مقاييس الفصاحة في القرن الخامس الهجري
د. محمود عبدالله الجفال
الجامعة الأردنية
التمهيد:
لعلّ من المفيد بادئ ذى بدء أن نحدد المقصود بمصطلحي "المقاييس" و"الفصاحة" الواردين في عنوان البحث.
أما كلمة "المقاييس" فهي جمع "مقياس" من الجذر الثلاثي (ق ي س)؛ وينصرف المعنى اللغوي لها إلى المقادير. وقاس الشيء يقيسه قياساً إذا قدّره على مثاله. والقياس تقدير الشيء بالشيء؛ والمقياس: المقدار، وما قيس به.
وعند أهل الأصول، كما ينصّ على ذلك السيد الجرجاني في كتاب التعريفات، أن القياس هو "إبانة مثل حكم المذكورين بمثل علته في الآخر. واختيار لفظ (الإبانة) دون (الإثبات) لأن القياس مظهر للحكم لا مثبت له".
ويورد السيّد الجرجاني تعريفاً آخر للقياس وهو أنه "ما يمكن أن يذكر فيه ضابطة؛ عند وجود تلك الضابطة يوجد هو".
وفي عرف اللغويين أن المقياس هو "الأساس الذي نبني عليه ما نستنبطه من قواعد اللغة أو صيغ في كلماتها، أو دلالات في بعض ألفاظها". والمقياس أيضاً هو المكيال أو الميزان الذي يحكم به على صحة اللغة ألفاظاً وتركيباً.
وقد يحلو لبعض الدارسين المحدثين استخدام مصطلح "معيار" بدلاً من مقياس.
على أنّ موقفنا هنا يتلخص في أن مقياس الفصاحة يعني الحكم على الألفاظ والتراكيب العربيّة من خلال النموذج الأرقى في التعبير المتمثل في لغة القرآن الكريم وتراكيبه من ناحية، ولغة الشعر العربي القديم وتراكيبه من ناحية أخرى. إذ نجد أن أكثر الدارسين اللغويين من قدماء ومحدثين يقرّون أن الفصاحة هي ما يمثله هذان النموذجان.
وأما مصطلح "فصاحة" فقد تناوله عدد غير قليل من الباحثين بالدرس والتحليل. ولقد تركزت أكثر هذه الدراسات على المفهوم البلاغي للفصاحة كما وردت في أعمال البلاغيين القدامى. إذ نجد أن علماء البلاغة ومؤرخيها قد تناولوا موضوع الفصاحة، لغة ومصطلحاً. غير بعيد عن البلاغة.
أما معنى الفصاحة لغة فقد ذكر ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة أن الفاء والصاد والحاء: أصل يدل على خلوص في شيء، و نقاء من الشوب. ثم استخدمت الكلمة لتدل على اللسان فقيل: أفصح الرجل أي تكلم بالعربيّة.
وهذا يدل دلالة واضحة على أن القصد هو خلوص عربية المتكلم من الخطأ واللحن والعجمة وغيرها مما قد يشوبها أو يشينها بالإضافة إلى طلاقة اللسان وسلامة النطق. وقيل أيضاً: فصح بمعنى جادت لغته حتى لا يلحن. وفي هذا دلالة أخرى على جودة كلام المرء لما تقتضيه من خلوص ونقاء. أما المعنى الاصطلاحي فيتعلق بالإبانة والوضوح والظهور.
وقد لاحظ بعض الدارسين المحدثين أن المعنى الاصطلاحي للفصاحة مرّ بمرحلتين:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة النشأة التي بدأت ملامحها في الظهور على يد أبي عثمان الجاحظ (المتوفى سنة 255هـ)، واستخدمت فيها الفصاحة والبلاغة بمدلولها اللغوي الذي جعل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد. وهذا هو ما سُمي باختلاط مفهوم المصطلحين واستخدامهما بمدلول واحد.
المرحلة الثانية: وتبدأ على الأغلب في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على يد أبي هلال العسكري مؤلف كتاب الصناعتين (المتوفى سنة 395هـ): إذ يفرق أبو هلال بين مفهومي المصطلحيين، على الرغم من أنه بدأ حديثه بتأكيد المعنى المشترك الذي يحمله كل من كلمتي فصاحة وبلاغة، في قوله: "... وإذا كان الأمر على هذا، فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له".
