منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   دراسات وبحوث لغوية (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   جماليات الوصف في لغتنا العربية.. فن المقال نموذجًا - أ.د أحمد يحيى علي (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=18553)

شمس 11-04-2016 11:06 PM

جماليات الوصف في لغتنا العربية.. فن المقال نموذجًا - أ.د أحمد يحيى علي
 

جماليات الوصف في لغتنا العربية
فن المقال نموذجًا

أ.د.أحمد يحيى علي
أستاذ مساعد الأدب والنقد، كلية الألسن، جامعة عين شمس، مصر

لتحميل البحث: اضغط هنا


- مدخل

الاستقبال من العالم المحيط بالإنسان يساوي في محصلته: تجارب، معارف، خبرات تضيف بلا شك إلى عمارة هذا الكائن البشري الذي خلقه ربه ليكون خليفته في أرضه، وتمتلك هذه الذات الإنسانية من الأدوات ما يصلها بخارجها، مثل: السمع، البصر، اللمس، الاستنشاق، التذوق، ويقف على هذه كلها عقل يفكر، وقلب يمارس دوره في التأمل والتدبر هو الآخر، وهو في الوقت ذاته موطن عاطفته ووجدانه.. وبناءً على هذه الحالة الواصلة بين الإنسان وعالمه ظهرت مقولات ما تزال تحلق في فضاء العقول المفكرة، مثل:

- "المرء بأصغريه: قلبه ولسانه".
- "المرء مخبوءٌ تحت لسانه" (إذا تكلم ظهر).
- "تكلَّمْ حتى أراكَ".

وبالكلام وكثرة المعاشرة في مواقف مختلفة وعلى فترات زمنية متغيرة تتضح بدرجة كبيرة ملامح شخصيتك أمام الآخرين، وفي الوقت نفسه تبدو شخصياتهم أمامك، والحديث عن الملامح يأخذنا إلى الأحوال الحسية الظاهرة، والعاطفية/الانفعالية، والنفسية، والاجتماعية، والخُلُقية.. وغيرها من الأمور التي تسهم في تكوين تصور، ورؤية، وحكم تجاه المرئيّ أمام عيوننا، الذي نُعَنِّي أنفسنا بتكوين رأي تجاهه.. ولنتأمل معًا هذا الفعل الذي وضعته الروح العربية منذ القدم، إنه الفعل (رأى) الذي يأخذنا من منطقة الرؤية بالبصر إلى منطقة الرؤية والمعرفة بالعقل؛ فتجعلك وتجعلني صاحبَيْ رأي، أو ما نسميه وجهة نظر.. إنه التفاعل مع العالم إذًا، الرحلة في أعماق أجزائه لاستكشافه وبناء معارفنا ووضع عصارة رحلاتنا فيه في كلمات مكتوبة، أو لوحات مرسومة، أو تماثيل منحوتة، كل ذلك بالإمكانات الإنسانية المتاحة من: سمع، وبصر، ولمس، واستنشاق، وتذوق، يحيط بها جميعًا سلطانان: العقل، والقلب؛ لذلك لا عجب أن نجد في كلامنا هذه العبارات المتداولة:

- إنسان حلو (إشارة إلى جمال منظره، أو إلى حسن خُلُقه).
- شخص هادئ الطباع.
- إنسان جاف المشاعر.

إنه الوصف إذًا ما نتحدث عنه، هذه العملية الحياتية المستمرة التي يمارسها كل واحد فينا بلا توقف؛ إنه يلتقط بالكلام المنطوق وبالجمل المدونة على الورق وبغيرهما من وسائل التعبير ما يمكن أن نسميه صورًا للعالم من حوله، وتأتي اللغة بلا شك في المقدمة من وسائل التعبير التي تمنح الإنسان خصوصية عن غيره من مخلوقات الله.

ونجد في استخداماتنا اللغوية حضورًا لأثر الحواس، ونحن نرى العالم ونتصوره ونجسده في قوالب لغوية تصفه، وتعكس في الوقت ذاته أحوالنا تجاهه:
- هذا إنسان هادئ الطباع (إنني الآن أصفه من الناحية الانفعالية الخلقية، لكني وظفت لذلك كلمة ترتبط بحاسة السمع هي "هادئ").

- مررت في حياتي بمواقف حلوة، وأخرى مُرَّة أحزنتني (إنني الآن أصف المواقف التي أسعدتني، والتي أحزنتني بكلمتين مرتبطتين بحاسة التذوق هما: حلوة، ومُرَّة).

- هذا إنسان قبيح الفكر (أردت الإشارة إلى سوء فكره وذمِّه بكلمة ترتبط بحاسة النظر هي: قبيح).

- هذا إنسان جاف المشاعر (أردت ذم مشاعره بكلمة تتعلق بحاسة اللمس هي: جاف).

- البحث عن القدوة يكون بقراءة السير العطرة للصالحين قبلنا (إن كلمة العطرة التي وصفنا بها لفظة السير تأخذنا إلى حاسة الشم وعضو الأنف).

الوصف في البلاغة والنحو العربي

وتضعنا هذه الأمثلة وغيرها أمام مسألة تتصل بلغتنا العربية، ألا وهي إخراج اللفظ من معناه الأصلي واستخدامه في التعبير عن معانٍ أخرى(1) كما هو الحال بالنسبة إلى: حلوة، مُرَّة، عطرة، وحادّ في قولنا: "كان لي جار حادّ الطباع"؛ فالأصل في لفظة (حادّ) أنها تحيل إلى حاسة اللمس؛ أقول: سيف حادّ، وسكين حادّ، لكننا أخرجناها من الاستخدام الأصلي لها إلى استخدام آخر مغاير، ويُطلق على هذه العملية في العربية (الاستخدام المجازي لألفاظ اللغة)؛ إنك قد تصف شخصًا بالشجاعة فأجدك تقول:

- "رأيت أسدًا".

وقد تصف آخر بالتردد وعدم الثبات على حال بعينه؛ فتقول: - "أراك تُقدِّم رِجْلاً وتؤخر أخرى".
إنك في وصفك له أردت أن تمثل لحال التردد الذي هو عليه؛ فاستعرت لذلك هذا التركيب اللغوي البليغ.

وقد تصف إنسانًا يتودد إلى إنسان ويتلطف له بقولك:

- فلان يقرِّد فلانًا.

إن لفظة القُراد مرتبطة بالبعير، وهي حشرة تضايقه وتؤذيه وفي انتزاعها من جلده راحة له وسكينة؛ فاستعرنا هذه اللفظة من معناها الأصلي وأطلقناها على حال مغايرة (2) ، وفي عاميتنا المصرية نقول: "اللي اتْلَسَعْ مِن الشُّربَة يُنْفُخْ في الزَّبَادِي"؛ إننا لا نقصد هذه العملية بشكل صريح، ولكننا الآن في داخل المجاز؛ لقد أخرجنا هذه الألفاظ: اتْلَسَعْ، الشُّربَة، يُنفُخ، الزَّبَادي من معانيها الأصلية لتوظيفها في التعبير عن معنى ليس لها في الأصل؛ ألا وهو الإشارة إلى مَن مَرَّ بموقف آلَمَه وكان شديدًا مُحزنًا لنفسه؛ فيترتب على ذلك خشيته وحرصه وخوفه الزائد في مواقف أخرى، ربما تكون هينة أو لا خطر لها ولا ضرر منها.
ويقترب من هذا المجاز في لغتنا العربية الذي نعوِّل عليه كثيرًا في عمليات الوصف (التشبيه)، كقولنا:
- العلم نور.
- الجهل ظلام.
- الصديق الصالح كالوردة في جمال منظرها.
- رفيق السوء كالغراب في نعيبه.
- وقول الشاعر يصف الدنيا في هوانها ببيت العنكبوت:

إنما الدنيا كبيت... نسجه من عنكبوت

وقول شاعر آخر يصف عمر الإنسان في سرعة انقضائه بالشهر العربي القمري:

وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه... يوافي تمام الشهر ثم يغيبُ(3)

وإذا انتقلنا بالوصف من حقل البلاغة العربية وما فيه من تشبيه واستعارة إلى مجال النحو، نجد أننا نمارس الوصف كثيرًا بتوظيفنا للنعت –الصفة- وللحال في استخداماتنا اللغوية؛ إنك تقول على سبيل المثال:

- "المتنبي الشاعر العبقري من شعراء الحكمة المشهورين في أدبنا العربي".
لقد وصفت الآن بنعتك للمتنبي بأنه شاعر وأنه عبقري.

