3- انخرام المطابقة بين الضمير ومرجعه في شعر ابن أحمر الباهلي:
أهمل الشاعر المطابقة بين الضمائر وما تعود عليه في الإفراد والجمع في البيات الآتية:
شُـلَّت أَنامِلُ مَخشِيَّ فَلا جَبَرَت وَلا اِستَـعانَ بِضاحي كَفِّهِ أَبـَدا(291)
أَخـافُ بَوائـِقاً تَسـري إِلَيـنا مِـنَ الأَشياعِ سـِرّاً أَو جَهـارا(292)
مـَن للِنواعِجِ تَنزو في أَزِمَّتِـها أَم للِتَنائي حُمولُ الحَيِّ قَد بَكَروا(293)
رَأَيـتُ المَنايا طَبَّقَت كُلَّ مَرصَدٍ يَقـدنَ قِيـاداً أَو يُجَـرِّدنَ حادِيا(294)
وَدُهـمٍ تُصـاديها الوَلائِدُ جَـلَّةٍ إِذا جَهِـلَت أَجوافُـها لَم تَحَلّـَمِ(295)
فقد أعاد الضمير المستتر جوازا في الأفعال المضارعة: " جَبَرَت، تَسري، تَنزو، طَبَّقَت" وتقديره "هي" ضمير الرفع للمفردة الغائبة إلى الأسماء الآتية في الأبيات الأربعة الأولى: " أَنامِلُ، بَوائـِقاً، للِنواعِجِ، المَنايا"، وهي مما تدل على الجمع بصيغها مفرداتها مؤنثة غير عاقلة، وكذا عود الضمير المتصل المنصوب في "تصاديها" وفي "أجوافها" في البيت الخامس إلى الاسم "دهم"، بدلا من أن يكون الضمير الراجع لهن نون النسوة المطابق لهن في الجمع. وهذا جائز؛ إن كان المرجع جمعا مؤنثا لا يعقل. والضمير في تلك الحال يطابق مرجعه في صورة التأنيث(296). ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ }(297).
وكذا قول الشاعر:
وَجُردٍ يَعـلَهُ الداعي إِلَيـها مَتى رَكِبَ الفَوارِسُ أَو مَتى لا(298)
وَجـردٍ طارَ باطِـلُها نَسيـلاً وَأَحـدَثَ قَمؤُها شَعَـراً قِصارا
يَـظـَلُّ رِعاؤُها يَلقـونَ مِنها إِذا عُـدَّ نَظـائـرَ أَو جَـمارا
بِصَحراءِ الهِيـاشِ لَهـا دَوِيٌّ غَداةَ قَثامِ لَم يَغـنَم صِرارا(299)
ومما عاد عليه الضمير مرة بصورة ضمير المفردة الغائبة ومرة بصورة ضمير الجمع الغائب للإناث قول الشاعر:
إِلى ظُعُـنٍ ظَلـَّت بِـجَـوِّ أُشـاهِمٍ فَـلَمّا مَـضى حَـدُّ النارِ وَقَـصَّرا
تَواعَدنَ أَن لا وَعيَ عَن فَرجَ راكِسٍ فَرُحنَ وَلَم يَغضِرنَ عَن ذاكَ مَغضَرا
تَزاوَرنَ عَن مَردٍ وَدافَـعنَ رَكـنَـهُ لِمُنعَـرَجِ الخـابورِ حَيـثُ تَخبـَرا
وَعَـبَرنَ عَـن فَرقـيسَياءَ لِعَـرعَرٍ وَفُرضَةِ نُـعمٍ سـاءَ ذاكَ مَعَبــَّرا
تُقَـطَّعُ غيـطاناً كَــأَنَ مُتـونَهـا إِذا ظَهَرَت تُكسى مُلاءً مُنَـشَّرا(300)
ولم يطابق الضمير مرجعه في صورة الجمع في الأبيات الآتية من شعر الشاعر:
وافَــيتُ لَمّا أَتاني أَنَّها نَزَلَت إِنَّ المَنازِلَ مِمّا يَجمَعُ العَجَبــا(301)
وَلَلشَيخِ تَكبـيهِ رُسومٌ كَأَنَّـها تَراوَحَها العَصرَينِ أَرواحُ مَندَد(302)
أَو باغِيانِ لِبُعرانٍ لَنا رَفَضَت كَي لا تُحِسّونَ مِن بُعرانِنا أَثَرا(303)
إذ عاد الضمير في صورة المفرد الغائب في قوله "يجمع" في البيت الأول على "المنازل"، وكذا "الهاء" في "كأنها" في البيت الثاني، على الاسم "رسوم"، وكذا الضمير "هي" المستتر جوازا في "رفضت" إلى الاسم "بعران" في البيت الثالث. على الرغم من أنَّ ما ترجع إليه جمع تكسير مفرده مذكر غير عاقل.
