سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية
(1)معجم العين للخليل بن أحمد
[IMG]
[/IMG]
معجم العين أول معجم يتبع طريقة الترتيب المخرجي، ورائد هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد "100 - 175 هـ" الذي امتاز بعقلية رياضية، وبراعة في الموسيقى والنغم. وخبرة واسعة بأمور اللغة ومشكلاتها.
وقد صب الخليل كل خبراته هذه في معجمه الذي سماه "العين"، والذي يعد أول معجم من أي نوع عرفته اللغة العربية.
وأهم ما يميز هذا المعجم -عدا نظامه- أن مؤلفه لم يجمع مفرداته عن طريق استقراء ألفاظ اللغة، وتتبعها في مؤلفات السابقين، وجمعها من شفاه الرواة، وإنما جمعها بطريقة منطقية رياضية، حيث لاحظ أن الكلمة العربية قد تكون ثنائية وقد تكون ثلاثية، وقد تكون رباعية وقد تكون خماسية.
وفي كل حالة إذا أمكن تبديل حروف الكلمة إلى جميع احتمالاتها "بالانتقال من حرف هجائي إلى الذي يليه" وأمكن تقليب أماكن هذه الحروف إلى جميع أوجهها الممكنة يكون الحاصل معجمًا يضم جميع كلمات اللغة من الناحية النظرية. ولكن لا توجد لغة تستخدم جميع إمكانياتها النظرية، ولهذا كان لا بد للخليل بعدالإحصاء النظري أن يميز بين المستعمل من هذه الصور والمهمل، وقد فعل ذلك، واستفاد في تمييز المستعمل من المهمل بثقافته اللغوية الخصبة، وبخبرته الصوتية الباهرة، ومعرفته بالتجمعات الصوتية المسموح بها وغير المسموح بها في اللغة العربية. وبذا حكم القوانين الصوتية إلى جانب تحكمة للمادة اللغوية المسجلة.
وإذا تصورنا كيفية حصر الخليل للمادة اللغوية في أبواب الثنائي والثلاثي الصحيح، فإننا نفترض أنه قام بصنيع يشبه الجداول الآتية لجمع مواد اللغة "التوافيق" ثم قام بتقليب أصوات كل مادة ليحصل على الصور العقلية الممكنة "التباديل".
إن المبادئ الرئيسية التي بنى عليها الخليل ترتيبه في كتاب العين يمكن حصرها إجمالًا في أمور أربعة:
أولًا: رتبت الكلمات ترتيبًا أبجديًا -والمراد بالترتيب الأبجدي المعنى الواسع لهذا التعبير. فقد شهد عصر الخليل كتيبات سجلت فيها الكلمات بحسب موضوعاتها ومعانيها.
أما الخليل فقد رأى أن هذا غير عملي بالنسبة لحصر جميع المفردات اللغوية في كتاب خاص، ورأى أن ترتيب الكلمات حسب حروفها يكون أفيد وأدق. ولكنه لم يختر لذلك الأبجدية المألوفة على نظم الحروف حسب مخارجها إلى مجموعات تبدأ بالمجموعة الحلقية التي أولها في رأيه العين، وتنتهي بالمجموعة الشفوية التي ختمها بالميم، وتنظيم الكلمات حسب هذا المبدأ ظل متبعًا فترة من الزمن ثم عدل عنه.
ثانيًا: نظمت الكلمات تبعًا لحروفها الأصلية فقط بقطع النظر عن الأحرف الزائدة فيها. وهذا المبدأ ظل متبعًا في كل مراحل تطور المعجم العربي من وقت الخليل إلى يومنا هذا.
ثالثًا: إن تبويب الكلمات خضع لنظام الكمية. فمثلًا في باب العين الذي عالج فيه الكلمات المشتملة على حرف العين نجده قد سجل الكلمات حسب التقسيم الآتي:
1- الثنائي.
2- الثلاثي الصحيح.
3- الثلاثي المعتل.
4- اللفيف.
5- الرباعي.
6- الخماسي.
7- المعتل.