وقولك:
- "دار صراع طويل بين الرجل الأبيض والرجل الأسود في أمريكا وإفريقيا في القرن العشرين".
إن (الأبيض) و(الأسود) صفتان لكلمة (الرجل) المذكورة مرتين، ولكل صفة جذورها الثقافية.
وهناك في لغتنا العربية ما يُسمَّى بالنعت السببي الذي يعبر عن صفة في شيء بعد الموصوف، هذا الشيء له صلة بالموصوف، كقولنا:
- "تعلمت اللغة على يد أستاذ واسعٍ علمه، غزيرةٍ معارفه، مرضيةٍ أخلاقه".
إن كلمة واسع صفة لم يُوصَف بها الأستاذ نفسه، لكنها صفة لشيء متصل به هو العِلم، وكذلك نقول في النعتين الثاني والثالث: غزيرة، ومرضية (4).

وفي نحونا العربي (الحال)، وهو وصف نكرة منصوبة تبين هيئة صاحبها عند صدور الفعل، هذا الصاحب قد يكون فاعل الفعل:

- "صلَّى المؤمن خاشعًا" (إننا نصف المؤمن بالخشوع عند صلاته).
- "يذهب إلى عمله نشيطًا" (إننا نصفه بالنشاط عند ذهابه إلى عمله).
- "وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا" (إن ضعيف هاهنا حال يتصف به الإنسان الذي خلقه ربُّه في حالة ضعف).

وقد يكون الموصوف بالحال مفعولاً به:
- "قرأتُ النصَّ مكتوبًا" (الآن أصف النص الذي أقرؤه بأنه مكتوب).
ونحن في استخدامنا للحال عند الوصف قد نستخدمه مفردًا، وقد نستخدمه جملة بنوعيها: اسمية، وفعلية، وقد نستخدمه شبه جملة.

وأمثلة الحال المفرد نجدها في النماذج السابقة؛ فالكلمات: (خاشعًا، ونشيطًا، وضعيفًا) تعبر عنه بجلاء.
أما عن الحال الجملة فقد يكون فعلية كما في قولنا: "خرجتُ أبحث عن عمل"، (إن جملة "أبحث.." تصف حال المتكلم الذي هو أنا عند خروجي).
وقولنا: "عدتُ من عملي والشارع مزدحم" يأخذنا إلى الحال الجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، وفي هذا المثال تأتي جملة الشارع مزدحم لتصف حالاً معينًا صادفني عند عودتي من عملي، والواو السابقة على كلمة الشارع نطلق عليها في لغتنا العربية واو الحال.
وقد أقول واصفًا الحال: "تقدَّم القائدُ في شجاعة مع جنده"، (إن الجار والمجرور "في شجاعة" هو حال شبه جملة يصف القائد وهو يتقدم).
وأقول رائيًا وواصفًا: "رأيتُ زيدًا فوق فرسه"، (إن الظرف وما يليه في التركيب "فوق فرسه" تعبير عن حال شبه جملة يصف زيدًا عند رؤيتي له). (5)

أنماط الوصف

نخلص من كل ما سبق إلى قناعات أو ما يمكن تسميته أحكامًا نتحرك بها ونحن نمارس لعبة الكتابة الوصفية:-

الوصف أنواع:

- الظاهري الحسي؛ فعندما أقول: أبيض، أسود، قصير، طويل، قمحي، خمري، نحيف، بدين، يتضح من الحديث أننا نركز على مسائل حسية ظاهرة تتعلق بالموصوف.

- النفسي والانفعالي؛ فعندما أقول: شارد الذهن، مكتئب، منطوٍ، مبتسم، عابس، غاضب، سعيد، يتضح أننا بالوصف نتوجه إلى أمور تتعلق بالأحوال النفسية والانفعالية والعاطفية للموصوف، وبالمثل: محب، وكاره، ومضطرب، ومهزوز، وغامض.

- الاجتماعي؛ فعندما أقول: طبيب، مهندس، مثقف، أستاذ جامعي، أديب، شاعر، طالب، قليل المعرفة، جاهل، عالم، متفقه في الدين، أعزب، متزوج، عامل، عاطل، إن هذه الأوصاف وما على شاكلتها تعبر عن حضور للموصوف يُعرف به في داخل البناء الاجتماعي المحيط ونظرة هذا المجتمع إليه، ومعرفته به، وبلا شك فنحن في إعدادنا لسيرنا الذاتية، وفي بطاقات الهوية الخاصة بنا نجد حضورًا واضحًا لهذا النوع من الوصف، أي الوصف الاجتماعي.
بالتوازي مع هذا التصنيف يأتينا تصنيف آخر: الوصف المتحرك، والوصف الثابت؛ إن الوصف المتحرك بتسهيل له يتعامل مع الموصوف وهو في حالة حركة، أي حال ارتباطه بفعل معين يمارسه هو أو يمارسه غيره، وأوضح مثال على الوصف المتحرك جمل الحال في نحونا العربي كما رأينا في النماذج السابقة؛ إنني عندما أقول: "جاء زيد راكبًا"، فإن راكبًا هنا تصف زيدًا وهو في حالة من الحركة تتمثل في ممارسته لفعل المجيء، وعندما أقول: رأيتُ زيدًا نائمًا، فإن نائمًا هنا تصف زيدًا وقد اتصل به فعل معين مارسه غيره، ألا وهو فعل الرؤية الذي قمت به أنا..
وبالطبع يمكن الآن أن ندرك ما المقصود بالوصف الثابت؛ فعندما أقول: صديق جميل، ووردة حمراء، وشخص طويل، وفلان قبيح الخُلُق فإنني هاهنا أتعامل مع الموصوف بعيدًا عن أي فعل يقوم به بنفسه، أو يقوم به غيره.

بناءً على هذا التصور يمكننا الآن الوقوف عند نتيجة نلخصها في هذا العنوان:

(الوصف وفن البورتريه):

إن استخدامنا للغة في الوصف يعني أننا نرسم بالكلمات صورًا للعالم من حولنا، وبالطبع فإن ذواتنا جزءٌ من هذا العالم؛ إذًا اللغة الواصفة هي فن الرسم بالكلمة، وعندما نركز هذا الرسم على ما هو إنساني، أي الآخرين المحيطين بنا وأنفسنا فإننا بذلك نقترب مما يُسمَّى بفن البورتريه، الذي يعني: فن رسم الشخصية من وجهة نظر الرسام فيمن يقوم برسمه، ويُعد فن البورتريه أحد أنواع الرسم التي ينظر إليها الفنانون على أنها معقدة لاعتمادها على تقديم الشخصية عبر ملامح الوجه؛ إنه يحاول أن يُظهر في رسمه حتى مزاج الشخصية وحالتها النفسية في صورة.(6)

ولا شك في أن إعادة إنتاج البورتريه في عالم اللغة يضعنا أمام نتيجة مفادها: أن اللغة بصفة عامة هي تواصل وتوصيل؛ لأنها تربط بين كاتب أو متكلم من جانب، ومتلقٍّ (قارئ أو سامع) من جانب ثانٍ؛ لأن الخطاب اللغوي هو جسر حامل لأفكار صاحبه التي يريد لها أن تصل إلى هذا المستقبِل.. وإذا كنا بالوصف نحاول الوقوف على الحالات الحسية والنفسية والاجتماعية للموصوف فإننا في الوقت ذاته قد نلمس نفس هذا الواصف: شخصيته، عقله، وعاطفته التي تسكن خلف هذه الطبخة اللغوية التي يقدمها إلينا.