ولكن أبا هلال يعود فيقرّر أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تختص بالمعنى، "وعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين، وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب. فكأنها مقصورة على المعنى". ويضيف أبو هلال أن المصطلحين قد يجتمعان في وصف الكلام إذا توافر للكلام حسن التأليف والمعنى معاً، إذ يقول: "وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحاً بليغاً إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبّك، غير مستكره ولا فجّ، ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف" .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البحث في مقاييس الفصاحة اللغوية في القرن الخامس الهجري قد اقترن بمقاييس البلاغيين للفصاحة وذلك لاتصال مفهومي الفصاحة والبلاغة واختلاطهما بحيث نجد من الصعب الفصل بينهما أحياناً.
-2-تنوع مفاهيم الفصاحة:
إن الفصاحة "لغة واصطلاحاً ومفهوماً – بمعزل عن البلاغة ومدلولاتها – كانت هم اللغويين القدماء في القرون الهجرية الأربعة الأولى. إذ ألحّ على هؤلاء التساؤل التالي: أي لغات العرب الأفصح؟ بل أيها التي تصلح أن تكون حجة في استقراء قواعد "العربية الفصحى".
ولقد تنبّه اللغويون الأوائل إلى أن "العربيّة الفصحى" تنبع من ثلاثة مصادر رئيسة هي: القرآن الكريم وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، والشعر العربي الجاهلي والمخضرم إلى رأس المائة الهجرية، إلا أنهم في بعض حديثهم جعلوا "الفصحى" لغة قريش: قبيلة الرسول عليه السلام، ثم أقرّوا من بعد ذلك أن مقياس الفصاحة لأي قبيلة عربية إنما هو بمقدار قربها أو بعدها من لغة قريش.
كان هدف اللغويين العرب القدامى هو حراسة الفصحى لغة القرآن الكريم. وهذا الهدف الديني هو الذي ارتبط بأذهانهم وأذهان من خلفهم من علماء العربية، وهو الذي جعلهم يضعون الشروط والقواعد، بل قل القيود، لحماية الفصحى. فكانت القيود الزمانية والمكانية – وهي المسماة بعصور الاحتجاج-. فليست كل لهجة عربية تعدّ فصيحة، وليس أبناء كل عصر يعتبرون فصحاء. على أننا نلحظ في الدراسات اللغوية القديمة موقفين محدّدين من الفصاحة اللغوية تطوّرا ليصبحا مقياسين مختلفين من مقاييس الفصاحة:
1- الموقف البصري، ويمثله موقف أبي عمرو بن العلاء (المتوفى عام 154هـ) الذي سأله رجل: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية! أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. قال: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجّة؟ فقال: أحمل على الأكثر. وأسمي ما خالفني لغات".
2- الموقف الكوفي، ويمثله موقف إمامهم النحوي أبي العباس ثعلب (المتوفى عام 291هـ) في كتابه المشهور (الفصيح أو فصيح الكلام)، ومفاده أن مداد الفصاحة في الكلمة على كثرة استعمال العرب لها.
إنّ المتمعن في آراء اللغويين في القرون الهجرية الأربعة الأولى ليجد أنهم اختلفوا في مواقفهم ولم يصلوا إلى مقياس واحد محدّد للفصاحة، أو إلى اعتبار لغة ما أو لهجة ما هي الفصيحة، وإن كان هناك إجماع ينصب على اعتبار لغة قريش هي الفصيحة لأن قريشاً هي قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائل حين تعجب رجل من فصاحته: "إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين". وأضاف اللغويون القدامى حجة أخرى وهي ما قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه لكتبة الوحي حين أمرهم بكتابة المصحف الموحّد: "... فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم".
وهذا يعني أن القدماء اعتبروا لغة قريش هي مقياس الفصحى وقد يكون هذا الاعتبار السبب في إهمال كثير من لغات القبائل العربية الأخرى. يضاف إلى هذا أن لهجات القبائل العربية – غير القرشية- قد وصفت بخصائص صوتية معينة كالعنعنة والكشكشة وغيرها مما دعا اللغويين إلى استهجانها ووصفها باللغات المذمومة.
غير أنّ هذا الموقف لم يمنع بعض اللغويين من الجهر بأن اللغات العربيّة (أي اللهجات) كلّها حجة. بل لقد أضافوا إلى هذا أن للعربيّ الفصيح مستويين من التعبير: أحدهما الفصيح، والآخر دون ذلك (وقد يعني هذا الآخر أنه إما غير فصيح أو أنه أقل فصاحة من الأولى)، ثم لا يؤثر ذلك على منزلته – أي العربي- لدى اللغويين من حيث اعتبار لغته حجة يستشهد بها على قواعد النحو.
