خاتمة
[35] كان تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ بين أنصاره، مصطلحًا على منهج فني شعري مأمول، وبين خصومه مصطلحا على شعار ضالٍّ أجوف مغسول، دون أن يدلنا هؤلاء أو أولئك، على مكامن الضلال أو مظاهر الآمال.
ثم تيسرت لي طائفة مهمة من مواضع التنظير التي وقع فيها المصطلح صريح اللفظ، وتأمَّلْتُها مَليًّا؛ فَتَبَيَّنَتْ لي في مفهومه، هذه الأعمال الثلاثة معينةً مقصودةً:
1 التَّفْجيرُ النحوي.
2 التَّفْجيرُ الصوتي (العروضي).
3 التَّفْجيرُ الدلالي.
فرأيت فيها معالم إيمان بنظرية النحو الفلسفي أو الكلي الغربية، وثورة فنية أحدثها يأس الشاعر العربي المعاصر المُسْتَقْبَليِّ من أن يستفيد من نظام الشعر الغربي ما يعالج به مرض نظام الشعر العربي وصولا إلى رَدْمِ ما شَسَعَ بين النِّظامَيْنِ من هُوَّةٍ بَطينَةٍ.
ثم تيسر لي بحثٌ مُهِمٌّ في إحدى قصائد علي أحمد سعيد (أدونيس)، عرضتُ دواعيه ومنهجه ونتائجه التي أهمها إثبات تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ الْعَرَبيّ من جهتين:
الأولى أُفُقيَّةٌ (تَضْخيمُ المُكَوِّناتِ): وفيها ينبسط كلُّ مُكَوِّن في الجملة غير الفعل، في مجتمع من الكلم، ولا ينقبض في كلمة واحدة.
وَالأُخْرى عَموديَّةٌ (تَنْفيرُ المُكَوِّناتِ): وفيها تَتَرَكَّبُ المُكَوِّنات المُتَنافرة عُرْفًا.
وأخذت على صاحبه مأخذين:
أولهما: أنه لم يوازن بالقصيدة المُفَجَّرةِ قصيدةً أخْرى لصاحبها نفسه لم يُدْرِكْها منهجُ التَّفْجيرِ، اقترحت أن يسميها على المضادَّة العَرَبيَّة الأصيلة: المُحَجَّرَةَ؛ فَتَرَكَنا في أيدي الظُّنون نرى بعموم الخبرة لُزومَ اجتماع جهتي التَّفْجيرِ السابقتين عَفْوًا أو قَصْدًا جميعا معا -وإلا لم يَجْرِ الوصفُ- وأنه ربما كانت الأولى من سُبُلِ الأخرى، وأنه لا يمتنعُ أن تقع في الشعر غيرِ المُفَجَّرِ (المُحَجَّرِ) إحداهما وحدها.
والآخر: أنه لم يعرض لِلتَّفْجيرِ الصَّوْتي (العَروضي)، على رغم أنه أحد أعمال التَّفْجيرِ المُعَيَّنَةِ الواضحة المقصودة، وأن عليه المعول في تعويض التَّفْجيرَيْنِ النحوي والدلالي إذا ما خَفّا أو خَفَتا، بطموح حَمَلَتِهِ إلى:
1 مراعاة جذور الكلم المتتابعة متوازية ومتقابلة ومتقاطعة، متجردةً من زياداتها.
2 الانطلاق إلى فضاء مُتَراحِبٍ، بحركة حرَّةٍ حَثيثَةٍ، من دون قواعد محدَّدة.
المُفَجِّرَيْنِ لإيقاع الشعر العربي، وثَوْرَتِهِمْ على:
1 تكرار مركبات المقاطع المترتبة على نحو خاص، متعلقةً بصيغ الكلم.
2 الرَّسيف في إطار ضَيِّقٍ، بحركة أسيرةٍ وَئيدةٍ، على قواعد محدَّدة.
المُحَجِّرَيْنِ لإيقاع الشعر العربي.
[36] من ثم أقبلتُ أعالج سَبْرَ التَّفْجيرِ بالتَّحْجيرِ، بادئا بالتَّفْجيرِ الصوتي (العروضي) الذي استولى على بقية البحث، موازنا بين قصيدتين لأدونيس نفسه مهمتين: محجرة ومفجرة، متواردتين، منتقلا من وجوه الائتلاف إلى وجوه الاختلاف؛ فانتهيت إلى ما يلي:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الوَزْنُ
أنه قد تَوالَتْ في القصيدتين كلتيهما مركباتُ مقاطع الأصوات العربية الخاصة، على النحو الذي أُدْرِكُهُ وأرتاح له، المُتَعَلِّقِ بطبيعة مقاطع الكلم العربية نوعا وعددا وترتيبا، وأنني خرجتهما في علم العروض العربي.