وما من شك في أن أبرز الحواس التي تعين على أن تكون اللغة تواصل وتوصيل معًا: السمع والبصر؛ فإذا كنا نتعامل معها مقروءة فإن البصر هاهنا يُعَدُّ بمثابة بوابة الدخول التي تسمح للمقروء بالوصول إلى عقولنا وقلوبنا، وإن كنا نسمع فإن الأذن هاهنا هي بوابة الدخول التي تتيح لهذا المسموع الوصول إلى محطتَي القلب والعقل، ولعل مَن فقدَ حاسة البصر يعي ذلك جيدًا؛ فعلاقته باللغة وبالعالم عمومًا تأتيه عبر الأذن وغيرها من الحواس ليقوم السلطانان: العقل والقلب بدوريهما في الفهم والتأمل والحكم، ولعلنا نقف بشيء من المتعة والإفادة معًا أمام هذه الحالة بالنظر إلى شاعر أعمى هو بشار بن برد، الذي يقول:

يا قومِ أُذْني لبعض الحيِّ عاشقةٌ ... والأُذْنُ تعشقُ قبل العينِ أحيانا
قالوا بمَن لا ترى تهْذِي فقلت لهم...الأُذْنُ كالعينِ تُوفِي القلبَ ما كانا(7)

إذًا نخلص من ذلك إلى أن الحواس الخمسة في عمومها هي بمثابة روافد أو قنوات موصلة، تحمل إلى عقل الإنسان وقلبه ما تلتقطه من العالم الخارجي.. ثم يظهر نتاج هذا العمل في أشكال عديدة من بينها اللغة - كما ذكرنا-.


يتبع...


.

شمس 11-04-2016 11:29 PM

مصطفى صادق الرافعي في مرمى الرؤية

تركز الدراسة عملها في هذا الجانب على هذه الشخصية التي أثْرَت حياتنا الثقافية في القرن العشرين بكتابات متنوعة في حقلي التاريخ والأدب بشقيه: الشعر، والنثر.. وذِكْرُنا للرافعي يفتح على شخصيات أخرى كانت بنت هذه المرحلة، مثل: المنفلوطي، وأحمد لطفي السيد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وعبد العزيز البشري، وأحمد أمين... وغيرهم، كل هؤلاء جعلوا من الصحافة نافذة يطلون منها بأفكارهم على العالم.

بطاقة تعريف:

نستطيع أن نرسم صورة لهذا الرجل باللغة في رسائل قصيرة:
الاسم: مصطفى صادق الرافعي.
أصوله: من مدينة طرابلس من لبنان.
إقامته ونشأته: وفد جده الأكبر الشيخ محمد الطاهر الرافعي إلى مصر في القرن التاسع عشر سنة 1827م، ليكون قاضيًا للمذهب الحنفي، وكانت ولادة الرافعي في يناير1880م في محافظة القليوبية حيث بيت جدّه لأمه، أما عن إقامته معظم فترات حياته فكانت بمدينة طنطا بمحافظة الغربية.

تعليمه: توقف الرافعي في مرحلة التعليم عند المرحلة الابتدائية لإصابته بمرض التيفود الذي أقعده شهورًا بالمنزل؛ فخرج منه مصابًا في أذنيه حتى فقد سمعه بصورة نهائية؛ معنى ذلك أن الرافعي كان مثل العقاد في تعليمه، كذلك كان الرافعي مثل طه حسين؛ كلاهما صاحب عاهة، طه حسين فقد بصره، والرافعي فقد سمعه.

حبه للقراءة وإسهاماته الفكرية: بقي الرافعي محبًّا للقراءة حتى مات، كان يقرأ في كل يوم ثماني ساعات متواصلة، ونستطيع أن ننظر إليه من نوافذ أربعة، أو لو شئنا قلنا نلتقي به في ميادين عديدة:

أ‌- النافذة الأولى، أو الميدان الأول: الرافعي الشاعر؛ أصدر الرافعي في بداية حياته الأدبية عدة دواوين شعرية، منها ديوان الرافعي، وديوان النظرات.

ب‌- النافذة الثانية، أو الميدان الثاني: الرافعي كاتب الخواطر الأدبية؛ في هذا الميدان أبدع عددًا من الكتب الجميلة، أهمها: حديث القمر، أوراق الورد، السحاب الأحمر، المساكين، وفي هذه المساحة من التعبير حاول الرافعي أن يتحرر من وحدة الوزن والقافية التي تميزت بها قصيدة الشعر العربية منذ القدم، وترك لنفسه العنان للتعبير عن مشاعره بحرية دون قيد.

ت‌- النافذة الثالثة، أو الميدان الثالث: الرافعي المؤرخ للأدب العربي، في هذه النافذة نطل على الرافعي وهو يقدم لنا كتابًا بعنوان: تاريخ آداب اللغة العربية، الذي ظهر في العام 1911م، ويُعَدّ حلقة في سلسلة كتب وكُتَّاب اهتموا بهذا الجانب المهم، مثل: تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان، وتاريخ آداب العرب لجُرجي زيدان، وتاريخ الأدب العربي للدكتور شوقي ضيف، وفي هذه النافذة كذلك نتوقف أيضًا عند كتاب مهم له بعنوان: "تحت راية القرآن" يرد فيه على آراء دكتور طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي".

ث‌- النافذة الرابعة أو الميدان الرابع: الرافعي كاتب المقال، في هذا الميدان وصل الرافعي إلى مكانة رفيعة في أدبنا العربي المعاصر؛ إنه مجال كتابة المقال الذي أخلص له في الجزء الأخير من حياته، وهذه المقالات التي كانت تُنشر في مجلات ذلك العصر كمجلة (الرسالة) وغيرها هي التي جمعها الرافعي في كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان: "وحي القلم"، ومقالاته في هذا الكتاب دراية ومعرفة دقيقة بتراثنا العربي، وفيها قيم لتربية المجتمع والرقي به كان الرافعي يحرص على الترويج لها؛ خصوصًا أن حياته كانت في فترة عاشت فيها مصر كغيرها من الأقطار العربية تحت احتلال أجنبي؛ ومن ثم فإن مسألة ترسيخ الهوية، وصيانتها والدفاع عنها كانت أمرًا يشغل باله هو وأمثاله من المهمومين بقضايا أوطانهم.. وبعيدًا عن كتابه "وحي القلم" كان له أناشيد وطنية رددها شباب النصف الأول من القرن العشرين، منها هذا النشيد الذي يقول فيه:

حماة الحمى يا حماة الحمى
هلموا هلموا لمجد الزمن
فقد صرخت في العروق الدما
نموت نموت ويحيا الوطن

وفاته: تُوفي في الرابع عشر من مايو سنة 1937م. (8)


مقال "أحلام في الشارع": لوحة واقعية بريشة أديب

نحن في هذه السطور على موعد مع الرافعي في ميدانه الرابع، نصافح جانبًا مما يحتويه كتابه "وحي القلم" لننظر بعينيه إلى مشهد في الحياة التقطه وعبَّر عنه بقلمه؛ إنه مقال "أحلام في الشارع".
قد تكون هذه الكلمة "أحلام" في العنوان صيغة جمع لمفرد (حلم)، أي ما يراه الإنسان في نومه أو ما يتمناه في يقظته ويرجو حصوله، والذي لا شك فيه أن جميعنا يحلم في منامه ويقظته ويتحرك في شارعه، يسير بين الناس محمَّلاً بأحلامه.