ومجمل الأمر أن معظم اللغويين القدامى قد جعلوا العرب صنفين: فصحاء أو غير فصحاء. ولم يكن لهم – في غالب الأمر- مقياس منهجي محدّد لاعتبار هذا التقسيم سليماً. غير أن الدراسات أثبتت أن مقياساً واحداً ظل قائماً في أذهان اللغويين ألا وهو: مدى موافقة أو مخالفة كلّ واحدة من اللهجات العربية لغة القرآن الكريم.
-3-إنّ هذا التوجه – في القرون الهجرية الأربعة الأولى – كان نتيجة حتمية للصراع اللغوي والصراع الحضاري اللذين شهدهما المجتمع الإسلامي. فقد تحولت أمم وشعوب غير عربية الأصل والثقافة إلى اللغة العربية. وشهدت هذه المرحلة نشوء ظاهرة اللحن وانتشارها بشكل واسع. من أجل ذلك احتاج الناس إلى من يضبط لهم نطق الألفاظ غالباً. والحاجة إلى "تقويم اللسان" تعين المسلم – عربيًّا كان أم غير عربي- على قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة خالية من اللحن.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنّ الصراع الحضاري بين العرب والشعوب الأخرى قد شهد بزوغ الحركة "الشعوبية"؛ وتقويم آراء الشعوبيين كما هو معروف على الطعن على العرب. ونتيجة لذلك قام عدد من علماء العربية بالرد على هؤلاء الشعوبيين. وكان من ذلك تأليف الجاحظ كتابه "البيان والتبيين". ولعلّ عنوان هذا الكتاب يفسّر هذا التوجه الذي أملته هذه المرحلة، إذ إن الردّ على الشعوبية ولّد بالضرورة التأكيد على بعض خصائص العرب وتميزهم عن غيرهم من الشعوب بفصاحة لغتهم.
وقد يكون هذا هو السبب الذي وجّه الفصاحة نحو نطق الألفاظ العربيّة نطقاً سليماً خالياً من العيوب الصوتية وفق معايير معينة تتلاءم وقراءة القرآن الكريم من ناحية، ثم التخلّص من بعض عيوب النطق التي شابت بعض اللهجات العربية أو نطق الأعاجم للألفاظ العربية من ناحية أخرى.
هذا على المستوى اللفظي، أما المعنى فلا تبرز لنا الدراسات الأولى اهتماماً مباشراً به وكأنه قد حلّ في المرتبة الثانية بعد اللفظ.
ولقد شهد القرن الرابع الهجري تحوّلاً بارزاً في دراسات اللغة العربية، وتمثل هذا – في بعض وجوهه- في ظهور المؤلفات التي تناولت بالبحث الدقيق والمستقصي موضوع "إعجاز القرآن"، وبخاصة ما يتعلّق بفصاحته وبلاغته.
ولا شك أن مؤلفات "إعجاز القرآن" قد سبقت بدراسات أولى انصبّت على تناول بعض آيات القرآن الكريم متفرّقة وإظهار ما فيها من معان وبيان بإبراز جمال لفظها وإعرابها. بل لقد تناول بعض الدارسين معاني القرآن من خلال إعرابه. ولعلّ من أوائل هذه الدراسات كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (المتوفى سنة 188هـ)، وكتاب "معاني القرآن" للنحوي الكوفي أبي زياد الفرّاء (المتوفى سنة 207هـ).
ولكن هذا التوجه أخذ مساراً مختلفاً حين أرسيت معالم الفرق الإسلامية، وظهر لكل فرقة عدد من العلماء (أي المتكلمين). فاستغل بعضهم موضوع "إعجاز القرآن" للترويج لمذهبه. وفي واقع الأمر اختلف تناول هؤلاء لإعجاز القرآن عمّا عهد لدى السابقين من علماء اللغة والنحو، وأصبح التوجه يقتضي إظهار جمال بلاغة القرآن الكريم وفصاحته ليس من حيث لفظه فحسب بل من حيث معانيه وتراكيبه.
ويرى بعض الدارسين المحدثين أن موضوع "إعجاز القرآن" و"البلاغة" أشبه بالتوأمين اللذين يشقّ على المتأمل أن يميز بينهما. بل إن دراسة علوم البلاغة – عند أسلافنا- والعناية بها كان السبيل لفهم الإعجاز القرآني.
