في الطريق إلى الأستاذية
منارات مسموعة ومرئية
15
لم أكن حاضرت طلاب الجامعة من قبل محاضرات تعليمية عامة فاشتد علي عامي الجامعي الأول بقسم اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس فصمدت له واجتهدت فيه ثم كان ما بعده أخف علي ولكنني أيقنت بحكمة اشتراط الخبرة عند التوظيف
لم تكن الجامعة تقبل إلا صفوة الطلاب ثم كان من أوائل من كلفت تعليمهم خريجون (طلاب السنة الأخيرة على جهة التفاؤل) فائتلفنا أنا وكثير منهم حتى عرفوا أنهم أول من أحاضر فتمثل بعضهم عندئذ بمثلهم العماني الساخر يتعلم الحسانة (الحلاقة) في روس (رؤوس) مجانين
ولكنني كنت أقدرهم دائما أعظم تقدير وأستحدث لهم من أساليب التعليم كل ما يمكنني من نقل ما لدي إليهم موهبة وثقافة وإبداعا على كثرة ما درست من علوم واختلافه
أما في تدريس علمي الصرف والنحو فكنت أتأمل الباب من كل منهما في كتبه وأحدد أفكاره وأصطفي منها ما أصنفه وأمثله بأمثلة مأثورة أو مبتدعة أتحرى فيها كلها أن تشتمل على لطائف ثقافية أسرب منها إليهم كل ما أحب ثم أوجز الباب بعبارة محكمة وأشركهم في عملي كله ثم ألزمهم أن يجهزوا هم الباب تجهيز من سيدرسه مثلما درسته من غير تقليد غير متحرج من جمع كراريسهم وكأن لم يبرحوا مدارسهم الأولية ثم أكلفهم أن يبحثوا في الكلام العربي عن طبيعة وجود هذا الباب فيه حتى إذا اختبرتهم كتبت لهم مواد معجمية مقطعة غفلا وسألتهم أن يصوغوا منها ما يمثلون به بعض ما تعلموا من أفكار الأبواب
وأما في تدريس علم العروض فكنت أمثل لهم عمل الشاعر والعروضي كليهما فأقدم مقدمة من الأسئلة أتأتى بها إلى ما أطمح بهم إليه ثم أرتب بحور الشعر بحيث يتقدم كل بحرين مفردين متقاربين ليتبعهما البحر المركب منهما بقصيدة واحدة في أهم صور كل بحر أستمتع بالتعليق عليها وأقطع كل بيت منها تقطيعا وأوقعه توقيعا وأفعله تفعيلا وأوصف تفعيلاته توصيفا ثم أكر بالقوافي على الأوزان فأحددها هي وأجزاءها وأنواعها وألقابها ثم أوجز تخريج القصيدة في علم العروض بعبارة محكمة وأشركهم في عملي كله ثم ألزمهم أن يجهزوا لكل قصيدة قصيدة مثلها تجهيز من سيدرسها مثلما درستها من غير تقليد غير متحرج من جمع كراريسهم كذلك وكأن لم يبرحوا مدارسهم الأولية ثم أكلفهم أن يبحثوا في أحد دواوين الشعر العربي عن طبيعة وجود العروض فيه كله حتى إذا اختبرتهم كتبت لهم أبياتا مصبوبة صبا من غير شكل ولا تقسيم وسألتهم أن يخرجوا أوزانها بالتقطيع والتوقيع والتفعيل والتوصيف وقوافيها بالماهية والأجزاء والأنواع والألقاب