المطلب الثالث
التطفُّل في اسم المفعول
تعريف اسم المفعول:
اسم المفعول هو: ما اشتقّ من فعل لمن وقع عليه، كمضروب، ومُكْرَم( 256).
صياغة اسم المفعول:
اسم المفعول على نوعين: اسم مفعول من الثلاثي، وقياسه "مفعول" كـ"مضروب" وزائد على ذلك، وقياسه أن يكون بزنة المضارع بإبدال حرف المضارعة ميمًا، وفتح ما قبل آخره كـ"مُكرَم"(257).
عمل اسم المفعول:
اسم المفعول كاسم الفاعل في العمل، والشروط، والأحكام وفاقًا وخلافًا(258 )، ولكنّه يفارق اسم الفاعل في أنّه يعمل عمل الفعل المبني للمفعول:
"فمفعول مثل: يُفعَل، وفاعل مثل: يَفْعَل"(259 ).
فما بعده نائب فاعل، فإن كان متعديًا لاثنين أو ثلاثة رفـع واحدًا ونصب ما سواه، نحو "زيد معطي أبوه درهمًا الآن"(260 ) فما يقوم مقام الفاعل في الفعل يقوم لاسم المفعول( 261)، وذلك نحو "زيدٌ مضروبٌ غُلامُه" أو "ممرور به"(262 ) وذلك أنّ اسم المفعول مثل الفعل المصوغ للمفعول في معناه، كما أنّ اسم الفاعل مثل الفعل المصوغ للفاعل في معناه( 263).
علّة إعمال اسم المفعول:
إنّما عمل اسم المفعول "لأنّه مأخوذ من الفعل، جارٍ عليه في حركاته، وسكناته، وعدد حروفه، كما كان اسم الفاعل كذلك، فمفعول مثل "يُفْعَل" كما أنّ فاعلاً مثل "يَفْعَل"، فالميم في مفعول بدل من حرف المضارعة في يفعل، وخالفوا بين الزيادتين للفرق بين الاسم والفعل، والواو في مفعول كالمدة التي تنشأ للإشباع لا اعتداد بها"( 264).
ويفارق اسم المفعول اسم الفاعل في جواز إضافته إلى ما كان مرفوعًا به، نحو "زيدٌ مضروبٌ عبدُه" و"زيدٌ مضروبُ العبد" ولا يجوز ذلك في اسم الفاعل، فلا يُقال: "مررت برجل ضاربُ الأبِ زيدًا" أي "ضاربٍ أبوه زيدًا"( 265) وامتناع إضافة اسم الفاعل لمرفوعه لأنّ الاسم لا يُضاف إلى نفسه(266).
وللنّحاة في المسألة مذاهب، حسب فعل اسم المفعول، قاصرًا، ومتعديًا لواحد، ومتعديًا لاثنين(267 ).
وقال أبو حيّان في الإضافة:
"وإنّما هي من نصب"( 268).
ولا يعمل شيء مما ناب عن مفعول في الدلالة عمل الفعل، فالنيابة دلالية لا وظيفية، وذلك نحو فِعْل كـ"ذِبْح" وفَعْل كـ"لَفْظ" وفُعلة كـ"لُقمة"، و"فعيل" كـ"صريع"(269 ).
وقال ابن عصفور:
"واسم المفعول وما كان من الصفات بمعناه حكمه بالنظر إلى ما يطلبه من المعمولات حكم الفعل المبني للمفعول"(270 ).
ويجوز نصب ما بعده على التشبيه بالمفعول، أو التمييز نحو "هو مضروبُ الأب أو أبًا" هو أقل من الإضافة(271 ).
تحويل اسم المفعول:
إذا أخذ اسم المفعول صفة الثبات فإنّه يجري مجرى الصفة المشبهة، فيرفع السببي على الفاعلية(272 ).
