عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
قطرب
عضو جديد

قطرب غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 4828
تاريخ التسجيل : Jan 2017
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي

كُتب : [ 01-13-2017 - 02:54 AM ]


- ثم أخذ يدلل على ما بناه و سلم له بأن الأشياء لها ماهيتها الخاصة الدائمة ، و هي غير متعلقة أو متأثرة بنا ، بحيث تتغير تبعا لأهوائنا ، و إنما هي مستقلة ، و تحافظ ماهيتها الخاصة بها على العلاقة التي قضت بها الطبيعة .(ص97).
الشيء يكون في حكم المعدوم إذا لم ندركه و نعقله ، و في نفس الوقت هو ليس معدوم على الحقيقة من أجل أننا لا نعلمه ، و لكن لا نستطيع أن ندرك شيء في الوجود و نحن لم ندركه قبلا أو حالا ، فينتج من ذلك أن الوجود و العدم متعلق بنا في معقولاتنا فلا نستطيع أن نوجد شيئا معدوما من الإدراك و لا نعدم شيئا موجودا و قد تم ادراكه و كأننا لم ندركه فقد قضي الأمر ، و لا نستطيع عقلا أن نقول أن كل ما لا ندركه قبلا و حالا هو غير موجود ، لأننا ندرك أشياء جديدة لم تكن في مدروكاتنا من قبل و هي قبل إدراكنا لها كانت غير موجودة عندنا .
فالوجود إما ذهني أو خارجي ، فلا وجود خارجي إلا بالذهني ، و لا وجود ذهني إلا بالخارجي ، هذا في مستوى التصور و الاحكام و ما يترتب عليه من سلوكيات مادية و معنوية و هي تقع في محل الصدق و الكذب أو الصحة و الخطأ ، و هناك وجود خارجي ليس له ما يقابله من الذهني ، و ذهني ليس له ما يقابله بالخارج ، هذا على مستوى التصورات فقط و لا يتبعه أي أحكام و بالتالي سلوكيات مادية أو معنوية . و هذه التصورات تكون ناقصة لأنها تبني على التمثيل فقط بالتشبيه بينها و بين غيرها مما سبق إدراكه و لا يرتبط بها أي أحكام أو سلوكيات . و ليست في محل الصدق و الكذب أو الصحة و الخطأ .
و الشعور بالتغير لشيء ما ؛ لا يكون إلا بإدراكي لحالة مغايرة لحالة سابقة على طول الخط الزمني ، فإن كان الشيء يسير بوتيرة أكبر من مدى ادراكي أو أقل ؛ فبالنسبة لي هو غير موجود ، كالموجات الفوق صوتية لا تشعر بها الاذن و هي في نفس الوقت موجودة لغيرنا ، فوجودها أصبح نسبيا ، و يصبح وجودها وجود تصوري فقط لا يترتب عليه أي فعل أو سلوك تجاهه و لا يجوز عليه الصدق و الكذب و الصحة و الخطأ بالنسبة لنا لأنه غير مدروك ، و لكن بالنسبة لغيرنا يجوز عليه ذلك بالقياس علينا .
و عقيدة بعض الصوفية في الوجود مماثلة لما عند أفلاطون ، مع تغاير فيما يتعلق به المسمى فهو عند الصوفية اسمه الله ، و عند أفلاطون اسمه الطبيعة ، فكل ما يوجد في الوجود هو على مراد الحكمة التي تحكم كل شيء ، فلا يقع شيء في الوجود إلا من خلالها و على مقتضاها ، وعلى هذا فكل شيء في الوجود حق و صواب ، و لا يقع إلا حقا و صوابا .
فأفلاطون عنده الأشياء و ما ينشأ عنها من أفعال هي من الوجود ، و على ذلك فالذوات و الأفعال التي تتعلق بها سواء منها أو عليها من غيرها فكل ذلك من الوجود ، و منها الإنسان و التسمية التي تقع منه كفعل [لأنها كلام و الكلام فعل] ، و الأسماء التي وقعت هي من الأشياء ، و الإنسان نفسه هو من الذوات و هو من الأشياء ، و على ذلك فكل هذا من الموجودات التي وجدت على وفق قانون الطبيعة .
