• فمنذ متى واللغة بشكل عام تعد عائقًا من معوقات التقدم والتحضر والرقي، إن لم تكُنْ عاملًا رئيسًا في إثبات هويته؟ بل إن الأديبة العراقية "نازك الملائكة" أكدت أهمية النحو والقواعد، ومعيارية كلٍّ منهما بتصريح عابر لها بمجلة "العربي" الشهرية، في عددها (346)، ص: 102؛ جاء فيه: "إن قواعد النحو العربي ليست إلا صورة من القوانين المنتظمة التي تخضع لها الجماعات، والجماعة التي تضيِّع قواعد لغتها لا بد وأن تضيع قواعد تفكيرها وحياتها، وأن لزوم القاعدة النحوية صورة من إحساس الأمة بالنظام، ودليل على احترامها لتاريخها، وثقتها بنفسها ثقةً كاملة أصيلة".
وبجولة في ثلاثية للاحتفال بالذكرى السنوية للغة العربية التي نُشرت بمجلة العربي في عددها (709) للباحث والأكاديمي الكريم د/ سليمان الشطي، أفاد في مقاله المعنون بـ"مشهد مؤلم اللغة العربية في عصرنا"، وبصفته الأكاديمية طرح بموضوعية جادة مشكلة اللغة العربية مع أصحابها، وساق أمثلة للغات أخرى لاقت من أربابها احترامًا ورعاية، حتى ولو كانت تلك اللغة قد اندثرت، أو اقتصرت على قلة من جغرافية الأرض، فذكر قائلًا ساخرًا:
♦ هل اللغة العربية لغة يتيمة الأب؟ فقال: كل تلك اللغات لها آباء هُم رُعاتُها، وحُرَّاس يحمونها، وعلماء يخدمونها تطويرًا وتسهيلًا، مع تقديم وسائل تعلمها المطورة، وانطلق الباحث القدير يسرد قائمة ربما لم تكن الجامعة، ولكنها على سبيل الذكر لا الحصر؛ قال: "هناك المعاهد البريطانية المنتشرة تدعيمًا للغة الإنجليزية، فيرى الإنجليز أن أهم ما قدمته الأمة الإنجليزية للعالم ليس مخترعاتها فقط، ولكن هي اللغة البريطانية الإنجليزية، وحتى فرنسا تعتز بلغتها اعتزازًا في جامعاتها، وضرب أمثلةً بمعاهد فولتير، ومعاهد جوته، والغريب حتى في بلاد إسلامية مثل إيران، فإنها تعتز وتفتخر بالفارسية، برغم لغة القرآن الكريم التي بين أيديهم، والأغرب من ذلك اللغة العبرية التي اندثرت من زمن سحيق، أعاد اليهود لها حيويتها وسقَوها بماء الغَطْرسة والتجبر والتعالي مادةَ الحياة؛ فعادت قوية تفرض نفسها على ساحات التراجم والبحوث والهيئات، وقارئ التاريخ يعلم أن مؤتمر بازل كان من مقرراته إحياء التراث العبري، وتمكين اللغة العبرية من الحضور والظهور.
♦ ثم يتجرع الكاتب الأكاديمي قطرات من ماء الجراءة، فيقول موبخًا لنا:
حتى متى ستظل اللغة العربية لغة تائهة مهجورة، مع أن الدساتير العربية كلها تفتتح بمادة "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد"، وأضاف أن هذا الحق المسلوب الذي نرنو إليه هو حق مُحصَّنٌ قانونيًّا حسبما نصت عليه دساتيرنا العربية.
والجدير بالذكر: هل الصين واليابان والولايات المتحدة الأمريكية تخلَّوا جميعًا هم ومن على شاكلتهم في الازدهار المادي عن لغاتهم وقواعدهم، حتى ولو كانت وضعية لم تحظَ بما حظيَت به الفصحى من كونها لغة القرآن الكريم؛ أقدس الكتب على الاطلاق؟؟ لا تعليق.
• أستاذي الكريم أكتفي بهذا الطرح وهذين السؤالين، وأنتقل لفقرة تالية، وسوف نورد تلك المفردات التي جاء بها كاتبنا الجليل: د/ حسن عباس، في الباب الثاني، في جزئية مفردات يُتوهَّم عاميتها، وهي فصيحة بإذن الله تعالى وتوفيقه.