وقد تكون أحلام هذه اسمًا لعَلَم، لشخص مؤنث يسير في الشارع؛ فما الذي يقصده الكاتب بعنوانه؟

إن عنوان العمل المتدثر في ظهوره أمام القارئ بثوب اللغة – هو إلى حد كبير – كالرأس بالنسبة إلى الجسد، به تتحدد بدرجة كبيرة ملامحه، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، به يكتمل البنيان؛ إننا نتعامل مع المقال – على سبيل المثال – كما نتعامل مع الإنسان؛ للرأس فيه وما حَوَى قيمةٌ ودورٌ في بيان هوية صاحبه الشكلية.. لنعد إلى الرافعي و"أحلام في الشارع" فمع استهلال المقال، أي بدايته سيبدأ مضمون هذه الكلمة "أحلام" في الوضوح والتكشُّف:

"على عتبة البنك نام الغلام وأخته يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جوًّا رخاميًّا في برده وصلابته على جسميهما".(9)
إن الحلم حق مشروع لكل إنسان، هو لنا بمثابة أداة للصبر على واقعنا إذا كان مؤلمًا، هو لنا بمثابة ترويح لنفوس أصابها الضيق تحت وطأة الشعور بالملل والجمود في لحظتها الحاضرة، هو للبعض جسر يعكس الرغبة في تجاوز الواقع المعيش بالرحيل أو الهروب منه إلى مستقبل يسكن في أحلامنا، إلى مستقبل تسكنه قيم الحق والخير والجمال والعدل وإحساس الإنسان بقَدْرِه لأنه فقط إنسان.
إننا نرى بكاميرا الرافعي الواصفة عتبة بنك ينام فوقها غلام وأخته في جو بارد، هكذا ترسم لنا جملة الحال "يفترشان الرخام البارد"، وتأتي معطوفة عليها جملة "ويلتحفان جوًّا رخاميّا"؛ إن هذه الهيئة تأخذنا إلى واقع أطفال الشوارع، إلى هذه الشريحة المُهَمَّشة في مجتمعنا، إن خلف كلمات الكاتب صرخاتٍ لا يسمعها إلا مَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، صرخات تجسدها تراكيب:
- الرخام البارد.
- يلتحفان جوًّا رخاميّا.
نحن في التركيب الأول أمام صفة "البارد" لموصوف "الرخام"، والبرد هاهنا يفتح مساحة ممتدة على قدر من الألم الذي يعانيه هؤلاء، ألم الفقر والتشرد والحرمان والإهمال؛ إن الموصوف هاهنا "الرخام" يفتح مساحة ممتدة على قسوة مشاعر البعض، على جفاء واقع محيط بهؤلاء لا يعيرهم اهتمامًا ولا يعيد إليهم إنسانيتهم المفقودة؛ إننا إذًا مع إحساس مفقود، مع أزمة غياب: العناية، التعاطف الإيجابي، الاهتمام... التي تجعل من هذا وأخته في ذاك الموقف الصعب
لننظر إلى التركيب الثاني "يلتحفان جوًّا رخاميًّا"؛ إن الرافعي يرسم بالمجاز والخيال صورة بليغة لمعاناة هذه الشريحة في مجتمعاتنا؛ إننا كما نرى أمام استعارة مكنية سر الجمال فيها التجسيم؛ لقد صار الجو غطاءً لكنه بارد، لقد صار الجو غطاءً لكنه كالرخام في صلابته؛ إن كاميرا الرافعي الواصفة باللغة تقوم بعملية (Zoom / تقريب وتكبير) لمشهد واقعي موجود في حياتنا اليومية لأجل النظر إليه بتأمل ووعي.. وفي هذه العملية المُقَرِّبة ننتقل من استهلال المقال إلى صلبه:
"الطفل متكَبْكِبٌ في ثوبه كأنه جسم قطِّع ركِمت أعضاؤه بعضها على بعض.. والفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة بدأها المصور ثم أغفلها إذ لم تعجبه.. نائمة في صورة ميتة، أو كميتة في صورة نائمة". (10)

إن كلمة البنك في الاستهلال، والغلام وأخته في الاستهلال في هذا الجزء من الصلب تجعلنا أمام حالة من التضاد بين أمرين:
- الأول: البنك بكل ما يأخذنا إليه من معاني المال والغنى والثراء، والطبقة المستريحة ماديًّا (طبقة الأغنياء).
- الثاني: الغلام وأخته اللذان يأخذاننا إلى طبقة الفقراء المحرومين المعذَّبين في الأرض؛ إن لهذه الطبقة حقًّا معلومًا في أموال الطبقة الأولى؛ فهل تحصل عليه؟ أين طبقة الأغنياء من واجباتها؟ وأين المجتمع الذي ينظِّم هذه العملية ويقوم بدوره إزاء رعاية أبنائه وتفعيل منظومة الحقوق والواجبات؟

إن قلم الكاتب الرافعي أوحى إليه أن يكتب؛ لتكون اللغة رسالةً والكلمةُ أمانةً في عنق صاحبها عليه أن يؤديها لأنه سيُحاسب عنها أمام ربه؛ إن الرافعي يقدم لنا نموذجًا للكاتب الملتزم الذي يدرك أن عليه دورًا في معالجة قضايا مجتمعه، يرصدها ويأخذ منها موقفًا ويعبر عنها بقلمه؛ بوصف ذلك مرحلة في طريق البحث عن حلول لها. (11)

لنتأمل معًا هذه اللوحات الوصفية المعبرة التي يرسمها الكاتب بالكلمة للطفل وأخته موظِّفًا في ذلك إمكانات لغتنا العربية:

- الطفل متكبكب في ثوبه (جملة اسمية من مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية وظيفتها أنها تقر حقيقة).
- "كأنه جسم قُطِّع ورُكمت أعضاؤه بعضها على بعض"، جملة تشبيه، والتشبيه مبحث من مباحث علم البيان في بلاغتنا العربية؛ نحن أمام مشبَّه (الضمير في "كأنه")، وأداة تشبيه (كأن)، ومشبَّه به (جسم قُطِّع)، ويمتد هذا التشبيه بعد العطف بقوله: ((رُكِمت أعضاؤه على بعض)).
- "الفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة بدأها المصور".. نحن أمام بناء لغوي لو أسقطنا منه جملة "كأنها من الهزال" صار جملة اسمية تتكون من مبتدأ "الفتاة"، وخبر "رسم مخطط" تفيد حقيقة وتقر حالاً قائمًا، ولو أبقينا على جملة التشبيه فنحن بصدد مشبَّه (الضمير المؤنث في "كأنها")، وأداة تشبيه (كأن)، ومشبَّه به (رسم مخطط).
- "نائمة في صورة ميتة" جملة اسمية؛ نحن أمام خبر (نائمة) لمبتدأ محذوف تقديره (هي)، وبالمثل قوله: "كميتة في صورة نائمة"؛ نحن أمام جملة اسمية مبتدؤها محذوف تقديره (هي)، وفي الوقت نفسه هي جملة تشبيه.
من الواضح أن الرافعي يأخذنا في إيقاع منتظم من الوصف الحسي في كلمات مثل: "متكبكب"، وتراكيب مثل: "كأنها من الهزال" إلى الوصف الاجتماعي الذي تجليه كلمات، مثل: مهمش، وفقير، نتوصل إليها ونحن بصحبته في مقاله.. إننا ما نزال نتعامل مع المشهد المقرِّب المكبر عبر (Zoom) من خلال العين وحاسة الإبصار، وخلف هذا النظر وجهة نظر (رأي) تحمله إلينا كلمات الرافعي الواصفة؛ إنه يتعاطف مع هذه الشريحة المعذبة؟ نعم، يزيد مساحتها على الورق بعد أن تناقصت مساحتها في الواقع بشكل مزمن لافت؟ نعم، يحاول أن يمسح عنها غبار الإهمال؟ نعم..
إن الحواس الخمسة كما قلنا روافد موصلة وساعي بريد يحمل رسائل إلى من يهمه الأمر في داخل كل إنسان فينا؛ إنهما العقل والقلب، وميزة الكتابة الوصفية – بصفة عامة – أنها تعول كثيرًا على هذه الحواس كلها أو بعضها في عملها.