و لكن بعد ذلك يستدرك على نفسه هذا الاطلاق فيقيده بطريقة معينة هي التي تكون صوابا و ناجحة ، و هي التي تقيدت بشروط المجريات الطبيعية من طريقة و آلة مناسبة ، و هو بهذا يجعل هوى الإنسان يقع في الوجود و لكن غير صحيح و لا منجز لغرضه ، و لنا أن نتسائل هل وقوع مثل هذا في الوجود ألا يجعله صحيحا لأن وقوعه لا يمكن وجوده إلا من خلال قانون الطبيعة ، أم أن هناك ما يقع ليس على وفقها و مقتضاها ؟
و هو بهذا يجعل المعيارية فردية في الصحة و الخطأ ، لأن المتكلم بكلام هو من الوجود الذي وقع وفقا لقانون الطبيعة فيكون هذا الكلام للسامع هو مناط لأن يكون صحيحا أو خطأ اعتمادا على الموافقة و تحقيق الغرض من الكلام عند السامع فيكون حكما فرديا شخصيا ، لأن بتلك الشروط و القيود يجعله يقع في الوجود صحيحا له و توقعا للصحة عند غيره ، و القانون الطبيعي الذي يحكم جريان الكلام لوفقه لكي يكون صحيحا ناجحا أراه هو اللغة من حيث هي لغة و ليست اللسان من حيث هو لسان ، بل اللسان من حيث هو دال على اللغة .
و نستفيد من كلام أفلاطون فائدتين هما : أن هناك قانون طبيعي يحكم سير الكلام لكي يكون صحيحا ناجحا و هو اللغة (وهي المثالات الأولى عند أفلاطون و تقع بالصوت بما هو متاح لكل أمة من الأمم من المقاطع الصوتية) ، و الأخرى ان هذا المعنى هو المقصود من التوقيف فيشمل اللغة و اللسان ، لأنه بذلك لا يقع لسان (الأصوات) إلا بما يوافق اللغة و قانونها الطبيعي ، و هذا القانون الطبيعي مداه الصوتي عريض ليشمل ما وصل إلينا من ألسنة و ما لم يصل إلى معرفتنا .
و بهذا المعنى نص أفلاطون على لسان سقراط بقوله : " الأسماء ينبغي أن تطلق وفقا لعملية طبيعية ، و بآلة طبيعية و ليس على هوانا ، و بهذه الطريقة دون غيرها سنطلق (على الأشياء) أسماءها الصحيحة . " ص 98 .
و طريقته هذه قد تكونت من الفطرة اللغوية و الأصوات البشرية وفق القانون الطبيعي الذي يربط الصوت المعين بالمعنى المعين على مناسبة معينة بينهما ، فيكون دور الإنسان في هذه العملية أنه مظهر هذه القدرة و القوة إلى الفعل و الوجود فقط ، و ليس له تدخل في مجرياتها فضلا عن مكوناتها التي هي كلها مخلوقة من قبل الخالق . و هذا ما سيقرره أكثر من مرة و لكن لعقيدته و مذهبه العقلي لا يسلم لها إلا وقتيا فقط على حسب العجز .
أما تأكيده على ما ينتج من هذه الطريقة أنه سيكون صحيح ، فهذا وفق معتقده و مذهبه العقلي ، أما نحن كمسلمين فالأسماء الخاصة بالدين و الشريعة لا نأخذها إلا من الدين ، و لا نطلقها نحن هكذا ، لأن الله عاب على المشركين تسميتهم أسماء لم ينزل الله بها من سلطان ، أما غير ذلك فهو على وفق الطريقة قد يصيب على قدر الإلمام و الإحاطة لمن يسمي ، إذا كان يعلم من اللسان العلم و المعرفة ما يؤهله إلى وضع اسما جديدا لمعنى أو مدلول جديد لم يكن له اسما في هذا اللسان من قبل ، يشتقه من أصل له معنى مرتبط بما هو مستجد .
و بقياسه على الأدوات المادية يقول على عملية التسمية " و ذاك الذي يجب أن يسمي ينبغي أن يسمي بشيء ما ، و بماذا يسمي ؟ أكيد بالإسم : إذن فالإسم آلة . ما الذي نفعله حين نطلق الأسماء ؟ " و هذا السؤال مشابه تماما لو كان لأي عمل نفعله و يكون من الطبع كأن نقول : ما الذي نفعله حين نحرك لساننا ؟ أو اصبعنا ؟ لا أحد يستطيع الإجابة لأنها في منطقة الخِلقة و الفطرة و الغريزة و هي مناطق غيبية بالنسبة لنا ، فكل ما علينا هو أن نريد أو ننوي ، فيكون الفعل المراد أو المنوي . إذا تحققت الشروط و انتفت الموانع .
