سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثانية والخمسون: الدكتور أحمد مطلوب-رئيس المجمع العلمي العراقي، ورأيه في وسائل الحفاظ على سلامة اللغة العربية وتنميتها لاستيعاب المستجدات، وتجربة العراق في ذلك:
إن الحفاظ على سلامة اللغة العربية وتنميتها لتستوعب المستجدات واجب كل عربي ومسلم، ولا يكفي الاعتزاز بها فحسب، وإنما لابد من عمل مثمر متواصل، ويتم ذلك بوسائل منها:
أولاً: نشر الوعي اللغوي بوسائل الاعلام المختلفة، وطبع الكتب والكراسات التي تبرز منزلة اللغة العربية وموقعها بين لغات العالم، وأثرها في وحدة العرب وجمع المؤمنين.
ثانيًا: إعادة النظر في مناهج تدريسها وتطبيق الطرائق الحديثة في تأليف الكتب وتدريسها.
ثالثًا: تعريب التعليم في جميع مراحله؛ لأن تلقي العلم باللغة الأم غير تلقيه بلغة أجنبية.
رابعًا: مشاركة المجامع العربية واتحادها مشاركة فعالة في العناية باللغة العربية وتوحيد المصطلحات العلمية والالفاظ الحضارية.
خامسًا: عقد المؤتمرات القومية والقطرية للوقوف على مسيرة تدريس اللغة العربية، وتقديم المقترحات التي تحقق ازدهار العربية لتواكب العصر، وتستوعب المستجدات.
سادسًا: إصدار تشريع يصون اللغة العربية كما فعل العراق حينما أصدر سنة 1977 (قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية) الذي ألزم الوزارات وما يتبعها من الدوائر الرسمية، وشبه الرسمية، والمؤسسات، والمصالح، والشركات العامة، وكذلك الجمعيات، والنقابات، والمنظمات الشعبية بالمحافظة على سلامة اللغة العربية، واعتمادها في وثائقها، ومعاملاتها، وكذلك بجعل اللغة العربية وافية بأغراضها القومية والحضارية.
ويتجلى ذلك في:
أولاً: التدريس باللغة العربية.
ثانيًا: العناية بلغة الكتب، والصحف، والمجلات، والنشرات.
ثالثًا: الابتعاد عن العامية في الكتابة، والسعي الى تقريبها من العربية الفصيحة.
رابعًا: أن يُحرر باللغة العربية:
1- الوثائق، والمذكرات، والمكاتبات، وغيرها من المحررات التي تُقدم إلى الدوائر الرسمية، وشبه الرسمية.
2- السجلات، والمحاضر، وغيرها من المحررات التي يكون لممثلي الحكومة، والمؤسسات الاطلاع عليها، وتفتيشها.
3- العقود، والإيصالات، والمكاتبات المتبادلة بين المؤسسات، أو الجمعيات، أو الشركات العامة، أو بينها وبين الأفراد.
4- اللافتات التي تضعها المؤسسات، والمنظمات، والجمعيات، والمحلات التجارية أو الصناعية على واجهات محالها.
خامسًا: كتابة البيانات التجارية المتعلقة بأي سلعة تم إنتاجها بالقطر العراقي بالعربية.
سادسًا: تجنب استعمال المصطلحات الاجنبية إلا عند الضرورة، ونص القانون– فيما يخص هذه الفقرة – على أن المجمع العلمي هو (المرجع الوحيد في وضع المصطلحات العلمية والفنية، وعلى الأجهزة المعنية الرجوع اليه بشأنه).
ولتنفيذ القانون صدر سنة 1983م (قانون الهيئة العليا للعناية باللغة العربية) الذي نص على أن الهيئة تسعى إلى تحقيق ما يأتي:
أولاً: العناية باللغة العربية من جميع الوجوه بوصفها اللغة القومية للأمة العربية التي هي في مقدمة اللغات المستقلة الحية المتطورة المنتشرة على النطاق العالمي.
ثانيًا: تيسير استعمال اللغة العربية لتعميم الاستفادة منها في الأغراض كافة، وفي الشؤون العلمية بوجه خاص.
ثالثًا: المحافظة على أصالة اللغة العربية، وجوهرها، وسلامتها من الأخطاء، وخلوها من الألفاظ العامية والأجنبية.
وشرعت الوزارات، والمؤسسات الثقافية، والمراكز العلمية، ووسائل الإعلام بتنفيذ القانون، وبدأت الألفاظ الأجنبية، والعلامات الصناعية، والأسماء التجارية، وأسماء الشركات والمحال تتغير، وأخذ أصحاب المصالح يراجعون المجمع العلمي لاستحصال الموافقات على الأسماء والألفاظ التي يرغبون في استعمالها؛ لأن الدوائر المختصة بشؤون قضاياهم لا تعطيهم إجازة إلا بعد موافقته الرسمية. وهذا ما يبشر بالخير، حيث الوعي بأهمية اللغة العربية يزداد يومًا بعد يوم، وحيث الاعتزاز بها؛ لأنها رمز استقلال الأمة، والحفاظ على هويتها، فضلاً عن أنها لغة الكتاب العزيز الذي نزل بلسان عربي مبين.
إن إصدار القوانين في الأقطار العربية للحفاظ على سلامة لغة الضاد، وتشكيل هيئات قطرية تنفذ تلك القوانين لأمر ضروري في هذا الزمن الذي تتعرض فيه لغة القرآن الكريم، للهجمات في السر والعلن، وآخرها (العولمة) التي تحاول الهيمنة على العالم وتمحو ثقافات الشعوب الوطنية، وتُحجِّم لغاتها القومية للوصول الى سيطرة لغة القطب الواحد.
المصدر: اللغة العربية وتحديات العولمة، بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة. مارس 2014م.
إعداد: مصطفى يوسف