القصيدة لأمين ناصر الدين
ا أم هل يقضيك حقك مدمعي *** إن لم تسل معه حشاشة موجع
أو يدعي قلبي الوفاء إذا هفا *** في ساعةِ الذكرى ولم يتصدع
أدعوك يا أمي ولو أن الردى *** كانت له أم لقال لك اسمعي
لما نشدتُ الأنس بعدك لم أجد *** أثراً له فحسبتني في بلقع
قد كان حقاً ان أذوب تفجعاً *** لو يدفع القدر المتاح تفجعي
ولقد أتيت الدار ذات عشيةٍ *** فسمعت منها أنة المتوجع
وأجلت طرفي في جوانب روضها *** فتناثرت زهراته كالأدمع
وتلمست عيني سناك فما رأى *** إنسانها غير الظلام الأسفع
وتوقعت أذني نداك فما وعت *** إلا البكاء وزفرة المتفجع
ناديت يا أمي فهبت نسمةٌ *** حملت أريج العنبر المتضوع
وسألت عنك فقيل آثرت النوى *** عن ربعكم لتؤم خير الأربع
أوحشت داراً كنت مطلع أنسها *** فالأنس بعدك ماله من مطلع
كيف التفت أرى خيالك ماثلاً *** فأقول يا أماه هل من مرجع
وأحس أن القلب قد نزعته من *** صدري يد فيقض حزني مضجعي
فكأنما ذكراك بين جوانحي **** نارٌ تكاد تشف عنها أضلعي
أمسي وطيفك ما يفارق ناظري *** ولطيف صوتك ما يزايل مسمعي
ولقد وقفت أمام رمسك باكياً *** حتى حسبت صفيحه يبكي معي
وتمثلت عيناي شخصك فوقه *** يهتش بي ويقول لي لا تجزع
حسب الأسى يا أم أن جسومنا *** في موضعٍ وقلوبنا في موضع
كنا متى ما نمشي يمش وراءنا *** حذاراً فؤادك مشية المتتبع
نعم الخفير لنا فؤادٌ ملؤه *** محض الحنو ورقة المتخشع
وإذا شكونا عاف ناظرك الكرى *** وبسطت كفي مشفق متضرع
كم قلت صن يا رب أبناء الورى *** للأمهات فأنت أرحم من دعي
ولكم رقبت لدى العشي إيابنا *** رقبان ملتهب الجوانح مولع
فإذا تخلفنا جثوت على الثرى *** تتضرعين إلى المقام الأرفع
أو ليس عطف الأم خير تميمةٍ *** يوقى بها الأبناء سوء المرتع
قد كان بينك للحنان وبيننا *** سر فإن يخفق فؤادك نسمع
وإذا سهدنا تشعرين بسهدنا *** فتؤرقين وإن هجعنا تهجعي
نبكيك بل نبكي الطهارة والهدى *** يتجليان من الحجاب الأمنع
نبكيك بل نبكي العفاف تزينه *** ثقةٌ برب العرش لم تتزعزع
نبكيك بل نبكي الرصانة والتقى *** صينت بحرزٍ من نهاك ممنع
تبكيك ربات الكمال نوائحاً *** نوح الحمائم فوق بان الأجرع
لم تنسك الدنيا مآل المتقي *** فنزعت طول العمر أشرف منزع
وصبرت تبغين الثواب وإنما *** بالصبر تعرف طاعة المتورع
ما كان خفض النفس منك تصنعاً *** شر الخلال تواضع المتصنع
لله يومك والثقات ذوو التقى *** من حول نعشٍ بالوقار ملفعِ
وقفوا وكلهم عليك مرحمٌ *** والناس بين مروعين وخشع
لما رثيت أبي بكيتك حيةً *** علماً بأنك بعده في المهيع
يأسى الكريم إذا توقع مصرعاً *** لمحبه كأساه يوم المصرع
لولا حنوك ما قضيت شبيبتي *** في موطنٍ قال الشقاء له اربع
حظ الأبي الحر من أبنائه *** حظ الرمية من سهام النزع
غالبت نفسي قامعاً نزواتها *** وأقمت مضطراً لئلا تجزعي
فأضعت آمالي لاجلك قانعاً *** برضاك وهو الذخر غير مضيع
يا أم حسبك أن أثبت بجنةٍ *** فيها النعيم الجم صافي المشرع
وسقى ثراك الله من رحماته *** وبلا يسح مع الدموع الهمع