بسم الله، وبه أستعين، وأصلي وأسلّم على نبيّه محمد، وآله وصحبه، وبعد
فقد تحدّث معي أخي الطلعة صاحب الطموح العالي، والهمّة السامية، د. عبد العزيز بن علي الحربي عن فكرةٍ رائدة، هي من بديع خواطره، وسوانح أفكاره، وهي من إبداعاته وأفكاره الرائدة، التي يتطلّع إليها المجتمع العلمي، في العالم الخائلي، حين وجد أن العالم الطبيعي يضيق بفكره، ولا يتّسع لها صدره، ولا يفي بأغراض اللغة العلمية، وحاجاتها المتجدِّدة، ورأى أن العالم الطبيعي تحكمه أمور وسياسات يصعب الانفكاك منها، والتخلّص مما يلزم عنها، فمن مجمعٍ لا إمكانات له، إلى مجمع ليس لديه سياسة فيما يجب أن يعمله، وليس لديه رؤية، ولم يستشعر القائمون عليه رسالتهم ولا ما يجب أن يعملوه، إلى مجمع لا إرادة له، ولا يراد لأعماله أن تتجاوز بوّاباته، إلى مجمع تحكمه شلل نافذة، ومجموعات تتكتّل على بعضها، وتتعصّب ضدّ من خرج عنها، فتمنع الآخرين من ولوجه إلا زائرين، وضيفًا غير ثقيلٍ، وإن كان في هؤلاء من هو الأجدر والأفضل، والأعلم والأغير، وفي هذه الأحوال تبقى أبواب المجامع في العالم الطبيعي غير مشرعة للجادّين من أصحاب الفكر والرأي، وعلماء العربية، والمهتمِّين بها، وأصبحت هذه المجامع حكرًا على طائفة ليست هي الأحقّ بها، وليست هي الأجدر، وأشبه بإدارات تجترّ الماضي، وتمضغ لبانة لا طعم لها ولا غذاء.
وفي مثل هذه الأوضاع، وفي ظلّ عجز مجامع اللغة العربية في العالم الطبيعي، يتحرّك ذوو الغيرة، وأصحاب الهمّة، ممّن لديهم نفوس طلعة، وطموحات وثّابة، وأمانٍ لا يصدمها واقع أليم، ولا وضع مهين، ولا عمل مشينٌ، ولا يسلِمها إلى الدعة والخمول والكسل قلّة السالكين في الطريق.
في هذه الظروف يخرج لنا د. عبد العزيز بن علي الحربي، وهو من هو اهتمامًا باللغة، وعنايةً بها، وصيانة لها، وتفكيرًا بشأنها، وهو في هذا قد فاق كثيرًا ممّن يزعمون الاختصاص بها، ولا يعدو اختصاصهم أن يقتاتوا بها، ويقيتوا بها وباسمها من يعولون، ويصنعون بانتمائهم لها أمجادهم، غير أن الفرق بينه وبينهم أنّه يؤدِّي هذه الأعمال باعتبارها رسالة، وهم يؤدّونها وظيفة، والفرق بين الموظَّف وصاحب الرسالة كبير، يدرِكه من خالط الفئتين، فالأوّل يؤدِّي ما يسند إليه، ويطلب منه، والثاني أسلم روحه الوثّابة، و سخّر إبداعاته الفكرية والعلميّة والعملية، لما يفيد وينفع، مبادرة منه، وإن لم تقتض طبيعة عمله ووظيفته ذلك، والأوّل يحمل همّ وظيفة ينتهي عند خروجه من مكتبه، والثاني يحمل همّ رسالة لا يفارقه، يحلّ معه حيث حلّ، ويرحل معه إذا ارتحل، ويبيت حيث بات، ويقيل حيث يقيل؛ لا يتخيَّل صاحب رسالة بدون رسالة؛ لأنها اختياره، ومن الممكن وجود موظَّف بدون وظيفة؛ لأن الحياة وأمور المعاش تضطرّه إليها اضطرارًا، وفرق بين المضطرِّ والمختار.
وكلِّي أمل أن يستجيب أهل العلم دعوة د. عبد العزيز، وأن يحيطوا هذا العمل بما يستحقّه من الاهتمام والاستجابة، وأن يجعلوا من منبره، ومنتدياته، وأقسامه ميادين حوار علمي جادٍّ، يعود على العربية بالخير الوفير، والعلم الغزير.
وأخيرًا: همسة في أذن أخي د. عبد العزيز؛ فمن المعلوم المقرّر أنّ جميع الأعمال والمشاريع تبدأ خاطرة، ثمّ فكرة، ثمّ مشروعًا، ثمّ عملا، ثمّ إنجازًا، والوصول لهذه المرحلة يتطلّب الصمود، وتحمّل مشاقّ الطريق، وعدم الالتفات للمعوِّقات، ومواصلة العمل، وتجديد الموقع، وموادِّه باستمرار، وإمداده بالجديد المفيد من المادّة اللغويّة، وهي أشياء لا أظنّها تخفى عليه، ولا تغيب عمّن هو في فطنته، ونباهته.
كما أهمس في أذن كلّ معنيٍّ باللغة العربية، من علمائها، وأساتذتها، وطلايها، ومحبّيها أن يسهموا في هذا العمل، كلٌّ حسب ما يتاح له؛ بغية أن يقدِّم ما يفيد، وأن يسدَّ خللا ما في حياتنا العلمية، وأن يقوم في العالم الخائلي، أو الافتراضي بما لا يُمكَّن من القيام به فيما يحمل الاسم ويتلبّس الوصف في عالمنا الطبيعي.
فإلى الأمام، وإلى مزيدٍ من الإبداع، ولا تلتفت لمن يدعوك لغير هذا، ولا تلتفت للمثبّطين، والمعوِّقين. والله الموفّق والهادي إلى طريقٍ مستقيم.
تم والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه.
وكتبه/ ســـليمان بن إبراهـــيم العــــايد