الفرق بين: (المسلمُ يقْرَأُ القرآنَ صَبَاحَ مَسَاءَ) و (المسلمُ يقْرَأُ القرآنَ صَبَاحَ مَسَاءٍ)
أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش
التعبير الأول بالبناء على الفتح هو الأمدح ، ومعناه أن المسلم لا يترك القرآن أبدا فهو قرين القرآن ليلا ونهارا ، صباحا ومساء ، فأمر البناء قائم على العطف المفيد للإحاطة والشمول واستيعاب الزمن ...
يقول سيبويه ( ت: ١٨٠ه) ( رضي الله عنه) : "ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺴﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﺻﺒﺎﺡَ ﻣﺴﺎءَ، ﺇﻧﻤﺎ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺻﺒﺎﺣﺎ ﻭﻣﺴﺎء، ﻭﻟﻴﺲ ﻳﺮﻳﺪ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺻﺒﺎﺣﺎ ﻭﻣﺴﺎء ﺻﺒﺎﺣﺎ ﻭاﺣﺪا ﻭﻣﺴﺎء ﻭاﺣﺪا، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﺮﻳﺪ ﺻﺒﺎﺡ ﺃﻳﺎﻣﻪ ﻭﻣﺴﺎءﻫﺎ "
أي : في كل وقت وحين ، بلا انقطاع ... وكأنه يقرأ طوال أربع وعشرين ساعة ...
أما قولنا ( المسلم يقرأ القرآن صباحَ مساءٍ) بإضافة ( صباح ) إلى ( مساء) فيعني أن المسلم يقضي وقتا قصيرا محددا في قراءة القرآن ، وهو صباح هذا المساء ، وكأنه يقرأ مثلا بلغتنا إلى الظهر ، لا طوال اليوم ...فالمضاف ( صباح) جزء من المضاف إليه ( مساء)
يقول ابن هشام ( ت : ٧٦١ه) رضي الله عنه
" ﻭﻟﻮ ﺃﺿﻔﺖ ﻓﻘﻠﺖ ﺻﺒﺎﺡَ ﻣﺴﺎءٍ ﻟﺠﺎﺯ ، ﺃﻱ : ﺻﺒﺎﺣﺎ ﺫا ﻣسَاءٍ"...
منضبط اللغة هو إنسان منضبط العقل ؛ لأن الذي يمتلك أزِمَّةَ للغة هو من يستطيع أن يمتلك القلوب والألباب ، وفي قصة يوسف دليل على افتتان الملك ببلاغة يوسف فالله تعالى يقول
﴿وَقالَ المَلِكُ ائتوني بِهِ أَستَخلِصهُ لِنَفسي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ اليَومَ لَدَينا مَكينٌ أَمينٌ﴾[يوسف: ٥٤]
فلما كلمه : بلاغة يوسف أهلته لأن يكون مخلصًا ، مُمَكنًا عند الملك ، فمع علمه ، احتاج العلم وسيلة راقية للتعبير عما يحويه عقله ...
إنها البلاغة التي تقرب البعيد ، وتدني القريب ، فالرجل هو الأسلوب ، ولا امتلاك لأسلوب من دون لغة تعبر ما يجيش في الصدر ، بوركت لغة الضاد ...