نستمر بصحبة الرافعي ننظر إلى هذا المشهد المأساوي بعينيه في صلب مقاله:
"وكان رأس الطفل إلى صدر أخته وقد نام مطمئنًا إلى الوجود النسوي.. إذا خرج من بطن أمه خرج إلى الدنيا وإلى صدرها معًا.. ونامت هي ويدها مرسلة على أخيها كيَدِ الأم على طفلها... تحت يد الأخت الممدودة ينام الطفل المسكين، ومن شعوره بهذه اليد خفَّ ثقلُ الدنيا على قلبه... لم يبالِ أن نبذَه العالمُ كله مادام يجد في أخته عالم قلبه الصغير... وما صنع الذين جُنُّوا بالذهب ولا الذين فُتِنُوا بالسلطة.. إلا أنهم حاولوا عبثًا أن يرْشُوا رحمة الله لتعطيهم في الذهب والسلطة ما نولته هذا الطفل المسكين النائم..! وقفتُ أشهد الطفلين... وقلتُ: هذا موضع من مواضع الرحمة؛ فإن الله مع المنكسِرة قلوبهم.. وظهر لي بناء البنك في ظُلمة الليل من مرأى الغلامين أسود كالحًا، وكأنه سجنٌ أُقفِل على شيطان يُمسِكه إلى الصبح، ثم يُفتَح لينطلق مُعَمَّرًا أي مُخَرَّبًا.. يا عجبًا بطنان جائعان.. يبيتان على الطّوى والهَمّ، ثم لا يكون وسادهما إلا عتبة البنك!.. مَن الذي وضع هذين القلبَينِ الفارغَينِ موضعهما ذلك ليثبت للناس أن ليس للبنك خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب". (12)

إننا مع كلمات الكاتب أمام لوحة تشكيلية تتداخل فيها هذه العناصر:
- الطفلان.
- البنك: بناية لها باب.
- عالم طبيعي فيه: جو بارد، وليل مظلم.
- عتبة البنك: مكان في الشارع ينام عليه الطفلان.
- عالم اجتماعي: فوراء كلمات الرافعي طبقتان: فقيرة محرومة، وفي الضد منها طبقة ثرية تمتلك مالاً وسلطة.
- شخص الكاتب: الرافعي، الذي نرى كل أجزاء اللوحة بعينيه هو، ولو شئنا قلنا بريشة قلمه، وتدب الحياة في أجزاء هذه اللوحة بفضل صوته الذي لكأننا نستمع إليه؛ حيث يتحرك ذهن القارئ ليحيل هذه اللوحة إلى مشهد ذي طابع سينمائي، في داخله طفل قنع من الرحمة والحنان بأخته التي تقوم معه مقام الأم، ندرك ذلك في هذه الكلمة "مطمئنًّا" التي تشغل موقع الحال في جملة "نام مطمئنًّا إلى الوجود النسوي"؛ إن الحال كما نعرف وصف نكرة يعبر عن هيئة صاحبه.. وفي الحال الجملة الاسمية الذي يعبر عن هيئة الأخت "ويدها مرسلة على أخيها كيَدِ الأم"؛ إن هذه الحال للطفل وأخته يقدم أدلة إدانة لمجتمع ما يزال غائبًا عن أداء واجباته تجاه أهله، وخصوصًا الطبقات المحرومة فيه، وترتقي هذه الأدلة جماليًّا في سُلَّم التعبير اللغوي عندما نرى البنك يتحول من حال الجماد ويتشخص في حالة بشرية يجب أن يكون عليها بمنظور الرافعي، نرى ذلك في منطوقه: "ليس للبنك خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب".

وتشدنا كلمات الرافعي إلى خارج نص مقاله حيث واقعه والمرحلة التاريخية التي شهدت ظهوره؛ لقد كانت مصر في أيامه وما سبقها مجتمعًا يعاني تفاوتًا طبقيًّا مزمنًا، فيه البكوات والبشوات وأصحاب رءوس الأموال والإقطاعيون الذين كانوا يمتلكون ويتربعون على قمة الهرم الاجتماعي في غياب حضور مؤثر يحفظ للمجتمع توازنه واستقراره لما يُسمَّى بالطبقة الوسطى (البرجوازية)، وقد كان هؤلاء المتربعون على قمة الهرم على مقربة من السلطة الحاكمة في تصالح وتحالف بينهما، وفي المقابل أغلبية لا تملك، ومن يعمل منها عند هؤلاء الأثرياء لا ينال إلا القليل، أما من سواه فيعاني فقرًا شديدة وطأته يصل إلى حد العُري والجوع الحقيقي، بل إن السير في الطرقات بغير شيء في القدم (حذاء أو غيره) كان شيئًا عاديًّا في ذاك الزمن، أن يتنقل الرجل والطفل والمرأة حافية القدمين؛ إن هذه الفجوة الطبقية الحادة كان لها على الأوراق مَن يُعبر عنها كالرافعي وغيره، وكان لها في الواقع مَن يسعى إلى مواجهتها كطلعت حرب الذي تبنى ما يُسمَّى بالرأسمالية الوطنية التي سعت إلى استعادة توازن مفقود؛ فكان إنشاء بنك مصر في الثلاثينيات من القرن الماضي عاكسًا لهذه الرغبة الصادقة، برأس مال استهل البنك به نشاطه بلغ اثني عشر ألف جنيه مصري زاد إلى عشرين ألفًا، وقد أسهم هذا البنك في إنشاء عدد من الشركات المصرية ورعايتها، على سبيل المثال شركة المحلة للغزل والنسيج، وكفر الدوار.. وغيرهما، وقد وصل العدد إلى حوالي عشر شركات في وقتها ويزيد.

إن البنك في مقال الرافعي رمز لتوحش طبقة واستئثارها بكل شيء على حساب طبقة أخرى أكثر عددًا؛ لذا لا عجب أن نجد المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين يُطلَق عليه مجتمع النصف في المئة الذي يملك أسباب الحياة الكريمة التي حُرِم منها غيره؛ ومن ثم كان من المنطقي أن نجد الصورة المرسومة للبنك عند كاتب المقال قبيحة مذمومة، وفي الجهة المقابلة فإن الغلام وأخته يرمزان إلى شريحة سحقتها الطبقة الأولى، نرى هذا الانسحاق في كلمات وتعبيرات مثل: "كأنه جسم قُطِّع"، "نائمة في صورة ميتة"، "يا عجبًا بطنان جائعان يبيتان على الطّوى والهَمّ..!"، إن الطوى هو الجوع، وفي هذا إشارة إلى الوجع المادي، أي وجع كل بطن خاوية، والهم إشارة إلى الألم النفسي نتيجة الإهمال والحرمان والضعف والازدراء، أي الاحتقار الذي يتجسد ماديًّا في هذه النومة على عتبة البنك وفي الشارع في تأكيد واضح على هذه المنزلة الدَّنية لهذه الفئة المُهَمَّشة.

