منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مقالات أعضاء المجمع (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=34)
-   -   بين الفصيحة والعامّيّة (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=1649)

أ.د عبد الرحمن بو درع 04-04-2013 04:34 PM

بين الفصيحة والعامّيّة
 
أصبحنا نسمعُ دفاعًا عن العامّيّاتِ و الدّوارِجِ و اللّهجاتِ المحلّيّةِ ، بدعوى أنّها اللّغةُ المحكيّةُ
و لغةُ الخطابِ اليوميِّ و لغةُ الواقعِ ، و أنّ العربيّةَ لغةٌ كلاسيكيّةٌ لم تعدْ تَفي بمطالبِ الواقعِ
المتطوِّرِ .

لا شكّ أن العامّيّةَ أساءت إذ عبثت بالقُيودِ اللّغويّة ، فبات من المستحيلِ وضعُ قواعدَ محكَمَةٍ
لصرفِها ونحوِها ولكتابتِها؛ فهي في الكثيرِ من تعابيرِها تكادُ تكونُ لغةَ اختزالٍ، والعامّيّة العربيّةُ
"لُغاتٌ" عدّةٌ لا "لغة" واحدة. هذا وقد وُجدَ من الكُتّابِ من دافعَ عن العامّيّةِ و الْتَمَسَ لها الأعذارَ
وحمّلَ الفُصْحى تبِعاتِ العامّيّاتِ وأوزارَها، ومنهُم ميخائيل نعيمة: «غيرَ أنّ تفلُّت العامّيّةِ من
القيودِ لا يجبُ أن يُعمِيَنا عمّا في قُيودِ الفصحى من الإرهاقِ، فهناك قواعدُ كثيرةٌ قد يكون أنّها
كانت ضروريّةً فيما مضى، أمّا اليومَ فقد أصبحت أَحاجِيَ في استطاعتِنا نبذُها من غيرِ أن نخسرَ
اللّغةَ أو نخسرَ شيئًا بل على العكسِ، فللُّغة ولنا في نبذِها أو تعديلِها خيرٌ عميمٌ، واذكرْ على
سبيلِ المثالِ أحرفَ النّصبِ والجزمِ، والنِّداءِ والتّمنّي، والإعلالِ والإدغامِ، وكان وأخواتها، وإنّ وأخواتها،
والهمزةَ وعينَ المضارِع، والأعدادَ المركَّبةَ، والممنوعَ من الصّرفِ... ولا أزيدُ، فالمجال يتّسعُ للتّمادي
في البحثِ و التّحليلِ» (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بين العامّيّة والفُصحى، الأعمال الكامِلة لميخائيل نعيمه، دار العلم للملايين، بيروت، ط.1 /
مارس 1973، ج:7 / ص: 356-359.

أ.د عبد الرحمن بو درع 04-04-2013 04:36 PM

ومثله قالَ شاعرٌ مهجريّ آخَرَ لا يَعْنيه شأن العربيّةِ لأنّه لا يَعْنيه دينُها وعَقيدَتُها، هو جَبْران خليل
جَبْران: قال في «لي لُغتي ولكم لُغتُكم» :
«لكم من اللّغةِ العربيّة ما شئتُم، ولي منها ما يُوافقُ أفكاري وعَواطفي. لكم منها الألفاظُ وترتيبُها،
ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه، ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثٌ محنَّطةٌ باردةٌ،
تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها.
لكم منها محجّةٌ مُقرَّرةٌ مقصودةٌ، ولي منها واسطةٌ متقبّلةٌ لا أستكفي بها إلاّ إذا أوصلَتْ ما يختبئُ
في قلبي إلى القُلوبِ، وما يَجولُ بضميري إلى الضّمائر...
لكُم لُغتُكم عَجوزاً مُقعدَةً ولي لغتي صبيّةً غارقةً في بحرِ أحلامِ شبابِها، وماذا عسى أن تصيرَ إليه
لُغتُكم عندَما يُرفعُ السّتارُ عن عَجوزكُم وصبيّتي؟» (2)
قالَ الأستاذ فَضل حسَن عبّاس معلّقاً على جبران: « لقد وهم جبرانُ، فها هي العربيّةُ لغة الرّقّة،
ولكنّها مع ذلِك لغة الدّقّة، وستظلُّ خَضِرَةً نَضرةً، جَديرةً بأن تحتلَّ مكانَتها اللاّئقةَ بها في هذا العالَم،
إن ارتَفَع بِها قومُها» (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المُعاصر، محمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة، ط.5، /
1402-1982

(3) البَلاغةُ المُفتَرى عليها بين الأصالَة والتّبعيّة، فَضل حَسن عبّاس، دار النّفائس، الأردن، ط.1،
1432-2011، ص: 150.

