mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د. محمد جمال صقر
عضو المجمع

أ.د. محمد جمال صقر غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 282
تاريخ التسجيل : Oct 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,361
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=3

كُتب : [ 03-05-2013 - 07:57 AM ]


فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=3
أَمُجَهَّزٌ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ مُرْتَجَلٌ؟
في الكلام المجهز تأنٍّ وإعادةٌ وتهذيبٌ، وفي الكلام المرتجل تَعَجُّل واكْتفاء وإِغْضاء؛ فإذا كان هذا المُرتجَل أَسْرَعَ حُضورا، فإن ذاك المُجهَّز أشدُّ تأثيرا؛ وما أكثر ما آثَرَ بعض المتحدثين أن يجهزوا ما سيتحدثون به؛ قال البَعِيثُ الخَطيب المِصْقَعُ (البارع الموفَّق): "مَا أُريدُ أَنْ أَخْطُبَ يَوْمَ الْحَفْلِ إِلَّا بِالْبَائِتِ الْمُحَكَّكِ (المجهَّز المهذَّب)" !
ولا ريب في أن هذا الكلام الذي تحدثت به إليكم كلام مُجَهَّزٌ؛ إذ لم تُفْلِتْ منه فَلْتةٌ، ولم تَهْفُ هَفْوةٌ، ولم تَخْتَلَّ قِسْمةٌ. بل يدل تنسيقه الواضح على طول تجهيزه؛ فلقد اشتمل على ثلاث طبقات من التنسيق، بعضها فوق بعض، على النحو التالي:
- تَنْسِيق التَّعْبيرات (والتعبير ما تحت الجملة وفوق الكلمة من مركبات)، كتنسيق قوله: "أَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ" على وَفْق قوله: "أَنَّ الْمُسْتَشَارَ لَيْسَ بِكَفِيلٍ".
- تَنْسِيق الجُمَل، كتنسيق قوله: "لَاْ تُلْزِمْهُ لَوْمًا وَعَذْلًا"، على وَفْق قوله: "لَا تَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَيْنًا"، ثم تأخير المتعلقات المشتركة بينهما.
- تَنْسِيق الفِقَر، كتنسيق قوله: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمُشِيرَ (...) فَإِنَّ هَذَا مُجَانِبٌ لِأَدَبِ الْحُكَمَاءِ"، على وَفْق قوله: "إِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ صَاحِبُكَ بِرَأْيٍ (...) فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ ضَجَرٌ وَلُؤْمٌ وَخِفَّةٌ".
أَنَثْرٌ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ شِعْرٌ؟
للكلام كله نثره وشعره لفظه الظاهر ومعناه الباطن، ولا يستغنيان جميعا معا عن التَّحْدِيد (اختيار المفردات وتبديلها حتى تَتَحَدَّد)، والتَّرْتِيب (تقديم المفردات وتأخيرها حتى تَتَرَتَّب)، والتَّهْذِيب (إضافة المفردات وحذفها حتى تَتَهَذَّب).
ولكن يمتاز الشعر من النثر بوجود العَروض في أصول كل عمل من تلك الأعمال (التَّحْدِيد والتَّرْتِيب والتَّهْذِيب)، وفروعها، بحيث يخرج الكلام في الشعر مطبوعا بطابع العروض، على حين يخرج في النثر غير مطبوع بطابعه.
وما العروض إلا الأوزان والقوافي التي نتلقاها في الشعر منذ العصر الجاهلي إلى الآن، التي يستقل بتفصيل أمرها علم العروض، وربما اسْتَحْسَنَّا أن نُلِمَّ ببعض شأنها إذا دعت الحاجة.
ولا يخفى أن الكلام السابق نص من النثر لا الشعر؛ فلا أوزان عروضية له ولا قوافي، وإن كان لحُسْن تَنْسِيقه (تَقْطِيعه وتَقْسِيمه ومُزَاوَجَته)، أَثَرٌ من التَّنْغِيم الطَّرُوب غير العروضي.
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَالِثًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّقْوِيمِ: ...