يتبع...

.

شمس 11-04-2016 11:43 PM


وحديث الرافعي عن البنك بهذه الطريقة السلبية يأخذنا في عالم اللغة عمومًا إلى ما يمكن أن نسميه: الدلالة الموضوعية للكلمة، والدلالة الذهنية والعاطفية لها التي ترتبط بتجربة كل واحد فينا؛ فالأولى ثابتة، بينما الثانية متغيرة(13) لنأخذ مثلاً على ذلك كلمات، مثل: بحر، وشجرة، فكل واحدة منهما تدل على شيء محدد المعالم موجود في عالمنا الخارجي، لكن في الوقت نفسه نجد أن البحر عند واحد فينا يرتبط بشيء جميل، بذكريات الطفولة، برحلات الأُسَر التي كان مشتركًا فيها أيام الجامعة، وعند آخر فإن البحر يعني بالنسبة إليه شيئًا مؤلمًا؛ إذ يذكره بغرق أحد مَن يحبهم؛ إن البحر في الدلالة الذهنية والعاطفية قد أضحى أكثر من بحر؛ فهو عند واحد يعني ابتسامة ترتسم على شفتيه كلما جاء ذكره، وعند آخر يساوي دمعة حزينة تتساقط على جبينه.. وبالمثل يمكننا القول عن كلمة شجرة، وغيرها: إن الزمن هو الزمن، وكذلك الأماكن، لكنها تتغير وتتعدد وتنشطر إلى آلاف الأزمنة وآلاف الأمكنة بنظراتنا نحن، وأحوالنا النفسية ومواقفنا الذهنية التي تختلف باختلاف أحوالنا وباختلافنا شعوبًا وقبائل، وبتنوع ألسنتنا وثقافاتنا وألواننا.

إن البنك في عالم الخارج بناية معلومة لها دورٌ تؤديه في عملية حفظ الأموال واستثمارها، لكن في وعي الرافعي ووفقًا للرؤية التي يطرحها في مقاله هذا نراه بهذه الهيئة المنفِّرة "ظهر لي بناء البنك في ظلمة الليل أسود كالحًا، وكأنه سجن أُقفل على شيطان يمسكه إلى الصبح... أهو جسم جبار كفر بالله وبالإنسانية ولم يؤمن إلا بنفسه وحظوظ نفسه". (14)

وعلى الرغم من التكرار اللافت لضمير الغائب المعبر عن المذكر والمؤنث الذي يضع مسافة فاصلة بين الكاتب (الواصف)، والموصوف (الطفلين)؛ ومن ثم القارئ المتابع، فإن الرافعي قد اقترب منهما إلى درجة بالغة تجاوزت حد الظاهر إلى الداخل والأعماق؛ كأنه يعرف ما يدور بخلد مَن يصفه، ينصت إلى خواطره، نجد ذلك في قوله: "لم يبالِ أن نبذَه العالمُ كله مادام يجد في أخته عالم قلبه الصغير"؛ هل هي درجة عالية من التعاطف والإحساس بالآخرين تمنحنا قدرة على إدراك ما في دواخلهم بالوقوف عند هيئاتهم الظاهرة؟ إن طول العِشرة وعمق الصلة وكثرة الخبرة بالعالم وبالناس تتيح لنا في أحيان كثيرة إمكانية فائقة في قراءة ما وراء الظاهر.. أو كما قال الشاعر: "وكل لبيب بالإشارة يفهم".

إن حديث الرافعي هذا يأخذنا إلى موضوع ثري تحت هذا العنوان (حكايات الصور)؛ عندما نتطلع إلى الصورة بشقيها المرسوم أو الحقيقي الموجود في عالمنا فنحيلها وفق رؤانا نحن إلى لغة منطوقة أو مكتوبة، ولا شك في أن البورتريه يعكس بدرجة كبيرة هذه الحال.. وإذا نظرنا إلى قصص الأطفال نجد ذلك جليًّا؛ فإلى جوار الصورة حكايتها بما يتناسب والمستوى العقلي للطفل، وفي العوالم الافتراضية كالفيس بوك وتويتر وكذلك المنتديات نجد أن اختيار الصور الخاصة بصفحاتنا الشخصية في كثير من الأحيان يعكس مواقفنا الفكرية وأحوالنا النفسية، ولينظر كل واحد فينا إلى تجربته مع الفيس بوك وتجارب المحيطين به من أصدقائه وغيرهم فوق مسطح هذا العالم الافتراضي؛ إننا قد نغير صور صفحاتنا من وقت إلى آخر وفق إيقاع معين يقترب أو يبتعد عن أحوالنا الذهنية والوجدانية التي قد تتصل بنا نحن، أو بدرجة أوسع بواقع الأمة والوطن وما يجري فيه.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الرافعي إلى تقديم صورة مجردة لطبقتين من خلال كل من: الغلام وأخته من جانب، ولفظة (البنك) وما يعلق بها من دلالات ثقافية اجتماعية تأخذنا إلى شريحة الأغنياء من جانب آخر، فإنه يحاول أن يرتقي فوق هذه الصورة مبددًا خداعًا بصريًّا قد ينشأ تبعًا لذلك يرى في المال وفي السلطة سعادة، وفي الفقر مأساة وحرمانًا، نلمس هذا الصنيع الذي يتدارك فيه الكاتب نفسه في قوله الإنشائي المعتمد على الاستفهام: "وما صنع الذين جُنُّوا بالذهب ولا الذين فُتنوا بالسلطة.. إلا أنهم حاولوا عبثًا أن يَرْشوا رحمة الله لتعطيهم في الذهب وفي السلطة ما نولته هذا الطفل المسكين النائم.. إلا أن أعظم الملوك لن يستطيع بكل ملكه أن يشتري الطريقة الهنيئة التي ينبض بها الساعة قلب هذا الطفل". (15)

إن خطاب الرافعي في هذه الكلمات لهو خطاب المربي المعلم للمجتمع بشريحتيه: الغني الذي عليه واجب الإنفاق والإحساس الجاد بالمحروم، والفقير الذي عليه واجب الصبر وفي الوقت نفسه الحركة والأخذ بأسباب من شأنها أن تحقق له سِتْرًا وأمنًا لحياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ففي هذا الخطاب قيمة مفادها: الجوهر الحقيقي للسعادة ليست في مظاهر الأشياء التي قد ينخدع بها كثيرون، لكن في سكينة النفس وراحة البال؛ إن الغنى الحقيقي ليس في كثرة العَرَض ولكن في غنى النفس وفي عدم انشغالها كثيرًا وتطلعها إلى ما في يد غيرها.

