وليست تلك الخدمات الوحيدة التي تسديها اللغة العربية للاهوتي. فنسخة العهد القديم الكلدانبة، التي تحمل اسم "الترجوم"، وهي النسخة القديمة المنصوح بها، مليئة بالعبارات والألفاظ العربية. وتعليقات الحاخامات تنطوي في كل صفحة على إيضاحات مستمدة من اللغة العربية. وأخيرا، ستبقى نسخ العهد القديم العربية معتمة تماما لمن لا يقرأها في صيغها الأصلية.
هذه الاعتبارات اعترضت بقوة اثنين من أشهر المختصين في النصوص المقدسة العبرية في القرن 16م، "عمانوئيل تريميليوس" و"فرانسيسكوس يونيوس"، وهما على أهبة ترجمة العهد القديم، فصمما على دراسة العربية مقتنعين بأنه بدون معرفتها المسبقة سيتوقفان في عملهما عند كل جملة. وأقر العالم المستشرق "رايسكه" بأن امتلاك قاموس للغة العربية يمثل أفضل معين في تفسير الكتاب المقدس (التوراة) من جميع التعاليق الممكنة.
اللغة العربية إذن تتيح توضيح كلمات العهدين القديم والجديد وتسلط بالتالي الضوء بكثافة على الوقائع والأعمال الواردة في هذه النصوص، لأن تقاليد وأخلاق العرب والعبرانيين تتقارب كثيرا. هكذا لن نندهش بعد من رؤية "شمشون الجبار" وهو يقترح بجدية أحجية على المدعوين في وليمة كبيرة (سفر القضاة، 12) حين ندرك أن نفس التقليد ما يزال موجودا في الشرق، وأنه من الصعب توصيف شخص ما بالذكاء العالي إن لم يكن على دراية بحل الألغاز. ولن نستغرب مشهد يوحنا المعمدان وهو يأكل الجراد في الصحراء (إنجيل متى – 3) عندما ندرك أن الجراد ما يزال إلى اليوم يشكل طعاما للبدو العرب. ولن نسْخر بعد مثلما يفعل بعض السذج من اللعب بكلمات يسوع حين يخاطب القديس بطرس: "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي" (إنجيل متى 16-18) حين نعلم أن في الشرق هذا النوع من اللعب بالكلمات ليس طابع العقول الصغيرة كما هو الشأن عندنا، بل يشكل حلاوة المناقشات ويزيد في رونق الشعر.
بوسعي الإسهاب في تعداد هذه الأمثلة: بوسعي أيضا، حضرات السادة، مواصلة إقناعكم بمكانة اللغة العربية بالتحدث عن عدد الألفاظ التي استعارتها اللغات الحية منها. بوسعي البرهنة بكون نصف كلمات الفارسية والتركية عربية قحة وأن الإسبانية والإيطالية والإغريقية الحديثة بل والفرنسية تحتوي على عدد هائل من الكلمات العربية: لكن ثمة اعتبارات أخرى أهم تلتمس عناية المنصتين إلي.
تضم آداب العرب ذخائر ما يزال جلها مجهولا في ثنايا المخطوطات. مُرٌست ريشاتهم الشعر والتاريخ والروايات. والعرب شعراء ذواقون بالفطرة. وقبل بعثة النبي محمد بقرون، كان لكل قبيلة من قبائلهم شعراء يتنافسون بحدة عمّن يكون الأفضل في نظم القريض. وكان يعقد، كل سنة، تجمع رسمي لسماع المتبارين يتناشدون ويتحاكمون فيما بينهم. وكانت القصيدة المتوجة تعلق على جدران الكعبة ويقام لصاحبها تكريم رائع. وكانت قبيلته وهي فخورة بهذا النصر تخصص، كما في اليونان القديمة، يوما للاحتفال به، وتتقدمه بالمزاهر والدفوف وتزين منزله بأفخم الزخارف وتباركه بصفته المدافع عن نقاء لغته وسلامة أنسابه والمخلد لمآثر بلده.
ونتيجة هذه التحفيزات أنجب العرب في كل الأزمنة شعراء متميزين، إلا أنهم بخلاف الإغريق والرومان لم يقرضوا كل أصناف الشعر. اقتصروا على اللون الغنائي والهجائي والمدح ولم يهذبوا المأساة والكوميديا والملحمة. تتسم قصائدهم الحربية بالسمو وأناشيد حبهم بالحزن وأشعارهم الهجائية بالاكتمال. أما سخريتهم فسوط قارص: ما اجتمع في الريشة اللاذعة والجارحة لكل من "بوالو" و"جان-جاك روسو".