وجاءت الضمائر الراجعة على "أطلال، والمنازل، وأسارى، وأشياء" في الأبيات الآتية في صورة المفردة المؤنثة:
أَم كُنـتَ تَعرِفُ آياتِ فَقَد جَعَلَت أَطـلالُ إِلفِـكَ بِالوَدكاءِ تَعتَذِرُ(304)
تَدارَكنَ حَيّاً مِن نُمَـيرِ بنِ عامـِرٍ أُسارى تُسامُ الذُلَّ قَتلاً وَمَحرَبا(305)
وَأَشياءُ مِمّا يُعطِفُ المَرءَ ذا النُهى تَشـُكُّ عَلى قَلبي فَما أَستَبينُها(306)
ما لِلكَواعِبِ يا عَيساءُ قَد جَعَلَـت تَزوَرُّ عَنّي وَتُطوى دونِيَ الحُجَرُ(307)
وهذا ونحوه جائز أن يكون الضمير الراجع إليه واو الجماعة مراعاة للفظ الجمع، أو أن يكون الضمير مفردا مؤنثا مع وجود تاء التأنيث في الفعل وشبهه(308). ومنه قوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا...}(309). فالضمير في "بها" عائد على الجنود، وهو جمع تكسير يجوز أن يعود الضمير عليه كما يعود على الواحدة. وقرأ عبد الله: "بهم"(310).
أما في البيت الآتي لابن أحمر فقد انخرمت المطابقة بين الضمير وما يرجع عليه:
أَنشَـأتُ أسأَلــُهُ ما بالُ رُفقَتِهِ حَيَّ الحُمـولَ فَإِنَّ الرَكبَ قَد ذَهَبا(311)
إذ عاد الضمير المفرد المذكر الغائب في " ذهبا" على "الركب"، وهذا جائز؛ إذا كان المرجع اسم جمع، نحو "ركب" و"قوم"، فيجوز في الضمير الراجع عليهن واو الجماعة أو ضمير المفرد المذكر(312)، ومما جاء بالتذكير والتأنيث قوله تعالى: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ}(313)، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف "تكن" بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث(314) وفي الشواذ: {وكذب به قومك}. وقرئ قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ}(315)، إذ قرأ أبو حيوة: (وليأت) بياء على تذكير "طائفة"(316). ومما جاء بالتأنيث قوله تعالى: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}(317). أما إذ كان المرجع مما يخص النساء وحدهنَّ، مثل: "نسوة" و"نساء" فإنَّه يجري عليه حكم المرجع إذا كان جمع مؤنث للعاقل(318).
وانخرمت المطابقة أيضا في قول الشاعر:
لَقَد ظَعـَنَت قَيـسٌ فَأَلفَت بُيوتَها بِسِنجارَ فَالأَجزاعِ أَجـزاعِ دَوسَرا(319)
ففي البيت الآنف عاد الضمير المؤنث المفرد في "ألفت" على "قيس" علم قبيلة من العرب، وهذا جائز إذا أريد به علم القبيلة لا الاسم العلم لمذكر.
ولم يطابق الضمير مرجعه في قول ابن أحمر الباهلي:
فَإِن أَخطـَأَت نَبلاً حَداداً ظُباتُها عَلى القَصدِ لا تُخطِئُ كِلاباً ضَوارِيا(320)
فقد أجرى قوله "نبلا" مجرى المفرد المؤنث وأعاد عليه الضمير في قوله "ظباتها" مفردا مؤنثا، وهذا جائز لأنَّ "نبلا" اسم جنس جمعي. والمرجع الذي يكون اسم جنس جمعي يجوز في ضميره أن يعود عليه في صورة المفرد المذكر أو المؤنث كقوله تعالى: {تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }(321)، {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ}(322)، فقد أجري قوله تعالى: (نخل) في الآية الأولى مجرى المفرد المذكر، وفي الثانية مجرى المفرد المؤنث.
ولم تتضح ظاهرة المطابقة النحوية في البيتين الآتيين من قول الشاعر:
فَوارِسُ سِلّى يَومَ سِلّى وَساجِرٍ وَفـارِسُ مَيّـاسٍ إِذا مـا تَلَبـَّبا
تَدارَكنَ حَيّاً مِن نُمَيرِ بنِ عامِرٍ أُسارى تُسامُ الذُلَّ قَتلاً وَمَحرَبا(323)
إذ عاد الضمير المفرد المؤنث الغائب في قوله: " تُسامُ" على "أسارى" المجموع جمع تكسير، وهو مما يشمل الذكور والإناث، فجاز في ضميره أن يكون في صورة المفرد المؤنث. ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}(324)، {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا}(325)، { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}(326)، فالطاغوت في الآية الأولى قد عاد عليها الضمير في صورة جمع المذكر المؤنث، وفي الآية الثانية قد عاد عليها في صورة المفرد المؤنث فتطابق معه في صورة الإفراد والتأنيث، وفي الآية الثالثة عاد عليه في صورة المفرد المذكر وطابق في صورة الإفراد والتذكير. وهذا جائز؛ فالطاغوت يصح أن يطلق ويراد به المذكر أو المؤنث.
