سلسلة حلقات
(حروف المعاني)
من كتاب
(صرف العناية في كشف الكفاية)
(للإمام العلّامة البيتوشي ت 1211هـ )
يكتبها لكم:
د. خالد بن قاسم الجريان
(عضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية)
الحلقة الرابعة:
البابُ الأوَّلُ
في الأُحادي:
وهو أَرْبعةَ عشرَ حرفًا يجمعُها قَولُك: سأَلتُمُوني بكَشْفِهَا، وها أَنا أُورِدُهَا على ترتيبهَا / في الهِجَاءِ.
الهَمْزَةُ:
44- بالهمزةِ استفهمْ ونَادِ المُقْتَربْ *** ومَا سِوَى هَاتَين مِنْها مَا حُسِب
نادِ المُقْتَرِب: أيْ: القَريب، و(ما) الأُولى: موصُولةٌ، وسِوى: ظَرفٌ أَبدًا عند سيبويه صِلةٌ، والثانية: نافيةٌ، ومَا حُسِبْ: أَيْ: مَا عُدَّ، ومِنْها: (مِنْ) فيه بيانية، و(الهاءُ) فيه راجعةٌ إلى الهَمْزةِ، وصلةُ (حَسِب) محذوفةٌ، والتقدير: ومَا سِوى هاتين الهمزتين من أقسامِ الهمزةِ مَا حُسِبَ من حروفِ المعاني.
اعلمْ: أنَّهم لمْ يَعُدُّوا من أقسامِ الهمزةِ في حروف المعاني إلا هَمْزَتي الاستفهامِ والنداءِ.
فأمَّا همزةُ الاستفهامِ : فهي حرفٌ مشتركٌ يدخلُ على الأسماءِ والأفعالِ، لطلب تصديقٍ نحو : أزيدٌ قائمٌ؟ و أَقامَ زيدٌ؟ أو تَصوُّرٍ نحو: أَزيٌد عندَكَ أم عمرو؟ وأقامَ زيدٌ أم عمرو؟ ومثلها (هَلْ) في الأول.
ولكون الهمزة أما لسائرِ أدواتِ الاستفهام، خُصَّتْ بأمورٍ:
منها: دُخولُها على (إنَّ) ، نحو: ( أَإِنَّكَ لأنتَ يوسفُ) ، بخلاف سائر أدوات الاستفهام.
ومنها: ورُودها لطَلَبي التصورِ والتصديقِ، و(هل) مختصَّةٌ بالتصديقِ –كما مَرَّ -، وبقيَّة الأدواتِ يطلبُ بها التصورُ فقط، نحو: مَنْ جاء؟ وما صنعتَ؟ وكم مالُك؟ وأين أنت؟ ومتى سفرُكَ؟
ومنها: دخولُها على الإثباتِ والنَّفي، ذكره بعضهم، قال ابنُ هشام: ( وهو منتقضٌ بـ (أَمْ) فإِنَّها تشاركُها في ذلك، تقولُ: أَقامَ زيدٌ أمْ لم يقمْ؟).
ومنها: جوازُ حذفِها، وسيجيء.
ومنها: تمام التصديرِ بتقدُّيمها على الفاء والواو وثم في نحو: (أفلا تعقلون).( أولم يسيرُوا) ، (أثمَّ إذا ما وقع).
ذكر ابنُ مالك في كتابه “شواهد التوضيح في مُشكلات الجامع الصحيح” –صحيح البخاري- أنَّ الأصلَ في ذلك ونحوه: تقديمُ العاطف على الهمزةِ كسائر أخواتها نحو (وكيف تكفرون) ، (فما لكم في المنفقين) ، ( فَأيُّ الفريقين) ، (فأنَّى تؤفكون) ، ( أمْ هل تستوى الظلمتُ والنُّورُ) ، ( فأين تذهبون) ، فكان الأصل أنْ يُقالَ أيضًا في
(أَفتطمعون) ، و (أوَ كُلَّما) ، و (أثُمَّ إذا ما وقعَ) فأتطمعون، و أوكُلَّما، وثم أَإِذا؛ لأَنَّ أداة الاستفهام جزءٌ من جملةٍ، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، ولا يتقدَّم على العاطف جزءُ معطوفه، ولكن خُصَّتْ الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنَّها أصل أدوات الاستفهام، لأنَّ الاستفهام / له الصدارة، وقد خُولفَ هذا الأصل في غير الهمزة، فأرادُوا التنبيه عليه، فكانتْ الهمزةُ بذلك أولى لأصالتها في الاستفهام.