إنّ كتاب "الصناعتين" ليعتبر بحقّ الحدّ الفاصل بين دراسات علماء الكلام – وبخاصة أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة – ودراسات اللغويين النحويين. فقد أدرك أبو هلال العلاقة القائمة بين معرفة الفصاحة وإعجاز القرآن الكريم، وآثر ألا يخوض فيما خاض فيه علماء الكلام في موضوع الإعجاز والفصاحة. وهو يشير في ختام فصله القصير عن معاني الفصاحة والبلاغة – لغة ومصطلحاً- إلى هذا، فيقول: "وليس الغرض في هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلمين. وإنما قصدت فيه مقصد صنّاع الكلام من الشعراء والكتاب، فلهذا لم أطل الكلام في هذا الفصل".
-4-الفصاحة في القرن الخامس الهجري:
أما الفصاحة في القرن الخامس للهجرة فقد خاض غمارها درساً وتحليلاً غير واحد من الدارسين. ويظهر أن علماء الكلام كان لهم النصيب الأكبر في "الجدل" الذي دار حول دلالة الفصاحة ومفهومها. إذ نجد أن الحديث عن الفصاحة يتمحور حول بلاغة القرآن الكريم وإعجازه في عدد من المؤلفات من مثل: كتاب إعجاز القرآن للباقلاني الأشعري (المتوفى سنة 403هـ) والجزء السادس عشر الذي خصص لإعجاز القرآن من كتاب القاضي عبدالجبار الأسد آبادي المعتزلي (المتوفى سنة 415هـ): المغني في أبواب التوحيد والعدل، ثم كتاب دلائل الإعجاز والرسالة الشافية في إعجاز القرآن الكريم لعبدالقاهر الجرجاني الأشعري (المتوفى سنة 471هـ). وهناك مؤلفات لم يتمحور الحديث فيها حول إعجاز القرآن ككتاب ابن سنان الخفاجي (المتوفى سنة 466هـ): سر الفصاحة.
إن الدارس لهذه المؤلفات ليرى مدى اعتماد بعضها على بعض، بل ومناقشة بعضها بعضاً في النظرة إلى "الفصاحة" وعلاقتها بموضوع إعجاز القرآن. وقد يرى أيضاً أن بعض هذه المؤلفات قد يعزى إلى القرن الرابع الهجري وليس إلى القرن الخامس، من مثل كتاب الباقلاني، وكتاب القاضي عبدالجبار لأن صاحبيهما قد عاشا جلّ عمريهما في القرن الرابع الهجري وإن كانت وفاتهما في مطلع القرن الخامس.
غير أننا سنعرض مواقف هذين العالمين في هذا البحث لسببين:
1- إنّ وفاة كل منهما كانت في القرن الخامس الهجري.
2- إنّ آراءهما تعتبر الجسر الذي يوصل بين القرنين الرابع والخامس الهجريين.
ويمكننا إضافة سبب ثالث وهو: أن عبدالقاهر الجرجاني قد بنى آراءه في الفصاحة على مناقشة آراء سابقيه والرد عليهم، وبخاصة آراء المعتزلة المتمثلة فيما أورده القاضي عبدالجبار.
-5-القاضي الباقلّاني الأشعري:
أسلفنا أن مصطلح "فصاحة" اختص بوصف الألفاظ بمعنى الظهور والوضوح إلى قريب من نهاية القرن الرابع الهجري حين ربطه أبو هلال العسكري بمفهوم البلاغة، ونقله من وصف الألفاظ فحسب إلى وصف الألفاظ والمعاني. وهذا هو الذي أشار إليه كثير من الباحثين من التداخل أو الخلط بين مفهومي الفصاحة والبلاغة. ولذلك نجد الباقلاني وقد أدرك هذا الربط يشير إلى ما كان يدور آنذاك حول معنى "فصاحة" بقوله: وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبّر عن معناها بأنه ما كان جزل اللفظ حسن المعنى. وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جليّة، ومعان نقيّة بهيّة".
وأيًّا كان التعريف الذي يتبناه الباقلاني فإنه يظهر بوضوح الاختلاف بين مواقف اللغويين القدماء ومواقف علماء الكلام. فلم تعد الفصاحة ترتبط بالظهور والوضوح والإبانة من حيث الاستخدام اللفظي فحسب، بل أضاف علماء الكلام المعنى إلى الشكل اللفظي الذي عبّر عنه آخرون بإضافة صفات من مثل: جزالة الألفاظ وحسن جرسها وسلامة نطقها.
وربما يعني هذا أن مؤلفي "إعجاز القرآن" من المتكلمين لم ينظروا إلى أيّ من الفصاحة أو البلاغة إلا بقدر دلالتها على المعاني الكامنة في الألفاظ بالإضافة إلى حسن نطقها. وقد يتطابق هذا مع نظرتهم إلى آيات القرآن الكريم لفظاً ومعنى.