ووردت في شعر الشاعر أبيات لم تتحقق فيها المطابقة بين الضمير ومرجعه دون أن يكون هناك تعليل نحوي يبين الحالة إلا أن يكون الأمر متعلق بمظهر من مظاهر التعبير في العربية التجأ إليها الشاعر للتعبير عما يجيش في صدر الشاعر من معان لا يمكن إبرازها دون إحداث هذا الانخرام في المطابقة، ومن هذه الأبيات قول الشاعر:
تَعـاوَرنَ الحَديـثَ وَطَبَّقــَتـهُ كَـما طبَّقـت بِالنَعـلِ المِـثالا(327)
عـيطٌ عَطابيلُ لُئنَ الرَيَّ وَاِبتَذَلَت مَعاطــِفاً سابِرِيّـاتٍ وَكتّـانا(328)
المبحث الرابع
المطابقة النحوية في باب المنصوبات:
المطابقة بين التمييز ومميزه:
أولا- التمييز لغةً واصطلاحا:
التمييز مصدرُ ميّزَ إذا خلّص شيئاً من شيء وفرّق بين متشابهين(329). قال ابن منظور: «مِزْتُ الشيءَ أَميزُهُ مَيْزاً: عزلته وفرزته، وكذلك مَيَّزْتُهُ تمييزاً».(330)
وقد استعمل (التمييز) في المعنى الاصطلاحي مجازاً من إطلاق المصدر على اسم الفاعل(331)، ثمّ صار حقيقة عرفية فيه(332). ويبدو أنّ أوّل مَنْ عبّر بكلمة (التمييز) هو المبرّد وقال في بيان مضمونه النحوي: «إنّ التمييز يعمل فيه الفعل أو ما يشبهه، ومعناه في الانتصاب واحد... [وهو] أن يأتي مبيّناً عن نوعه، وذلك قولك: عندي عشرون درهماً»(333). فكأنّه عرّف التمييز بأنّه: اسم منصوب بفعلٍ أو شبهه مبينٌ لنوعه.
وعرّفه الزمخشري بأنّه: «رفع الإبهام في جملة أو مفرد»(334). وعقّب عليه ابن الحاجب بقوله: «ليس التمييز في الحقيقة رفعاً؛ لاَنّه اللفظ الذي حصل عنه هذا الرفع المراد، وإنّما يغتفر النحويّون مثل ذلك لكونه معلوماً، إمّا على معنى (لفظ رفع الإبهام)... أو لاَنّ الغرض ذكر ما يتميّز به باعتبار المدلولات؛ إذ كان هو المقصود في التحقيق»(335). ثم عرّفه بأنّه: «ما يرفع الإبهام المستقرّ عن ذات مذكورة أو مقدّرة»(336). ومراده بالإبهام المستقرّ ما كان ناشئاً من الوضع، احترازاً من الإبهام في اللفظ المشترك في نحو: (رأيتُ عيناً جارية)؛ فإنّ (جارية) ترفع الإبهام عن (عيناً)، لكنّ إبهامها ليس مستقرّاً بحسب الوضع، بل هو عارض بسبب تعدّد الموضوع لها(337).
وعرّفه ابن مالك بأنّه: «ما فيه معنى (من) الجنسيّة من نكرة منصوبة فضلة غير تابع».(338) ولا بُدّ من التنبيه إلى الدقّة في قوله: (ما فيه معنى من)، وأنّه أفضل من قول مَن سبقه: (مقدّرة بـ: مِن)؛ ذلك أنّ المراد كون التمييز مفيداً معنى (من) البيانيّة، وهو بيان ما قبله، وليس المراد أنّ (من) مقدّرة في نظم الكلام؛ إذ قد لا يصلح لتقديرها(339)، ففي نحو: عندي عشرون ديناراً، وطاب زيدٌ نفساً، لا يصحّ التقدير بـ: عشرون من دينارٍ، أو طاب من نفسٍ.
