سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

102- الأستاذ الدكتور محمود الربيعي نائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورأيه في تعلم العربية بالقراءة:
لماذا لا نعتمد القراءة الحرة وسيلة للتعليم؟ أنا أعلم بعض الأسباب، ويعز عليَّ معرفة بعضها الآخر. أعلم مثلًا أن هذا منهج لم يتأهل المعلم نفسه له؛ وذلك لأنه هو نفسه تعلم عن طريق التلقين وتقديس القواعد، لا عن طريق إدمان القراءة، وعلى ذلك فـ"فاقد الشيء لا يعطيه"، و"الإنسان عدو لما يجهله". وأعلم أن المدرس الفطن المكترث المؤمن بنهج التعليم عن طريق إلقاء التلاميذ في بحر القراءة، ليس مطلق اليد في فعل ذلك، ولو فعله لتعرض لمؤاخذات أخفها "مخالفة المنهج"، وقد تفضي إلى اتهامه بإفساد عقول التلاميذ. وأعلم أن التلاميذ الذين لم يتعودوا على القراءة سيقاومون هذا العبء الذي يبدو ثقيلًا غير محبب، وسينقلون ذلك لآبائهم الذين سيهبون للدفاع عن أبنائهم الذين تُفرض عليهم هذه الواجبات الغريبة، وسيجد المعلم الفطن المكترث نفسه آخر الأمر في دائرة المساءلة، ومتهمًا بالفوضى، ومبعدًا إلى أقاصي الأرض، وملقنًا الدرس الذي يلقنه كل الخارجين عن السرب في كل زمان ومكان.
وأعلم أن القراءة فاتنة، وأنها قد تأخذ التلاميذ بعيدًا عن ألوان أخرى من النشاط- قد تكون تافهة أو ضارة لكنها في المنهج التلقيني تحتل مكان الصدارة؛ ومن ثم فواجب القائمين على تعليم العربية أن يعيدوا التلاميذ المفتونين بالقراءة إلى عدم "تضييع وقتهم"، والانصراف إلى ما يرونه التعليم الحقيقي، من عدم الخروج على "المنهج"، ومن عدم التفريط في "حفظ" القواعد "قدس الأقداس".
إن المسؤول الأول عن التعليم في بلدي يبشر التلاميذ بشكل موسمي، عشية كل امتحان- وبخاصة في الثانوية العامة- بأنهم لن يسألوا في شيء خارج المنهج- والمنهج يخلو من القراءة، ودعك من ذر الرماد في العيون باسم كتاب القراءة الحرة وغيره- وهذا شيء معلن على أوسع نطاق، ومتردد في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية. ودائمًا نسمع أن الأسئلة في مستوى التلميذ العادي، كأن كد الذهن محرم، كأن مسؤول التعليم الأول- وهذا واضح- يقف حجر عثرة في سبيل التعليم الحقيقي؛ ذلك أن التعليم الحقيقي جدير بأن ينشئ الذكاء في الأذهان العادية، بل إنه قد يحول الأغبياء- إن أحسن تعليمهم- إلى أذكياء ولكن المسؤول بفعله هذا يعلنها مدوية: نحن لا نتعامل مع الأذكياء!!
إن تحول تعلم العربية من طرائق التلقين، واعتماد القراءة – لا حفظ القواعد- محتاج إلى ثورة في العقلية قبل أن يكون تغييرًا في الإمكانات، من كتب، وإعداد فصول، ومدرسين، ومناهج...إلخ. إنه محتاج إلى تغيير في عقيدة المعلم، والمتعلم، والقائم على التعليم. والتغيير الجذري عادة يلقى مقاومة، والمقاومة تأتي من كل الجوانب المعنية؛ التلاميذ، والأساتذة، والآباء، والمسؤولين، وكل له تكأة يتكئ عليها، لكن النتيجة التي نشهدها، وهو تدهور التعليم جملة، وتعليم اللغة العربية بصفة خاصة، يحتم أن يفرض هذا التغيير على غير رغبات كل من يركن إلى الوضع القائم، مهما كانت الأسباب والذرائع التي تقدم له.
المصدر: دعوة إلى تعلم العربية بالقاهرة، بحث مقدم إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانين، ص 3- 6.
إعداد: د. مصطفى يوسف