قال ابن مالك: (وقد غفلَ الزمخشريُّ في معظم كلامه في “الكشاف” عن ذلك فادعى أنَّ بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفًا عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا من التكلف ومخالفةُ الأصولِ ما لا يخفى؛ لأَنَّ المدعي لحذف شيء يصحُّ المعنى بدونه لا تصحُّ دعواهُ حتى يكونَ موضعَ ادعاء الحذف صالحًا للثبوت، فيكون الثبوت مع ذلك أكثر مِنَ الحذفِ، وما نحن بصدده بخلاف ذلك، فلا سبيل إلى تسليم الدعوى.
وقد رجعَ الزمخشريُّ عن الحذف إلى ترجيح الهمزة على أخواتها بتكميل التصدير). انتهى.
ونُقِلَ عَنِ الأَخفشِ: أنَّ الواو في: (أوَكُلَّما) زائدةٌ، وعليه فيقالُ في نظيرِهَا من: الفاء، وثُمَّ، في نحو( أَفمن كان مؤمنًا) و( أثُمَّ إذا ما وقع).
وأمَّا همزة النِّداء فهي حرفٌ مختصٌ بالأسماءِ كسائرِ حروفِ النِّداءِ، ولا ينادي بها إلا القريبُ مسافةً وحكمًا.
45- ثم الصَّحِيْحُ أنَّ أحرفَ النِّدا *** خُصَتْ سِوى الهمزة بالَّلَّذْ بَعُدَا
اللَّذْ –بسكون الذال– لغةٌ في (الَّذي) .
اعلم: أَنَّهم أجمعُوا على أنَّ الهمزة لنداءِ القريبِ، إلا ما نَقَلَ ابنُ الخبازِ عن شيخه أنَّها للمتوسط، وأنَّ الذي للقريب: (يا) ، والصحيحُ أنَّ ما سِوَى الهمزة خُصَّ في أصلِ الوضعِ بالبعيدِ ونداءِ القريبِ ببعضها لغرض عارض.
وفي التوضيحِ والتَّصريحِ: ( أنَّ الهمزةَ المقصورةَ للقريبِ المسافةِ، وليس مثلها في ذلكَ الممدودةُ، خلافًا لصاحبِ “المُقَرَّب” ولا (أيْ) خلافًا لجماعة متأخرين، إلا أنْ يُنَزَّلَ القريبُ منزلةَ البعيد كالسَّاهي فَلَه بقيةُ الأحرف كما أنَّها- أيْ بقيةُ الأحرفِ- للبعيد الحقيقي.
وذهب المُبَرِّدُ إلى أنَّ: (أيا) و (هيا) للبعيد، والهمزةُ للقريبِ؛ و(يا) لهما، وابن برهان إلى أنَّ (أيا) و(هيا) للبعيد، و (أي) للمتوسط، و (يا) للجميع.
وأجمعوا على جواز نداء القريب بما للبعيد توكيدًا، وعلى منع العكس)، انتهى.
46-وشاعَ حذفُ هَمْزِ الاستفهام *** مَعَ فقدِ أَمْ في مُطْلَقِ الكَلامِ
في مطلق الكلام أيْ: نظمِهِ ونثرِهِ.
ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ حذفَ همزةِ الاستفهامِ عندَ أَمْنِ اللَّبْسِ / من ضروراتِ الشِّعرِ؛ وإِنْ كانتْ قبلَ (أَمْ) المتَّصلة، قال المُرَاديُّ في الجنى الداني : هو ظاهرُ كلامِ سيبويه، وذهبَ الأخفشُ إلى جوازِ حذفها اختيارًا، وإنْ لم يكنْ بعدَهَا (أَمْ)، وجَعَلَ منه: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَى).
ومنهُ – كما قال ابنُ مالكٍ في شواهِدِ التَّوضِيْحِ – قولُ أَبِي ذَرٍّ- رضي الله عنه: (وإنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى).
قالَ المراديُّ : المُختارُ: أَنَّ حذفَهَا إذا كانَ بعدها (أَمْ) المتصلة مُطَّرِدٌ لكثرَتِهِ نظمًا ونثرًا.
وذلكَ عنيتُ بقولي:
47- واخْتِيرَ فِي الحَذْفِ أَنْ يَطَّرِدَا *** مَهْمَا يَكُنْ أَمْ لاتِّصَالٍ وُجِدَا
أَيْ: إِذَا كانَ أَو إِنْ كَانَ (أَمْ) المتصلةُ مَوجُودَةً.
وفي مَجِيء (مَهْمَا ) ظرفًا أو شرطًا خلافٌ يجيءُ في مَحَلِّهِ.