أَقَوِيٌّ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ ضَعِيفٌ؟
إن المؤمن القوي "خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ" . والكلام كالمتكلم، قويه خير من ضعيفه، وربما أدى ضعيفه من المراد ولا سيما بين الضعفاء ما لم يُؤَدِّه القويُّ!
ولقد ينبغي أن أحرص على أن أسمعكم الكلام القوي دون الضعيف، لتتطبعوا بطبيعته، وتتمكنوا من مجاراته؛ فقد أوشك ما نسمعه دائما أن يُلْبِسَ علينا أمورنا؛ فنُقَوِّيَ الكلامَ الضعيفَ، ونُضَعِّفَ القويَّ!
ومقياس قوة الكلام وضعفه اختلال لفظه ومعناه، ولا يخلو منه كلام إلا المعصوم؛ فمن ثم ينبغي أن يُراعَى في الحُكْمِ التَّفَاوُتُ؛ فكلُّ ما زاد فيه الاختلالُ كان من الضعف بمقدار ما فيه، وكلُّ ما نقص فيه الاختلالُ كان من القوة بمقدار ما فيه.
ولا يستغني المقام عن المُوازنة بين نصوص الكلام المُتَعَدِّدة المُشْتَبِهَة؛ فتَقْوِيَة الكلام تَمْييزه من غيره بنِسْبته دونه إلى القُوَّة، ولا سبيل إلى تمييز كلام لم يُنَافِسْهُ كلامٌ آخر؛ فإذا تَيَسَّرَ لنا في بعض المقامات، أن نستمع إلى نصوص متعددة مشتبهة، ووازنَّا بعضها ببعض؛ فقَوَّيْنَا، أو ضَعَّفْنَا- فَبِها ونِعْمَتْ. وإذا لم يَتَيَسَّرْ لنا ذاك اعتمدنا على ذَخِيرَتِنا مما استمعنا إليه طَوال حياتنا، وأضفنا إليها ما نستمع إليه الآن، ووازنَّا ما فيها بعضه ببعض. وفي هذا يختلف المستمعون؛ فربما حَظِيَ بعضهم في إِبَّان الطَّلَبِ بالكلام القَوِيِّ، وابتُلِي بعضهم بالكلام الضَّعِيف، واختلف على بعضهم الكَلَامَانِ الضعيفُ والقويُّ؛ فحَكَمَ كلٌّ منهم بما عَلِم! وإذا لم يَتَيَسَّرْ لنا هذا ولا ذاك تَخَيَّلْنا للكلام وجهًا آخر جائزا، ووازنا فيه بين الوجهين!
لقد استعمل المتحدث في أول الكلام السابق كلمتي كَفِيل ومَضْمون، وهما متقاربتان بحيث ربما جاز الجمع بين المستشار والرأي للحكم عليهما جميعا حكما واحدا بأنهما غير كَفِيلَيْنِ. ولكن المتحدث خالف بينهما ليميز معنى الفاعل الذي في كَفِيل (صيغة المبالغة في كَافِل) -فإن المستشار لا يَكْفُل لمن استشاره صوابَ ما أشار به عليه- من معنى المفعول الذي في مَضْمُون؛ فإن الرأي لا يُضْمَن صوابُه، ولو جعله غير كَفِيل كما جعل المُستشار، لكان من التَّكَلُّف الذي يَعُوق الفهم.
ثم استعمل كلمتي لَوْم وعَذْل، متعاطفتين وهما عند المتعجلين بمنزلة كلمة واحدة. ومثل هذا التطابق المظنون لا يكون إلا بين اللهجات المتفاصلة التي لا يعرف أصحابها أنهم يسمون الشيء الواحد أسماءً مختلفة بينهم، ويُدْهَشُون حين يَعْرِفون، مثلما أُدْهِشَ سيدنا أبو هريرة -رضي الله عنه!- حين سمع من رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!- كلمة "سِكِّين"، ولم يكن يعرف إلا "المُدْيَة" . ولو عرف "السِّكِّين" ثم استعملها مع "المُدْيَة" لكان من الاختلال المذكور فيما سبق. ولكن في العَذْل معنى ليس في اللَّوْم؛ إذ لا يتجاوز اللائم الأَخْذ على المَلُوم، فأما العاذل فيَشْوِي المَعْذُول بلسانه، هذا معلم من معالم قوة الكلام السابق لا ضعفه!
ومن معالم قوة الكلام كذلك تَدَاخُلُ عناصره تَدَاخُلَ طَاقَات الحبل المَفْتُول، على وجوه مختلفة، منها الاعتراض بين أجزاء العنصر الواحد بما ليس منها، مثلما اعْتُرِضَ في الكلام السابق، بين أجزاء "لَا تُكْثِرَنَّ ذِكْرَهُ (...) وَلَا تَلُمْهُ عَلَيْهِ (...) بِأَنْ تَقُولَ" -وهي عناصرُ متعددة جعلها التعاطفُ بينها في إطار جواب الشرط كالعنصر الواحد- بعبارتَيْ "إِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاحٌ"، و"إِنْ كَانَ قَدِ اسْتَبَانَ فِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ".
لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ؟
قد سبق أن هذا الكلام قديم، ولكنه لا يبلغ في القدم أن يكون من العصر الجاهلي؛ إذ قد اشتمل من تفاصيل مظاهر ظاهرة التشاور، على ما كان الجاهليون يُوجِزُونَه. ويصعب أن يكون من العصر الإسلامي (عصر صدر الإسلام)؛ إذ قد خلا من شواهد القرآن الكريم والحديث الشريف، التي اشتغل بهما المسلمون الأوائل عما عداهما، حتى عن كلام أنفسهم. وكذلك يصعب أن يكون من العصر الأموي الذي راجع أهلُه الأساليب الجاهلية، حتى شُبِّهَ بعضُهم ببعض الجاهليين. ولكنه لا يمتنع أن يكون من العصر العباسي الذي تشعبت فيه شعب الثقافة العربية الإسلامية، واتسعت لكل وافد، وتطورت بكل جديد، حتى استحدث أهله ما تتجلى فيه ثقافتهم الواسعة المتطورة، من أساليب التفكير والتعبير.
إنه لعبد الله بن المقفع (المولود سنة 106هـ، المتوفى سنة 142هـ)، أحد كبار الكُتَّاب والمترجمين في تاريخ اللغة العربية، وأئمة الأساليب المُؤَثِّرة .
وهو باب من كتابه "الْأَدَب الْكَبِير" ، المُبَوَّب على أبواب مِثْله غير معنونة، أستحسن فيما يأتي أن أورد منه كذلك، هذين البابين المتكاملين المناسبين:
"تَعَلَّمْ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ كَمَا تَتَعَلَّمُ حُسْنَ الْكَلَامِ. وَمِنْ حُسْنِ الِاسْتِمَاعِ إِمْهَالُ الْمُتَكَلِّمِ حَتَّى يَنْقَضِيَ حَدِيثُهُ، وَقِلَّةُ التَّلَفُّتِ إِلَى الْجَوَابِ، وَالْإِقْبَالُ بِالْوَجْهِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، وَالْوَعْيُ لِمَا يَقُولُ" . "وَاعْلَمْ فِيمَا تُكَلِّمُ بِهِ صَاحِبَكَ، أَنَّ مِمَّا يُهَجِّنُ صَوَابَ مَا يَأْتِي بِهِ، وَيَذْهَبُ بِطَعْمِهِ وَبَهْجَتِهِ، وَيُرْزِي بِهِ فِي قَبُولِهِ- عَجَلَتَكَ بِذَلِكَ، وَقَطْعَكَ حَدِيثَ الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَيْكَ بِذَاتِ نَفْسِهِ" .


توقيع : أ.د. محمد جمال صقر

أ.د.محمد جمال صقر
PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
FACULTY OF DAR EL-ULWM
CAIRO UNIVERSITY
www.mogasaqr.com
mogasaqr@gmail.com
mogasaqr.eg@gmail.com
mogasaqr@yahoo.com
saqr369@hotmail.com
00201092373373
0020223625210

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=13 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 0 04-20-2013 12:15 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=12 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-19-2013 09:31 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=10 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-16-2013 06:14 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=9 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 1 04-07-2013 02:16 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ= 1 أ.د. محمد جمال صقر مقالات أعضاء المجمع 2 02-06-2013 01:50 PM


الساعة الآن 04:05 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by