ثم يجيب على نفسه قائلا : " ألسنا نعطي معلومات لبعضنا البعض ، و نميز الأشياء وفقا لطبيعتها ؟ إذن فالإسم آلة للتعليم و للتميز بين طبائع الأشياء ، تماما كما يميز المكوك خيوط النسيج . "ص100. فهذا عملية نقل المعرفة للأخر عن طريق الإشارة أو العلامة العرفية التي تكون بالصوت ، و لكن هذا الصوت العرفي (اللسان) لا يحدث المعرفة المنقولة في ذهن المتلقي ، و لكن إن صادف و لم يجدها مماثلة للملقي فيصبح كلاما غير مفهوما و لا يلقى صدى ذهني و يصبح من اللغو ، و لكن لو صادف الصوت اللساني العرفي المعنى الذهني فيستدعيه للمثول لإتمام الصورة لكي يتكون المعنى الكامل المراد نقله للأخر ، و مفاد كلامه السابق أن الأصل هو المعلوم و المميز الذي تم إدراكه من قبل المسمي و متوقع ادراكه عند المتلقي ، و إلا لا يلقى صدى معنوي عنده ، فنحن ندرك أولا ثم نعلم هذا المدروك بصوت ما (الاسم) وفق القانون الطبيعي اللغوي اللساني لكي نضمن نجاح الصوت في التعليم و نجاحه في التفهيم للمتلقي ، و هذا لن ينجح إلا بالتماثل الصوتي و علاقته بالمعقولات عند كلا الطرفين ، و هذا ما يضمنه القانون الطبيعي اللغوي اللساني ، فهو يعلل كل الإجراءات بعلة واحدة فلا يخرج عنها شيء و هذا ما يحقق النجاح في التواصل .
و تصور الاسم على أنه آلة غير سديد ، لأن الاسم هو ناتج لإستخدام وحدات بنائية هي الحروف و هي أصوات بمواصفات معينة ، و على هذا فالصوت الحرفي هو ناتج أيضا من استعمال آلة مركبة هي اللسان و الحنك و الشفتين و الأسنان و اللهاة و الحنجرة و ما تتركب منه و الأحبال الصوتية و غير ذلك ، و الإنسان ليس عنده صوت خام ليقطع منه على أشكال معينة بإستخدام آلة للقطع ، و لكن هي وحدات بنائية تتكون منها الألفاظ بترتيب و تركيب معين . فالآلة هنا هي الأعضاء الجسدية ، و عن طريقها ننتج الأصوات المعينة التي هي الحروف ، و من تلك الحروف تتركب الألفاظ ، و كذلك لا يمكن تصور المعقول مادة خام ثم نقطع منه على قدر المعقول المعين سواء عن طريق الاسماء أو عن طريق الإدراك ، ثم نقطع بآلة هي الأسماء ! فلا يمكن تصور مقطوع منه لا في الأصوات و لا في المعقول .
و الفارق الأخر في القياس أن المسمي هو أول مستخدم للاسم و لا يزال يستخدمه هو و غيره ، بعكس النجار الذي يصنع المكوك فهو لا يستخدمه و لكن يصنعه فقط و من يستخدمه هو النساج فقط و لا يصنعه ، فجودة الاستخدام هي للكل بلا استثناء في الأسماء سواء من الواضع أو من المستخدم ، بعكس النجار فهو لا يستعمل المكوك و لكن النساج من يستعمل المكوك بصورة جيدة ، "و عند الإجابة على سؤال من الذي عمل الإسم ؟ الذي يستخدمه المعلم بصورة جيدة ؟ . جاءت الحيرة و أبهم الواضع فقال : القانون هو الذي أعطاها لنا . و أن الأسماء هي من عمل المشرِّع" . انظر بتصرف ص 101 .
ثم صرح بماهية المشرع فكان هو الإنسان الماهر ، فيقول : " ليس كل إنسان بقادر على أن يعطي إسما ، إنما فقط صانع الأسماء ، و هو المشرع الذي هو الأندر وجودا بين الحرفيين الماهرين . " ص 101 .
- ثم ينتقل إلى مرحلة التأصيل و كيفية الصنع : " سقراط : و كيف يصنع المشرع الأسماء؟ و إلام ينظر؟ تأمل ذلك في ضوء المثال السابق . إلام ينظر النجار عند صنع المكوك؟ ألا ينظر إلى ذلك الشيء المهيأ بصورة طبيعية ليعمل كمكوك ؟ " ص 101 .
و يطلق على هذه الصورة المتمثلة في الذهن و التي يحتذى بها في توقيعها في الوجود المادي (الشيء الحقيقي أو المثالي) فهي له كالمعيار الذي يحكم من خلالة على ما أوجده هل هو صحيح أم خطأ . و هذه الصورة (الحقيقية أو المثالية) تناسب في حقيقتها و مثاليتها كل حالة حالة . فتلائم العمل المنوط بها ، و تكون على وفق القانون الطبيعي و ليست خيالات لأنه لا يوجد إلا صورة طبيعية مثلى لهذا العمل فعليه أن يكتشفها و يجسدها في الواقع على أكمل وجه يطابق الصورة المثلى .
