد وُجدَ من الكُتّابِ من دافعَ عن العامّيّةِ و الْتَمَسَ لها الأعذارَ
وحمّلَ الفُصْحى تبِعاتِ العامّيّاتِ وأوزارَها، ومنهُم ميخائيل نعيمة: «غيرَ أنّ تفلُّت العامّيّةِ من
القيودِ لا يجبُ أن يُعمِيَنا عمّا في قُيودِ الفصحى من الإرهاقِ، فهناك قواعدُ كثيرةٌ قد يكون أنّها
كانت ضروريّةً فيما مضى، أمّا اليومَ فقد أصبحت أَحاجِيَ في استطاعتِنا نبذُها من غيرِ أن نخسرَ
اللّغةَ أو نخسرَ شيئًا بل على العكسِ، فللُّغة ولنا في نبذِها أو تعديلِها خيرٌ عميمٌ، واذكرْ على
سبيلِ المثالِ أحرفَ النّصبِ والجزمِ، والنِّداءِ والتّمنّي، والإعلالِ والإدغامِ، وكان وأخواتها، وإنّ وأخواتها،
والهمزةَ وعينَ المضارِع، والأعدادَ المركَّبةَ، والممنوعَ من الصّرفِ... ولا أزيدُ، فالمجال يتّسعُ للتّمادي
في البحثِ و التّحليلِ» (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بين العامّيّة والفُصحى، الأعمال الكامِلة لميخائيل نعيمه، دار العلم للملايين، بيروت، ط.1 /
مارس 1973، ج:7 / ص: 356-359.