أي أنّ التحويل تمّ فيه من خلال المعنى، فالحدوث تحوّل إلى ثبوت، ومن خلال الوظيفة، فنائب الفاعل تحوّل إلى فاعل، وفي السببي والحالة هذه النصب على المفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، ويجر بالإضافة، ومن شواهد رفعه قول الشاعر(273 ):
بثوب ودينار وشاة ودرهم فهل أنت مرفوع بما ههنا راسُ
ومن شواهد النصب، قول عمر بن لحاء التميمي( 274):
لو صنت طرفك لم تدع بصفاتها لما بدت مجلوةً وجناتِها
ومن شواهد الجر، قول الشاعر(275 ):
تمنّى لقائي الجونُ مغرور نفسِه فلمّا رآني ارتاع ثم عرّدا
وعلّة نصب الاسم المرفوع به على التشبيه بالمفعول به، امتناع إضافة الوصف لمرفوعه، حتى لا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، لأنّه عينه في المعنى، ثم يكون الجر بعد النصب(276 ).
والعمل في اسم المفعول تطفُّلاً، بحق الشبه لا بحق الأصل، شأنه فيه كشأن اسم الفاعل لا خلاف بينهما، إذ العامل أصالة الأفعال، وما عمل من الأسماء فالعمل فيه على خلاف وضعه وأصله، وأثر التطفُّل واضح في اسم المفعول فتارة يرفع السببي، وتارة ينصب على التشبيه بالمفعول به أو التمييز، وهو في ذلك كأفعل التفضيل ثابتة الاسمية، وتارة يحنُّ إلى الجر رجوعًا إلى الأصل كخطوة لاحقة للنصب لما كان الجر متعذّرًا ابتداءً، وفي معموله الأوجه الإعرابية الثلاثة: الرفع، النصب، الجر إشارة إلى عدم استقرار عمل الأفعال فيه.
المطلب الرابع
التطفُّل في الصفة المشبهة
تعريف الصفة المشبهة:
هي ما اشتق من فعل لازم لمن قام به على معنى الثبوت( 277).
وقال الجوجري( 278) المتوفى سنة (897هـ):
"هي كلُّ صفة صح تحويل إسنادها إلى ضمير موصوفها، وتختص بالحال وبالمعمول السببي المؤخَّر"(279 ).
وقال الأزهريُّ:
"وهي الصفة المصوغة لغير تفضيل، لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها دون إفادة الحدوث"( 280).
دلالة الصفة المشبهة:
تدلُّ الصفة المشبهة على حدث وصاحبه، كما دلَّ عليها اسم الفاعل، وتؤنَّث، وتثنَّى، وتجمع ويوصف بها، وتدخلها الألف واللام(281 ).
صياغة الصفة المشبهة:
تفارق الصفة المشبهة اسم الفاعل بأنّها لا تصاغ إلاّ من فعل لازم، وضعًا، نحو "حسن" و"جميل" أو قصدًا، نحو "ضارب" و"مضروب" إذا قصد بهما الثبوت، وصيغها مخالفة لصيغة الفاعل على حسب السماع(282 ).
الفرق بين اسم الفاعل والصفة المشبهة:
تفارقه في الصياغة فتصاغ من اللازم، ويصاغ منه ومن المتعدّي، وتفارقه في الزمن فزمنها الماضي المتصل بالحاضر الدائم، دون الماضي المنقطع والمستقبل، فلا يُقال: "هو حسن الوجه أمس، أو غدًا" واسم الفاعل يكون للثلاثة، مجاراتها للمضارع في تحركه وسكونه يراد بها مقابلة حركة بحركة، وسكون بسكون، ولا تقابل حركة بعينها، واسم الفاعل لا يكون إلاّ مجاريًا للمضارع، ولا يتقدّم منصوبها عليها بخلاف اسم الفاعل لأنّها فرعٌ عليه في العمل، ولا يكون معمولها إلاّ سببيًا، نحو "زيدٌ حسنٌ وجهُه" أو "زيدٌ حسنُ الوجه" ولا تعمل مضمرة، ولا مفصولاً بينها وبين معمولها.
وتوافقه في الدلالة على الحدث وفاعله، والتذكير والتأنيث، والتثنية والجمع، وشرط الاعتماد حال التجرُّد من "أل" وفي الصفة المشبهة ثبوت ودوام واستمرار، وفي اسم الفاعل حدوث وتجدُّد وانقطاع(283 ).