وعرّفه ابن الناظم بأنّه: «اسم نكرة مضمّن معنى مِن لبيان ما قبله من إبهامٍ في اسم مجمل الحقيقة، أو إجمال في نسبة العامل إلى فاعله أو مفعوله»(340). وعُقّب عليه بأنّ قوله: «في اسم مجمل الحقيقة...» بيان لنوعَيْ التمييز(341)، فليسا داخلين في الحدّ. وبهذا يصل التعريف لأفضل صياغاته وأخصرها، وتابعه عليه ابن عقيل(342)، بتفاوت قليل في العبارة، وابن هشام بقوله: إنَّ التمييز: «اسم نكرة فضلة يرفع إبهام اسم أو إجمال نسبة».(343) و: «اسم نكرة بمعنى (من) مبيّن لإبهام اسم أو نسبة».(344) وهي صياغة مماثلة لتعريف ابن الناظم، إلاّ أنّ ابن هشام أضاف الإبهام للاسم أو النسبة، وأدخلهما بذلك في متن التعريف.
ثانيا- انخرام المطابقة بين التمييز والمميز في شعر عمرو بن أحمر الباهلي:
إنّ العدد لفظ مبهم لا يوضح بنفسه المراد منه ولا يعين نوع معدوده أو مدلوله، فمن يسمع كلمة ثلاثة أو أربعة أو خمسة... من ألفاظ العدد لا يمكن أن يدرك النوع المقصود من هذا العدد، ولا أن يميزه من بين الأنواع الكثيرة المحتملة، لذا لابد له من تمييز لكي يزول الإبهام ويتم المعنى(345). وهذا التمييز لابد من أن تتوفر فيه ظواهر لغوية، نحو قول الشاعر:
قَد جَعـَلَت مَيٌّ عَلى الطَـرارِ خَمسَ بَنانٍ قانِـئِ الأَظـفارِ(346)
والمطابقة بين العدد "خمس" وتمييزه "بنان" واضحة من حيث الجمع بما يحمله العدد "خمس" من دلالة على الجمع، وكون التمييز" بنان" مجموعا لفظا، فالمطابقة حاصلة من جهتين من جهة المعنى تارة ومن جهة اللفظ تارة أخرى. ويعلل الجامي كون التمييز للأعداد من ثلاثة إلى عشرة جمعا بقوله: «وأما كونه مجموعا ليطابق المعدود العدد... » (347). ولكن المطابقة غير حاصلة من ناحية التذكير والتأنيث؛ لأنَّ التمييز مؤنث ولم تلحق تاء التأنيث التمييز "خمس". وهذا إنما كان لأنَّ الأعداد من ثلاثة إلى عشرة يجب فيها ترك المطابقة من ناحية التذكير والتأنيث مع تمييزها؛ للفرق بين المذكر والمؤنث. واختص المذكر بالتاء لأنَّ أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنثا بالتاء، نحو: ثلاثة، أربعة ونحوهما من أسماء العدد فإذا أردنا تعليقه على معدود هو اصل وفرع جعل الأصل للأصل والفرع للفرع فأسقطت العلامة(348).
ويشترط في عدم تحقيق المطابقة بين العدد وتمييزه في التذكير والتأنيث أن يذكر المعدود وأن يتأخر عن العدد، نحو: ستة رؤوس وسبع رقاب. وقد ورد تذكير وتأنيث العدد نفسه وذلك تبعا للمعدود، ومنه قوله تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا }(349)، حيث أنث العدد "ثلاثة" لأن تمييزه "أيام" مذكر. وقوله تعالى: { قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا }(350)، وفيه ذكر العدد "ثلاث" لأن تمييزه "ليال" مؤنث.
وهذه الأحكام تسري على الأعداد من ثلاثة إلى عشرة سواء أكانت مفردة أو مركبة أو معطوفا عليها(351).
وقد جاء في الشعر العربي ما يخالف هذه الأحكام, ومنه قول الشاعر عمر بن أبي ربيعة:
فَكانَ مِجَنّي دونَ مَن كُنتُ أَتَّقي ثَلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ وَمُعصِرُ(352)
فجاء العدد "ثلاث" مذكرا والتمييز "شخوص" مذكر أيضا، وهذه مطابقة على خلاف القاعدة النحوية في تمييز العدد. ولعل المسوغ في مثل هذا هو الضرورة الشعرية(353).
وقال ابن أحمر الباهلي:
وَكَيفَ وَقَد جَرَّبتُ تِسعينَ حِجَّةً وَضَمَّ فُؤادي نَوطَةً هِيَ ما هِيا
نلاحظ في البيت الآنف الذكر أنَّ المطابقة غير حاصلة بين العدد ومميزه في صورة العدد؛ فقوله "تسعين" دال على الجمع، والتمييز "حجة" مفرد. وهذا جائز؛ لأنَّ ألفاظ العقود يكون تمييزها مفردا منصوبا كتمييز الأعداد المركبة(354).