إن إجراء مقايسة بين شعر العرب وشعر الإغريق ستكون مهمة عسيرة وسيبقى الامتياز دوما للإغريق. في غالب الأحيان، يفتقد الشعراء العرب إلى الطبيعي والبسيط، إلى العفوية: وهي صفة تبلغ أبعد مدى لدى الإغريق-يراكم العرب، في غلو، الصور البلاغية والمقارنات والاستعارات ويحبون الإفراط في التأنق، يهدفون إلى التأثير ويسعون بكل قوة إلى الإبهار المباغت: لا أثر لهذا عند الإغريق وكل شيء لديهم يقترب من الطبيعة الجميلة وكل شيء فيهم تعبير عفوي عن المشاعر وإن استعملوا الصور فلإبراز أجود أفكارهم.
العرب يسرفون في المقارنات المبالغ فيها ويبحثون عن التعبيرات نادرة الاستعمال، يوثرون التركيبات الأشد تعقيدا وتلغيزا واستبهاما على العقل المرهف. أما الإغريق فعلى العكس يتجنبون التضخيم والإطناب والالتباس. إذا كان فهرس أدباء العرب واسعا فمعجم أعلام مؤرخيهم لا يقل اتساعا منه. بيد أن القليل منهم عرف كيف يتجنب المؤاخذات الموضوعية، تقريبا كل مؤلفاتهم التاريخية هي حوليات جافة خالية من الزخرف أو من المحكيات المفخمة، ونسيج من الأقاصيص الرمزية التافهة. هو ذا العيب الطاغي فيها. هكذا هما "ابن عربشاه" وبهاء الدين ابن شداد في سيرتي "صلاح الدين" و"تيمورلنك"، المبنيتين باستمرار على نبرة الإعجاب والحماس المتعبة للقارئ اللبيب الذي يدرك أن كبار الشخصيات لا يخلون من مواطن الضعف. إنهم شعراء أكثر مما هم مؤرخون؛ إذ يعرضون الوقائع الأكثر بساطة على أنها خوارق وينشغلون بكل ما هو عجائبي مما يفقدهم طريق الحقيقة.
إذا كان العرب أقل شأنا من القدامى في التاريخ والشعر، فإنهم الأفضل في جنس الروايات: يتفوقون حتى على المعاصرين. أية أمة تضاهيهم؟ من لم يقرأ أو يعد قراءة "ألف ليلة وليلة" في تلذذ وغبطة؟ وكثير من الحكايات الأخرى الآسرة والمتنوعة التي ترسم صورا حية أكثر دقة لتقاليد الشرق؟ إبان فترة النهضة الأدبية، استقى جميع روائيي أوروبا من هذا الينبوع الفياض بالفكر المرح. لودوفيكو أريوستو وشعراء البروفانس مدينون للقصاصين العرب بالقسط الوافر من نجاحاتهم.
لنترك الآن الأدب ونلقي لمحة خاطفة على ميدان العلوم حيث تلتقي كل الآراء لإعلان مجد وفضل العرب ومنحهم وسام اعتراف أبدي...
في العصر الممتد من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر، حيث كانت أوروبا البربرية تتخبط في الجهل المدقع وكان النبلاء والأمراء فيها بالكاد يعرفون أبجديات الكتابة والنحو، وحيث لم يكن للرهبان، المحرفين للمعارف، من شغل في أديرتهم سوى محو روائع العصور القديمة على المخطوطات واستبدالها بالابتهالات والقداسات، في تلك الفترة من الظلمات الكالحة والغموض المطبق، كانت امبراطورية العرب تسطع بأبهر الأنوار. بفضل تحفيزات وهمة وعطايا الخلفاء المنصور وهارون الرشيد والمامون، ثم تطوير كل الفنون المتحررة والنهوض بجميع فروع الأدب بالمنافسة. أسست أكاديميات شهيرة في بغداد والبصرة والكوفة وفي أماكن أخرى. وعلى ضفاف دجلة، ارتقت إلى العلوم، التي بالكاد كان لا يعرف عنها غير الاسم في أوروبا، إلى أقصى درجات البهاء.