فمنَ النَّظمِ قولُهُ:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإِنْ كُنْتُ دَارِيًا *** بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
ومِنَ النَّثرِ قراءةُ ابنِ مُحَيْصِنْ : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَنذرتَهُم) ؛ وأَبي جَعْفَرٍ : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ استغْفرت لَهُمْ) بهمزةِ الوصْلِ.
ولَمْ يذكُرْ سيبويه جَوازَهُ إلا في الشِّعْرِ.
48- وَقَدْ أَتَى الهَمْزَةُ عنْ حَرْفِ القَسَمْ *** أللهِ إِنِّي مُذْ هَجَرْتَ لَمْ أَنَمْ
قد تأتي الهمزةُ عوضًا عن حرفِ القسم؛ نحو: أللهِ لقد كان كذا.
وقولي: مُذْ هجرتَ، أيْ: بتاءِ الخِطَابِ ، ومُذْ: ظرفٌ لـ(أَنَمْ) – بفتح النُّون – وهو من تقدم معمول الفعلِ المنفيِّ على أداةِ النَّفي؛ و ذلك جائزٌ في غيرِ (ما) ، خُصُوصًا إذا كانَ المعمولُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا لتوسُّعِهِم فيهمَا، كقَولِهِ:
رَضِيعَي لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالَفا *** بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
49- والجَرُّ للهمزةِ أوْ لِمَا انْحَذَفْ *** في ذَلِكَ الخُلْفُ جَرَى بَيْنَ السَّلَفْ
50- فَمَذْهَبُ الأَخْفَشِ فيهِ الأَوَّلُ *** وَغَيرُهُ لِمَا يَلِيه عَوَّلُوا
51- وَاخْتَارَهُ ابنُ مالِكٍ وَنَجْلُ ***عُصْفُورٍ الأَوَّلُ فِيْ ذَا يَتْلُو
قولي: في ذلك: متعلِّقٌ بـ (جرى) الذي هو خَبَرُ (الخُلْفِ).
وقولُهُم بامتناعِ تقدُّم معمولِ الخبرِ الفعليِّ على المبتدأ؛ إذ جوازُ تقديمِ المعمولِ يؤذِنُ بجوازِ تقديمِ العاملِ محمُول على الظُّرُوفِ لاتِّسَاعِهِم فيهَا في كثيرٍ من الأبوابِ، أو أَنَّ ذلكَ في غيرِ الضَّرُورَةِ، قَالَ الكُمَيْتُ:
فيا رَبِّ هَلْ إلاَّ بِك النَّصْرُ يُرْتَجى *** …………….
على أنَّ الامتناعَ المذكُورَ مذهبٌ كوفيٌّ، والبصريُّونَ / وهشامٌ يجيزونَهُ في الظَّرفِ وغيره، وعليه حَمَلُوا:
بِمَا كانَ إِيَّاهُمْ عَطِيَّة عَوَّدَا *** ………………….
ذكرهُ ابنُ هشامٍ في فصلِ شروطِ الحَذْفِ من كِتَابِه المُغْنِي.
اعلمْ: أنَّهُم اختلفُوا في الجَارِّ لما يَلي الهمزة المُعَوَّضَةَ عن حرفِ القسم: هَلْ هي أَو حرفُ القَسَمِ المحذوفِ؟ ذهبَ إلى الأوَّل الأخفشُ، وتبعَهُ في ذلك ابنُ عصفورٍ، وإلى الثاني ابنُ مالكٍ.
والأخفشُ المذكورُ هو: سعيدُ بن مَسْعَدَة الأَخْفَش الأَوْسَط، تِلميذُ سيبويهِ، تُوفي سنة: خمسَ عشرةَ، أو إحدَى وعشرين ومائتين.
وأمَّا الأخفشُ الصغيرُ فهو: علي بنُ سليمان البغدادِي، تلميذُ ثعلب والمُبّرِّد.
والأَخفشُ الكبيرُ هو: أبو الخَطَّابِ شيخُ سيبويه.
ولهم ثمانيةُ أَخَافِشَةٍ.
وابن مالك هو: جمالُ الدِّين أبو عبداللهِ محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن مالك الطائي الأندلسي، ولد سنة : ستمائة، وتوفي سنة : اثنتين وسبعين – بِالبَاءِ الموحَّدَة – وستمائة بدمشق، ونَجْلُ – بِنُونٍ فَجِيْمٍ – أي: ابنُ عُصْفُورٍ؛ هو: أبو الحسن عليُّ بنُ مؤمن بن عُصْفُور الحضْرَمي الإشبِيلي.
لتحميل المقالة