عمل الصفة المشبهة:
الصفة المشبهة كاسم الفاعل في العمل(284 )، فهي توافقه في أصل العمل وإن خالفته في وصفه.
علّة عمل الصفة المشبهة:
العمل في الصفة المشبهة غير ثابت لها بحق الأصل، وإنّما عملت تشبيهًا باسم الفاعل، الذي عمل تطفُّلاً على الفعل، قال ابن يعيش:
"فإذا اجتمع في النعت هذه الأشياء التي ذكرناها أو أكثرها، شبّهوه بالأسماء الفاعلين فأعملوه فيما بعده، وذلك نحو حسن، وشديد، وصعب، وكريم"(285 ).
أمّا رافع ما بعد هذه الصفات من الأسماء فأفعالها( 286).
وقد سبق سيبويه إلى الإشارة بأنّ عملها حملاً على اسم الفاعل:
"ولم تقو أن تعمل عمل الفاعل، لأنّها ليست في معنى الفعل المضارع، فإنّما شُبِّهت بالفاعل فيما عملت فيه، وما تعمل فيه معلوم، إنّما تعمل فيما كان من سببها، مُعَرَّفا بالألف واللام أو نكرة، لا تجاوز هذا، لأنّه ليس بفعل، ولا اسم في معناه"(287 ).
فتطفُّل الصفة المشبهة على متطفِّل في العمل جعله فيها ضعيفًا، فلا عمل لها إلاّ في معمول محدَّد لا تجاوزه إلى غيره، وجهة الضعف فيها أنّها ليست بفعل، ولا اسم بمعنى الفعل، وتبع بعدها عن شبه الفعل جعل الإضافة فيها أحسن:
"والإضافة فيه أحسن وأكثر، لأنه ليس كما جرى مجرى الفعل، ولا في معناه، فكان هذا أحسن عندهم أن يتباعد منه في اللفظ، كما أنّه ليس مثله في المعنى وقوته في الأشياء"(288 ).
فاسم الفاعل اسم، وكذا الصفة المشبهة، والعمل فيهما روعي فيه مشابهة كلُّ منهما للفعل، إذ هو أصل العمل، فاسم الفاعل أشبه الفعل فعمل عمله، والصفة المشبّهة أشبهت اسم الفاعل الذي حملت عليه في العمل، في التعريف، والتأنيث، والتثنية، والجمع، والنعت بها، وهذه من خصائص الأسماء، وذلك أنّها أشبهت اسمًا، فتشبهه فيما يخص الأسماء، فأوجه الشبه بينهما معزّزة للاسمية، التي دعت سيبويه للقول بأن الإضافة في القياس أحسن، وفي الاستعمال أكثر، فتوسُّلها للأفعال بالعمل ضعيف، لأنّه توسُّل بواسطة، فكان الرجوع إلى أصل الأسماء "الإضافة" على ما وصف سيبويه.
والفرق بينها وبين اسم الفاعل في العمل، أنّ عمله مشروط بأن يكون زمنه الحال أو الاستقبال، وزمن الصفة المشبهة الماضي المتصل بالحاضر الدائم، فاسم الفاعل يكون للأزمنة الثلاثة، إلاّ أنه لا يعمل مجرّدًا من "أل" إن كان زمنه ماضيًا، بل يُضاف وجوبًا على مذهب جمهور البصريين فيلتقي مع الصفة المشبهة(290 ).
معمول الصفة المشبهة واسم الفاعل:
يختلف المعمول في الصفة المشبهة عنه في اسم الفاعل، قال سيبويه:
"فالمضاف قولك: "هذا حسنُ الوجهِ" و"هذه حسنةُ الوجه"، فالصفة تقع على الاسم الأول، ثم توصلها إلى الوجه وإلى كل شيء من سببه على ما ذكرت لك، كما تقول "هذا ضاربُ الرجل" و"هذه ضاربةُ الرجل" إلاّ أنّ الحُسْن في المعنى للوجه، والضرب ههنا للأول"(291 ).