عبد الرحمن 04-05-2013 02:31 PM

أشكركم سعادة أ.د عبد الرحمن بو درع على هذه الفوائد العظيمة النافعة إن شاء الله

أ.د عبد الرحمن بو درع 04-05-2013 04:26 PM

شكر الله لنا ولكم ولكل مَن قدّمَ نفعاً ، وجَزاكم الله خيراً على التعليق
والتّشجيع، وجزى الله إدارَةَ المَجْمَع بكلّ خير على ما أتاحتْه من فُرص
للمُذاكَرَة في مجلس العلم هذا ، بارَك الله فيه

أ.د عبد الرحمن بو درع 04-05-2013 04:41 PM

عندَما قالَ جبران: « لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه،
ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثٌ محنَّطةٌ باردةٌ،تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها
أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها ... »

لم ينتبه إلى أنّ ابنَ جنّيّ في الخَصائصِ قَد نَفى عن العرب والعربيّة تلك التُّهَمَ التي رَماهُم
بِها و فعلَ مثلَه مَن قبلَه ، ولكنّ سوء ظنّ جبْران حَمَلَه على الاتّهامِ الباطِلِ والإتْيانِ في مقالَتِه
بالكذبِ ، استَمِعْ إلى ابن جنّي وهو يردّ على أسلاف جبْران في القُرون الأولى، الذينَ اتَّهَموا
العربَ بالعناية بالألفاظ وإغفالها المعاني :

« بابٌ في الرّدِّ على مَن ادَّعى عَلى العَربِ عِنايتَها بالألفاظِ وإغفالَها المَعانِيَ :
اِعلمْ أنّ هذا البابَ مِن أشرفِ فُصول العَربيّة، وأكرمِها، وأعلاها، وأنزَهِها. وإذا تأمَّلتَه عرَفتَ منه وبه
ما يُؤنِقُكَ، ويَذهبُ في الاستحسانِ له كلِّ مَذهبٍ بكَ. وذلكَ أنّ العربَ كما تُعْنى بألفاظِها فتُصلحُها
وتُهذّبُها وتُراعيها، وتلاحظُ أحكامَها، بالشعْرِ تارةً، وبالخُطبِ أخرى، وبالأسْجاعِ التي تلتزمُها وتتَكلفُ
استمرارَها، فإنّ المعَانيَ أقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأفخمُ قدراً في نُفوسها.

فأوّلُ ذلكَ عنايتُها بألفاظها. فإنّها لَمّا كانت عُنوانَ مَعانيها، وطَريقاً إلى إظهارِ أغراضِها، ومَراميها، أصْلحوها
ورَتّبوها، وبالغوا في تَحبيرها وتَحسينها، ليكونَ ذلكَ أوقعَ لها في السّمعِ، وأذهبَ بها في الدلالة على
القصدِ، ألا تَرى أنّ المَثَلَ إذا كانَ مَسجوعاً لذَّ لسامعِه فحَفِظَه، فإذا هو حَفظَه كانَ جديراً باستعمالِه،
ولو لم يَكنْ مَسجوعاً لم تَأنسِ النّفسُ به، ولا أنقَتْ لمُسْتَمَعِه، وإذا كان كَذلكَ لم تَحفظْه، وإذا لم تحفظْه
لم تُطالبْ أنفُسَها باستعمالِ ما وُضِعَ له، وجيءَ به من أجلِه ... »

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ج: 1 ، باب في الرّدّ على مَن ادّعى
على العَرَب عنايتَها بالألفاظ وإغْفالَها المَعانيَ

*^* شريفة *^* 04-27-2013 03:49 AM

كل الشكر ، وجل التقدير لكم يا أستاذنا الدكتور عبد الرحمن

مقالاتكم النافعة ، ومشاركاتكم الماتعة ، وكتاباتكم الرائعة والمستمرة

في صفحات مجمعنا المبارك تستوجب ذكر عَطِرِها ... وشكر عِطرِها

بارك الله فيكم ونفع بكم ... وزادكم من عظيم أفضاله

خالص تحياتي

أ.د عبد الرحمن بو درع 04-27-2013 08:22 AM

جزاكم الله خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة، ونَفَعَ بكم الأمّةَ


الساعة الآن 03:23 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by