ويتطور الكاتب في خطابه الواصف للطفلين منتقلاً به من درجة الاقتراب إلى درجة أكثر ارتفاعًا، ألا وهي محاولة التوحد والتماهي فيهما، يظهر ذلك في صلب المقال وقد تخيلهما يتحاوران:

"وقفتُ أرى الطفلين رؤية فكر وشعر معًا.. ودخلتُ في نفسَين مضَّهما الهَمّ واشتد عليهما الفقر.. قال الطفل لأخته: هلمي فلنذهب من هنا فنقف على باب السيما، نتفرج مما بنا؛ فنرى أولاد الأغنياء الذين لهم أب وأم، انظري هاهم أولاء يُرَى عليهم أثرُ الغنى، وتُعرَف فيهم روحُ النعمة.. إنهم يلبسون لحمًا على عظامهم، أما نحن فنلبس على عظامنا جلدًا كجلد الحذاء... وماذا تريد أن يصنع أولاد الأغنياء يا أحمد؟

أما أولاد الأغنياء فيجب أن يباشروا الصناعة والتجارة ليجدوا عملاً شريفًا يصيبون منه رزقهم بأيديهم لا بأيدي آبائهم... آه لو صرتُ مديرًا أتدرين ماذا أصنع؟

أعمد إلى الأغنياء فأردهم بقوة إلى الإنسانية.. وأصلح فيهم صفاتها التي أفسدها الترف.. ومتى أحكمت الصفات الإنسانية في الأمة كلها.. صار قانون كل فرد كلمتين، لا كلمة واحدة كما هو الآن، القانون الآن: (حقي)، ونحن نريد أن يكون (حقي وواجبي)؛ وما أهلك الفقراء بالأغنياء، ولا الأغنياء بالفقراء ولا المحكومين بالحكام إلا قانون الكلمة الواحدة.. ها أنا ذا قد صرتُ مديرًا.. أتفقد الناس ونوائبهم، مَن أرى؟ هذا طفل وأخته نائمان على عتبة البنك.. في دنيا تمزقت عليهما.. يا ولديَّ المسكينَينِ، بأي ذنب من ذنوبكما دقتكما الأيام دقًّا وطحنتكما طحنًا؟! وبأية فضيلة يكون ابن فلان باشا في هذا العيش اللين؟.. إن كنتَ يا بني لا تملك لنفسك الانتصار من هذه الظليمة فأنا أملكها لك.. وإنما أنا المظلوم إلى أن تنتصر، وإنما أنا الضعيف إلى أن آخذَ الحق لك... وكان الشرطي الذي يقوم على هذا الشارع.. قد توسَّنهما.. فانتهى إليهما في تلك اللحظة، وقبل أن تنزل يد سعادة المدير بالصفعة على وجه ابن الباشا.. كان هذا الشرطي قد ركله برجله، فوثب قائمًا واجتذب أخته وانطلقا...

وتمجَّدت الفضيلة كعادتها... أن مسكينًا حلم بها". (16)

تُرى من الذي يحلم حقيقةً، هل الرافعي؟ أم الطفل مع أخته؟ إننا هاهنا بصدد حالة توحُّد شديدة قد انتابت الكاتب أدَّتْ إليها هذه المعايشة وهذا الإحساس الروحي بهما؛ إننا أمام استعارة تمثيلية بمنظور البلاغيين، وما الطفل فيها إلا شخصية تؤدي وتمثل دور الرافعي الحالم، الذي يتجاوز حلمه حدود ذاته الخاصة إلى واقعه المعيش، يحلم به أن يكون واقعًا مثاليًّا تتحقق فيه مبادئ العدل والمساواة؛ إننا هاهنا أمام كاتب يحلم بنفسه لغيره، وقد ارتَدَت هذه الحالة ثوبًا جماليًّا في داخل مقاله بالنظر إلى هذا الطفل في حوار مُتَخيل جمعه مع أخته..

ولا شك في أن الفن يُسلِم بعضُه إلى بعض في عملية تناصية، والتناص هو انفتاح النص على نصوص أخرى، فحديث الرافعي الذي يذم فيه ابن الباشا وكسله واعتماده على ثراء أبيه يأخذنا إلى مسرحية شهيرة لتوفيق الحكيم ظهرت فيما بعد وفاة الرافعي، تنتقد بشكل حادّ هذه الشريحة وما كانت عليه في زمن الحقبة الإقطاعية، إنها مسرحيته "الأيدي الناعمة" التي مُثِّلتْ فيلمًا بعد ذلك، وفيها يوجه الحكيم لسانه بإدانة حادّة لطائفة ما كان يُسمَّى في مصر ما قبل ثورة يوليو 1952م بالنبلاء، الذين يكتسبون امتيازات مادية واجتماعية في داخل الواقع، لا باعتمادهم الإيجابي على ذواتهم ولكن بتواكلهم وركونهم إلى ما صنعه آباؤهم..

إننا في عالم الأدب والفن بصفة عامة قد نجد في الحديث عن الواقع أحوالاً ثلاثة:

- ما كان في الماضي (التاريخ).
- ما هو كائن في زمننا الحاضر/ المضارع.
- ما نرجو أن يكون (المستقبل).

وفي هذه اللغة الواصفة التي يستخدمها الرافعي نرى بعينيه ونسمع من خلال صوته الناطق بلسان الطفل عن أزمة قديمة جديدة، كانت موجودة في زمنه، ألا وهي أزمة أولاد الشوارع، وما تزال حاضرة في زمننا، نراها بعيوننا في دفتر حياتنا اليومية، طفل صغير يجلس بملابس بالية متسخة ليبيع المناديل، أو ينام على الرصيف أو في أرضية نفق للمشاة.. إن هؤلاء عَرَضٌ لمرض لم يتم التعامل معه لعلاجه على المستوى الأهلي والرسمي.. الرافعي هاهنا يقترب بعدسته من هذا المشهد التراجيدي عارضًا له من زوايا ثلاثة:

- الطفل وأخته.
- الأغنياء.

- المدير (الذي يرمز في المقال إلى سلطة عليها أن تؤدي واجباتها تجاه مَن ترعى أمرهم).
نحن في صلب مقال الرافعي إذًا أمام ثنائية (واقع مؤلم، وحلم بمستقبل جميل)؛ إن هذا الحلم يتصل بوسائل تعين على تحقيقه وتعالج أزمات من شأنها أن تقف حائلاً أمام حصوله، تبدو هذه الوسائل في أن يقوم كل غني بدور إيجابي فاعل تجاه مجتمعه، وسلطة، رمز إليها الكاتب بكلمة "مدير"، تضطلع بمسئولياتها بحكم هذا الموقع الذي تشغله؛ لذا لا عجب أن نجد الرافعي يلخص هذه الأزمة في كلمات لها سمة العموم تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان: "القانون الآن (حقي)، ونحن نريد أن يكون (حقي وواجبي)".

إن الحق في جوهره نتيجة نصل إليها بعد واجبات نؤديها وأدوار ننهض بها، وفي هذا تفعيل لسنن الله في كونه بالحركة والسعي والعمل، نحيا حياتنا وفي عقولنا وقلوبنا هذه الفضيلة أننا لا نعيش في الدنيا وحدنا ننال عطاياها فقط لأنفسنا، بل ندرك موقنين أنها تَسَعُ الجميع؛ فمَن كان عنده فضلُ زاد فليَعُد به على مَن لا زادَ له: علمك، صحتك، وقتك، مالك، منصبك.. كلها امتيازات تأتي في مقابلها واجبات وحقوق للغير علينا أن نؤديها؛ فخير الناس أنفعهم للناس.. كل هذه معانٍ نلمسها وتتداعي إلى خواطرنا ونحن نسافر في داخل حلم هذا الطفل المسكين عند الرافعي، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل هذا الحلم ممكن الحدوث والتحقق؟ أم مستحيل الحدوث؟ ولماذا؟
إننا لم نخرج من بيت الحلم الطفولي هذا عائدين إلى واقعنا إلا على وقع أقدام الشرطي في خواتيم مقال "أحلام في الشارع" وهي تركل هذا المسكين وأخته، اللذين لم يجدا في مواجهتها إلا الجري بالانسحاب والهروب بعيدًا، في تأكيد واضح على حال هذه الفئة وهيئتها داخل المجتمع، ألا وهي هيئة المُهَمَّش، الذي إن لم يجد من يشعر بأزمته ويتعاطف معه فإنه يجد من يُزيد في عذابه ومعاناته، تمامًا كهذا الشرطي..