ثم انتقل لتوضيح في ضوء ما سبق ما ينبغي أن يكون عند وضع الأسماء و وصف تغاير المقاطع الصوتية و الأصوات ما بين الأمم ، و ننقل قوله لأهميته في تجسيد تصوره لنشأة اللسان و مغايرته لغيره عند أمم أخرى :-
" بالنسبة للأسماء ، إذن ، إلا ينبغي على مشرعنا كذلك أن يعرف كيف يضع الاسم الحقيقي الطبيعي لكل شيء في أصوات و مقاطع ، و أن يضع و يطلق كل الأسماء في ضوء الإسم المثالي ، إذا كان يريدأن يكون مطلقا للأسماء بالمعنى الحقيقي ، و علينا أن نتذكر أن المشرعيين المختلفين لن يستخدموا نفس المقاطع اللفظية ، ذلك أن الحدادين المختلفين لا يصنعون جميع الألات من نفس الحديد ، بالرغم من أنه يمكن أن يصنعوا نفس الآلة لتؤدي نفس الغرض . ينبغي أن تكون الصورة نفسها ، و لكن قد تختلف المادة و تظل الآلة على نفس الدرجة من الجودة مهما كان الحديد الذي صنعت منه ، لا فرق في ذلك سواء صنعت الآلة في مدينة هيلاس أم في بلد أجنبي . " ص 103 .
و مفاد هذا الكلام يقرر على فكرة اللغة الفطرية الموحدة عند جميع البشر ، و هي مصدر الصورة المثالية ، ثم يختلف تجسيد هذه الصورة في الواقع المحسوس من مادة الصوت ، فتكون في لسان مخالفة للسان أخر ، و لكن صورتها الحقيقية المثالية هي هي عند كل الألسنة ، ثم المادة الصوتية التي استعملت فيها تحقق الصورة الجيدة للإستعمال ، لأنها كافية في البيان و محققة للتواصل ، و بما أن كل أمة لها لسان هو كاف في البيان و التواصل فقد حققت الصورة الجيدة للإستعمال ، فتجسيد الصورة المثالية الموحدة (اللغة) له مدى تحقق واسع ليشمل كل هذه الإختلافات الصوتية الموجودة و التي وجدت سابقا .
هذا هو التصور المقبول ، أما تصور أفلاطون الذي يصرح به أو يستفاد من الأمثلة ليس على نسق واحد من الناحية العقلية ، أما من الناحية الواقعية فلا يستطيع أحد أن ينكر ما هو موجود و من هذا الموجود الإختلافات الصوتية اللسانية التي ما بين الأمم ، و لهذا عندما يعمل عليها تصوره لا يستقيم المنسم ، فكيف يمكن تفسير هذه الإختلافات في ظل القانون الطبيعي ، و الصورة المثالية التي تعتبر هي مصدر المحاذاة الصوتية في الواقع ، و الترابط الحتمي ما بين المعنى و الصوت اللفظي الذي يقع من المشرع لإدراكه لماهية المسمى ؛ و للصورة المثلى ؛ و للمقاطع الصوتية التي يجب استعمالها .
فمع توحد المعنى العقلي الذي هو منوط بصوت معين مخالف لصوت أخر أو أكثر في ألسنة أخرى ، ألا يدل على تغاير الصورة المثلى ، أو على عدم مهارة و حكمة الصانع ، أو تخلف عمل القانون الطبيعي الذي لا يسمح إلا بما يوافقه و هو القانون العام . ثم بعد هذه اللوازم و التي بالتأكيد دارت في ذهنه فحاول ردها بتشبيهها بتغاير نوعية الحديد و مكان الصنع و لكن هي نفس الآلة التي تؤدي دورها ، و كان من الممكن أن يكون هذا مقنعا لو الأصوات واحدة في جميع الألسنة و لكن تختلف في أماكنها و رقة أو شدة أو سرعة أو بطئ أو غير ذلك ، ففي هذه الحال يقال أنها إختلافات غير مؤثرة على حقيقة الصورة التي تؤدي دورها في التواصل . و لكن المشكل هنا أن الصورة الصوتية مختلفة تماما و التي تقابل صورة الآلة المدعى عليها التماثل ، فيجب أن نصرف معنى الآلة هنا إلى الصوت المجرد عن الإختلافات و الذي يؤدي دوره في التواصل بصورة جيدة ، أو أن يصرف على أنه معنى الوظيفة أو الأداء أو الجودة . و لكن في حقيقة الأمر ليس هناك صوت مجرد يؤدي إلى معنى يمكن التواصل به بين البشر ، بل يجب أن يكون مقطع و ذو مواصفات محددة . فلا يبقى تفسير مقبول إلا أن تكون الآلة هي الوظيفة الجيدة ، و ليس لفظ صوتي لأنه سيختلف .


رد مع اقتباس