أ- توجيه الإعراب توجيهاً دلاليًّا كالتنوين وعدمه في توجيه المعنى بقوله (في ورقة 8- أ):"ويصح لك بإثبات التنوين في عاقلة من قولك: لا عاقلةً عندك معنى غير معنى: لا عاقلةَ عندك بغير تنوين؛ وذلك إنك إذا قلت: لا عاقلةَ عندك فإنما نفيت أن يكون عندك امرأةٌ عاقلةٌ أو مُعصِرٌ عاقلةٌ أو نحو ذلك من بني آدم. وإذا قلت لا عاقلةً عندك، فأثبتّ التنوين، فإنما تنفي أن يكون عنده مسمّى ما بعاقلة من بني آدم كان أو من غيرهم، ذكراً أو أنثى، أي لا مسمى بعاقلة مما عندك". كذلك قد يرتب على التنويع الإعرابي الذي قد تسمح به الحركة الإعرابية، معنى كقوله في البيت الآتي (ورقة 8- ب):
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا
شدُّوا الإغارة فرسانًا ورُكبانا
"ليست الإغارة هنا مفعولاً به، ولا انتصابها على ذلك، لكن انتصابها انتصاب المفعول له؛ أي شدّوا للإغارة كقولك: حملوا للإِغارة فرسانًا وركبانًا أي في هذه الحال…"، ومثله قوله في البيت (في 32- أ):
ولا يَخِيمُ اللقاءَ فارسُهُم
حتى يشقَّ الصفوفَ من كرمِه
"اللقاء هنا منصوب على الظرف كَمَقْدم الحاج… أي لا يخيم وقت اللقاء وحين اللقاء. ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي لا يحين للقاء، أي من أجله". ومخطوطة الكتاب تفيض بالتوجيهات الإعرابية ودلالاتها، مما يصعب حصره.
ب- تقليب الإعراب على الوجوه التي تقتضيها الصنعةالنحوية دون عناية كافية بمحصول المعنى سوقاً للإعراب اختباراً للمحصول العلمي عنده والنظر العقلي في جدله ومناظرته كالذي جاء عنه في توجيه الجر والرفع في قول الشاعر:
هما خطتا إمَّا إسارٌ ومنّةٌ
وإما دمٌ والقتل بالحر أَجْدَر
فقد قال في الورقة (20- ص أ):" أما من جرّ إما إسارٍ ومنّةٍ، وإما دمٍ فأمره واضح؛ وذلك أنه حذف النون من "خطتان" للإضافة، ولم يعتدَّ "إما" فاصلاً بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا تقول: هما غلاما إما زيدٍ وإما جعفرٍ… فهذا وجه الجر… وفي الورقة ( 20- ب):" وأما الرفع فطريف المذهب وظاهر أمره أنه على لغة من حذف نون التثنية لغير إضافة…". وقد يدخل الممنوع من الصرف في هذا الباب.
2- تركيب الجملة والبناء الشكلي لها: ويشمل حديثه في الأبواب النحوية، كالعطف في الورقة (66- أ)، والتعدية في مواضع شتى في ( 63- ب، 95- ب، 28- ب)، وحديثه عن جواب الشرط وتقدمه وتأخره في مواضع مختلفة كذلك في ( 6- ب، 7- أ، 29- أ، ب وغيرها)، وعن الحذف والتقدير ( 11- أ) وعن البدل ( نحو 73- أ، 83- أ، 90-ب)، والتوكيد (55- أ)، وزيادة الحروف للتوكيد (82- ب)، والإضافة والاستثناء وزيادة حرف ما، والجملة الاعتراضية، ومتعلقات المشتقات وهي من الموضوعات التي خاض فيها كثيراً لما يترتب عليها من معانٍ في ( 9-أ، 10- أ، 14- ب، 16- أ، 56- ب، 47- ب، 48- ب، 58- أ، 35- ب). وهكذا يكون ابن جني قد سخّر قدراته في معرفة وجوه الإعراب، واستفرغ جهده في ضبط اللغة بناءً وإعراباً وتركيباً.