الْوَجْهُ الثّاني: التَّقْسيمُ
أنه قد تَمَيَّزَت في القصيدتين كلتيهما أقسامٌ متفاوتة الأنصبة من الأبيات، آلف بينها في المحجرة تقاربُ أعداد أبياتها وانحصارها، وخالف بينها في المفجرة تباعدُ أعداد أبياتها وعدمُ انحصارها؛ فدارت المحجرة في إطار الحلقات العروضية التليدة، وطارت المفجرة في أفق الموجات العروضية الطريفة.
الْوَجْهُ الثّالِثُ: البَحْرُ
أنه قد انفرد بالمحجرة بحر واحد، وشاركته في المفجرة ثلاثة غيره بَدَتْ مأخوذة منه؛ فغلب عليها روحه، ولم ينقطع بعضها من بعض كما في محاولات أخرى لم تستمر .
الْوَجْهُ الرّابِعُ: التَّقْفِيَةُ
أنه قد تعددت في القصيدتين كلتيهما القوافي، ودارت قوافي المفجرة رويا في إطار قوافي المحجرة؛ فالأمر فيه لذخيرة الشاعر من مادة اللغة، لا لمنهجه من الفن. ولئن بَدَرَ أدونيس بالتقفية إلى أقسام محجرته تَمَلُّحًا وتَوَسُّعًا على ما قال ابن رشيق في مثل عمله ، لقد اصطنعها بمفجرته بثا لروح الثورة ودلالة على شعارات الثائرين، ولا سيما أنه خَصَّ بها أقسام مفجرته غير الخفيفية.
الْوَجْهُ الْخامِسُ: التَّدْويرُ
أنه بينما تقاربت نسبتا القصيدتين من التدوير البيتي الراجع إلى طبيعة صورة بيت الخفيف الوافي الصحيح العروض والضرب، انفردت المفجرة بالتدوير القصيدي الذي يأخذ من إيقاع الكلم لإيقاع القصيدة، ولا ريب لديَّ معه في أن أدونيس قد انقطع بعد فراغه من الأبيات لخياطة أطرافها، بحيث تبدو للمتلقي أبيات الخفيف المنتشرة في القصيدة من أولها إلى آخرها، أرضا واحدة متماسكة تَفَجَّرَتْ عن الأبيات غير الخفيفية.
الْوَجْهُ السّادِسُ: التَّفاعيلُ
أنه بينما جرت تفاعيل المحجرة كلها عددا وصفة على منهج واحد، خرجت ببعض تَفاعيل المفجرة إلى الاضطراب عددا وصفة، هذه الثلاثةُ الأعمال:
1 ما تحراه أدونيس بأبياتها الخفيفية من التدوير القصيدي.
2 ما تعلق به أحيانا من أنماط التراكيب فطابقه بالوزن.
3 ما أطلقه من تفاعيل أبيات المتدارك والرجز والرمل.
وعلى رغم كون المفجرة أسرع إيقاعا من المحجرة قليلا، كانت أبطأ مما يقتضيه إيقاع هذه الحياة المعاصرة اللاهث، وكأنَّ بها طموحا إلى نمط غائب.
الْوَجْهُ السّابِعُ: الرَّسْمُ
أنه بينما صب أدونيس أبيات المحجرة عمودا في أواسط صفحاتها، وَزَّعَ أبيات مفجرته على أرجاء صفحاتها، ورسم أبياتها الخفيفية موصولةً كثيرا وصلَ أسطر النثر، وَرَسَمَ غيرها مفصولةً دائما فصلَ أبيات الشعر، تمييزا لنبات الثورة من موات الأرض المهملة.
[37] لقد أراد أدونيس لمفجرته الخفيفية المشققة بالمتدارك والرجز والرمل على النحو السابق، أن تكون مثلا لأمته (ثقافته) ماضيةً على منهج الوعي والحركة والعمل بين الأمم (الثقافات) بأيدي نفر من أبنائها صالحين- ولمحجرته الخفيفية المنشورة في الطبعة نفسها، أن تظل مثلا لهذه الأمة (الثقافة) العربية الإسلامية جاثمةً على منهج الغفلة عما تُدَبِّرُهُ لها الأمم (الثقافات) ؛ فآلف بينهما وخالف على النحو السابق.
وليس يمتنع أن يتحجر المتفجر أي أن يُتعوّد فيسقط عنه التأثير ؛ فيتفجر المتحجر أي يُراجع وتُقطع به العادة فيتعلق به التأثير- ما صَحَّ تشبيه الشاعر عمله باللغة، بعمل الفلاح بالأرض ؛ فإن العمـل الذي يقلبـها ظهراً لبطن مرة، يقلبـها بطناً لظهر مرة أخرى، " وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ" ، صَدَقَ اللهُ الْعَظيمُ!