فالصفة المشبهة وصف الثاني "المضاف إليه" أما اسم الفاعل فالوصف فيه للأول.
معمول الصفة المشبهة:
يجوز في معمول الصفة المشبهة الرفع إمّا على الفاعلية، وإمّا على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة، ولا يكون معمولها إلاّ فاعلاً لفظًا ومعنى، أو معنى دون اللفظ، نحو "زيدٌ حسنٌ وجهُه" و"زيدٌ حسنُ الوجهِ" ولا تتقدّم عليها بحال،ويجوز جره على الإضافة نحو "زيدٌ حسنُ وجهِهِ" و"حسنُ وجهِ أبيهِ"، ويجوز فيه النصب، فإن كان نكرة انتصب على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به، نحو "هذا رجلٌ حسنٌ وجهًا" وإن كان معرفة انتصب على التشبيه بالمفعول به، نحو "هو حسنُ الوجهَ" ولا تضمر، فلا يقال: "هو حسن الوجه والعين"، ولا يُفصل بينها وبين ما تعمل فيه.
ومعمول اسم الفاعل يكون فاعلاً، ويكون مفعولاً به، وعندما يكون منصوبًا فإنه يكون مفعولاً به حقيقة، ولا يضاف اسم الفاعل لفاعله، فإضافته لمفعوله فقط(292 ).
نلاحظ أنّ الصفة المشبهة أشبهت الفاعل في أمور، على مستوى "الصياغة - الوظيفة - المعنى - التركيب" وما فارقته فيه أكثر مما شابهته، والاسمية فيها أقوى من الفعلية، وقد أشار الفارسيُّ إلى نقصانها عن رتبة اسم الفاعل، لعد جريانها على الفعل(293 )، الذي أعطى اسم الفاعل القوة في العمل، فالصفة المشبهة أضعف في العمل من اسم الفاعل، لأوجه الاختلاف الكثيرة بينهما، والأصل في عمل المصدر والصفات جميعها إنّما هو الفعل:
"لأنّ المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة إنّما كانت تعمل لمّا أمكن تقديرها بفعل منها يفيد فائدتها، فتعمل عمل ذلك الفعل"( 294).
فكأنّ هذه الأوصاف التي تعد أسماءً من الناحية الشكلية إنّما تكون أفعالاً من الناحية المعنوية عند العمل، وكلّما بعد الشبه عن الفعل وضعف التقدير به ضعف العمل، لأنّه ليس أصلاً فيها.
المطلب الخامس
التطفُّل في اسم التفضيل
تعريف أفعل التفضيل:
هو الوصف المبنيُّ على "أفعل" لزيادة صاحبه على غيره في أصل الفعل(295 ).
صياغة أفعل التفضيل:
يُصاغ "أفعل" التفضيل مما يصاغ منه "أفعل" التعجّب، فهما سواء في الشروط والصياغة( 296).
نوع أفعل التفضيل:
"أفعل" التفضيل اسم لدخول علامات الأسماء عليه(297 ).
حالات أفعل التفضيل:
لاسم التفضيل ثلاث حالات:
مجرَّد من أل والإضافة:
ويلزم الإفراد والتذكير في جميع استعمالاته، وإن كان معناه راجعًا إلى مثنّى أو مجموع، أو مؤنث(298)، نحو قوله تعالى: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)( 299) وقوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم )( 300) ويؤتى بعده بـ"من" جارة للمفضول، وقد تحذف مع مجرورها للعلم بها، نحو قوله تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)( 301) أي: من الحياة الدنيا.
مقرون بأل:
ويطابق الموصوف تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وتثنية، وجمعًا، نحو "زيدٌ الأفضل، وهند الفضلى، والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون، والهندات الفضليات، أو الفضَّل" ولا يؤتى معه بـ"من" لأنّها تعاقب اللام(302 ).