ماذا سأعلمه لمستمعيَّ العلماء بهذا الصدد؟ اخترع العرب الجبر وطوروا علم حساب المثلثات وأدخلوا إلى الغرب الأرقام وعلوم الحساب الهندية. كتبوا في الفلك وألفوا العديد من الكتب حول الانعكاسات والانكسارات والكميات ذات الصلة وصححوا الجداول الفلكية اليونانية، وقاموا بأنفسهم بالعديد من الاكتشافات. في حقل الطب يكفي ذكر ابن سينا، بن سرافيون، الرازي، وابن رشد، والتذكير بأن العرب هم أول من طبق الكيمياء في الطب، وبأنه حتى نهاية القرن 17م، كانت كتب ابن سينا تطبق مثل النبوءات في جامعاتنا. وأما الجغرافية فمدينة لهم بإسهامات لا تنكر. أبو الفداء والإدريسي والمقريزي وجغرافي النوبة... تركوا وصفا لسوريا وللعربية ولإفريقيا الشمالية أكثر دقة مما بمقدورنا رسمه اليوم.
في إسبانيا، أعطى المورسكيون، المولعون بالتاريخ الطبيعي، دفعة جديدة وقوية لفلاحة هذا البلد. وإذا كان العرب لم يبتكروا جديدا في الفلسفة، فإنهم عززوا هذا العلم بحفاظهم من خلال الترجمة على أفضل النظم الفلسفية الإغريقية وانقدوا من الضياع الكثير من نصوص أفلاطون وأرسطو وبابوس السكندري وارخميديس وإكليمندس الإسكندري وابولونيوس البرجي وبعض أعمال الآخرين.
لا يكلون في البحث ولا يرضون بالعيش غرباء عن أية معرفة: كتبوا مقالات قيمة في النحو والأسلوبية والشعرية والخطابة، وضعوا معاجم موسوعية وبيوغرافية، في التاريخ والجغرافية، قواميس لكل العلوم.
وأخيرا، أيها السادة، إن الفنون مدينة لهم بأشهر الاكتشافات: اختراع الورق والبارود والبوصلة. وبمقدوري إثبات هذه الأطروحة لو لم يحن وقت الانتهاء. ومما لا يرقى له أدنى شك أنه يستحيل إحصاء عدد الكتب العلمية والأدبية التي ألفها العرب وتعتبر من بين المعجزات. تضم خزانة الإسكوريال مخطوطات غزيرة، والفهرست لوحده يشمل 4 مجلدات ضخمة، وتختزن مكتبات باريس وفيينا واكسفورد وميلانو ولايْد وروما عددا هائلا من النفائس الثمينة الأخرى التي لا توجد في الاسكوريال. إذن، هذه الحقيقة تثبت أنه بإمكاننا اليوم، عوض الاضطرار وبمشقة إلى التقاط بقايا الحصيد في حقل الأدب اليوناني اللاتيني، البدء/الشروع في الحصاد بقبضة اليد داخل ضيعة الأدب العربية الرحبة
حضرات السادة،
هذا الأدب يستحق منا التشجيع في مدينة كمدينتنا. لهذا الغرض أسس مجلس الدولة النبيل منذ ثلاث سنوات كرسيا أكاديميا خاصا بتعليم اللغة العربية. لكن فيما ستفيد جهودنا البسيطة هذا التدريس إذا كان حكامنا [المحليون] لا يقبلون القيام بعمل لتعزيزها وتوسيعها. فمكتبتنا العمومية تحوي كثيرا من المخطوطات الشرقية المهمة والجديدة، ويلزمنا بغية حث طلابنا على ترجمتها منحهم الوسيلة لنشرها، ولتحقيق هذا المبتغى ينبغي إنشاء مطبعة عربية: إنها الأمنية التي أصوغها في نهاية هذا الخطاب. مؤخرا، أصدرت مطبعتنا العبرية مؤلفات بالغة الأهمية زادت في تألق أكاديمية جنيف. وعليه، فالتوفر على مطبعة عربية سيضيف لا محالة وردة إلى هذا الإكليل... أتوقف هنا... لقد أسهبت في الحديث عن هذه الأمنية التي يتقاسمها جميع أصدقاء اللغات الشرقية.
في وطننا العزيز، وبفضل الحكومة التي نحن بها سعداء (وأدعو الرب أن يحفظنا دائما)، نعلم أن التعبير عن الرغبة في التوفر على مؤسسة نافعة معناه الحصول عليها سلفا.
هسبريس