أما الثنائي فقد قصد به الخليل ما اجتمع فيه حرفان من الحروف الصحيحة، ولو مع تكرار أحدهما في أي موضع فيشمل هذا كلمات قد، قد، قد قد فكلها تعالج في موضع واحد، وأراد بالثلاثي الصحيح ما اجتمع فيه ثلاثة حروف صحيحة على أن تكون من أصول الكلمة أما الثلاثي المعتل، فقصد به ما اجتمع فيهحرفان صحيحان وحرف واحد من حروف العلة، سواء كان حرف العلة في الأول أو الوسط أو الآخر وبعبارة أخرى يشمل هذا ما عرف عند الصرفيين بالمثال والأجوف والناقص.
وأما بالنسبة للفيف فقصد به ما اجتمع فيه حرفا علة في أي موضع، فيشمل على هذا اللفيف المقرون والمفروق. ومن هنا نعلم أن اسطلاحات أصحاب المعاجم تخالف من بعض الوجوه اصطلاحات الصرفيين.
وأما من حيث الرباعي والخماسي فلم يختلف فيه تعبير الفريقين. أما القسم الأخير وهو المعتل فقد أدخل فيه أصحاب المعاجم الذين اتبعوا طريقة الخليل -إجمالًا- الهمزة بحجة أنها قد تسهل إلى أحد الحروف المعتلة.
رابعًا: عولجت الكلمة ومقلوباتها في موضع واحد فمثلًا نجد الكلمات:
ع ب د، ع د ب، د ب ع، د ع ب، ب ع د، ب د ع كلها يمكن أن تعالج نظريًّا تحت عنوان واحد بقطع النظر عما نطقت به العرب منها فعلًا وعما لم تنطق به، فالنوع الأول سماه الخليل "مستعملًا"، والنوع الثاني سماه "مهملًا" ويعرف هذا التنظيم باسم "التقليبات"، ويمكن الرجوع إلى هذه المفردات مثلًا تحت حرف العين مجموعة "ع د ب"؛ لأن العين أسبق الجميع في الأبجدية الصوتية التي وضعها الجليل تليها الدال ثم الباء.
وجميع من تبع نظام العين سار في التقليب على قاعدة وضع المفردات المأخوذة من أصل ثلاثي واحد تحت الحرف الذي هو أسبقها من حيث المخرج ما عدا ابن دريد الذي اتبع في تقليباته نظام وضع المفردات المتحدة الأصل تحت الحرف الذي هو أسبقها في الأبجدية العادية. فهنا مثلًا نجده وضع تلك المفردات الستة المذكورة سابقًا تحت مجموعة "ب د ع"، فهذا اختلاف فرعي يجعلنا نعتبر ابن دريد صاحب جمهرة اللغة أيضًا من المؤلفين الذين اتبعوا في ترتيبهم نظام كتاب العين.
اللغويون الذين ساروا على نهج الخليل في المشرق:
لقد كان لتأليف كتاب العين صدى كبير بين العلماء اللغويين حتى إنهم حذوا حذوه في تأليف كتبهم على نسق كتاب أستاذهم الخليل، وبعض هذه الكتب أتت عليه يد الزمن، فلم يرد لنا منه إلا ما كان من تعليق، أو وصف موجز في ثنايا الكتب الأخرى. والبعض الآخر أمكن رغم صروف الدهر، ورغم الفتن الكبرى التي انتابت الإمبراطورية الإسلامية في مختلف عصورها، أمكن أن يصل إلى أيدينا، وإن كان أكثرها لا يزال مخطوطًا ينتظر دوره في التحقيق والطبع والنشر.
أما أشهر الكتب التي تعتبر مفقودة فهو:
1- المدخل إلى العين وضعه تلميذ الخليل، النضر بن شميل المتوفى 203هـ.
2- التكملة للخزرجي المتوفى 348هـ.
3- الحواصل لأبي الأزهر البخاري المتوفى 350هـ.
4- الموعب للتياني المتوفى 433هـ.
أما أهم المعاجم التي سارت على نظام العين، وبقيت حتى وصلت إلينا فمنها ما وضعه الشرقيون، ومنها ما ألف في الأندلس إبان ازدهار الحضارة الإسلامية في أسبانيا.
أما معاجم المشرق فأهمها:
الجمهرة لابن دريد، وتهذيب اللغة للأزهري.
وأما معاجم المغرب فأهمها:
البارع لأبي علي القالي، ومختصر العين لأبي بكر الزبيدي، والمحكم لابن سيده.
____________
المصادر:
(1) البحث اللغوي عند العرب د أحمد مختار عمر ص (178).
(2) المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم "العين" للخليل بن أحمد د. عبد الله درويش ص(17).