مضاف:
إن كانت إضافة "أفعل" التفضيل إلى نكرة، فهو كالمجرّد من أل والإضافة لاستوائهما في التنكير، وكونهما على معنى "من" ويطابق المضاف إليه الموصوف، نحو "زيد أفضل رجل، الزيدان أفضل رجلين، الزيدون أفضل رجال، هند أفضل امرأة" وإن كانت إضافته إلى معرفة: فإن أوِّل بما لا تفضيل فيه، أو قُصِد به زيادة مطلقة، وجبت المطابقة للموصوف، ويخلو عن لفظ "من" ومعناها، نحو "الناقص والأشج أعدلا بني مروان"، وإن كان على أصله في إفادة المفاضلة جازت المطابقة لشبهه بالمعرف بـ"أل" نحو قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا)( 303) وجاز ترك المطابقة، لشبهه بالمجرّد لنيّة معنى "من" نحو قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ)(304).
عمل اسم التفضيل:
يرفع أفعل التفضيل الضمير غالبًا، ولا يرفع الظاهر، فلا يُقال: "مررت برجل أفضل منه أبوه" برفع الأب بأفضل إلاّ في لغة ضعيفة( 305)، ويكثر رفعه الظاهر إن كان مفضَّلاً على نفسه باعتبارين، واقعًا بين ضميرين، ثانيهما له، والآخر للموصوف، بعد نفي،ومثاله "ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد" وهي مسألة الكحل، ومنه الحديث "ما من أيام أحب إلى الله فيها العمل منه في عشر ذي الحجة"( 306) ولا ينصب مفعولاً به على الأصح، فلا يقال: "زيد أضرب من عمروٍ وبكرًا" بنصـب "بكر" بـ"أضرب"، ويتعدّى باللام، نحو "زيد أبذل للمعروف"، أو بالباء، نحو
"زيد أعلم بالفقه" وتتعلّق به حروف الجر كتعلّقها بفعل التعجّب، نحو "زيد أحبُّ إليّ من عمرو"، ولا ينصب شبه المفعول به، نحو "الحسن الوجه" لأنّه لا ينصب المفعول به فلا ينصب شبهه، وينصب الظرف لاكتفائه برائحة الفعل، والحال لمشابهته له، نحو "زيدٌ أحسن منك اليوم راكبًا" والتمييز نحو "أحسن منك وجهًا" لأنّه يُنصب بما يخلو من معنى الفعل أيضًا، نحو "راقود خلاً"( 307).
تفاوت أفعل التفضيل في التصرُّف:
يلزم أفعل المصاحب لمن صيغة واحدة، لمشابهته لفظًا ومعنى لأفعل التعجّب، وأفعل التعجب فعلٌ غير متصرف - عند البصريين( 308)- والمشابهة بينهما لفظًا ظاهرة, ومعنى فلأنّه لا يتعجّب من شيء إلاّ وهو مفضّل( 309).
أمّا المقترن باللام، والمضاف المقصود به الزيادة على من أضيف إليه، فلمّا لم يكن فيهما علامة التفضيل "مِنْ"، ولا كان معهما المفضول، ضعف معنى التفضيل فيهما فلم يشابها أفعل التعجّب الفعلي مشابهة تامة، ودخلهما اللام والإضافة، وهما من علامات الأسماء، فترجّح جانب الاسمية، فلم يمتنعا من التصرُّف، فجاز فيهما التثنية، والجمع، والتأنيث، فطابقا صاحبهما، ولم يتصرّف في الذي بـ"من" لمشابهة أفعل التعجب لفظًا ومعنى( 310).
فأفعل التفضيل في التصرُّف وعدمه يراعى فيه قوة الشبه بالأسماء، وقوّة الشبه بالأفعال "أفعل التعجّب".
علّة عمل أفعل التفضيل:
أفعل التفضيل يشبه أفعل التعجّب في اللفظ والمعنى، ولكنّه يفارقه في الإجماع على اسميته، وفي عملها يقول سيبويه:
"فإن جئت بـ"خير منك" أو "عشرين" رفعت، لأنّها ملحقة بالأسماء، لا تعمل عمل الفعل، فلم تقو قوّة المشبهة، كما لم تقوَ المشبهة قوة ما جرى مجرى الفعل(311 ).