رابعاً: ومن الموضوعات التي أعطاها اهتمامه كذلك موسيقى الأبيات وعروضها وقافيتها، وغالباً ما يشير هنا إلى كتابه المُعْرِب الذي شرح فيه قوافي أبي الحسن في هذه المواطن. وموضوعات البناء العروضي وردت في الأوراق (201-أ/ 166-أ/ 141-أ،ب/ 151-ب/ 152-أ وغيرها)، ويطرق في الصفحة الأخيرة منها موضوعاً دقيقاً وينوّه بأن الخليل لم يأتِ على ذكره حيث يقول في بيت الشاعر سُلْميّ بن ربيعة:
إنَّ شِواءً ونشوةً
وخبب البازلِ الأمون
"هذه القطعة خارجة عن مثل العروض التي جاء بها الخليل، وأقرب ما تُصْرَف إليه الضرب السادس من البسيط، غير أن عروضه لزمت فَعَل، وكأنها محذوفة من فعولن الذي هو مخبون مفعولن، كما جاءت عروض المتقارب في كثير من الأماكن محذوفة غير أن ذلك في المتقارب أسهل منه… وفَعَل في هذه القصيدة أصل جزئها مُسْ تَفْ عِلُن…".
ويجدر التنويه هنا بربطه في بعض المواطن بين ترتيب أجزاء البناء العروضي والدواعي النفسية والشعورية التي ألجأت الشاعر إلى التقديم أو التأخير في القوافي حيث يقول في الورقة (141- أ،ب) في معرض تحليله لبناء عروض بيت الربيع بن زياد:
ومجنَّبات ما يذقن عَذوفاً
يقذفن بالمُهرات والأَمْهار
"استعمل عروض الضرب الثاني من الكامل مقطوعة من غير تصريع، وهو قبيح غير أن له عذراً ما؛ وذلك أنه تطاول بفكره إلى الضرب وقد علم أنه مقطوع فقدّم هذا القطع في العروض توطئةً لما يعتقده في الضرب من القطع… أَوَلا تعلم ما قال أبو الحسن في تقديم العرب القافية في العروض عند التصريع، من أنه إنما فُعِل ذلك مسابقة إلى الأبدان بأنهم في شعر؛ لأنهم لو تمادى بهم الأمر إلى آخر البيت لطال على السامع الحديث إلى أن يأتي القافية فقدَّموا القافية الأولى إيذاناً بالثانية".
مصادره: لقد نقل ابن جني في تحليلاته اللغوية كثيراً من الآراء لعلماء اللغة من الذين لم يعاصرهم كالخليل ( ت175) وسيبويه ( ت180هـ) فإنه يكثر من قوله: وعليه بيت الكتاب أو صاحب الكتاب، أو يذكره باسمه مباشرة وكثيراً ما كان يذكر بإِزائه الأخفش الأوسط (ت 215هـ) فيما اختلفا فيه من المسائل الصرفية ولا يذكره إلا بكنيته أبي الحسن لإجلاله له على ما يبدو كإجلاله للمازني فلا يذكره إلا بكنيته أبي عثمان وكما هو الحال مع أستاذه الفارسي أبي علي. كذلك اعتمد كثيراً على أقوال أبي عثمان المازني (ت 246هـ) في كتاب التصريف الذي شرحه، وكذلك نقل آراء للكسائي (ت 189هـ)، والفراء ( ت 207هـ)، والمبرد (ت 285هـ)، وثعلب (ت 291 هـ)، ولا بد أن نشير كذلك إلى نقوله عن أبي زيد في نوادره وعن أبي عبيدة والأصمعي.
وأكثر ما أخذ سماعاً من أستاذه أبي علي الفارسي (ت 377هـ) وله طرق عدة وكيفيات كثيرة في الرواية عنه ونقل آرائه مباشرة من فمه أو من كتبه من مثل قوله: راجعت مرات أبا علي ( 59- أ)، وقال لي أبو علي مرة (60- ب)، وأنشدنا أبو علي (96- أ)، وحدثنا أبو علي (104- ب)، وقد أنشدنا أبو علي غير هذه الرواية (123- ب)، وسألت أبا علي في عدة مواضع، وقرأته على أبي علي (104- ب، 105- أ)، وتشكك مرة أبو علي (76- ب)، وكان أبو علي يستحسن هذا (95- ب)، وكان أبو علي، رحمه الله، يوردها (120- أ)، وكان أبو علي يطعن في الحكاية المحفوظة هنا ( 122- ب)، وقرئ على أبي علي وأنا أسمع ( 104-ب، 105- أ)، ورأيت أبا علي في بعض كلامه في تذكرته (111- ب). وأكثر هذا القول ومعاقده من جهة أبي علي رضي الله عنه (216- ب)، وسألني أبو علي رحمه الله عن قول… ( 179-ب) فقلت يوماً لأبي علي ( 168- أ)؛ وأنكر أبو علي على الفراء (149- أ)، وأخبرنا أبو علي ( 158- أ) وعلى أن أبا علي كان ربما أجاز (130- أ).