إن هذا المقال للرافعي يكشف عن تيار في الكتابة، ألا وهو تيار الواقعية، الذي قُدِّر له الظهور والانتشار في ثقافتنا العربية منذ النصف الأول من القرن العشرين، وقد اتخذ لنفسه نهرين يجري فيهما:

- الأول: نثري.
- الثاني: شعري.

وإذا نظرنا إلى النهر الأول فإننا نتلمس أدباء احتضنوه في كتاباتهم، مثل: نجيب محفوظ في أعماله الواقعية: زقاق المَدَقّ، وبداية ونهاية، وخان الخليلي، والثلاثية، واللص والكلاب، ويوسف إدريس الذي يُعَدّ عَلَمًا بارزًا على هذا الاتجاه، ولعلنا نستطيع أن نربط بين هذا المقال للرافعي و(قصة نظرة) لإدريس، هذه البنت النحيلة البائسة التي صوّرها وهي سائرة في الشارع باتجاه الفُرن.. أما عن النهر الثاني فقد لاحت قبيل انقضاء النصف الأول من القرن العشرين تباشير مدرسة في كتابة شعر يتخذ من الواقع منطلقًا له، ألا وهي مدرسة الشعر الحر أو الواقعية، أو شعر التفعيلة أو الشعر الجديد الذي تُعد الشاعرة العراقية نازك الملائكة رائدة مؤسسة له. (17)

إذًا يمكن القول إن الرافعي في مقاله هذا يعتمد إيقاعًا مرنًا: هابط، صاعد، هابط؛ لقد استهل المقال بالشارع وبالطفلين، ثم ارتفع بنا وبهما إلى فضاء الحلم، ثم نزلنا من جديد معه ومعهما إلى الشارع، الواقع السلبي.

إن الأحلام في عنوان المقال كلمة في صيغة الجمع، على الرغم من أن الحالم واحد، ألا وهو الطفل، هل لأننا في صلب مقاله على موعد مع أكثر من حلم تخيل الكاتب أنها تدور في وعي صاحبها؟ هل لأننا بصدد جماعة كبيرة من الناس تعاني الفقر والتشرد، وما هذا الطفل وأخته إلا نموذج لها قد التقطته كلمات الرافعي لتعبر عنها؟ إن الفن بصفة عامة لا يقدم العالم الخارجي على اتساعه، لكنه يختزله في أضيق مساحة ممكنة من التعبير تاركًا للمتلقي توسيع هذا الضيق بمعايشته وتأمله وصحبته الواعية النشطة لهذا الفن، وكأن هذا الطفل وأخته في مقال الرافعي بمثابة مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لقد أطلقنا الجزء (الطفل وأخته) وأردنا الكل، أي هذه الطبقة الفقيرة، المُهَمَّشة، المحرومة، كثيرة العدد في داخل البناء الواقعي الخارجي الذي نحياه.
ويبدو أن الرافعي كذلك انسجامًا مع روحه الشاعرة يُغلِّف خطابه بغلاف عاطفي نابض بالإحساس؛ إنه يُخاطب في قارئه القلبَ قبل العقل؛ لأن العقل يَعِي ويُدرك هذه القضية وقد لا يكون بحاجة إلى مَن يكشف له عنها، أو ينير له ضوءًا ليراها، لكن ربما كانت الأزمة في غياب قلوب تستشعرها وتتألم لها حقيقةً؛ فربما كان العمى الحقيقي ليس في غياب النور عن حاسة الإبصار، ولكن في غيابه عن القلوب فتكون جامدة كالميتة، "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ". (18)

وأخيرًا: إن هذا جسدٌ قد وضعه الرافعي تحت هذا الرأس- العنوان- "أحلام في الشارع" وفقًا لرؤية وتجربة تتعلق به، فهل يمكن أن نضع تحت هذا الرأس تجارب أخرى تمُتُّ له بِصِلَة؟


_____________________________________

1 - انظر: د.إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، المبحث الخاص بالحقيقة والمجاز في تطور الدلالة، من ص97 إلى ص101، طبعة مكتبة الأنجلو المصرية، بدون تاريخ.
2 - انظر: عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل، من ص70 إلى ص73، طبعة 2000م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
3 - انظر: السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، المبحث الخاص بالتشبيه، ص214، طبعة دار ابن خلدون، القاهرة، بدون تاريخ.
4 - انظر: د.محمد حماسة عبد اللطيف وآخرون، النحو الأساسي، المبحث الخاص بالنعت في فصل التوابع، من ص369 إلى ص372، طبعة 1417هـ، 1997م، دار الفكر العربي، القاهرة.
5 - انظر: د.محمد حماسة عبد اللطيف وآخرون، النحو الأساسي، المبحث الخاص بالحال في فصل المنصوبات، من ص337 إلى ص340.
6 - انظر: دائرة المعارف العالمية على الإنترنت، www.wikipedia.org
7 - انظر: الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك)، نكت الهِميان في نُكت العُميان، ص72، طبعة 2013م، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
8 - انظر: رجاء النقاش وتقديمه لمختصر "وحي القلم" الذي أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب في سنة 1995م، بعنوان: مصطفى صادق الرافعي (رحلته في الحياة ورسالته في الثقافة والمجتمع)، من ص 7 إلى ص20، وقد عاد فيه الكاتب إلى تلميذ الرافعي محمد سعيد العريان في كتابه "حياة الرافعي" .
9 - مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، مقال أحلام في الشارع، ص114.
10 - مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، مقال أحلام في الشارع، ص114، وكلمة (متكبكب)، أي متجمع في ثوبه، وكلمة الكبكبة تعني: الجماعة من الناس، انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة: كبكب، الموسوعة الشعرية الإلكترونية، إصدار 2003م، المجمع الثقافي بدولة الإمارات.
11 - انظر: د.عبد الرحمن رأفت الباشا، نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، من ص149 إلى ص157، الطبعة العاشرة، دار الأدب الإسلامي للنشر والتوزيع، القاهرة.
12 - الرافعي، وحي القلم، مقال "أحلام في الشارع"، ص115، 116، 117.
13 - انظر: جوناثان كلر، فردينان دي سوسير (أصول اللسانيات الحديثة وعلم العلامات)، ترجمة: د. عزالدين إسماعيل، من ص42 إلى ص47، طبعة 2000م، المكتبة الأكاديمية، القاهرة. وانظر: د.سيد محمد قطب وآخرون، (اللوحة القلمية)، من ص14 إلى ص27، طبعة 1429هـ، 2008م، دار الهاني، القاهرة.
14 - الرافعي، مقال أحلام في الشارع، ص117.
15 - الرافعي، مقال أحلام في الشارع، ص116، 117.
16 - الرافعي، مقال أحلام في الشارع، ص118، 121، 122، 123، 124.
17 - انظر: د.عيد بلبع، النقد الأدبي الحديث، من ص51 إلى ص58، الطبعة الأولى، 1429هـ، 2008م، مكتبة الرشد، السعودية. ويراجع في مفهوم الواقعية: رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة: د.محمد عصفور، من ص182 إلى ص192، طبعة 1987م، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
18 - الحج: من الآية 46.


.


الساعة الآن 01:13 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by