فممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ شبكاتِ التّواصلِ الاجتماعيّ قدْ أصبحتْ تشكّلُ خطرًا على اللغةِ العربيّة، فالرّواجُ للغةِ الإنترنيتيّة انتشرَ بشكلٍ واسعٍ، وفقَ الإحصاءاتِ الّتي قدّمها الباحثون، وذلكَ على حسابِ اللغةِ العربيّة الّتي باتتْ منسيَّةً، إلَّا لدى فئةٍ قليلةٍ من المهتمّينَ والمدافعينَ والمثقّفين الّذين يتداولونَها، ويعبّرون بها، ويثرونَ فيها المشهدَ الثّقافيَّ، والأكثر إدهاشًا وحزنًا أنَّ هذهِ اللغةَ قدْ تسلّلتْ من الواقعِ الافتراضيّ إلى الواقعِ الحقيقيّ، بلْ إِنَّها أصبحتْ في نظرِ الكثيرين من مستلزماتِ التّواصلِ الاجتماعيّ؛ لسهولةِ استخدامِها وسرعةِ إنجازِها، والتّنازلُ عنها ليسَ بأسهلَ من التّنازلِ عن اللغةِ العربيّة الأصيلةِ، فاستخدامُها مبرَّرٌ ومباحٌ بكلِّ الأوجهِ والأشكالِ.
فهامشُ الحرِّيَّةِ المعطى لمرتادي صفحاتِ التّواصلِ الاجتماعيِّ جعلهم يقفزون عن كثيرٍ من الحواجزِ القيميّةِ الضَّابطةِ في استخدامِ اللغةِ العربيّة، للدرجةِ الّتي استباحوا فيها التّعدّي على قواعدها النَّاظمة؛ باستنساخِ لغةِ محادثةٍ أقربَ ما تكونُ إلى اللغةِ التِّجاريّةِ الّتي تتبدّلُ مصطلحاتُها وتراكيبُها يومًا بعدَ يومٍ حسبَ متطلّباتِ السّوقِ، فلا تستقرُّ على حالٍ، والمجالُ مفتوحٌ فيها للحشو والاستبدالِ والتَّمازجِ معَ اللغاتِ الأخرى، والانزياحِ بالألفاظِ إلى غيرِ معانيها، والتَّرويجِ للمبتذلِ من التَّراكيبِ الدَّخيلةِ، وتفريغِ المفرداتِ من مضامينِها الحقيقيّةِ، إذْ لا مكانَ للاستنادِ إلى مقولاتِ العلماءِ وآرائهمْ، ومراجعةِ القواعدِ والمسائلِ اللغويّةِ المتَّفقِ عليها، وتمحيصِ الأقوالِ الواردة في سياقِ النَّصِ قبلَ زجِّهِ في الصَّفحاتِ للمتلقِّيْ، ولا رادَّ من استباحةِ ساحةِ اللغةِ العربيّةِ بما لا حصرَ لهُ من المخالفاتِ الّتي لا يحتاجُ الأمرُ معها بعدَ ذلكَ إلى مصحِّحٍ أو مدقِّقٍ لغويٍّ؛ لتقودنا تلكَ الحملةُ على اللغةِ العربيّةِ في نهايةِ المطافِ إلى الاستخفافِ بها، ثمَّ وبالتَّدريجِ طمسِ الهويَّةِ للحرفِ العربيِّ، وإحداثِ حالةٍ من التّغريبِ بينَ اللغةِ العربيّةِ وأبنائها.