الاستشهاد: وكانت شواهده من القرآن الكريم وأمثال العرب وأقوالهم والشعر العربي من عصور الاحتجاج من امرئ القيس إلى ابن هرمة الذي استشهد له ببيت من الشعر (في الورقة 95- أ) حيث يقول مثلاً، وعليه قول ابن هرمة:
فَدَعْ ذا ولكن من ينالك نفعه
ومن هو يعطي حقهنَّ القصائدا
ولم يفته كذلك أن يستشهد بأراجيز العرب للعجاج ورؤبة. ولكن اللافت للنظر في استشهاده أنه يقول في (113 ب-أ):"والمولّدون يحتج بهم في المعاني كما يحتج بالقدماء في الألفاظ" فاحتجَّ بشعر لأبي تمام والبحتري والمتنبي الذي أكثر من الاستشهاد بشعره ويسميه في أكثر الأحيان شاعرنا. ويجدر أن أذكر هنا أنه لم يقتصر في احتجاجه لأبي تمام والمتنبي على المعاني كما قعَّد ولكنه تجاوز ذلك إلى الألفاظ واللغة؛ فقد جاء (في الورقة 112- أ) في حديثه عن عطف الجملة على الجملة:" عطف الاسمية على الفعلية مع المعادلة بأم، وإذا كان جائزاً مع المعادلة كان ذلك في العطف من غير تسوية أَجْوَز، وقد جاء بذلك المحدثون، قال الطائي الكبير (يقصد أبا تمام):
غريبة تؤنس الآداب وحَدْتَها
فما تحل على قوم فترتحل
كذلك الأمر مع المتنبي حيث استشهد بشعره (في الورقة 9-ب) حيث أراد الاستدلال على صحة قول أبي الغول الطهوي:
فدت نفسي وما ملكت يميني
فوارس صُدِّقَتْ فيهم ظنوني
حيث يقول (9- ب، 10-أ):"صناعة الشعر توجب في هذا صدّقوا؛ وذلك أنه قد عاد عليهم الضمير مجموعاً مذكراً، وهو:"هم" مِنْ "فيهم"… كذا طريق الشعر ومقتضى صناعته وعليه استقر الأمر فيما بيني وبين المتنبي؛ وذلك لأنه قال: إذا أعدتُ الضمير بلفظ المذكرين ذكَّرت، وذلك قوله:
بالجيش تمتنع السادات كلُّهم
والجيش بابن الهيجاءِ يمتنع
وهذا الأمر كثير في الشعر، جائز، غير أن طريق الصنعة ما ذكرت لك".
وعلى الإجمال أستطيع أن أقول إنَّ ابن جني فيما ساقه من شواهد كان حريصاً دون شك على إقامة تواصل بين أقيسة اللغة وواقعها الملموس المسموع يَستدِلُّ منه على انفتاح الأبيات المشروحة على تراكيب العربية وأبنيتها الصرفية والدلالية؛ فكأن هناك عمليَّات تناص لغوية ائتلافية أو اختلافية في المضمون والشكل فيما بين النصوص العربية، قام ابن جني بإدراكها عن طريق ربطه بين الأبيات وشواهدها بما تسعفه به ذاكرته وخياله وحافظته اللغوية من قدرة على إقامة هذا النوع من التواصل الذي يتم بكيفيات مختلفة صوتية وصرفية ونحوية، على ما رأينا.
أسماء كتبه التي ذكرها: لقد أورد في ثنايا بحثه أسماء بعض كتبه التي يظهر أنه قد صنفها قبل هذا الكتاب، وهذه الكتب هي:
- شرح تصريف أبي عثمان هكذا ذكره (في 180-ب و232-ب).
- كتاب التمام في تفسير أشعار هذيل الذي كان يشير إليه باسم كتاب التمام وقد أورده مثلاً في الأوراق:(5- ب،7- أ، 32- ب، 88- أ، 112- ب، 159- أ).
- شرح كتاب المقصور والممدود لأبي يعقوب بن إِسحق السكيت وقد يذكره أحياناً بقوله: في كتابي في شرح كتاب يعقوب أو في كتابنا في تفسير كتاب يعقوب وقد ذكره في الأوراق (37-أ، 43- ب، 45- ب، 64- أ، 88- أ، 124- ب، 95- ب، 112- ب، 125- أ، 124- ب، 150- ب، 205-أ، ب، 219-أ، 225- أ، 163- ب، 148-أ).
