نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ=5
سجلتها وفرغتها وهذبتها
الأستاذة نهاد مجدي
gaheza584@yahoo.com
بمرحلة الماجستير
قسم النحو والصرف والعروض، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
************************************************** ************
ولعل أقدم من تعرض لهذه القضية من علمائنا القدامى هو أبو بكر بن محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني ، الذي عاش ما بين 338 و404 هجرية ، 950 و1013 ميلادية ، أحد علماء القرن الرابع الهجري المشهورين في كتابه المشهور "إعجاز القرآن" في فصل (نفي الشعر عن القرآن) ماذا قال الباقلاني ؟ قال : [فإن زعم زاعم أنه وجد في القرآن شعرا كثيرا ، فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت تام ، أو أبيات تامة ، ومنه ما يزعمون أنه مصراع] يعني شطر، المصراع شطر البيت [كقول القائل :
قد قلتُ لما حاولوا سَلْوتي هيهاتَ هيهاتَ لما توعَدونْ] .
مصراع ! شطر ! في سورة المؤمنون .
أيضا ["وجفان كالجواب وقدور راسيات"] رمل ، من مجزوء الرمل ، فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ، طبعا (جفان كالجواب) تعرفون (جفان) جمع (جفنة) وهي القدر الكبير، (كالجواب) مثل الحوض الكبير الممتلئ ماء ، وقدور ثابتة راسية على المواقد لثقلها وكبرها، هذا معنى { وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدورٍ راسِياتٍ } سبأ: ١٣. [وكقوله] – تعالى!- : ["من تزكى فإنما يتزكى لنفسه"]18 فاعلاتن متفعلن فعلاتن متفعلن ، سقطت الألف ، خبن ، من مجزوء الخفيف .
[وكقوله] – تعالى! - انتبهوا معي هذا الكلام في إعجاز القرآن ! يقول – تعالى!- : "ومن يتق الله يجعل له (مخرجا) ويرزقه من حيث لا يحتسب" .
الفرق بيننا وبين الباقلاني أو الفرق بيننا وبين أي قارئ عاد أننا نستحضر في أذهاننا الأداء الشعري ، الشاعر حينما يلقي شعره ليس كأي إنسان عندما يقرأ شعر شاعر ، الشاعر حينما يلقي شعره ينغمه ، وهو الإيقاع ، وهو النبر ، هو الموسيقي ، هو نَظَمَ - بتعبير عامي- عبأ الكلمات في الموسيقى التي في ذهنه ، فالموسيقى مستحضرة في الذهن ، فحينما يلقي علينا قصيدته يلقيها بموسيقاها ، فهذا الشاعر الذي يتقن علم العروض، ويحفظ أوزان الشعر العربي إذا قرأ القرآن الكريم وهو مستحضر أنغام الشعر وإيقاع الشعر كله في ذهنه وهو يقرأ ألا يجد شيئا ؟ فهل هذا قبل كل اعتبار يعيب القرآن الكريم أم يُجَوِّدُه ، ويُحَسِّنُه ؟ بل أنا أزعم أن هذه المَوْسَقَةَ في القرآن الكريم تساعد الناشئ أو المسلم بعامة على الحفظ، تيسر له قضية الحفظ ؛ فأنا أحفظ الشعر بسهولة جيدة حينما أجد دواعي الحفظ في الشعر هي هي موجودة في القرآن الكريم ، يسهل علي حفظ القرآن ، فلا غبار إطلاقا على القرآن حينما يحتوي على تفاعيل ، لا قصيدة ، ولا قطعة ، شطر ، مصراع ، جملة ، جزء . وسيقول الباقلاني الآن إنها ليست إلا مقطعات قصار ، لتبث موسيقى الشعر التي كان العرب يتقنونها ، ويحفلون بها، كما يحتفلون بميلاد الشاعر ، فحينما يجدون هذه الموسقة في القرآن الكريم يزداد تعلقهم به ، يحفظونه .
{ومن يتق الله يجعل له} ثم (مخرجا) في الوسط ثم {ويرزقه من حيث لا يحتسب} ، لو قطعنا {ومن يتق الله} ، لو موسقنا {ومن يتق الله يجعل له} ، نعم ؟
أحد الطلاب : المتقارب .
ومَنْ يَتْْ/ تَقِ الّلا/ هَ يَجْعَلْ/ لَهُ فعولن/ فعولن/ فعولن/ فعو ، ويَرْزُقْ/ هُ مِنْ حَيْ/ ثُ لا يَحْ/ تَسِبْ فعولن/ فعولن/ فعولن/ فعو ، لكن جاءت (مخرجا) في الوسط ، خرجت البيت عن كونه شعرا؛ اختلف الوزن ، أو انكسر الوزن ، وهذه مشيئة الله – تعالى! – كان الله – سبحانه ، وتعالى! - في وسعه وهو خالق الكون، وخالق الشعر ، وخالق الشعراء - كان بوسعه أن يصوغه صياغة أخرى، لكن إرادة الله لئلا يعتقد أحد أن القرآن شعر . ومَنْ يَتْ/ تَقِ الّلا/ هَ يَجْعَلْ لَهُ/.. وَيَرْزُقْ/ هُ مِنْ حَيْ/ ثُ لا يَحْ/ تَسِبْ !
وفي قوله – تعالى ! - : ["أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم"]، (ذلك) كسرت الوزن ، تعرفون لو قال - سبحانه ، وتعالى ! - في غير القرآن : (أرأيت الذي يكذب بالدين فذاك الذي يدع اليتيم) لصارت ماذا ؟ فعلاتن متفعلن فعلاتن فعلاتن متفعلن فاعلاتن ، لولا الحرف – هناك في السابق كانت كلمة وهنا حرف - لولا هذا الحرف لاستقام الوزن ، لكن الله لم يشأ ذلك ؛ ليس شعرا .
وقد جاء على وزن بيت تام من الخفيف لولا أن إرادة الله – ذا كلامي - شاءت أن تزيد لاما بين ذا الإشارية وكاف الخطاب ، فلولاها لاستقام الوزن التام. وقد [ضَمَّن أبو نواس] - سامحه الله !- انظروا أبا نواس ، ماذا فعل! ضمن أبو نواس هذا [في شعره ففصَّل وقال] قال بيتين في ديوانه :
[ وَقَرا مُعْلِنًا ليصدع قلبي والهوى يصدع الفؤاد السقيما .
أرأيت الذي يكذب بالدين فذاك الذي يدع اليتيما .]
انتبهوا ، فكرة أبي نواس هذه ستظل عبر الدهور إلى يومنا هذا ، وسأختم بها كلامي معكم؛ شخص عمل هذا العمل نفسه في القرآن كله ، من أوله لآخره ، شيخ ، لما يزل على قيد الحياة