سوَّى سيبويه بين "خير" و"عشرين" في الاسمية الخالصة، أمّا العمل فأفعل التفضيل في المرتبة الثالثة فيه، بعد اسم الفاعل، والصفة المشبَّهة، ووجه الشبه بينه وبين الفعل أنّه بمنزلة الفعل إذ كان عبارة عنه ودالاً على المصدر، والزيادة كدلالة الفعل على المصدر والزمان، فمنع التعريف كما لا يكون الفعل مُعرَّفًا، ومنع التثنية والجمع كالفعل أيضًا، ولا يجوز تأنيثه، فتقول "هند أفضل منك"على تقدير "يزيد فضلها عن فضلك"(312 ). فالصفة المشبّهة عملت تطفُّلاً على اسم الفاعل، بكونها مثله في التثنية، والجمع، والتأنيث، أمّا أفعل التفضيل فأصل استعماله أن يكون معه "من" ولا يثنّى، ولا يجمع، ولا يؤنَّث( 313).
وقال ابن الحاجب:
"لم يعمل لأنّ المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة إنّما كانت تعمل لمّا أمكن تقديرها بفعل منها يفيد فائدتها، فتعمل عمل ذلك الفعل، وليس لأفعل التفضيل فعل يفيد فائدته، ويقوم مقامه"(314 ).
فالعمل حيثما أمكن التقدير بالفعل، فهو أصل العمل، فإن امتنع التقدير انتفى العمل، والتزم الأصل.
عمل أفعل التفضيل في الظاهر:
لم يعمل أفعل التفضيل في ظاهر إلاّ فيما ذكر النّحاة من مسألة الكحل، وعلّة ذلك:
"وليس هذا بمنزلة "خيرٌ منه أبوه" لأنّه مفضِّل لـ"الأب" على الاسم في "من" وأنت في قولك: "أحسن في عينه الكحل منه في عينه" لا تريد أن تفضِّل "الكحل" على الاسم الذي في "من" ولا تزعم أنّه قد نقص عن أن يكون مثله، ولكنك زعمت أن لـ"الكحل" ههنا عملاً وهيئة ليست له في غيره من المواضع، فكأنك قلت: "ما رأيت رجلاً عاملاً في عينه الكحل كعمله في عين زيد"(315 ) فإنّما كان العمل في هذه الحالة لما تقدّر "أفعل" باسم الفاعل، وذكر ابن الحاجب أنّ عمله في هذه المسألة بأنّ له في هذا المكان فعلاً بمعناه( 316).
فقضية العمل تعود إلى الفعل في المعنى، وإن كان العامل اسمًا شكلاً فالتفضيل اسم خالص الاسمية، وعمله تطفُّلاً على الصفة المشبّهة التي عملت تطفُّلاً على اسم الفاعل الذي لم يعمل بحق الأصل، ولم يعمل مطلقًا، فكانت أضعف منهما عملاً، فلا يعمل إلاّ في مضمر، إلاّ في مسألة الكحل التي عاد العمل فيها إلى إمكانية تقديره بالفعل، وأرى - والله أعلم- أنّ أفعل التفضيل متحمّل لضمير الفاعل لا عامل فيه، وعمله في مسألة الكحل اضطرارًا للعمل، لئلا يلزم رفعه بالابتداء، ويكون "الكحل" مبتدأ، كما في "مررت برجل أحسنُ منه أبوه" برفع "أحسن" والجملة صفة لـ"رجل"، ولا يجوز ذلك، لأنّ قولك: "منه" بعد "الكحل" متعلّق بـ"أحسن" فيفصل بين العامل الضعيف ومعموله بأجنبي، ومع ذلك الاضطرار فإنّ "أفعل" مقدَّر بالفعل( 317). وقد ذهب أبو حيان إلى الاقتصار فيه على السماع، إذ رفع أفعل التفضيل للظاهر على سبيل الشذوذ(318 ).
فالقياس والأصل ألاّ يعمل أفعل التفضيل، من حيث هو اسم، ولا يشبه الأوصاف التي عملت تطفُّلاً على الفعل المضارع، أو على اسم الفاعل.