نظرة ثانية:
أ/ عبدالرازق البصير جندي مؤيد:
ثاني هؤلاء الذين جاؤوا معي هو الأستاذ "عبدالرزاق البصير" في كتابه: "نظرات في الأدب والنقد" بسلسلة كتاب العربي، مر على المقال أكثر من ربع قرن أو يزيد، ولا زال الأمر محل دراسة، ولم يخرج المقال عن الأول في فكرته كثيرًا فهو بعنوان: "الترجمة من العربية وإليها"، وبالتأكيد هو يناقش معضلات الترجمة، وكيف ستتصرف العربية معها، ولن نتعرض للمقال كله؛ فلسنا كما ذكرنا بمجرد قاصٍّ ولاصق، ولكن نأخذ ما يعنينا بأمر مقالنا، وأستسمح القارئ الكريم ألًّا ينفر أو ينفض عن كاهله مسؤولية ضياع اللغة العربية، وأضعف الإيمان أن ينجَدِلَ في طينة المشفقين، ولربما ما جاء به صاحب المقال الثاني: "أ/ عبدالرازق البصير" إنصافًا لي، وما أنا بصدد الذود عنه؛ إذ قال في مبتدأ المقال جملة أشرقت لها نفسي:
يتضح للمتأمل في تاريخ "لغة القرآن الكريم" أنها سلكت نهج الأخذ والعطاء منذ أقدم عصورها، شأنها في ذلك شأن اللغات الحية القوية التي تمتلك قابلية؛ ذلك أن لديها استعدادًا لتقبُّلِ ما يجدُّ في الحياة من تغير وتطور، فنحن ندرك جميعًا بأنها أخذت من اليونان والفرس والهند كثيرًا من المفردات؛ فعرَّبتها تعريبًا مكينًا، حتى أصبحت مفردات عربية لا يكاد ينتبه إليها إلا العلماء؛ "كالإستبرق، والسندس، والفردوس، وقسطاس"[5].
إذًا لا مجال للقول بأن اللغة العربية لم تعد لغةَ تخاطب، تلك التي قبِلتِ الآخر، وعرَّبت بتمكين، والتمكين يأتي من إيراد المولى عز وجل لها بنصوص القرآن، وقبل أن أنطلق جاءتني ريحٌ طيب من نيل مصر المِعطاء، تحمل بين طيَّاتِ أمواجه كلمات لشاعر لُقِّب بـ"شاعر النيل"؛ وهو (حافظ إبراهيم) حين قال مفاخرًا متباهيًا بلغتنا الجميلة:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
وقوله وهو يتعجب:
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماءٍ لمخترعاتِ
♦ وتعزيزًا لِما أفاض هذا المنصف الجميل: أ/ عبدالرازق البصير، في التصريح بأن لغة القرآن الكريم صدَّرت مفردات جديدة مردها للغات أخرى؛ ما جعل اللغة العربية تكتسب سمة العالمية، أرى أن شأن اللغة العربية لم يسمُ في أي وقت بقدر ما سما وعلا، وناطَحَ السحاب بعد نزول القرآن الكريم بها، ووُصف بلسان عربي مبين، وأما عن تعزيز كلام الكاتب الجليل، فهو ما ذكره الإمام جلال الدين السيوطي: بأن الكلمات التي أُدرجت ضمن النصوص القرآنية من اللغات الأخرى تخطَّت المائة كلمة وتزيد، وذكر د/ محمد فريد عبدالله منها في مقاله: "أثر السياحة في اللغة العربية"، والمنشور له بمجلة العربي في عددها الصادر (265)، ص: 16 – 21، فنقل منها:
♦ (أباريق، وسجيل، وإستبرق) عن الفارسية، (قسطاس، صراط، شيطان، إبليس) عن الرومية، (أرائك، جِبْت، ودُرِّي، كِفلين) عن الحبشية، (سُرادق، ويم، وطور، وربانيون) عن السريانية، (حَصَب، وسري) عن الزنجية، (فوم) عن العبرانية، (غسَّاق) عن التركية القديمة، وعن الهندية (مشكاة)؛ وهي الكوة التي لا تنفد، ومن القبطية (هيت لك)...
وكما أسلفنا أن تلك الكلمات لم تأتِ من باب انحصار العربية ولا قصورها، ولكن مشيئة الله عز وجل الذي منح العربية العالمية للشيوع والانتشار والسيادة، وهنا ملمح رائع لا يدركه غير المنصفين الذين يَرَون أن شمولية وعمومية الرسالة لأشرف الخلق والقرآن الكريم أوجبت لغةً تُخاطِب كل لسان، وتقترب من آذان السامعين والمنصتين، وخلق وشيجة بين العرب وغيرهم، إذا ما سمعوا في القرآن عن مفردات لهم، عُرِّبت لتخدم العقيدة السامية والرسالة الخاتمة.
وللمقال بقية بإذن الله، نستكمل فيه ما بدأناه، ونسترجع ما علمناه من سجايا لغة هي السامية، رغم أنف الكارهين.
المصدر
-----------
[1] من مشكلات اللغة العربية، د/ إبراهيم عبدالرحمن محمد، مجلة العربي، العدد: 502، ص: 167، 168، 169.
[2] كتاب الشعب (112)، أساس البلاغة للزمخشري (ص: 442).
[3] من مشكلات اللغة العربية، د/ إبراهيم عبدالرحمن محمد، مجلة العربي، العدد: 502، ص: 167، 168، 169.
[4] سلسلة كتابك، علم التفسير، د/ محمد حسين الذهبي، ص: 20.
[5] كتاب العربي (28)، نظرات في النقد والأدب، د/ عبدالرزاق البصير، الترجمة من العربية وإليها، ص: 23.