- المعرب في شرح قوافي أبي الحسن، ويسميه أحياناً تفسير قوافي أبي الحسن وقد ورد في الأوراق (26- ب، 33- أ، 63- ب، 95- أ، 103- أ، 104- ب، 110-ب، 111- أ).
- كتاب المحاسن هكذا ورد فقط في (100- ب).
- تفسير شعر المتنبي هكذا ورد في (25- أ)، وورد كذلك باسم تفسير ديوان المتنبي (142- ب).
- سر الصناعة هكذا ورد أيضاً في:(21- أ، 44- ب، 203- ب، 181- ب).
أما كتاب الخصائص فلم يذكره باسمه وإنما بوصفه لأنه لم يكن قد صنَّفه وإنما كان فكرة تراوده في أثناء شرحه لهذا الكتاب، ولعله حصيلة تأصيلية جمع فيها الأصول التي طرق فروعها في كتبه السابقة حيث يقول في الورقة (86- أ): "فاعرف ذلك أصلاً من أُصول فقه العربية، وسنذكر هذا وغيره فيما أجمعناه من إنشاء كتاب نذكر فيه فقه أصول الكلام في هذه اللغة على طريق أصول الكلام والفقه بعون الله"، و لا أظنه يريد كتاباً آخر سوى كتاب الخصائص.
وللإحاطة بكامل منهجه في تصنيفه لهذا الكتاب لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ ابن جني في عرضه لمادة الكتاب كان انتقائيًّا؛ بمعنى أنه لم يقم بشرح جميع المقطوعات التي وردت في ديوان الحماسة فقد اختار من باب الحماسة مثلاً 145 مقطوعة من أصل 261 حماسية وردت في هذا الباب في شرحي المرزوقي والتبريزي. كذلك كان يختار من كل مقطوعة (حماسية) بيتاً أو اثنين، ومن كل بيت يركّز اهتمامه ويعطي عنايته لقضية أو إشكالية في صوت (حرفاً كان أم حركة) أو في حرف من حروف المعاني أو في كلمة أو في جملة أو في شطر وكان يُعمل فيها تحليله الصوتي أو الصرفي أو النحوي أو العروضي، وهكذا يظل في دأب مستمر باحثاً عن الإشكاليات اللغوية ليقوم باستثمارها في إثارة المناقشات التي يظهر منها أنه بصري المذهب من تكراره الدائم لكلمة أصحابنا ويعني بها البصريين كمثل قوله في (234- أ) وهذا لا يثبته أصحابنا، وقال الكسائي فيما أظن أن أصله كيما في كما، وفي (166- ب) يذكر " ولم أر أحداً من أصحابنا نبّه على هذا الموضع، وتتضح بصريته في موضع آخر (في 140- أ) من قوله:" ظاهر أنه أكد النكرة (في خير وشر كليهما) وهذا عندنا نحن مدفوع وهو مقبول على قول الكوفيين".
في نهاية المطاف أرى أن ابن جني قد ساق فى شروحه وتعليلاته وتحليلاته في كتابه " التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" عمليات من التكامل والتفاعل بين المكونات الصوتية والصرفية والنحوية باعتبارها فعّاليات المنظومة اللغوية التي تترابط وتتعالق وتتقاطع شكلاً ومضموناً؛ فتنبعث المعاني الأساسية وتتشكل من خلالها دلالات الأبيات وتنجلي أسرار العربية، ولدي إحساس قوي بأن هذا اللغوي النابه قد أخذ على عاتقه في كتابه هذا أن يبين مدى التوافق والانسجام بين البنى التعبيرية والبنى الدلالية في الأبيات الشعرية مهما تباينت تشكيلات اللغة صوتاً وصرفاً ونحواً وبلاغة؛ خاصة أنه يوجّه خطابه في كتابه هذا لمن كانت لديه إحاطة كافية بجوانب اللغة وقوة فهم عقلية تُمكِّنُه من النظر والتدبّر في أساليبها، وهو أمر يصرّح به( في الورقة 1- ب) حيث يقول في المقدِّمة:" وبعد، فهذا الكتاب لست أعمله لمبتدئ ولا متوسط، وإنما أخاطب به من قد تدّرب فكره، وقوي نظره، وهو الذي يُغْرَى به ويقوى حظه منه، فأما من دون ذلك فيتجافى عنه إلى مسموع يحفظه لتخف عنه كلفته وجَشَمُه".